← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17905

البديع في علم العربية

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (1 670 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأول: التوازن بين الإيجاز والإطناب: حينما همّ ابن الأثير في تأليف كتابه، لا أشك في أنه عمد إلى كتاب من أهم كتب شيخه" ابن الدهان"، وهو المسمى ب" الغرة في شرح لمع ابن جني" فاستقى منه أكثر مادة كتابه - كما سيأتى تفصيله (١) -، وكتاب الغرة لابن الدهان من أحسن الكتب التي ألفت في القرن السادس الهجرىّ، ومن أجمعها قال عنه ابن خلكان: (وشرح كتاب اللمع - لابن جني - شرحا كبيرا يدخل في مجلدين، وسماه" الغرة"، ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب) (٢). وابن الدهان كان علما من أعلام النحو في عصره، وكان كما قال عنه العماد الأصفهاني: (بحر لا يغضغض، وحبر لا يغمض، سيبويه عصره، ووحيد دهره) (٣). لهذا وجد ابن الأثير - وهو العازم على الاختصار - أنه يقف أمام موسوعة نحوية مطنبة؛ فكتاب الغرة جمع من الآراء والشواهد والعلل شيئا هائلا، لو نقله المؤلف في كتابه لوقع في الإطناب الذي لم يرتضه لنفسه، ولو اختصره ربما وقع في الإيجاز المحذور، فجاء كتابه لهذا السبب جامعا لكثير من مسائل النحو والصرف مفصلا لها، وإنّ من يقرأ كتاب ابن الأثير وحده ولا يطلع على كتاب ابن الدهان سينال كامل إعجابه، ولن يرى فيه الإطناب المملّ، فهو يسوق القضايا النحوية بأسلوب واضح، ويستوفي في كل قضية جوانبها، ولكنه إن اطلع على كتاب" ابن الدهان" وغيره من الكتب المتوسعة

стр. 72

فستتضح له بعض جوانب الإيجاز الذي قد يصل إلى درجة الإخلال بالمعنى، والإيجاز عند المؤلف يتضح في أمرين: الأول: الإيجاز في عرض المسائل. والثاني: الإيجاز في نسبة الآراء. أولا: الإيجاز في عرض المسائل: - وقد احتوى الكتاب على مسائل مختصرة اختصارا مخلا منها: - ١ - قال - في هاء ضمير المذكر المنصوب والمجرور: (.. فإن كان قبله ساكن ففيه مذهبان: أحدهما: كالمتحرك نحو: عنهو أخذت، وعليهي مال. والثاني: ألا تلحقه حرفا وهو الأكثر) (١). وهذا الكلام اختصره المؤلف من كلام شيخه ابن الدهان (٢)، وكان لا بدّ من تفصيله، فإنه إن كان ما قبله ساكنا فإما أن يكون أحد حروف اللين، مثل: علاه، وإليه، ودعوه، فحينئذ الحذف أولى؛ لئلا يجتمع ساكنان بينهما حاجز خفي غير حصين، وهو الهاء (٣). وإما ألا يكون الساكن أحد حروف اللين، مثل: عنه، ودعه، ومنه، وزده، فالإثبات حينئذ أكثر، وهو مذهب سيبويه (٤)، وجعل المبرد الحذف والإثبات سواء (٥).

стр. 73

وقوله: (.. فإن كان قبله ساكن) يدخل فيه ما بعده ساكن مثل: عنه الحق، وعليه المال، وحينئذ لا يقبل الضمير الإشباع، فكان على المؤلف أن يقيده بألا يكون بعده ساكن؛ ليخرج المثالان السابقان، ولعل المؤلف استغنى عن هذا الشرط بالمثال. ٢ - قال في ضمير النسوة: (.. وهي عند أكثر العلماء لجمع القلة، والهاء لما فوق ذلك، كقولك: النساء ضربتهن، وضربتها) (١)، وقال أيضا: (وقد جعلها قوم للعدد القليل من المؤنث، وأطلقها آخرون على القليل والكثير، وكان الأشبه والأكثر في النظم والنثر) (٢). كان على المؤلف أن يقيد الضمير بأن يعود على مؤنّث غير عاقل .. أمّا إذا عاد على مؤنث عاقل كمثال المؤلف فلم تفرق العرب بين قليله وكثيره والأفصح جمع الضمير (٣). ٣ - قال عن وزن أفعل: (أن يكون بمعنى فعل، ولا يكون للهمزة فيه تأثير، وهو قليل محصور) (٤). وهذا القول غير صحيح، فليس قليلا، وقد ألفت فيهما كتب، منها: فعلت وأفعلت للسجستاني، وللزجاج، وما جاء على فعلت وأفعلت بمعنى واحد - للجواليقي.

стр. 74

٤ - جعل شروط ما يجمع جمع المذكر السالم: التذكير والعلم والعلميّة، وألحق به صفته في الغالب (١). وبعض هذه الشروط يحتاج إلى تقييد، فالعلمية لا بد من تقييدها بالخالية من تاء التأنيث، والصفة لا بد من تقييدها بالقابلة لتاء التأنيث أو الدالة على التفضيل، ولما لم يفعل المؤلف ذلك اضطر إلى استثناء الأعلام المختومة بالتاء، مثل: طلحة (٢)، واستثناء بعض الصفات: كأفعل فعلاء، وفعلان فعلى .. إلخ (٣). ٥ - في حديثه عن جمع الاسم المهموز لم يستقص أنواعه كلها (٤)، فترك ما همزته منقلبة عن واو أو ياء أصلين: مثل كساء ورداء، وما همزته للإلحاق مثل: علباء مسمّى بها، وكان المؤلف قد استقصاها في التثنية (٥)، ولكنه لم يفعل ذلك في الجمع. ٦ - النسب إلى المركب والجملة (٦)، اختصره المؤلف اختصار شديدا، فلم يذكر كل الآراء فيه، وهي آراء مشهورة (٧)، ولعلّه تركها لشهرتها. ٧ - قال في الإخبار عن المبدل منه، في مررت بأخيك زيد: (فإن أخبرت عن أخيك قلت: الذي مررت به أخوك زيد، وإن شئت: زيد أخوك) (٨).

стр. 75

فقوله: (وإن شئت) يشعر بجواز الأمرين على السواء، وقوله مختصر من كلام شيخه ابن الدهان (١)، الذي ذكر أن للعلماء رأيين في الإخبار عن المبدل منه: فالمازنيّ وابن السراج لا يجيزان الإخبار عن المبدل منه إلا ومعه الدل، قالا: (أخوك زيد) وغيرهما يجيزه، فيخبر به دون البدل، فيقول: (الذي مررت به زيد أخوك) ولا يجيز الأول (٢). فهذا الاختصار جعل المؤلف يبدو كأنه يأتي برأي ثالث، وهو جواز الأمرين. ٨ - لم يستوف شروط العجمة المانعة من الصرف حينما ذكرها (٣)، فلم يذكر أن تكون موضوعة للواحد لا للأجناس، كديباج وياسمين وفرند .. فهذه مصروفة؛ لأنها للأجناس (٤) إلا إذا كان ممن لا يرى اشتراط العلمية في العجمة. ٩ - تحدث في الحكم الرابع من أحكام الهمزة في الخط، عما كانت فيه فاء الفعل همزة، واتصلت بكلام قبلها، وكان الواجب عليه أن يتحدث قبل ذلك عما لم يتصل بكلام، كما فعل شيخه ابن الدّهان (٥). ١٠ - قال المؤلف ﵀: (قال قوم: لك أن تذهب بجميع الأفعال مذهب نعم وبئس، فتحولها إلى فعل) (٦)، وهذا القول - وإن كان من

стр. 76

كلام ابن السراج - فإنه يحتاج إلى تقييد الأفعال بالثلاثية فقط؛ لأن غيرها لا يحوّل. ١١ - عرّف تنوين الترنم بأنه اللاحق لأواخر الآي والقوافي (١)، وكان على المؤلف أن يقيد القوافي بالمطلقة، كما قيّد بعد ذلك التنوين الغالي باللاحق للقوافي المقيدة (٢). ١٢ - جعل تنوين العوض نوعين: عوض عن المضاف إليه، وعوض عن نون زيدين كهندات (٣). والمؤلف ترك ما تنوينه للعوض عن حرف، مثل: جوار، وغواش، وأيضا تنوين هندات ليس للعوض، بل للمقابلة، إلّا إن كان يقصد بالعوض المقابلة. ١٣ - قال في زيادة النون: (وإذا كانت النون ثالثة، فاحكم بزيادتها إلا أن يقوم دليل على أصليّتها) (٤). وهذا الكلام مطلق لا بد من تقييده بأن تكون النون ساكنة، وأن تكون الكلمة على خمسة أحرف (٥). ١٤ - قال عن زيادة التاء الأولى في" ترتب": (أما ترتب فزيادتها عند سيبويه لأنها ليست على مثال الأصول، والأخفش يعتقد زيادتها بالاشتقاق لأنها من الرتوب) (٦). كلامه بسبب إجماله يوهم بأن سيبويه يعتقد زيادة التاء الأولى لأنه ليس

стр. 77

عنده وزن" فعلل" فقط، وهذا غير صحيح، فسيبويه قال: (وكذلك ترتب وتدرأ؛ لأنهن من رتب ودرأ) (١). فهو يعتقد زيادتها؛ لأنه ليس عنده وزن جعفر، وشهد به الاشتقاق، كما قال ابن جني (٢). أما الأخفش فلأن من أوزان الرباعي عنده (فعلل)، فزيادتها لأنها من الرتوب فقط. ١٥ - قال المؤلف - في زيادة الهاء -: (وأما غير المقيس فزيدت أولا عند الخليل والأخفش، نحو: هجرع، وهبلع، جعلاهما من الجرع والبلع ونحو هركولة، من الركل في المشي) (٣). فالخليل والأخفش قالا بزيادة الهاء أولا، لكن الخليل جعلها زائدة في هركولة فقط، فيما حكاه عنه أبو الحسن الأخفش، من أن هركولة «هفعولة»، وأن الهاء زائدة (٤). أما هجرع وهبلع فالهاء فيهما زائدة عند الأخفش فقط، قال ابن جني: (وذهب أبو الحسن إلى أنّ الهاء في هجرع وهبلع زائدتان؛ لأنهما من الجرع والبلع) (٥). أما الخليل فلم يجعلها زائدة فيهما، وهجرع وهبلع في كتاب" العين" في باب: الرباعي من العين (٦)، فالمؤلف ﵀ لم يكن دقيقا في اختصاره ما في سر الصناعة، ولو: قال فزيدت أولا عند الخليل والأخفش،

стр. 78

نحو هركولة جعلاها من الركل، ونحو هجرع وهبلع عند الأخفش جعلها من الجرع والبلع - لو قال ذلك لسلم من الخطأ. ثانيا: الإيجاز في نسبة الآراء: إن كان بعض الإيجاز في المسائل مقبولا أو غير مذموم، فإن ترك نسبة الآراء إلى قائليها - مع القدرة على ذلك - لا شك في أنه غير محمود والمؤلف - وهو ينقل من كتاب شيخه ابن الدّهان - عمد إلى الإبهام في نسبة بعض الآراء مع أن شيخه صرّح ينسبتها، فإن كان هذا الصنيع من قبيل الإيجاز فهو معيب غير ممدوح، ولذلك في الكتاب شواهد كثيرة منها: ١ - قال في تقديم الضمير الأبعد على الأقرب: (وقد جوز بعضهم أعطاكني، وأعطاهوك، وأعطاهوني) (١)، وقد نسبه ابن الدهان إلى المبرد (٢) ٢ - قال في زيادة أل: (وقولهم: إنى لأمر بالرجل مثلك فأكرمه عند بعضهم، لأنّ مثلك نكرة وقد وصف بها الرجل وهو معرفة فقدّر اللام زائدة) (٣). والمراد به الأخفش كما قال ابن الدهان (٤). ٣ - قال في جمع التكسير (وعلى أفعلة نحو: باب وأبوبة، ورحى وأرحية، وهو قليل، وليس بابه وقيل: هو جمع الجمع (٥) والقائل هو: الخليل بن أحمد كما صرّح به ابن الدّهان (٦).

стр. 79

٤ - قال: (واختلفوا في «جمد» اسم جبل، فسيبويه رواه ساكن الميم، وغيره ضمها) (١)، والمقصود بغيره: ابن جنى، كما قال ابن الدّهان (٢). ٥ - قال في تصغير الترخيم: (وبعض النحاة يقصر تصغير الترخيم على الأعلام) (٣). هو الفراء، وقد صرّح باسمه ابن الدّهان (٤). ٦ - قال: (وبعضهم لا يصغر المصادر) (٥)، وهو الفراء كما قال ابن الدّهان (٦). ٧ - قال عن أحاد وثناء المعدولة: (ومنهم من لا يصرفه مع التسمية) (٧)، وهما الجرميّ والسيرافيّ، وقد نصّ عليهما ابن الدّهان (٨). وعلى الرغم من كل ما ذكرته من صور الإيجاز فإن الكتاب يعد من الكتب المتوسعة؛ لأنه مأخوذ من كتب ابن الدّهان التي حوت سوانح النحو وشوارده. ولكنه توسع لا يمكن أن يوصف بالإطناب، إلا أن رغبة المؤلف في التقسيمات والتفريعات توقعه في أحيان قليلة فيما يشبه الإطناب، ومن أمثلة ذلك:

стр. 80

١ - قسّم الإضافة إلى محضة وغير محضة، ثم قسّمها إلى معنويّة ولفظيّة (١) ومن المعروف أن المحضة هي المعنوية، وغير المحضة هي اللفظيّة، ولكن حبّ المؤلف للتقسيمات جعله يسترسل في ذكرها. ٢ - قسّم الجمع بالنظر إلى إعرابه ثلاثة أقسام: جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم، وجمع تكسير، وقسّمه مرة أخرى إلى: جمع في اللفظ والمعنى، وجمع في المعنى دون اللفظ، وجمع في اللفظ دون المعنى (٢). ٣ - قال في التصغير: (إذا كان ثالث الاسم واوا فلا يخلو أن تكون للإلحاق أو لغير الإلحاق، فإن كانت للإلحاق أجريتها مجرى الصنف الأول - أى جواز القلب، وإقرارها على حالها - تقول في: جهور وجدول: جهيّر وجديّل، وجهيور، وجديول، وإن كانت لغير الإلحاق قلبتها ياء، وأدغمت فيها ياء التصغير نحو: عمود وعميّد) (٣). لو قال المؤلف ﵀: الواو الساكنة بعد ياء التصغير تقلب ياء، والمتحركة يجوز فيها القلب والإقرار على حالها، لكان أولى من هذا التقسيم والتفصيل. ٤ - ليس للاستطراد وجود في الكتاب إلا مرة واحدة، قال المؤلف - وهو يتحدث عن فعلى - بكسر الفاء -، (وقال الأخفش: إنّ ألف علقى للتأنيث أيضا) (٤).

стр. 81

الثاني: جمع أبواب النحو وأحكامه: جمع المؤلف ﵀ أبواب النحو وأبواب الصرف في كتابه، وقد بحثت عن أبواب منهما لم يبحثهما المؤلف فلم أجد؛ لأنه لم يكتف بالأبواب التي طرقها شيخه" ابن الدّهان" في" الغرة"، فزاد عليها باب أبنية الكلم وباب المصادر، وباب التصريف، وباب الإدغام، وأظن أن ابن الدهان قد طرق هذه الأبواب في كتابه" شرح الإيضاح والتكملة"؛ وهو كتاب مفقود فيما أعلم، لأنها من أبواب التكملة للفارسي، أما جمعه للأحكام النحوية والصرفية فأظن أنه لم يفته إلا القليل رغبة في الإيجاز والاختصار. الثالث: الإيجاز في الأدلة والعلل غالبا: لم يكن المؤلف ﵀ ذا عناية واضحة بالعلة، ولم يجهد نفسه بالبحث فيها أو التعرض لها، وإنما كان يعرض في بعض الأحيان عللا لا يمكن أن يخالف فيها، فالمؤلف ﵀ يبدو بعيدا عن المنطق والتأثر به، وربما لم يكن محبا له بحكم كونه محدثا، فلم يكن كالرمانيّ الذي ملأ شرحه لكتاب سيبويه بالعلل النحوية والمناقشات المنطقية، فنرى المؤلف يتركها في مواضع تستدعي إيضاحها بالعلل، كالفصل الذي عقده لبيان الأسماء التي لا تصغر (١) وذكر فيه كثيرا منها، فلم يعلّل سبب منع تصغيرها، وإنما كان يعلل في بعض الأحيان لبعض الأحكام التي - كما قلنا - يندر فيها الخلاف، وقد يكون المقام مستدعيا للعلة، ومن أمثلة ذلك: ١ - قال في تعليل كون الآخر محلّ الإعراب: (وأما محل الإعراب فهو من كل كلمة معربة آخرها، حكما غالبا، نحو: زيد، ويضرب؛ وإنما كان

стр. 82

آخرها لأن من الإعراب: الجزم، وهو سكون، ولا يمكن الابتداء بالساكن، فلم يقع أولا، ولأن وزن الكلمة يعرف بحركة وسطها نحو: فلس وفرس، وزنهما: فعل وفعل، فلو جعل وسطها لاختل وزن الكلمة عند تغير الإعراب) (١). ٢ - قال في تعليل كون الغالب على البناء السكون،. وكون البناء أصلا في الأفعال والحروف، فرعا في الأسماء: (وهو - أي البناء - إذا ضد الإعراب، والغالب على الإعراب الحركة؛ فاقتضي أن يكون البناء سكونا، وما كان الإعراب فيه أصلا أن يكن البناء فيه فرعا؛ فلذلك كان في الحروف والأفعال أصلا، وفي الأسماء فرعا ..) (٢) ٣ - قال في تعليل كون التمييز نكرة: (المميز لا يكون إلا نكرة؛ لأنهم أرادوا أن يكون المنصوب غير المنقول دليلا على الجنس؛ فحيث بلغوا مقصودهم بالنكرة، لم يتعدوها؛ ولأن النكرة واحد يدل على أكثر منه، والمعرفة معينة لا تدل على غير ما وضعت له) (٣) ٤ - قال في تعليل نصب التمييز المحول: (والأصل فيه - أي قولك طبت به نفسا - طابت نفسي؛ فالنفس هي الفاعلة والباء مجرورة الموضع بالإضافة، ثم إنهم أسندوا الفعل إلى الياء منقولا عن موضعه؛ فارتفع به، كما ارتفعت به النفس؛ فبقي المرفوع أولا غير مستحق للرفع؛ لأنه لا يكون فاعلان لفعل واحد بغير عاطف، وليس بصفة للأول؛ لأنه نكرة، والأول معرفة، ولا هو هو، فيكون بدل كل،

стр. 83

ولا فيه ضمير فيكون بدل اشتمال أو بعض، ولا يجوز جره؛ لعدم الجارّ؛ فلم يبق إلا النصب؛ فنصبوه لذلك؛ ولأنه جاء بعد تمام الكلام، وهو استيفاء الفعل فاعله ..) (١). ٥ - قال في تعليل كون المصدر لا يثني ولا يجمع: (المصدر لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس؛ والجنس لا حصر له إلا إذا اختلفت أنواعه، جاز تثنيته وجمعه مبهما ومؤقتا. أما المؤقت - وهو المختص - فتقول فيه: ضربت ضربتين وضربات، إلا أن الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنى؛ لأن" ضربات" يصلح لعقود القلة كلها، ولكنه لا يخرج عن حد التوقيت، من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا؛ فإنه لا يدل على عدد. فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل:" ضربة" و" ضربتين" في كمال التوقيت، إلا أن الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأن العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له. وأما المبهم فلا يجوز جمعه؛ فلا تقول: قتلت قتولا، ولا ضربت ضروبا إلا على إرادة تفريق الجنس واختلاف أنواعه، كقوله تعالى (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (٢) وكقولك" فلان ينظر في علوم كثيرة. وهذا النوع لم يطرد؛ فلم يقولوا: السلوب والنهوب، وإنما يكون ذلك - غالبا - فيما ينجذب إلى الاسمية، نحو: العلم والحلم والظن .. فإن قصدت بالمبهم الحدث، فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل وضروبا من العلم) (٣)

стр. 84

٦ - قال في تعليل تعدي العامل الذي لا يتعدى إلى جميع ظروف" وغير الزمان، المبهم منها والمؤقت، وعدم تعديه إلى المؤقت من ظروف المكان: (وغير المتعدي يتعدى إلى جميع ظروف الزمان، مبهمها ومؤقتها، وإلى المبهم من ظروف المكان؛ تقول في الزماني: صمت اليوم، و: يوما، وو إنما كان ذلك لأن ظروف الزمان لما شاكلت المصادر في دلالة صيغة الفعل على خصوص المصدر دلالتها على المصدر، جرت مجراها في تعدّي نوعي الفعل إليها، وحمل عليها المبهم من ظروف المكان؛ لنوع مشابهة بينهما؛ من جهة النقل والزوال والإبهام؛ فإن الجهة التي هي خلف تصير أماما، وتزول عن وأما المؤقت من ظروف المكان، فلما عدم هذه المشاكلة - وهي دلالة صيغة الفعل على خصوصه - تنزّل منزلة المفعول به في تعدي الفعل إليه، فلا تقول: قعدت المسجد، ولا: جلست الكوفة، حتى تجيء بما يعدّي الفعل إليها، فتقول: قعدت في المسجد، و: دخلت في الكوفة. فأما: دخلت البيت، و: ذهبت الشام، فهو - عند سيبويه - على حذف حرف الجر، تقديره: دخلت إلى البيت، و: ذهبت إلى الشام، والمبرد يقول: إنه متعد بنفسه ..) (١).

стр. 85

٧ - قال في تعليل عمل" ما" عمل" ليس": (اعلم أن المشابهة تقتضي تأثرا وهذا قياس (١) في العربية مستمر، ألا ترى أن ما بني من الأسماء إنما بني لشبه الحرف، وأنّ ما أعرب من الأفعال إنما أعرب لمشابهته الأسماء، وأن ما أعمل من الأسماء، أو منع الصرف فلمشابهته الأفعال؛ فكذلك" ما" النافية لمشاركتها" ليس" في نفي الحال، وفي الدخول على المبتدأ والخبر، ودخول الباء في خبرها، حملها أهل الحجاز في العمل عليها بشريطة، فقالوا: ما زيد قائما). (٢) ٨ - قال في تعليل إهمال" ما" إذا فقد شرط من شروط إعمالها:" لكل أصل من القوة ما يفضل به مشبهه؛ ألا ترى أن الفعل أقوى في العمل من اسم الفاعل، وأن اسم الفاعل أقوى في العمل من الصفة المشبهة به فكذلك (٣) " ما" و" ليس"؛ فعملت" ليس" في المعرفة والنكرة، وتقدّم خبرها على اسمها إجماعا، وعليها عند سيبويه، ويفصل اسمها وخبرها ب" إلا"، وعملها باق عليها. ولما كانت" ما" فرعا عليها نقصت عنها؛ فإذا تقدم خبرها، أو فصل بين اسمها وخبرها ب" إلا"، أو جاء بعده ما ينقض النفي، بطل عملها وارتفع الخبر إجماعا؛ لنقص أسباب المشابهة بينها وبين ما أشبهته) (٤). ٩ - قال في تعليل جمود" نعم" و" بئس" (ومعناهما المبالغة في المدح والذم، وإنما لم يتصرفا لما تضمناه من مبالغة المدح والذم الزائدين على الإخبار والشئ متى خرج بالمبالغة عن نظائره، جعلوا له تأثيرا في

стр. 86

اللفظ؛ ولأن المقصود من التصرف وقوع ذلك المعنى في زمن مختص، وهذان مقصوران على الماضي، صالحان للحال في المعنى؛ فلا يختصان بزمن). (١) ١٠ - قال: (" الندبة" الاسم من قولك: ندب الميت يندبه، إذا تفجع عليه، وذكر خلاله الجميلة في معرض المدح، وإظهارا للجزع وقلة الصبر على فقده، وتعلّلا بمخاطبة الميت مخاطبة الحيّ، وإعلانا من النادب بما آلت حاله إليه. وأكثر ما يتكلم بها النساء؛ لأنهن أرقّ قلوبا، وأكثر جزعا، وأقل في عاقبة الأمور نظرا. وهي مستندة إلى أصل، وذلك: أن من شأن العرب مخاطبة الديار والرسوم، ونداء الأطلال والأشجار وغيرها من الجمادات، مما لا يسمع ولا يجيب، وعلى نحو من ذلك جاءت الندبة، بل هي أقرب حالا، فإن الميت وإن لم يجب، فقد كان للإجابة أهلا) (٢). ١١ - قال في نون الوقاية: (فأما يضربانني فإنما دخلت النون، والنون التي قبلها مكسورة لئلا يعتقد أنّ الأولى - التي هي علامة الرفع - للوقاية، وأن الفعل مجزوم أو منصوب) (٣). ١٢ - وقال: (إنما اختص المرفوع والمنصوب بضميري المتصل والمنفصل دون المجرور؛ لأنّ المجرور لا يتقدّم على عامله، ولا يفصل بينهما، ولا يحذف عامله) (٤). ١٣ - وقال - في حذف نون المثنى -: (مع الإضافة: نحو: غلاما زيد؛ لأن

стр. 87

النون دليل الانفصال، والإضافة دليل الاتصال، والجمع بينهما متعذر) (١). ١٤ - وقال فيه أيضا: (عند الأخفش في قولهم: ضارباك والضارباك، عنده أن الكاف في موضع نصب؛ لأن النون لا تدخل بينه وبين العامل كما تدخل مع المظهر) (٢). ١٥ - قال في جمع الممدود الذى ليس (فعلاء أفعل): (تقلب فيه الألف واوا للفرق بينها وبين المقصورة، ولأنها قد قلبت إليها كثيرا في نحو" وقتت، وأثوب، فتقول في صحراء ونفساء: صحراوات ونفساوات) (٣). ١٦ - قال في سبب جعل علامة النسب الياء: (وإنما جعلوها حرف علة، لأن حروف العلة أكثر ما تزاد في الكلام) (٤). ١٧ - قال في سبب صرف قائمة وظريفة وأمثالهما: (فأما باب قائمة وظريفة فينصرف؛ لأن تأنيثه للفرق، وهو غير لازم) (٥). والصحيح أن سبب منعها من الصرف وجود علة واحدة فقط هي ذكره المؤلف من العلل صحيح لا خلاف فيه، ولكنه فى أحيان قليلة جدا يجانب الصواب، ومن أمثلة ذلك: ١ - قسّم الجمع إلى: خاص ومتوسط وعام، وهذا تقسيم لم يسبقه إليه أحد من العلماء - فيما أعلم -، ويقصد بالخاص: جمع المذكر السالم، وعلّل

стр. 88

تسميته بذلك، فقال: (وانفرد باسم الخصوص؛ لانحصاره في المذكر العلم العالم احتراما للفظه ومسماه، ونفيا لوقوع اللبس فيه) (١). ويقصد بالمتوسط: جمع المؤنث السالم، وعلّل تسميته بذلك، فقال: (إنّما سمي متوسطا لأنّه أعم من الأول؛ لكونه للمؤنث العاقل وغير العاقل، ولأنّه أخص من الثالث - أي جمع التكسير - باقتصاره على المؤنث خاصة، فحصل بينهما) (٢). والعلة الأولى في الخاص صحيحة، أما العلة الثانية في المتوسط فغير دقيقة، فهناك أسماء مذكرة غير عاقلة، جمعت بالألف والتاء مثل: حمامات واصطبلات، وعنوانات، وسرادقات، ومحلات. ٢ - وقال في جمع المقصور جمع سلامة: (وقد شذّ من هذا الباب قوله: ........... ... متى كنّا لأمّك مقتوينا كان القياس: مقتين: حملا على موسين، لأنّ أصلها مفعل من القتو الذي هو الخدمة، ثم نسبت، إليه فقلت: مقتويّ، ثم خففت ياء النسب، كما قلت: الأشعرون، فلما سكنت الياء سقطت؛ لالتقائها مع ياء الجمع، فصارت مقتوين (٣). فالقول بشذوذ هذا البيت هو قول البصريين؛ لأن القياس أن تحذف الواو التي هي لام الكلمة؛ لأنّها متحركة وما قبلها مفتوح، فحقها أن تقلب ألفا، ثم تحذف لالتقاءها ساكنة مع الياء، ثم تجمع (٤)، أما العلة التي ذكرها المؤلف

стр. 89

فهي للكوفيين الذين لا يقولون بشذوذه (١)، فالتعليل الذي ذكره المؤلف يناقض القول بشذوذه. ومع ميل ابن الأثير - في الغالب - إلى الإيجاز المؤدي إلى فهم الحكم من أقرب طريق، فإنه قد يبسط القول، ويزيد الشرح، ويكثر الأمثلة، عند ما يرى اقتضاء المقام عدم الإيجاز. من ذلك: ١ - قال في الفرق بين" أم و" أو" العاطفتين:" كثيرا ما تشتبه" أو" و" أم" فاحتاجا إلى الفرق بينهما. والفرق بينهما: أنك إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لا تعلم كون أحدهما عنده فأنت تسأل عنه، وإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت تعلم أن أحدهما عنده، لكنك تجهل عينه؛ فأنت تطالبه بالتعيين. وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فمعناه: أأحدهما عندك؟ فيكون الجواب" لا" أو" نعم". وأما إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فلا يكون الجواب" لا" ولا" نعم" إنما يكون: زيدا، أو: عمرا؛ لأن تقدير السؤال: أيهما عندك؟ وذلك أنه إنما سأل ب" أو" عن واحد منهما لا بعينه، وب" أم" عن عين أحدهما، فيفتقر إلى أن يكون عالما أن أحدهما عنده لا بعينه. فإن لم يكن عالما، وسأل ب" أم" كان مخطئا في سؤاله، ويكون الجواب: ليس عندي زيد ولا عمرو؛ ف" أو" إذا استثبات، و" أم" إثبات

стр. 90

واستثبات و" أو" تثبت أحد الشيئين أو الأشياء مبهما، و" أم" تقتضي إيضاح ذلك المبهم ..) (١). ٢ - وقال في تحليل بعض الأبيات المشكلة:" .. وقد أورد الفارسي على إعمال الثاني قول الشاعر: قضى كلّ ذي دين فوفّى غزيمه ... وعزة ممطول معنى غريمها وفي الاستشهاد به إشكال؛ لأن قوله:" وعزة" مبتدأ، و" ممطول" ومعنى" خبران، وكل منهما يتعلق ب" غريمها"؛ لأن المعنى يمطل غريمها ويعنى غريمها؛ فلا يجوز أن يرفع" غريمها" ب" ممطول"؛ لأنه يكون مقدما في النية، وإذا تقدم وجب إضماره في" معنى" الذي هو بعده في التقدير، و" معنى" قد جرى على" عزة"، وهو لغيرها. واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، برز ضميره؛ فيحتاج أن تقول: وعزة ممطول معنى هو غريمها؛ لأن التقدير - على هذا القول -: وعزة ممطول غريمها معنى هو. فلمّا لم يكن في البيت ضمير بارز، علمت أنّ" غريمها" مرفوع ب" معنى" كأنّه قال: وعزة ممطول غريمها. معنى غريمها وقيل: إن" غريمها" مرتفع ب" ممطول"، و" معنى" حال منه، وعامله" ممطول" (٢). الرابع: حصر مهمته في اختيار أقوال الأئمة وفي تعليقات يسيرة: إنّ المؤلف - رحمه الله تعالى - قد تواضع، واعترف بالحقيقة التي قلّ أن

стр. 91

يعترف بها الكتّاب، المؤلفون، وإنّ المطلع على كتب النحو يتضح له تأثّر كل متأخر بمتقدم، فابن السراج مثلا أخذ كتاب سيبويه، وجعله في كتابه الأصول في النحو، وزاد عليه تعليقات وترجيحات واختيارات هي ما ينسب إلى ابن السراج من آراء، وأبو علي الفارسيّ - في الإيضاح والتكملة - أخذ كتاب الأصول في النحو، وزاد عليه ما زاد، وهكذا فعل ابن جنيّ مع الفارسيّ، ولا عيب في ذلك أبدا، وإنما هو منهج كان متبعا وغير مذموم، حتى أنّنا وجدنا كتاب التكملة - للفارسيّ - في كتاب المخصص لابن سيده، ولكن المؤلف ﵀ وهو المحدّث الذي اعتاد على الصراحة والصدق خوفا من الجرح والتعديل صرّح بذلك، فهو عمد إلى أقوال النحاة وجمعها في كتابه، وكان يختارها في كثير من الأحيان، ولا ينص على أصحابها، فيبدو القول أو الرأي كأنه للمؤلف نفسه، والحقيقة أنه لغيره، لكنّ المؤلف اختاره وسار عليه، وهذا في أكثر الحالات يكون في الآراء المشهورة، وكان في بعض الأحيان يختار الآراء غير المشهورة، ويترك الآراء المشهورة، ومن أمثلة ذلك: ١ - قال: (المؤنث بالعلامة: تصغّر الكلمة عارية من العلامة، ثم تأتي بها بعد ذلك) (١). وهذا القول للمبرد (٢) وابن جنّي (٣) والصيمريّ (٤)، وهو مخالف لما عليه جمهور النحاة، فهم يرون أن الكلمة تصغر وفيها علامة التأنيث (٥).

стр. 92

٢ - عدّ الهمزة من حروف العلة (١)، وهذا مخالف لرأي الجمهور، وإنما قال به ابن السراج فقط. ٣ - قسّم الممدود في النسب إلى منصرف وغير منصرف (٢)، وهذا تقسيم سيبويه (٣)، والمبرد (٤)، والفارسيّ (٥)، لكن العلماء بعدهم لم يسيروا ٤ - جعل (لفعل) الممنوع من الصرف ميزانا، فقال: (ويعتبر بالألف واللام، فما دخلاه لم يكن معدولا في الغالب) (٦). اتّبع المؤلف في هذا ابن جنّي (٧)، ولكن الصحيح أنه لا ميزان لها، وإنما هي أسماء محصورة مسموعة، والدليل على عدم شموله أن المؤلف قال: (في الغالب). ٥ - تابع" الصوليّ" (٨) و" الأنباريّ" (٩) في جواز كتابة ألف المقصور - إذا زاد على ثلاثة أحرف - بالياء أو الألف، أما رأي الجمهور فهو أن تكتب بالياء (١٠).

стр. 93

٦ - وقال: (قد زادوا ألفا بعد واو الجمع والواو الساكنة التي هي لام الفعل في حالة الرفع إذا لم يتصل بضمير المفعول، مثل: ضربوا .. ونحو: يغزوا ويدعوا) (١)، وهذا قول ابن قتيبة والكسائيّ والأخفش وثعلب وابن خالويه، أما قول الجمهور فإنه خاص بكل فعل معه واو الجمع (٢). ٧ - قال المؤلف عن (لو): (إذا وقع بعدها فعل مستقبل جعلته ماضي المعنى) (٣). كأنّ ابن الأثير ممن ينكر أن تكون (لو) حرف شرط في المستقبل، وهو قول ابن الحاج، والصحيح أنها تكون للتعليق في المستقبل كقول الشاعر: - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتي وإن كنت رمّة ... لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب (٤) ٨ - اختار المؤلف أنّ ضمّ قاف (قلت) وكسر باء (بعت) لنقل حركة العين إلى الفاء (٥)، وهذا رأي الكسائىّ وابن جنّي (٦). أما القول المشهور فهو أنه للفرق بين الواويّ واليائيّ (٧). أما تعليقات ابن الأثير وإشارته فغالبا ما تكون في ترجيح بعض الأقوال، أو لمحات عن الحديث، أو تنبيه على لحن، وهي قليلة، منها:

стр. 94

١ - قال" في النسب إلى الاسم المنقوص": (وأما قول الناس: قضويّ، فليس من هذا الباب، وإنما هو منسوب إلى قضا، - بالقصر، لو ورد) (١) ومما تجدر الإشارة إليه أنّه كانت في الموصل مدرسة تسمى (المدرسة الكماليّة القضويّة) فربّما أنّ المؤلف قصدها (٢). ٢ - وقال في الإمالة: (وقول الناس: فلان قاعد، خطأ) (٣)، أى بإمالة قاعد. ٣ - قال في" النسب إلى ما فيه ياء مشددة قبل الحرف الأخير كأسيّد: (وأصحاب الحديث يقرون الياء المشددة بحالها، فيقولون: أسيّديّ) (٤) وهذا تنبيه منه ﵀ على خطأ المحدّثين. ٤ - قال في حذف همزة الاستفهام: (وأكثر ما رأيته جاء في الحديث) (٥) فحذف الهمزة جاء في أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : (وإن زنى، وإن سرق؟) وغيره (٦). ٥ - قال: (إذا كانت الهمزة بعد فتحة، وبعد الهمزة ألف، لم يثبت للهمزة صورة .. ومنهم من يكتبها ألفا، وهو الأولى عندي؛ لئلا يلتبس بالواحد) (٧). فتكتب: هذا فعل زيد وعمرو أخطأ أم أصابا.

стр. 95

مآخذ على أسلوبه ومنهجه ١ - قال في تثنية الممدود: (أن تكون - أي الهمزة - منقلبة عن حرف زائد لم يلحق بالأصل، كالمنقلبة عن ألف التأنيث، نحو: حمراء وصفراء) (١). فقول المؤلف: (كالمنقلبة عن ألف التأنيث)، يوهم أنّ هناك غيرها، وليس كذلك، لذا كان عليه أن يقول: ومنقلبة عن حرف زائد للتأنيث، أو يقول كما قال الفارسي: (المنقلبة عن الحرف الزائد الذي لم يلحق بالأصل) (٢). ٢ - عرّف الجمع بأنّه (ضمّ غير المفرد إلى المفرد) (٣). وهذا تعريف غير دقيق؛ لأن قوله: (غير المفرد) يدخل فيه المثنى والجمع ٣ - قال عن الأعلام المؤنثة التي على وزن فعال وآخرها راء: (وجميع هذا إذا سمي به مذكر لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة، وكل ما لا يعرف أصله من فعال فالقياس صرفه، قال سيبويه: ويجوز فيه الرفع والنصب) (٤). يفهم من كلام المؤلف أن سيبويه يجيز الرفع والنصب في كل ما لا يعرف أصله وهذا غير صحيح، فسيبويه يجيز ذلك فيما آخره راء، فكان على المؤلف أن يأتى بكلام سيبويه قبل قوله: (وجميع هذا .. الخ). ٤ - جعل ابن الأثير التي الخطاب الكاف والتاء على نوعين: اسم دال على الخطاب، وحرف خالص للخطاب (٥).

стр. 96

وهذا تساهل من المؤلف في التعبير؛ فهما إذا كانا اسمين دلا على المخاطب لا على الخطاب، وإذا كان حرفين دلا على الخطاب، كما أنه قال في" ذلك": - (والكاف للمخاطب وهو المسؤول) (١)، وهى للخطاب؛ ٥ - اعتاد العلماء أن يأتوا بالمصادر القياسية للأفعال ومن ثم يستثنون ما جاء على خلافها، لكن المؤلف ﵀ أفرد لها فصلا سماه (لواحق باب المصادر) (٢)، وهى ليست لواحق، وإنما هي مستثنيات. مصادر الكتاب حدد ابن الأثير ﵀ مهمته في هذا الكتاب بكونه مختارا لآراء الأئمة وأقوالهم، ولذا زخر كتابه بالنصوص والآراء المنقولة عن العلماء السابقين الذين صرح المؤلف بأسمائهم، فتبين أن كتبهم من أهم مصادر الكتاب، وهناك مصادر غير واضحة إلا لمن تعمّق في دراسة الكتاب. فالمؤلف ﵀ لم يشر إلى أنه ينقل منها، وهي كتب محدودة كانت أمام المؤلف وهو يكتب كتابه، وسأتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد. ومصادر الكتاب المصرح بها عن طريق نسبة الأقوال والآراء إلى أصحابها كثيرة جدا، ومنها: ١ - سيبويه: آراؤه وأقواله المأخوذة من كتابه بلغت أكثر من واحد وعشرين وثلاثمائة نص منقول أو رأي، لم يشر المؤلف ﵀ في أيّ

стр. 97

موضع منها إلى أن مصدر الرأى هو الكتاب؛ ربما لأنه ليس لسيبويه غير الكتاب. ٢ - أبو الحسن الأخفش: وقد بلغت آراؤه في الكتاب أكثر من ثمانين رأيا لم يوثق أي رأي منها بإحالته على أحد كتب الأخفش. ٣ - ابن السراج، بلغت آراؤه في الكتاب أكثر من أربعة وسبعين رأيا، لم يعز أي واحد منها إلى مصدره. ٤ - الخليل بن أحمد، زادت أراؤه على تسعة وأربعين رأيا. ٥ - أبو العباس المبرد: في الكتاب أكثر من اثنين وخمسين رأيا له لم يوثّق أي واحد منها بإحالته على مصدره. ٦ - أبو علي الفارسي: بلغت آراؤه أربعة وثلاثين رأيا. ٧ - أبو زكريا الفراء: نقل عنه أكثر من ثمانية عشر رأيا دون إحالة على مصادرها. ٨ - الكسائي: بلغت الآراء المنقولة عنه تسعة عشر رأيا. ٩ - أبو عمرو بن العلاء: جاءت آراؤه وقراءاته في عشرة مواضع. ١٠ - أبو عثمان المازني: بلغت آراؤه اثنين وعشرين رأيا. ١١ - يونس بن حبيب: بلغت آراؤه أربعة عشر رأيا. ١٢ - أبو الخطاب الأخفش الأكبر: له أربعة آراء. ١٣ - الجرمي: له تسعة آراء. ١٤ - أبو زيد: له ثلاثة آراء. ١٥ - الزجاج: بلغت آراؤه ثلاثة عشر رأيا. ١٦ - السيرافي: بلغت آراؤه أحد عشر رأيا. ١٧ - ثعلب: له ثلاثة آراء.

стр. 98

١٨ - عيسى بن عمر: له رأيان. ١٩ - شيخه (ابن الدهان): له سبعة آراء. ٢٠ - الرماني: له رأيان. ولابن جنّي اثنا عشر رأيا، وقد انفرد أبو الفتح بأنّ المؤلف قد ذكر أحد أقواله وأحاله على مصدره" كتاب سر صناعة الإعراب" وهو الكتاب الوحيد المذكور في الجزء الثاني من كتاب" البديع في علم العربية" (١). ولكل من الأصمعي والزمخشري ثلاثة آراء. ولكل من الصيمري وابن كيسان وابن الأنباري رأي واحد. وقد عمد المؤلف في كثير من المواضع إلى عدم ذكر اسم صاحب الرأي والتعبير عنه بقوله:" قال بعضهم"، أو" قيل"، أو" ومنهم من يقول: كذا" أو" وقال قوم". موقفه من المصادر إنّ المؤلف - رحمه الله تعالى - مع كثرة النصوص والآراء التي أودعها في كتابه لم يعمد إلى توثيقها بإحالتها على مصادرها الأصلية في الغالب فلم يرد في الجزء الثاني من كتابه قول معزو" إلى مصدره إلا مرة واحدة. قال في صنعانيّ وبهرانيّ: (وحذاق النحاة يقولون: إن النون بدل من الواو المبدلة من همزة التأنيث، كأنّ الأصل: صنعاويّ وبهراويّ، حكاه ابن

стр. 99

جني في سر الصناعة) (١). بل إن من عجيب الأمر أن يكون الرأى في كتاب شيخه ابن الدّهان محالا على مصدره، فيترك ابن الأثير الإحالة، ومن أمثلة ذلك قول المؤلف: (قال الأخفش من قال: هذه حمامة للذكر، وهذه حمامة للأنثي، فينبغي له إذا أراد المذكر أن يقول: ثلاثة حمامات) (٢). نصّ ابن الدهان (٣) على أن الأخفش قاله في كتابه (المسائل الكبير). موقفه من النصوص لم يلتزم المؤلف طريقة واحدة في نقله النصوص، بل اتبع ثلاث طرق في ذلك، وهي: ١ - النقل المطابق: وذلك بالالتزام بنصّ العالم لفظا ومعنّى، وهذا كثير جدا في الكتاب (٤). ٢ - نقل المعنى والتصرف باللفظ: إذ عمد المؤلف إلى بعض الأقوال، فنقلها بأسلوبه، ولم يلتزم فيها بنص قائلها، ولذلك أمثلة كثيرة (٥) منها: - قال المؤلف: (قال سيبويه: سألته - يعني الخليل - عن «عقلته بثنايين»: لم لم يهمز؟ فقال: لأنّه لا يفرد له واحد) (٦). ونص سيبويه في هذا: (وسألت الخليل عن قولهم: عقلته بثنايين وهنايين لم لم يهمزوا؟ فقال:

стр. 100

تركوا ذلك حيث لم يفرد الواحد، ثم يبنوا عليه، فهذا بمنزلة السماوة لما لم يكن لها جمع كالعظاء والعباء يجئ عليه جاء على الأصل) (١). وقال المؤلف: (قال الخليل: إنما قالوا: مرضى وهلكى لأن المعنى معنى مفعول) (٢). وفي الكتاب: (وقال الخليل: إنما قالوا: مرضى وهلكى وموتى وجربى وأشباه ذلك لأنّ ذلك أمر يبتلون به، وأدخلوا فيه وهم له كارهون، وأصيبوا به فلما كان المعنى معنى المفعول كسّروه على هذا المعنى) (٣). وقال المؤلف: (وقال ابن الأنباريّ: إذا قلت: عندي ثلاث بنات عرس وثلاث بنات آوى، فالأولى أن تدخل التاء في المذكر لأن الواحد ابن عرس وابن آوى) (٤). ونص قول ابن الأنباري: (فإذا قلت: عندي ثلاث بنات عرس وأربع بنات آوى كان الاختيار أن تدخل الهاء في العدد، فتقول: عندي ثلاثة بنات عرس، وأربعة بنات آوى؛ لأن الواحد ابن عرس) (٥). قال المؤلف: (قال شيخنا الواجب أن لا يعتبر في الوصف أفعل فعلاء؛ فإن منه ما لم يستعمل له مؤنث، نحو: رجل آدر، وأنزع، ويوم أيوم) (٦)، ونص شيخه ابن الدّهان: (والواجب ألا يعتبر في هذا الباب جميعه فعلاء، فربما لم يستعمل له مؤنّث؛ إما لفساد المعنى: كيوم أيوم، ولم

стр. 101

يقولوا: ليلة يوماء، ورجل آدر، وإما للغناء عنه: كأخيل وأجدل، في من لم يصرف، وقالوا: رجل أنزع، وامرأة زعراء، ولا يقال: نزعاء) (١). ٣ - الاختصار والاقتصار على ما يؤدى الغرض: فحينما يكون في المصدر تفصيل أو تعليل يتركه المؤلف، ويكتفي بما يحقق الهدف، ومن أمثلة ذلك: قال المؤلف: (قال سيبويه: وليس كل جمع يجمع، لم يقولوا في جمع برّ: أبرار) (٢). ونص قول سيبويه: (واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والحلوم والألباب، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والعلم والنظر، كما أنهم لا يجمعون كل اسم يقع على الجميع، نحو: التمر وقالوا: التمران، ولم يقولوا: أبرار) (٣). وقال المؤلف: (قال سيبويه: ليس في كل شئ يقال هذا، لم يقولوا لصاحب البرّ: برّار، ولا لصاحب الشعير: شعّار، ولا لصاحب الدقيق: دقّاق) (٤) ونص قول سيبويه هو: (وليس في كل شئ من هذا قيل هذا، ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البرّ: برّار، ولا لصاحب الفاكهة: فكّاه، ولا لصاحب الشعير: شعّار، ولا لصاحب الدقيق: دقّاق) (٥).

стр. 102

وقال المؤلف: (وقال سيبويه تقول: ثلاثة نسابات، وهو قبيح؛ لأن النسابة صفة، كأنه قال: ثلاثة رجال نسابات) (١). ونص سيبويه: (وتقول ثلاثة نسّابات، وهو قبيح؛ وذلك أن النسّابة صفة، فكأنه لفظ بمذكر، ثم وصفه، ولم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم، فإنما تجئ كأنك لفظت بالمذكر، ثم وصفته، كأنك قلت: ثلاثة رجال نسّابات) (٢). مآخذ على المؤلف في مصادره ١ - الاضطراب في النقل: وذلك بالتقديم والتأخير في القول الواحد، أو في الأقوال المجتمعة، ومن ذلك قوله: (قال سيبويه: تقول له ثلاث من النساء، وثلاث شياه ذكور، وخمس من الغنم ذكور)، و (قال: وتقول: له ثلاثة ذكور من الغنم، وخمسة ذكور من الإبل) (٣). وسيبويه قال: (له ثلاث شياه ذكور، وله ثلاث من الشاء) (٤). فالمؤلف في الجملة الأولى قدّم وأخّر، ثم قال سيبويه بعد كلام لم يذكره المؤلف: (وتقول: له خمس من الإبل ذكور، وخمس من الغنم ذكور) (٥)، وكلام المؤلف ﵀ يدل على أن الجمل متتالية، ثم قال سيبويه: (وتقول: له ثلاثة ذكور من الإبل) (٦)، والمؤلف قد جعلها خمسة، وأتى بقول لم يقله سيبويه (وهو: له ثلاثة ذكور من الغنم، وسبب هذا الاضطراب أن

стр. 103

المؤلف ﵀ لم ينقل من كتاب سيبويه مباشرة، وإنما تابع شيخه ابن الدهان (١) الذي وقع في نقله الاضطراب نفسه. ٢ - التحريف الموهم: قد يغيّر المؤلف بعض النصوص بما لا يغيّر معناها، وربما لا يلبس، لكنه قد غيّر في أحد أقوال سيبويه تغييرا حصل فيه إبهام حاول المؤلف ﵀ تلافيه، قال: (قال سيبويه: ومن العرب من يقول في ناب: نويب، فيجئ بالواو؛ لأن هذه الألف يكثر إبدالها من الواوات، قال: وهو غلط منه) (٢) فيوهم النص - على الرغم من تقدّم كلمة: (قال) الثانية أنّ الغلط ينسب إلى سيبويه، ونص سيبويه: (وهو غلط منهم) (٣) - أي: من العرب القائلين ذلك، والمؤلف ﵀ لم ينقل النص من كتاب سيبويه مباشرة، وإنما عن طريق ابن السراج (٤) الذي غيّر ضمير الجمع إلى ضمير المفرد، ومن هنا حدث، اللبس حتى أنّ الجوهريّ (٥) ظنّ أن ابن السراج خطّأ سيبويه، وردّ عليه. ٣ - عدم الدقة في نقل بعض الآراء: قال المؤلف ﵀: (قال سيبويه: لولا الإطباق صارت الطاء تاء والظاء ثاء، والصاد سينا، وعدم الضاد؛ لأنّها منفردة في مخرجها) (٦) وهذا النقل عن سيبويه فيه تغيير وتقديم وتأخير، قال سيبويه: (ولولا

стр. 104

الإطباق لصارت الطاء دالا، والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد من الكلام؛ لانه ليس شئ من موضعها غيرها) (١). وقال المؤلف ﵀: (وأما فعل وفعل فتثبت فاؤهما في المستقبل، نحو: وجل يوجل، ووضؤ يوضؤ وأما ولي يلي، ووثق يثق، وومق يمق، فقليل محمولة على باب وعد) (٢). الأمثلة على مجئ مضارع فعل على يفعل قليلة، وقلتها لمخالفتها فتح المضارع، وليس من مبرّر لحملها على باب وعد، بل مضارعها مثل مضارع وعد، ففى مضارعها وقعت الواو بين الياء المفتوحة والكسرة، فلا بد من حذفها، أما كلام المؤلف فمنقول عن سيبويه دون دقة. قال سيبويه: (وولي ويلي: أصل هذا يفعل، فلمّا كانت الواو في يفعل لازمة، وتستثقل، صرفوه من باب فعل يفعل إلى باب يلزمه الحذف، فشركت هذه الحروف وعد كما شركت حسب يحسب) (٣). فسيبويه ذكر أنها تشارك (وعد)، وليست محمولة عليها. قال المؤلف: (والعلماء في مثنى الأعلام ومجموعها مختلفون، فمنهم من يلحقه الألف واللام عوضا عما سلب من التعريف، فيقول: الزيدان والزيدون، وهم الأكثر، ومنهم من لا يدخلهما عليه، ويبقيه على حالة قبل التثنية والجمع، فيقول زيدان وزيدون) (٤).

стр. 105

والرأى الأخير غير معروف، حتىّ أنّ أبا حيان النحويّ قال: (وهذا القول الثاني غريب جدا لم أقف عليه إلا في هذا الكتاب) (١) فربما كان هذا سهوا من المؤلف ﵀، حتى شيخه ابن الدهان لم ينقله. ٤ - الخطأ في نسبة بعض الآراء: قد ينسب رأيا لعالم، وهو لغيره، أو يغير في قوله ورأيه، ومن أمثلة ذلك: قال المؤلف في الآراء في (أنت): (وقال الفراء: التاء هي الاسم، وأن عماد لها) (٢)، وإنما قال المؤلف هذا متابعة لشيخه ابن الدهان (٣)، ورأي الفراء أنّ أنت بكماله اسم (٤)، أما ما ذكره المؤلف فهو رأي ابن كيسان وبعض الكوفيين (٥). وقال المؤلف: (ومنهم من يكسر الكاف مع الجمع إذا انكسر ما قبلها حملا على هاء (به)، كقوله: وإن قال مولاهم على جلّ حادث ... من الدّهر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا قال سيبويه: وهي لغة قوم من ربيعة) (٦). وهذه ليست لغة قوم من ربيعة، بل هي قول ناس من بكر بن وائل، كما

стр. 106

قال سيبويه (١)، وأما أولئك فيقولون: منهم، ولكنّ المؤلف تابع شيخه ابن الدّهان (٢). وقال المؤلف في النسب إلى شنوءة: (فسيبويه والأخفش يحذفان الواو مع التاء، ويقرّان الضمة على حالها) (٣). تابع في هذا القول شيخه ابن الدهان (٤). والصحيح أنّ هذا مذهب ابن الطراوة (٥)، أما سيبويه فيحذف الواو مع التاء، ويقلب الضمة فتحة (٦). أما الأخفش فينسب إلى الكلمة على لفظها (٧)، وقد نبّه أبو حيّان على وهم ابن الدهان، فقال: (ووقع في الغرة نسب هذا المذهب إلى سيبويه والأخفش وهو وهم (٨)، ونّبه عليه المرادىّ (٩) وابن عقيل (١٠)

стр. 107

مصادر الكتاب الأساسية الدقة في ذكر المصدر الذي ينقل عنه: يسلك ابن الأثير - أحيانا - منهجا يشبه منهج المحدثين في بحوثهم، وذلك أنه قد يذكر اسم الكتاب الذي ينقل عنه، ومن ذلك: ١ - يقول في اختلاف النحاة في" ليس":" وأما" ليس" فأكثر النحاة يقولون إنها فعل غير متصرف، وعليه ظاهر كلام سيبويه والخليل. وذهب قوم إلى أنها حرف، وعليه جاء قولهم:" ليس الطّيّب إلا المسك" برفعهما، كما يرفعان ب" ما". وقال الفارسي بالمذهبين جميعا. فجعلها في" الإيضاح" فعلا، وفي" الحلبيات" حرفا. ثم يختم الكلام بذكر مذهب ابن السراج في" ليس" بقوله:" وهي تنفي المستقبل عند ابن السراج؛ ولهذا منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا: قد يذهب؛ لتضاد الحكم بين" قد" و" ليس" (١). ٢ - ويقول - في الكلام على دخول نون التوكيد مع النفي كما تدخل مع الاستفهام -:" وقال بعض العلماء: ليس كل استفهام تدخل فيه مع الفعل النون، بل إن كان الاستفهام عن الفعل دخلت (النون)، وإن كان عن الاسم لم تدخل (النون)، كقولك: متى تقوم؟؛ لأن الاستفهام عن زمن القيام، والأكثر الأول؛ فإنك تقول: كم تمكثنّ؟ و: انظر متى تفعلن؟ وقد ألحق عثمان بن جنّي النفي بهذا الضرب، قال شيخنا: لم أجد أحدا ذكر دخول" النون" في النفي، وإنما قال سيبويه: وبعد" لم"؛

стр. 108

لأنها لما كانت جازمة أشبهت" لا" النافية، وهذا لا يجوز فيالإضطرار (١). وقد أعاد عثمان هذا الحكم في" شرح الإيضاح"، فقال: وتدخل النون في النفي كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٢) فجعل" لا تصيبن" نفيا، وغيره جعلها نهيا بعد أمر، كقوله تعالى: ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ (٣). وأعاد عثمان ذكر هذا الحكم في «الخصائص»، فقال: ومثال دخول النون في الفعل المنفي قولك: قلما يقومنّ زيد، وقالوا: أقسمت لما تفعلن،" لا" طلب كالأمر والنهي" (٤). وها هنا يؤكد ابن الأثير شخصيته العلمية، واختياره ما صح عنده من الأقوال، وإن كان في اختياره هذا مخالفة لأشياخه؛ فهو يختار رأى ابن جني في المسألة، مع أن شيخه ابن الدهان لا يرى ما رآه ابن جنّي؛ فقد حكى ابن الأثير كلام شيخه، حيث قال:" قال شيخنا:" لم أجد أحدا ذكر دخول النون في النفي ... " إلخ. وها هو ذا يرجح رأي ابن جنّي بقوله:" وما أشبه قال عثمان بما قال؛ فإنّ ظاهر لفظ الآية يدلّ على ما ذهب إليه، ولا يحتاج إلى تعسف في توجيهها .. " (٥) ويختم ابن الأثير الكلام هاهنا بذكر رأي الفارسي في المسألة، وكأنه يريد أن يبيّن مخالفة ابن جنّي لشيخه أبي علي، كما خالف هو شيخه ابن الدهان،

стр. 109

يقول:" وقال الفارسي: نون التوكيد لا تدخل النفي، وأنشد معترضا: قليلا به ما يحمدنّك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما وقال: إنما دخلت النون ها هنا حملا على المعنى .. " (١). إن ما تحدّثنا عنه من مصادر الكتاب هي ما يظهر لكل مطلع، وهي ليست مصادر أساسية؛ لأنه من الممكن أن تكون الآراء والنقول التي مرت وغيرها من نصوص الكتاب منقولة من غير مصادرها الأصليّة، وقد نبهنا فيما مضى على بعض النماذج من ذلك، وكتاب" البديع في علم العربيّة"، له مصادر أساسيّة اعتمد عليها واستقى منها مادته العلمية من أهمها: ١ - كتب شيخه ابن الدهان: وابن الدهان تلميذ الرمانيّ، وسيبويه عصره، كمال قال العماد الأصفهانى (٢)، وقال عنه ابن خلكان: (وكان في زمن أبي محمد المذكور ببغداد من النحاة ابن الجواليقى وابن الخشاب وابن الشجريّ، وكان الناس يرجحون أبا محمد المذكور على الجماعة المذكورين مع أنّ كل واحد منهم إمام) (٣). ولكنه كما قال عنه ياقوت الحمويّ: (وكان مع سعة علمه سقيم الخط، كثير الغلط، وهذا عجيب منه) (٤). وقد اعتمد ابن الأثير على كتب شيخه، وفي مقدمتها (الغرة في شرح اللمع) في الأبواب الآتية: النكرة والمعرفة - المقصور والممدود - التصغير - النسب - الاستفهام - الموصول والصلة - الممنوع من الصرف - العدد -

стр. 110

الإمالة - الكتابة والهجاء .. وإنّ هذا الحكم لا يحتاج قبل إصداره إلى أدلة، فالموازنة بين الكتابين تجعل هذا الحكم مسلّما به، وقد مرت بنا شواهد على نقله عن شيخه حتى الأخطاء، وسيأتي في الشواهد ما يزيد ذلك وضوحا، ومن أعجب ما رأيت من متابعة ابن الأثير شيخه ابن الدهان قوله في دخول همزة الاستفهام على (إنّ): (وتدخل على إنّ المكسورة كقوله تعالى: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ وأ إنّكم لتقولون (١). فساق ابن الأثير قوله: أإنّكم لتقولون على أنها آية متابعة لشيخه الذي قال وقوله تعالى:" أإنكم لتقولون" .. (٢) وليس في القرآن الكريم آية على ما ذكرا من دخول همزة الاستفهام على إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ ولا قراءة بدخولها في آية الإسراء (٣). ٢ - كتاب التكملة - لأبي عليّ الفارسيّ: كتب أبي عليّ الفارسيّ ذات أثر واضح في كتاب" البديع في علم العربيّة"، وكتاب" التكملة" يتضح أثره في الأبواب التالية: الهمزات - التثنية - جمع التكسير - أبنية الأفعال والمصادر. ٣ - سر صناعة الإعراب لابن جنّي: فالمؤلف ﵀ استقى منه المادة العلمية في دراسة الحروف في باب التصريف. كما أكثر من النقل عنه في بعض أبواب الجزء الأول. ٤ - الأصول في النحو لابن السراج:
следующие страницы →