← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

صار موجبا. وقد أسقطوا منها «ما»، قال (١): تزال حبال مبرمات أعدّها ... لها ما مشى يوما على خفّه الجمل وأمّا «ما انفكّ»: فإنّ معني فكّ الشّئ: تفريق أجزائه؛ ففيه معني النّفى، فلمّا أدخلت عليه النّفى صار إيجابا، واستعمل على غير معنى وضعه، وأعطيت معنى «ما زال» و «ما برح». وأمّا «ما فتئ»، و «ما برح» فبمنزلة:" ما زال" و" ما انفكّ"، ويلزمهما" ما" أو" لا" وقد أسقطوهما منهما فى القسم، كقوله تعالي: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ (٢). وقول امرئ القيس (٣): فقلت لها: تالله أبرح قاعدا

стр. 632

أي: ما تفتأ (١)، وما أبرح. وقد تستعمل هذه الأفعال تامّة، وتكون" ما" فيها خالصة للنّفي، تقول: ما دام زيد، كما تقول: لم يدم. وأمّا «ليس»: فأكثر النّحاة يقولون: إنّها فعل غير متصرّف، وعليه ظاهر كلام سيبويه (٢) والخليل، وذهب قوم (٣) إلى أنّها حرف، وعليه جاء قولهم: ليس الطّيب إلا المسك «برفعهما، كما يرفعان ب" ما"، وقال الفارسيّ بالمذهبين، فجعلها في «الإيضاح» (٤)، فعلا وفي «الحلبيّات» (٥) حرفا، وهى تنفى المستقبل عند ابن السّرّاج (٦)، ولهذا منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا: قد يذهب؛ لتضادّ الحكم بين «قد» و «ليس»، وقيل: معناها: نفي مضمون الجملة في الحال (٧)، تقول: ليس زيد قائما الآن، ولا تقول: ليس زيد قائما أمس، ولا غدا.

стр. 633

الفرع الثّاني: في أحكامها: الحكم الأوّل: الفرق بين هذه الأفعال النّاقصة وبين غيرها من الأفعال الحقيّقية: أنّ الفاعل مع غيرها غير المفعول، وهذه: مرفوعها هو منصوبها، وأنّ تلك: تبنى لما لم يسمّ فاعله، وهذه: لا تبنى له؛ لأنّ اسمها بمنزلة المبتدأ، وأنّه لا يجوز الاقتصار على فاعلها دون مفعولها، فلا تقول: كان زيد، وهي ناقصة. الحكم الثّانى: ما تصرّف من هذه الأفعال فإنّه/ يعمل عملها في جميع متصرّفاتها؛ من ماض وحاضر ومستقبل واسم فاعل ومفعول، إذا كان للحال والاستقبال، ولا يصحّ اسم الفاعل فيما أوّله" ما"؛ تقول: كان زيد قائما، ويكون قائما، وكن قائما، وزيد كائن قائما، قالوا: ولا يكون لها مصادر (١) فلا يقولون: كان زيد قائما كونا؛ لتعرّيها من الدّلالة على الحدث، فأمّا قولهم: أعجبنى كون زيد قائما، ونحوه، فمحمول على المعني، تقديره أعجبنى أن كان زيد قائما، وفي هذا نظر. الحكم الثّالث: اسم هذه الأفعال وخبرها لا يخلو: أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو أحدهما معرفة والآخر نكرة. أمّا إذا كانا معرفتين: فلك الخيار، أيّما شئت جعلت الاسم، والآخر الخبر: تقول: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدا، فإن كان لأحدهما ميز على الآخر في التّعريف فالأولى: أن تجعل الاسم أعرفهما، كقوله تعالي: ما

стр. 634

كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (١)، فالأولى: أن تنصب" الحجّة" وتجعل" إلّا أن قالوا" الاسم (٢)؛ لأنّ" أن" مع الفعل بمنزلة المضمر؛ حيث لا يوصف، ولا يقع حالا، والمضمر أعرف من المضاف. فإن كان الاسم والخبر مضمرين جاز وقوع الخبر منفصلا ومتّصلا، وأولاهما: المنفصل؛ تقول: كنت إيّاه، وكان إيّاي، ويجوز: كنته، وكانني، قال الأسود (٣): فإلا يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غدته أمّه بلبانها وأمّا إذا كانا نكرتين؛ فإن كان الكلام إيجابا لم يصحّ أن يكون الخبر إلّا ظرفا أو حرف جرّ، ويلزم تأخير الاسم وتقديم الخبر، كقولك: كان في الدّار رجل، وصار عليك دين، كما لزم تأخير المبتدأ إذا كان نكرة، وقد جاء تقديم الاسم في الإيجاب، كقولك: كان رجل من آل فلان فارسا، وتعتبر الفائدة في

стр. 635

ذلك، فلو قلت: كان رجل فارسا لم يجز؛/ لعدم الفائدة، وإن كان الكلام نفيا صحّ ذلك، اسما كان الخبر أو ظرفا، نحو: ما كان أحد، خيرا منك (١)، وما كان أحد في الدّار، فإن قلت: ما كان خير منك أحدا، كنت قد عكست القضية، أو بالغت في المدح، وإذا قلت: ما كان مثلك أحد، فكلّها نكرات، لأنّ" مثل" و" شبه" نكرة - وأن أضيف إلى المعارف - لأنّها لا تخصّ شيئا بعينه. وأمّا إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة: فاجعل الاسم المعرفة، والخبر النكرة، وهو أكثر الكلام، تقول: كان زيد عاقلا، فأمّا جعل الاسم نكرة والخبر معرفة فلا يجوز إلّا فى الشّعر، كقوله (٢): كأنّ سبيئة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء وقد ورد فى الأشعار كثيرا، وهو مذهب سيبويه (٣)، وخالفه المبرد (٤) وغيره، وأوّلوا ما جاء من ذلك.

стр. 636

الحكم الرّابع: أخبار هذه الأفعال تكون كأخبار المبتدأ، من المفرد والجملة والظّرف، تقول: كان زيد قائما، وكان زيد أبوه منطلق، وكان زيد في الدّار، إلّا ما شذّ من الأمر والنّهي؛ فإنهما لا يدخلان في خبرها، إلّا في الشّعر، كقوله (١): وكوني بالمكارم ذكّريني وكذلك الفاء: تدخل في خبر المبتدأ، ولا تدخل في خبرها، وقد ذكرنا ذلك في باب" ظننت" (٢). ولا بدّ في الخبر، إذا كان جملة، من ضمير يعود إلى الاسم لفظا، أو تقديرا. الحكم الخامس: موضع أخبار هذه الأفعال بعد اسمها، ويجوز تقديمها على اسمها؛ تقول: كان قائما زيد، وما زال جالسا عمرو، فأمّا تقديم الخبر عليها أنفسها فيجوز، إلّا فيما أوّله" ما" نحو: قائما كان زيد، ولا تقول: قائما ما زال زيد، وكذلك معمول/ الخبر، كقوله تعالى: إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٣).

стр. 637

واختلفوا في" ليس"؛ فألحقها الأكثرون (١) ب" كان"، وألحقها السّيرافيّ (٢) وغيره بما في أوّله" ما". فأمّا أسماؤها: فلم يجيزوا تقديمها؛ لأنّها مشبّهة بالفاعل. وإذا كان في الخبر معنى استفهام لزم تقديمه، تقول: أيّا كان أبوك؟ وقد فصل سيبويه (٣) في تقديم الظّرف وتأخيره بين الّلغو منه، والمستقرّ، فاستحسن تقديمه إذا كان مستقرّا، نحو قولك: ما كان فيها أحد خير منك، وتأخيره إذا كان لغوا، كقولك: ما كان أحد خيرا منك فيها، ثمّ قال (٣): وأهل الجفاء يقرءون: ولم يكن كفؤا له أحد (٤). الحكم السّادس: قد استقبحوا وقوع أخبار هذه الأفعال أفعالا ماضية إلّا في" كان" وحدها؛ لأنّك إذا قلت: كان زيد قائما، علم أنّ قيامه في زمن ماض، فإذا قلت: زيد قام، علم منه ما علم من" كان"؛ فلم يحتج إليه فتقول: كان زيد قام، وقد جاء في أخواتها، على استقباحه، في الشّعر، فإن أدخلت عليه" قد" حسن، تقول: أصبح زيد قد استغنى. فأمّا إذا جعلت الخبر مستقبلا، فإنّه مستحسن، تقول: كان زيد يقوم؛ لأنّ" كان" جعلت الكلام مع المستقبل حكاية حال، بخلاف الماضي.

стр. 638

وكذلك أدخلوا" اللام" في خبر" كان" دون أخواتها، كقولك: ما كان زيد ليقوم، وهذا إنّما يتّبع فيه السّماع. الحكم السّابع: لم يفصلوا بين هذه الأفعال وبين معمولها بأجنبيّ، إلّا أن يكون ظرفا أو حرف جرّ؛ تقول: كان خلفك زيد قائما، وكان في الدّار زيد جالسا. فأمّا قولهم: كانت زيدا الحمّى تأخذ، ففي" كانت" ضمير القصة، و" الحمّى" مبتدأ؛ لئلّا يقع الفصل، فإن لم يقدّر الضمير (١) لم يجز؛ للفصل، فإن قدّمت الخبر جميعه فقلت: كانت تأخذ زيدا الحمّى، جاز أن تكون" الحمّى" اسم" كانت" ويجوز:/ تأخذ زيدا كانت الحمّى، فأمّا كانت زيدا تأخذ الحمّى، فظاهر كلام سيبويه المنع (٢) منها؛ لأنّه أنشد (٣): فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم ... وليس كلّ النّوى يلقى المساكين وقال: فلا يجوز أن تحمل" المساكين" على" ليس" فترفع، وقد قدّمت فجعلت الشّيء الّذى يعمل فيه الفعل الآخر يلى الأوّل، وهذا لا يجوز، وتقدير البيت: وليس الشّأن والقصّة يلقى المساكين كلّ النّوى، ولكنّ هذا المضمر لا يظهر.

стр. 639

الحكم الثامن: قد زادوا" الباء" فى خبر" ليس" مؤكّدة للكلام، فقالوا ليس زيد بقائم، ومنه قوله تعالى: لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (١) وأَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (٢) وذهب قوم إلى أنها غير (٣) زائدة، قالوا: لأنّ الزّائد ما لا يفيد معنى، وقد أفادت التوكيد فإذا قلت: زيد قائم، قلت في نفيه: ليس زيد قائما، فإن قلت: لزيد قائم، قلت في نفيه: ليس زيد بقائم، فهي في النّفي بمنزلة الّلام في الإيجاب. وإذا أدخلت على" ليس" ألف الاستفهام، كان تقريرا، وحصل فيها معنى الإيجاب؛ فلا تقول: أليس أحد في الدّار؟؛ لأنّ" أحدا" إنّما يكون مع النّفي، وتقول: أليس زيد في الدّار؟. الحكم التّاسع: إذا عطفت على خبر" ليس" وفيه" الباء" ففيه ثلاثة أقوال: الأوّل: العطف على الموضع لا غير، تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا، وعليه أنشدو (٤): فلسنا بالجبال ولا الحديدا

стр. 640

وفيه نظر (١): الثّاني: العطف على الّلفظ إن أمكن، وهو أولى، نحو: ليس زيد بقائم ولا قاعد. الثّالث: جواز الأمرين. وهذا الحكم جار في خبر" ما". فإن كان المرفوع بالمعطوف من سبب الأوّل فحكمه حكمه، لفظا وموضعا، تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعد أخوه، ولا قاعدا/، وإن كان أجنبيا لم يصحّ على الّلفظ؛ لأنّه يكون عطفا على عاملين" الباء" و" ليس" فلا تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا عمرو، ولا يصحّ على الموضع؛ لخلوّه من العائد، فإن رفعت" عمرا" ب" ليس" صحّ، فتقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا عمرو، وقد شرحنا العطف على عاملين فى باب العطف (٢). الحكم العاشر: إذا قلت: من كان أخوك؟ فلك فيه وجهان: أحدهما: أن تنصب" الأخ" بأنّه خبر" كان" وتجعل" من" مبتدأ. وفي" كان" ضمير مرفوع يعود إليه؛ لأنّه اسمها، الثّاني: أن ترفع" الأخ" فتجعله اسمها، وتجعل" من" خبرها، ووجب تقديمه؛ لأنّ الاستفهام له صدر الكلام، ويظهر ذلك في" أيّ" لأنّها معربة؛ تقول: أيّ النّاس كان أخاك؟ و: أىّ الناس كان أخوك، وعلى

стр. 641

النّصب جاء المثل، قالوا: ما جاءت (١) حاجتك، ومنهم من يرفع، وكذلك قولك: من كانت (١) أمّك؛ بالرّفع والنّصب النّوع الثامن: من باب العوامل، في الأفعال التى لا تتصرّف . وهى ستّة: " عسى" و" نعم" و" بئس" و" حبّذا" وفعل التعجّب، و" ليس" والتّصرّف: هو تنقّل الفعل في الزّمن الماضى والحاضر: والمستقبل، والأمر والنّهي والمصدر واسم الفاعل والمفعول، فلا ينتقل شيء من هذه الأفعال فى هذه الأحوال، ولا يكون إلا على صورته التى سمعت من العرب؛ فلا يقال: عسى يعسي فهو عاس واعس ولا تعس؛ وإنما منعت التّصرّف لتضمّنها ما ليس لها فى الأصل؛ وهو: الزّيادة فى الإخبار، ومشابهة ما لا يتصرّف، وسنذكر علّة كلّ واحد منها في بابه، وقد تقدّم ذكر" ليس" (٢) مع أخواتها، والباقية نذكرها في أربعة فصول.

стр. 642

الفصل الأوّل في" عسى" وما شبّه بها من أفعال المقاربة وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأوّل: في تعريفها ، وهي فعل ماض فى اللّفظ والمعنى؛ لأنّه طمع قد حصل في شيء يستقبل، وقال قوم: هو ماض في اللّفظ (١) مستقبل في المعنى؛ لأنّه أخبر بطمع يريد أن يقع، ومعناه المقاربة. وقد ذهب قوم إلى أنّها حرف (٢)؛ لعدم تصرّفها، والأوّل المذهب؛ لاتّصال علامة التأنيث والضّمير بها، وألفها منقلبة عن الياء؛ لقولهم: عسيت وليست من: عسى يعسو، وقد كسروا سينها مع تاء المتكلّم المخاطب؛ لأجل الياء. وإنّما لم تتصرّف لزيادتها في الإخبار؛ لأنّ كلّ فعل يخبر به عن شيء فليس للمخبر فيه إلّا مجرّد الإخبار، وإذا قلت: عسى زيد أن يقوم، فلك فيه

стр. 643

شركة الطّمع في قيامه، وليس له فيه مشاركة في الذّكر، وقيل: إنّما لم تتصرّف لمشابهتها (١) " لعلّ" في المعنى، وهى حرف. وقد ذهب قوم إلى أنّها تقع واجبة (٢) في الشّعر، وقال آخرون: كلّ ما في التّنزيل من" عسى" وفاعلها الله تعالى، فهي (٣) واجبة، وكلّ هذا يرجع بالتأويل إلى بابها (٤)، فالمجاز في اللسان العربيّ واسع، وما أكثره في القرآن العزيز؟!. الفرع الثّاني: في أحكامها: الحكم الأوّل: لها فيما تدخل عليه من الكلام موضعان: الأوّل: ترفع فيه الاسم وتنصب الخبر، وهو أن يكون فاعلها اسما صريحا، فيلزم له الخبر، ولا يكون إلّا فعلا مستقبلا عاريا من" السّين" و

стр. 644

" سوف" وقبله" أن"؛ ليكونا بمنزلة المصدر، تقول: عسى زيد أن يقوم، ومنه قوله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ (١)، وهي في هذا القسم بمعنى" قارب"، أى: قارب زيد القيام. وقد أدخلوا على الفعل (٢) " السّين" في الشّعر شاذا، ولا تقول: عسى زيد أن يحجّ العام، حتى تقول: المستقبل؛ فإنّ الأوّل من مواضع" كاد". الثّاني: أن يكون اسمها" أن" والفعل، فتخليها من الضّمير، ولا تحتاج إلى خبر؛ لحصول الفائدة، وتكون" أن" والفعل في موضع رفع، بعد أن كانت فى موضع نصب، تقول: عسى أن يقوم زيد، ومنه قوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (٣)، وهي في هذا القسم بمعنى" قرب"، أى: قرب قيام زيد. وإنّما ألزموها" أن"، ولم يقولوا: عسى زيد الخروج، ولا عسى خروج زيد، كما قالوا في" قارب" و" قرب"؛ لأنّ" أن" إذا دخلت على" يفعل" لم يصلح إلا للاستقبال؛ ولذلك امتنعوا من دخول السّين و" سوف" عليه، فلمّا كان غرضهم في" عسى" تقريب المستقبل، لم يفارقوا الّذي هو علم الاستقبال. الحكم الثّاني: لا يخلو الاسم الصّريح: أن يكون قبل" عسى" أو بعدها أو بعد" أن" والفعل.

стр. 645

الحالة الأولى: إذا قدّمت اسم" عسى" عليها فقلت: زيد عسى أن يقوم، ترفع" زيدا" بالابتداء، وتجعل في" عسى" ضمير اسمها، و" أن يقوم" في موضع الخبر؛ وحينئذ تثنّى الضمير وتجمعه وتؤنّثه؛ إذا ثنّيت الأوّل وجمعته وأنثّته؛ فتقول: الزّيدان عسيا أن يقوما، والزّيدون عسوا أن يقوموا، وهند عست أن تقوم، [وإن شئت (١): عسى أن تقوم]، وإمّا أن ترفع" زيدا" بالابتداء، وتخلي" عسى" من الضّمير، وترفع" أن والفعل" بها، وتكون" عسى" وما بعدها خبرا عن" زيد"، والعائد إليه الضّمير في" يقوم" وحينئذ لا يحتاج إلى تثنية الضّمير وجمعه وتأنيثه؛ لأنّها قد رفعت ظاهرا مفردا، تقول: الزّيدان عسى أن يقوما، والزّيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندات عسى أن يقمن. الحالة الثّانية: أن يتأخّر عنها، فتقول: عسى زيد أن يقوم، فترفع" زيدا"؛ لأنّه الفاعل، و" أن يقوم" في موضع نصب؛ لأنّه الخبر، وحينئذ تثنّي الضمير في الفعل، وتجمع وتؤنّث، إذا ثنّيت الفاعل وجمعته، وأنثّته فتقول: عسى الزيدان أن يقوما، وعسى الزيدون أن يقوموا، وعسى الهندات أن يقمن. الحالة الثّالثة: أن يتأخّر عن" أن" والفعل، فتقول: عسى أن يقوم زيد ولك فى رفع" زيد" وجهان: الأوّل: أن تجعله فاعل" يقوم"، و" أن" وما بعدها اسم عسى، ولا خبر لها.

стр. 646

الثّاني: أن تجعل" زيدا" فاعل" عسى:، و" أن" والفعل الخبر، وفيه ضمير يعود إلى" زيد"، فإذا ثنّبت قلت، على الأوّل: عسى أن يقوم الزّيدان، وعلى الثّاني: عسى أن يقوما الزّيدان؛ لأنّ" الزيدين" بنيّة التقديم. الحكم الثّالث: إذا تقدّمت" عسى" ففيها للعرب ثلاثة مذاهب: الأوّل: أن تفرد على كلّ حال؛ تقول: عسى زيد أن يفعل، وعسى الزّيدان، وعسى الزّيدون، وعسى الهندات. الثّاني: أن تفرد وتثنّى وتجمع، وتؤنّث؛ فتقول: عسيت أن تفعل، وعسيتما وعسيتم، وعسيت، وعسيتنّ، وكذلك مع باقي الضّمائر. الثّالث: أن يقولوا: عساك أن تفعل، وعساكما، وعساك، وعساكنّ، وكذلك مع باقى الضمائر. والكاف: عند سيبويه، فى موضع نصب (١)، قال الأخفش هو ضمير منصوب استعير لموضع (٢) المرفوع، مثل" لولاك". الحكم الرّابع: يجوز حذف" أن" من خبر" عسى"، ويبقى الفعل وحده الخبر؛ حملا على" كاد" فتقول: عسى زيد يقوم، وقد جاء فى الشّعر كثيرا، ومنه قوله: (٣) عسى الهمّ الّذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب ولم ترد في التنزيل محذوفة.

стр. 647

فأمّا إذا جعلت" أن" والفعل فاعل" عسى" [قبح] (١) حذفها؛ لما يؤدّى إليه من جعل الجملة فاعلة؛ فلا يحسن: عسى يقوم زيد، وقد جاء شاذّا فى الشّعر (٢)، فإن رفعت في هذه الحالة" زيدا" ب" عسى"، ولم ترفعه ب" يقوم" حسن الحذف وقلت: عسى يقوم زيد، وعسى يقومان الزّيدان، فثنّى كما سبق. الحكم الخامس: قد جاء من أمثالهم:" عسى الغوير أبؤسا" (٣) فحذفوا" أن" والفعل، وجعلوا موضعهما اسما منصوبا، وهذا يدلّك على أنّ موضع خبرها نصب، وقد جمع المصدر، وهو شاذّ، وكان التقدير: عسى الغوير أن يبأس؛ و" الغوير" تصغير غار، و" أبؤس" جمع بؤس أو بأس؛ فكأنّ قائل المثل لمّا تخيّل آثار الشّرّ قال: قارب الغوير الشّدّة والبأس، أى: عسى الغوير أن يأتى بالبأس. الفرع الثّالث: فيما أشبه" عسى" من أفعال المقاربة ، وهى" كاد" و" جعل" و" أخذ" و" كرب" و" طفق" و" أوشك"، تقول: كاد زيد يقوم، وجعل زيد ينشد، وكرب زيد ينطلق، وطفق زيد يتكلّم، وأوشك زيد أن يجئ، وأخذ زيد يجادل، شبّهوا هذه الأفعال - وإن كانت متصرّفة - ب" عسى" في المعنى، ولم يلزموا خبرها" أن"؛ لأنها للمقاربة والإشراف على الشّئ و" أن" تخلّص الفعل للاستقبال، وقد أدخلوها في خبر" كاد"

стр. 648

في الشّعر؛ تشبيها ب" عسى"، قال (١): قد كاد من طول البلى أن يمصحا وحملوا" أوشك" على" عسى" و" كاد"، فأدخلوا" أن" في خبرها وحذفوها. ولا بدّ ل" كاد" من اسم وخبر، ولا يكون خبرها إلّا فعلا مضارعا مؤوّلا باسم الفاعل، وقد جاء على الأصل في الشّعر، قال (٢): فأبت إلى فهم وما كدتّ آيبا كما جاء" عسى الغوير أبؤسا" (٣) وتلحق" كاد" الضّمائر، كما لحق" عسى".

стр. 649

وبعض العرب يضمّ الكاف فيقول: كدت (١). ويضمر فيها ضمير الشأن والقصّة، والجملة بعده تفسيره. ولها معنى خاصّ، وهو: أنّها فعل متى أوجبته، لم يقع ما يخبر به عنه، ومتى نفيته، وقع، تقول: كاد زيد يقوم؛ ففي الإيجاب لم يقم، وفي النّفي قد قام، فأمّا قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (٢) فإنّما هو على (٣) نفي مقاربة الرّؤية، وهو أبلغ من نفي نفس الرّؤية، ومثله قوله ذي (٤) الرّمّة: إذا غيّر النّأى المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حب ميّة يبرح وأمّا قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها (٥)، فمعناه: أنّني أكاد لا أقول: هي آتيه؛ لفرط إرادة (٦) إخفائها، وقيل: معناه: أكاد أخفيها

стр. 650

من (١) نفسى، وكذا هي في مصحف أبىّ وابن مسعود، ومن فتح الهمزة (٢)، جعلها من: خفاه، إذا أظهره، ومعناها ظاهر. الفصل الثّاني فى" نعم" و" بئس"، وفيه فرعان الفرع الأوّل: في تعريفهما ، وهما: فعلان ماضيان في الّلفظ، صالحان للحال في المعنى، وهما غير متصرّفين. ومعناهما: المبالغة في المدح والذّمّ؛ وإنما لم يتصرّفا لما تضّمناه من مبالغة المدح والذّمّ الزّائدين على الإخبار، والشّئ متى خرج بالمبالغة عن نظائره، جعلوا له تأثيرا في الّلفظ؛ ولأنّ المقصود من التصرّف وقوع ذلك المعنى في زمن مختصّ، وهذان مقصوران على الماضى، صالحان للحال في المعنى؛ فلا يختصّان بزمن. وفي" نعم" أربع لغات (٣)، وأكثرها استعمالا: كسر النّون وسكون العين. والكوفيّ يذهب إلى أنّهما اسمان (٤)، ويحكى قول العرب: ما أنت بنعم الجار، فأدخلوا عليها/ حرف الجرّ، وهو شاذ.

стр. 651

الفرع الثّاني: في أحكامها: الحكم الأوّل: لا يخلو فاعلهما: أن يكون مظهرا، أو مضمرا: فإن كان مظهرا لم يكن إلّا معرفة بالألف والّلام الّتى للجنس، أو مضافا إلى ما فيه الألف واللام؛ لأنّهم لمّا أرادوا بهما المبالغة في المدح والذّمّ وضعوا الاسم الّذى ينتظم كلّ الجنس الممدوح والمذموم تقول: نعم وبئس الرجل زيد، ونعم غلام الرّجل عمرو، وتقول: نعم العمر عمر (١) بن الخطّاب، وبئس الحجّاج حجّاج بن يوسف، تجعل" العمر، و" الحجّاج" جنسا لكلّ من له هذا الاسم (١)، ولا يجوز: نعم الذي قام أنت؛ لأنّ" الّذي" بصلته مقصود إليه بعينه. وإن كان فاعلهما مضمرا كان مفسّرا بنكرة منصوبة من جنسه، أو بمضاف إلى نكرة، نحو قولك: نعم رجلا زيد، ونعم غلام رجل زيد، التقدير: نعم الرّجل زيد، فلمّا أضمرت الرّجل، فسّرته بقولك: رجلا، وقد جمعوا بين الفاعل الظّاهر (٢) والمفسّر؛ تأكيدا، فقالوا: نعم الرّجل رجلا زيد. و" زيد" في القسم الأوّل مرفوع؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، كأنّ قائلا قال لمّا قلت: نعم الرّجل: من هذا الممدوح؟ قلت: زيد، أي: هو زيد (٣) ويجوز أن ترفعه بالابتداء (٣)، و" نعم الرّجل" خبره، والرّاجع إليه: ما تضمّنه الألف والّلام من استغراق الجنس (٣)، كما تقول: مررت به المسكين،

стр. 652

أي: المسكين مررت به. وأمّا" رجلا"، في القسم الثّاني: فهو منصوب على التّمييز، وحكم" زيد" حكمه في القسم الأوّل. الحكم الثّاني: لا بدّ لهذين الفعلين من مخصوص بالمدح، أو الذّمّ، ولا يكون إلّا من جنس المظهر أو المضمر؛ تقول: نعم الرجل زيد، ونعم غلاما عمرو، ولو قلت: نعم الرجل الفرس، لم يجز، فأمّا إذا قلت: نعم الرّجل رجل، فلم يجز؛ لعدم الفائدة، ولو قلت: نعم الإنسان الرّجل، جاز. وقد يحذف المخصوص بالمدح والذّمّ، إذا كان معلوما للمخاطب، كقوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١)، وقوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٢) أي: نعم العبد أيّوب، ونعم الماهدون نحن، وحذف المفرد منه أسهل من حذف الجملة، وقد حذف الفاعل والمفسّر والمخصوص في قولهم:" فبها ونعمت" [أى (٣): فبها ونعمت] الخصلة هي، وأمّا قوله تعالى ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا (٤) فعلى حذف المضاف، أي: ساء مثلا (٥) مثل القوم؛ ليكون من جنس المذموم، وأمّا قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ (٦) فلها تأويلان: أحدهما: أن يكون مثل الآية الّتى قبلها (٧). والثّاني: أن يكون موضع" الّذين" جرّا، صفة للقوم، والمقصود بالذمّ

стр. 653

محذوفا؛ للعلم به، التقدير: بئس مثل القوم الذين كذّبوا بآيات الله هذا (١)؛ لأنّ قبله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (٢) ف" هذا" إشارة إلى المثل المذكور. الحكم الثّالث: قد اختلف في وصف المعرّف بالألف والّلام: فمنهم (٣) من لم يجز وصفه، سواء كان الوصف خاصّا، كالكاتب والظّريف، أو عامّا، كالقائم والقاعد؛ لعدم افتقاره إلى تخصيص باستغراقه الجنس. والفارسيّ (٤) قد جوّز وصفه، وجاء في الشّعر موصوفا، قال (٥): نعم الفتى المرّيّ أنت إذا هم ... حضروا لدى الحجرات نار الموقد

стр. 654

وقيل: إنّ" المرّيّ" بدل لا صفة (١)، وامتنعوا من قولهم: مررت برجل نعم الرّجل؛ لأنّ الصّفة بابها التخصيص، وهذا عامّ في بابه، وأمّا قوله تعالى: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٢) ف" المرفود"؛ إمّا بدل، وإمّا المقصود بالذّمّ. وأجمعوا أن لا يعطف على القسم الثّاني (٣)، ولا يؤكّد. الحكم الرّابع: لا يفصل بين فاعل" نعم" و" بئس"، وبينهما، وقد فصل بالممدوح بين" نعم" وما عملت فيه في الشّعر، قال الشّاعر (٤): تزوّد مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزّاد زاد أبيك زادا ف" زاد أبيك" هو المخصوص بالمدح، وقد فصل به بين" زاد" المنصوب ب" نعم" وبينها، وإذا كان مبتدأ كان الفصل بالمفرد، وهو أسهل. فأمّا قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥)، فإنّ الجارّ والمجرور يتبع فيه والمرفوع ب" بئس" لم يظهر، والتقدير: بئس البدل بدلا للظّالمين إبليس وذريّته.

стр. 655

الحكم الخامس: قد جاء فاعل:" نعم" و" بئس" غير القسمين المذكورين، قال (١): فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم ... وصاحب الرّكب عثمان بن عفّانا فجاء فاعله نكرة مظهرة، ولا يجوز نصبه وقد عطف عليه مرفوع، فإن رفعت" صاحب الرّكب" على" نعم" أخرى، ونصبت" صاحب قوم" قربت من الجواز. وقد شذّ: نعم هم قوما أنتم، ونعما رجلين، ونعموا رجالا، قال ابن السّرّاج: وليس هذا (٢) ممّا يعرّج عليه. الحكم السّادس: إذا كان الفاعل مؤنّثا، فلك الخيار فى إلحاق العلامة وتركها، تقول: نعم المرأة هند، ونعمت المرأة هند، وتقول: نعم الدّار البلد، ونعمت الدّار البلد؛ لأنّ البلد يسمّى دارا. الحكم السّابع: قد اختلف في" ما" إذا أدخلتها" على" نعم" و" بئس" كقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٣)، وقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا (٤) فمنهم من جعلها مرفوعة (٥) الموضع، ومنهم من جعلها منصوبة (٦)، والأولى: أنّها إن كانت فاعلة فهي مرفوعة، وإن كانت

стр. 656

مميّزة فهي منصوبة (١)؛ فتكون في الأولي/ منصوبة مميّزة لفاعل" (٢) «نعم» المضمر فيها، وهي نكرة، لا موصولة ولا موصوفة التقدير: فنعم شيئا هي، وتكون في الثّانية (٣) فاعلة" بئس" و" اشتروا به" صلتها، والمخصوص بالذّمّ" أن يكفروا" خاتمة: قد ألحقوا ب" نعم" في المعنى غيرها، فقالوا: إذا قلت: مررت برجل كفاك رجلا، وحّدت (٤) كفاك في كلّ وجه تقول: مررت بقوم كفاك قوما، وكفاك من قوم، وبعضهم يقول: كفوك قوما، وكفوك من قوم، فإن قلت: به، وحّدت" كفاك" لا غير، تقول: مررت بقوم نعم بهم قوما، ولم يستعملوا ل" كفاك" (٥) مستقبلا، ولا اسم فاعل في هذا الوجه.

стр. 657

الفصل الثّالث في" حبّذا"، وفيه فرعان: الفرع الأوّل: في تعريفها ، وهى فعل مركّب مع اسم غير متصرّف، ولا يتغيّر بتثنية ولا جمع ولا تأنيث، ولا فكّ نظام (١). ومعناها: المدح وتقريب الممدوح من القلب، والأصل فيها" حبب" ك" ظرف"، فأسكنت" الباء" الأولى وأدغمت في الثانية؛ و" ذا" اسم إشارة (٢) إلى الاسم المذكور بعدها، وجريا - بعد التركيب - مجرى الأمثال الّتي لا تتغيّر (٢)، وقيل: ليست" ذا" إشارة (٣) إلى الاسم؛ لأنّه لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث، وهو مرفوع بها، وقيل: معنى" حبّ": صار محبوبا (٤) جدّا. وفيها لغتان: فتح" الحاء"، وضمّها (٥)، والفتح أفصح. الفرع الثّاني: فى أحكامها: وهى ترفع المعرفة، وتنصب النكرة التى يحسن فيها" من" على التّمييز؛ تقول: حبّذا زيد، وحبّذا رجلا زيد أى: من رجل، والنّاس فى هذا التقدير مختلفون. فمنهم من يغلّب الاسم في" حبّذا" ويبطل حكم الفعل؛ فيجعلها مبتدأ (٦) و" زيد" خبرها، كأنّه قال: المحبوب زيد.

стр. 658

ومنهم من يغلّب الفعل؛ لتصدّره، ويبطل حكم الاسم (١)، ويرفع" زيدا" به؛ لأنّه فاعله. ومنهم من يجعل لكلّ واحد منهما حكما على حدّه الّذى كان عليه، ويرفع" زيدا" (٢) بالابتداء، و" حبّذا" خبره، أو يرتفع على أنّه خبر مبتدأ (٣) محذوف، وتقدير الكلام: حبّذا الذّكر ذكر زيد، أو: حبّذا الرّجل زيد، والعائد المعنى. ولا يجوز تأكيد" ذا" ولا وصفه، ولا البدل منه. وقال قوم (٤): إنّ" زيدا" بدل من" ذا". وأمّا النكرة المنصوبة على التّمييز: فالعامل فيها ما في" حبّذا" من معنى الفعل، تقول: حبّذا رجلا زيد، وحبّذا زيد رجلا، فإن كانت النكرة مشتقّة كانت منصوبة على الحال، تقول: حبّذا راكبا زيد، وحبّذا زيد راكبا. و" حبّذا" مع الواحد والاثنين والجماعة والمؤنّث بلفظ واحد؛ تقول: حبّذا زيد، وحبّذ الزّيدان، وحبّذا الزّيدون، وحبّذا هند، والهندان، والهندات، كلّه بلفظ واحد؛ وإنّما امتنع من ذلك للتركيب الحادث فيه، وإيغاله فى شبه الحرف.

стр. 659

الفصل الرّابع في التعجّب، وفيه فرعان الفرع الأوّل: في تعريفه . التعجّب: قسم من أقسام الكلام الأوّل، ومعناه شئ خفي سببه، وخالف نظائره، ولهذا لا يطلق على الله تعالى؛ لأنّه لا يخفى عليه شئ، وما جاء منه منسوبا إلى الله تعالى، في قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١) بضم" التاء" (٢) وقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ (٣) وقوله صلّى الله عليه [وسلّم] (٤) (عجب ربّك من شابّ ليست له صبوة) (٥)، فمتأوّل، يجيزه اتّساع اللّسان العربيّ. وهو ضرب من الإخبار يصحّ فيه الصّدق والكذب، ألا ترى أنّك إذا رأيت شيئا لم تر مثله، أو استطرفته، أو استبعدت وقوعه، تعجّبت منه؟ وما أحدث لك التعجّب إلا خفاء سببه عليك، وما علمت سببه فليس بعجب عندك.

стр. 660

والمشهور من ألفاظه المقيسة لفظان: أحدهما: ما أفعله، والآخر: أفعل (١) به. وقد حملوا عليهما لفظين آخرين - وإن لم يكونا للتّعجّب - وهما: «أفعل القوم"، و" أفعل من كذا". وقد تعجّبوا بألفاظ مسموعة غير مقيسة (٢)، نحو قولهم" لا إله إلا الله"! وسبحان الله من رجل! وسبحان الله رجلا! واعجبوا لزيد رجلا، ولله درّك رجلا! ويل امّه رجلا!، ويا حسنه رجلا! ولم أر كاليوم رجلا! ويا لك فارسا! ويا طيبك من ليلة! وأمثالها من ألفاظ سمعت عنهم. وفعل التّعجّب الأول: فعل ماض مبنىّ على الفتح، غير متصرّف، كما قلنا في" نعم" و" بئس"، وقال الكوفيّون (٣): هو اسم. و" أفعل به" وإن كان بصيغة الأمر، فإنّ معناه الخبر، مثل" ما أفعله"؛ ولهذا قالوا: إنّ معنى، أكرم بزيد: كرم زيد جدّا، كما قالوه في" ما أفعله". الفرع الثّاني: فى أحكامه . الحكم الأوّل: إذا قلت: ما أحسن زيدا! ف" ما" مرفوعة بالابتداء، وهي عند سيبويه غير موصولة (٤) ولا موصوفة، و" أحسن" خبرها، وفيه ضميرها وهو مرفوع ب" أحسن"، و" زيد" منصوب على التعجّب؛ لوقوع

стр. 661

الفعل عليه، وتقدير الكلام شئ حسّن زيدا، و" ما" عند الأخفش (١) موصولة صلتها ما بعدها، والخبر محذوف، وفيها - عند بعضهم - معنى الاستفهام (٢)، كأنّه قيل: أىّ شئ أكرمه؟! وأمّا" أحسن بزيد! ": فمعناه معنى الأوّل، والجارّ والمجرور في موضع رفع بإسناد الفعل إليه، ولا ضمير فيه؛ لأنّك لست تأمر أحدا بإيقاع فعل، ومنه قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ (٣)، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم. (٤) ومعنى الكلام، أحسن زيد، أى: صار ذا حسن، وأكرم، أى: صار ذا كرم، كما قالوا: أجرب الرّجل، أي: صار ذا إبل جربى، فنقل إلى صيغة الأمر، وزيد فيه" الباء"، وخصّ بالتعجّب. الحكم الثّاني: فعل التعجّب - لخروجه عن نظائره - صار في كلامهم كالمثل، فلا يتصرّف في الجملة التعجّبيّه بتثنية ولا جمع ولا تأنيث؛ تقول في الأوّل: ما أحسن زيدا!، وما أحسن الزّيدين!، وما أحسن الزّيدين!، وما أحسن هندا! والهندين! والهندات!، وتقول في الثّاني: يا رجل أكرم بزيد! ويا هندات أكرم بزيد!. الحكم الثّالث: وكذلك لم يتصرّف فيه بتقديم ولا تأخير ولا فصل (٥)؛ فلا يقال: ما زيدا أحسن، ولا زيدا ما أحسن، ولا بزيد أكرم، ولا ما أحسن في

стр. 662

الدّار زيدا، ولا أكرم اليوم بزيد، وقد أجاز الجرميّ (١) الفصل؛ أخذا بقولهم:" ما أحسن بالرّجل أن يصدق" هذا مع اتّفاقهم على جواز الفصل ب" كان" فقالوا: «ما كان أحسن زيدا» (٢): فإن قلت: ما أحسن ما كان زيد! رفعت" زيدا" ب" كان"، و" ما" الثّانية في موضع نصب على التعجّب، التقدير: ما أحسن كون (٢) زيد، و" كان" تامّة لا تحتاج إلى اسم ولا خبر. وأجاز بعضهم ما أحسن (٣) ما كان (٤) زيدا! " فجعل اسم" كان" مضمرا فيها، وفيه نظر لأنّه يعود إلى" ما"، و" ما" لما لا يعقل. وحكى الأخفش أنّهم زادوا" أصبح" (٥) و" أمسى" في قولهم:" ما أصبح أبردها" و" ما أمسى أدفأها! ". الحكم الرّابع: الضمير الّذى فى" أحسن" هو فاعله، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه، واختلف في تأكيده، فإذا تقدّم على المنصوب لم يجز إجماعا،

стр. 663

وأجازه بعضهم إذا تأخّر، وأجاز الأخفش البدل (١)، فقال: يجوز: ما أحسن زيدا رجلا! (٢) وما أحسن عمرا وجها!، ولا يجوز: ما أحسن رجلا؛ لقلّة الفائدة. الحكم الخامس: بناء فعل التّعجّب من الفعل الثّلاثىّ الّذى لا زيادة فيه، نحو: ضرب وعلم وظرف، تقول: ما أضربه وأعلمه وأظرفه! وأضرب به وأعلم به وأظرف به! فأمّا بناء" أفعل" ففيه خلاف عن سيبويه، قال السّيرافىّ (٣): " أفعل" الّذي فيه الهمزة، نحو أكرم، يجئ في التّعجّب قياسا عند سيبويه. فأمّا قولهم: ما أعطاه للمال! فهو عند قوم من: أعطى يعطى، وذلك شاذّ، ومثله: ما أولاه للمعروف! وقال قوم هو من عطا (٤) يعطو، إذا أخذ، وليس بشئ، قال ابن السّرّاج إنّما جاز ما أعطاه، وأولاه على حذف (٥) الزوائد، وأنّك رددته إلى الثّلاثة؛ فإن قلت في" افتقر": ما أفقره! فحذفت الزّوائد ورددته إلى" فقر" (٥)، جاز. وقد امتنعوا في الثلاثىّ أن يتعجّبوا منه بأشياء؛ إمّا استغناء عنها بغيرها؛ أو خوف اللّبس، أو لمانع؛ لم يقولوا: ما أقيله، من القائلة، وما أسكره من السّكر، وما أجوبه، وما أعصبه، وما أقعده، وما أجلسه، وغير ذلك من أشياء مسموعة.

стр. 664

وذهب (١) قوم إلى أنّ كلّ فعل لا يتزيّد لا يتعجّب منه، كقولك: ما أموته، لمن مات، إلّا أن تريد: ما أموت قلبه!. الحكم السّادس: إذا تجاوز الفعل ثلاثة أحرف، وأرادوا التعجّب منه لم يمكن نقله (٢)، فجاءوا ب" أشدّ" و" أحسن" و" أقبح" ونحو ذلك وأضافوه إلى مصدر الفعل الذى يريدون التعجّب منه، ثمّ أضافوا المصدر إلى صاحبه، وذلك قولك فى:" دحرج"، و" استخرج": ما أشدّ دحرجته! وأحسن استخراجه! وكذلك كلّ ما كان زائدا على ثلاثة أحرف، إلّا ما في أوّله همزة عند قوم (٣). الحكم السّابع: ما كان من الخلق الثّابتة، والعيوب الّلازمة، كالطّول والقصر والألوان، والحول والعرج، لم يتعجّبوا منه إلا بإدخال" أشدّ" و" أحسن" و" أقبح" كالذى قبله، فتقول: ما أتمّ طوله! وأشدّ بياضه! وأقبح عرجه! فإن كان شئ من هذا النّوع لغير الخلق الثّابتة، جاز التعجّب منه تقول: ما أسوده! من [السّؤدد] (٤) / وما أبيضه! من بيض الطّائر، وما أحمره!

стр. 665

من البلادة، وقد أجاز الكوفيون (١): ما أبيضه! وما أسوده! في الألوان؛ قالوا: لأنّهما أصلان (٢) لها. الحكم الثّامن: قال سيبويه: هذا باب" ما أفعله" (٣) على معنيين، تقول: ما أبغضني له! وما أمقتني له! إنّما تريد: أنّك ماقت، وأنّك مبغض، وتقول: ما أمقته إليّ! وما أبغضه إلىّ! فأنت تريد: أنّه مقيت وبغيض، وإن قلت: ما أبغضني إليه! وما أمقتني إليه! كنت أنت المقيت عنده؛ وإنّما خصّوا اللام بذلك لأنّ بابها الملك، و" إلى" لانتهاء الغاية للفعل؛ فهو للمفعول. الحكم التّاسع: نوعا التعجّب مشتركان في الأحكام؛ فكلّ فعل تعجّب منه ب" ما أفعله" تعجّب منه ب" أفعل به"، وكلّ ما امتنع في هذا امتنع في الآخر؛ تقول: ما أحسن زيدا!، وأحسن بزيد! وما أحسن استخراجه! وأحسن باستخراجه! وما أشدّ سواده! وأشدد بسواده! وما أقبح عرجه! وأقبح بعرجه!، وكما لا تقول: ما أبيضه، فكذلك لا تقول: أبيض به. الحكم العاشر: قد ألحقوا في التعجّب لفظين، لهما نظير إليه - وإن لم يكونا تعجّبا - وهما:" أفعل القوم" و" أفعل من القوم"؛ تقول: زيد أفضل القوم، وأفضل من القوم، فأعطوهما بعض أحكام التعجّب، فما لم يجز في التّعجّب، لم يجز فيهما؛ وإنما فعلوا ذلك لأنّ معناهما: المبالغة، والشّيء يحمل على نظيره؛ ولهذا امتنع بعضهم من ظهور المصدر معه؛ فلا يجيز: زيد

стр. 666

أفضل القوم فضلا، وأكرمهم كرما، وقال: ما جاء منه مظهرا فهو منصوب بفعل آخر يدلّ عليه المذكور، كقوله (١): أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طبّاخ وهذان الفعلان الملحقان بالتّعجّب محمولان على قسميه؛ فكلّ ما جاز فيهما جاز في هذين، وما امتنع فيهما امتنع في هذين؛ تقول: زيد أعلم القوم، وأعلم من القوم، وأحسن/ القوم استخراجا، وأحسن منهم استخراجا، وأشدّ القوم بياضا، وأشدّ منهم بياضا، وأقبح القوم عرجا، وأقبح منهم عرجا؛ ولا تقول: هو أبيضهم، ولا أعرجهم، فأمّا قوله تعالى: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٢) فمحمول على عمى القلب (٣) - وإليه ينسب أكثر

стр. 667

الضّلال - أو على أنه اسم لم يرد به" أفعل من كذا"، وأنشد بعضهم (١): يا ليتنى مثلك في البياض ... أبيض من أخت بني أباض القسم الثاني من الباب الخامس عشر، وهو باب العوامل في الأسماء العاملة، وفيه مقدّمة، وأربعة أنواع. أمّا المقدّمة: فقد سبق في أوّل الباب أنّ الفعل أصل في (٢) العمل، وأنّه قد حمل عليه أسماء وحروف. فالأسماء العاملة عمل الفعل على أربعة أنواع: نوع عمل لمشابهة في العدّة والحركات وغيرهما، وهو: اسم الفاعل والمفعول. ونوع حمل على اسم الفاعل، وهو الصّفة. ونوع عمل على شرط أن يكون بتقدير" أن" والفعل؛ لكونه أصلا للفعل، وهو المصدر. ونوع عمل نيابة عن الفعل، واختصارا، وهو اسم الفعل.

стр. 668

النّوع الأوّل: في اسم الفاعل والمفعول ، وفيه فرعان: الفرع الأوّل: في تعريفهما (١)، اسم الفاعل: ما جرى على فعله، كضارب ومخرج ومنطلق، ومستخرج، من: ضرب يضرب، وأخرج يخرج، وانطلق ينطلق، واستخرج/ يستخرج، وكذلك ما جاء منها على غير هذا الوزن، نحو: ضرّاب، وضروب، ومطعام، وقدير، فيعمل عمل الفعل، مظهرا، أو مضمرا، ومقدّما، ومؤخّرا، ومؤنّثا، ومذكّرا؛ تقول: زيد ضارب عمرا ومكرم بكرا، وهو ضارب زيدا وعمرا، أى: وضارب عمرا. وأمّا اسم المفعول: فهو الجاري على" يفعل" من فعله: نحو: مضروب، ومخرج، ومستخرج، ومنطلق به، وحكمه حكم اسم الفاعل، إلّا أنّه ينقص عنه بمفعول واحد أبدا، تقول: زيد مضروب غلامه، ومخرج ولده، ومستخرج ماله. ولا يعمل اسم الفاعل والمفعول إلا إذا كانا من فعل متعّد؛ فإنّهما تابعان له في اللّزوم والتعدّي، إلّا أنّ الفعل المتعدّي لا يعدّي بحرف جر إلا إذا تأخّر، لا تقول: ضربت لزيد، وتقول: لزيد ضربت، واسم الفاعل تعدّيه بحرف الجرّ؛ تقول: هذا ضارب زيدا، و: ضارب لزيد. الفرع الثّاني: في أحكامه . الحكم الأوّل: لمّا كان اسم الفاعل فرعا فى العمل على الفعل، نقص عنه، فاحتاج في العمل إلى شرائط ثلاث:

стр. 669

الشّريطة الأولى: أن يكون؛ للحال، أو (١) للاستقبال، ولا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، والكوفيّ (٢) يعمله فيه، تقول: زيد ضارب عمرا السّاعة، وضارب عمرا غدا، ولا تقول: ضارب زيدا أمس؛ لأنّ اسم الفاعل أشبه الفعل المضارع في حركاته وسكناته، وتذكيره وتأنيثه، وغير ذلك؛ فحمل عليه في العمل، ولم يشبه الماضي، إلّا إذا أريد حكاية الحال الماضية، أو أدخلت عليه الألف واللّام، كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٣)، وكقولك: هذا الضّارب زيدا أمس، وتقول: مررت برجل ضارب عمرو، فتصفه به، لأنّه نكرة مثله، ولا تقول: مررت برجل ضارب زيد أمس، إلّا على البدل. الشّريطة الثّانية: أن يكون اسم الفاعل معتمدا على أحد خمسة أشياء: الأوّل: أن يكون صفة لموصوف، كقولك: هذا رجل ضارب زيدا. الثّاني: أن يكون خبرا لمبتدأ، كقولك: زيد قائم غلامه، وعمرو ضارب أخوه بكرا. الثّالث: أن يكون حالا لذى حال، كقولك: هذا زيد قائما غلامه. الرّابع: همزة الاستفهام، كقولك: أقائم أخواك، فارتفع" أخواك" ب" قائم". الخامس:" ما" النّافية، كقولك: ما ذاهب غلاماك، فارتفع" غلاماك" ب" ذاهب". الشّريطة الثالثة: في تحمّله الضّمير إذا جرى على من هو له، فإن جرى على غير من هو له لم يتحمّله، كقولك: زيد هند ضاربها هو، ف" زيد" مبتدأ، و" هند" مبتدأ ثان" و" ضاربها" خبرها، و" هو" ل" زيد" فقد جرى على غير من هو له؛ فاحتاج أن يبرز الضّمير، وهو" هو".

стр. 670

والكوفيّ: يعمله غير معتمد (١)، ويحمّله الضمير، وإن جرى على غير من هو له. وإذا صغّر اسم الفاعل أو وصف لم يعمل؛ لأنّه يبعد بذلك عن الفعل الّذي عمل بمشابهته، وما جاء منه في الشّعر فمؤوّل، وقد جوّز بعضهم: هذا ضارب زيدا ظريف، فوصف بعد العمل. الحكم الثّاني: جميع أبنية اسم الفاعل تعمل عند البصريّ، وقد اختلفوا في أبنية منها، وهي: فعول، وفعّال، ومفعال، فأعملهنّ البصريّ، وأنشد (٢): ضروب بنصل السّيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنّك عاقر وقال (٣): أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها ... وليس بولّاج المكاره أعزلا
следующие страницы →