Полный текст (470 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بالمصائب، وأراد: شامتٌ بي ومثن عليّ، وشامتٌ، إما مقطوع على أنه خبرًا أو مبتدأ، أي أحدهما: شامت، أو منهما شامت، وأما بدل من الخبر ويرجح القطع لزومُهِ فيمَنْ روَى (نصفين أو صنفين) ويروى: شامِتٌ ومُثْنٍ /١٢١/، بما قد كنت أُولى وأصنعُ، ويُروى: أسدى وأصنع، وبعده:
(ولكن ستبكيني خِطوبٌ ومجلسٌ ... شُعْثٌ أُهينوا في المجالس جُوّعُ)
(ومُسْتَلْجِمٌ قد صحكه القومُ صَكة ... بَعيدُ الموالي نيلَ ما كانَ يَجْمَعَ)
(وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي ... ولكن مَتَى ما أملك الضُّرَّ أنفعُ)
وهذا البيت الأخير شاهد على جواز: أن تقم أقوم، بالرفع، وهو ضرورة، ومثله: [الرجز].
(يا أقرعُ بنُ حابسٍ يا أقرعُ ... إنَّك إنْ يُضْرَعْ أخوك تُضْرَعُ)
مسألة [٧٠]
لا يزاد من الأفعال بقياس إلا (كان) بشرط كونها بلفظ الماضي، ووقوعها بين (ما) التعجبية وخبرها ، نحو: ما كان أحسن زيدًا، ولم تكثر زيادتها في غير ذلك، فيقاس عليه، وندرت زيادتها بين على ومجرورها، كقوله: [الوافر].
стр. 212
(سَراةُ بني أبي بكرٍ تَسَامى ... على كانَ المُسومةِ العِرابِ)
ومُسْنَدةٌ إلى الفاعل كقوله: [الوافر].
(فكيفَ إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرامِ)
وبلفظ المضارع نحو: [الرجز].
(أنتَ تكونُ ماجدٌ نبيلٌ ... إذا تهُبُّ شَمْالٌ بليلُ)
وزيادة (أصبح وأمسى) في قولهم: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، يعنون الدنيا، وجوزه الفارسي في قوله: [السريع].
(عَدُوُّ عَيْنَيْكَ وشأنئهما ... أصبحَ مشغولٌ بمشغولِ)
وقوله: [الطويل].
أعاذل قولي ما هويتِ فإنني ... كثيرًا أرى أمسى لديك ذُنوبي)
فأما البيت الأول، فالسراة، بالفتح: اسم جمع للسرى، وهو ذو السخاء والمرؤة، ويروى مكانه (جياد) فإن كان جميع جيّد، فهما متقاربان،
стр. 213
أو: جواد، فالممدوح خيلُّهم، والمعنى حينئذٍ /١٢٢/ على المسومة العراب من جياد غيرهم، وهذه الرواية وهذا التفسير أظهر، إذ ليس بمعروفٍ تفضيل الناس على الخيل.
و (تسامى) إما مضارع، أي: تتسامى: أو ماضٍ على حد قولهم: الركبُ سارَ، ويؤيده أنه يروى: تَسَامَوا.
و (العراب من الخيل خلاف البراذين، ومن الإبل خلاف اليخاتى، وروى الفراء: المطهمة الصلاب. والمُطهم، بالمهملة: التام الخلق من الخيل وغيرها. و (الصلاب) ذوات الصلابة أي الشدة.
تنبيه:
ذكر ابن يعيش أن (كان) الزائدة إما لمجرد توكيد الكلام، كالتي في هذا البيت، وكما في قولهم: إن من أفضلهم ما كان زيدًا، إذ لا مدح في إثبات ذلك له فيما مضى دون الحال، وإما لإفادة الانقطاع نحو: ما كان أحسن زيدًا.
وأما البيت الثاني فإنه للفرزدق في كلمة يمدح فيها هِشامًا. و (كرام) صفة لجيران. و (لنا) قيل: خبر مقدم، ثم اختلف على قولين، أحدهما: أنه خبر مبتدأ، والأصل (لناهم)، ثم زيدت (كان)
стр. 214
بينهما، فصار (كان هم)، ثم وصل الضمير إصلاحًا للفظ، لقبح وقوعه منفصلاً إلى جانب فعل غير مشتغل بمعمول، والثاني: إنه خبر لكان وأنها ناقصة، وهي قول المبرّد، وجماعةٍ وعليه فالجملة صفة لجيران وتقدّمت على الصفة المفردة، والأكثر في الكلام تقديم المفردة. وقيل: (لنا) صفة لجيران.
ثم اختلف على قولين أيضًا، أحدهما: إن (كان) تامة، والضمير فاعل، أي: وجدوا، ولا فائدة في الكلام على هذا القول، والثاني: إنها زائدة، ثم اختلفوا في الاعتذار عن الضمير على قولين، أحدهما: إن الزيادة لا تمنع العمل في الضمير، كما لم يمنع /١٢٣/ إلغاء عملها في الفاعل مطلقًا.
قاله ابن السيد والناظم، وفيه نظرٌ، لأن الفعل الملغى لم ينزل منزلة الحروف الزائدة حتى لا يليق به الإسناد إلى الفاعل، وإنما هو فعل صحيح وُضِعَ لقَصْد الإسناد.
والثاني: أن الأصل (كان هم) على أن الضمير توكيد للضمير المستتر في (لنا)، ثم زيدت (كان) بينهما ووصل الضمير للإصلاح.
стр. 215
ويُروى أن الحسن البصري لما سمع البيت قال له: قل كانوا كرامًا، فقال: إذن ماما ولدتني إلا ميسانية يا أبا سعيد.
و (مَيْسان) من قرى العراق، أي لم أدْنُ من العرب، ويروى:
(وكنت إذا رأيتُ ديارَ أهلي)
وقبل البيت:
(هَلْ أنتم عائجون بنا لَعَنا ... نَرَى العَرَصاتِ أوْ أَثَرَ الخيامِ)
(فقالوا إنْ فَعَلْتَ فُاغْن عنّا ... دُموعًا غيرَ راقيةِ السِّجام)
وبعده:
(أكفكفُ عبرةَ العينين منّى ... وما بَعْدَ المدامعِ من مَلامِ)
و (لعنّا) لغة في لعلنا، وكيف ظرف لا كفكف، ومن أبيات القصيد:
(سيبلغهُنَّ وحيُ القول عَنِّي ... ويُدْخِلُ رأسَهُ تحت القِرامِ)
(أُسَيدُ ذو خُرَيطةٍ نهارًا ... من المتلقِّطي قُرَدَ القُمام)
(القرام) بكسر القاف، السِّتر، أي سأرسل إليهن غُلامًا أسودَ حقيرًا
стр. 216
لا يؤبه له، يلتقط الكناسة، وفيه عيب التضمين، لأن الثاني مشتمل على فاعل فعل في الأول، وفي الثاني منهما أعلال الواو في (أسيود)، وهو أقيس من التصحيح، وإضافة ما فيه الألف واللام، لكون المضاف صفة معربة بالحروف، على أن المضاف إليه مضافٌ /١٢٣/ لما فيه الألف واللام، وذلك مصحح أيضًا لو انفرد.
وأما البيت الثالث فإنه لأم عقيل بن أبي طالب، تقوله وهي تُرَقصُهُ. و (الماجد) الشريف والنبيل.
و (تَهُب) بضم الهاء وجوبًا، وهو شاذ قياسًا، لأن قياس مضارع فعل المضعف القاصر (يفعل) بالكسر، نحو: حنَّ يحِنّ، وأنّ يئنّ.
و (شَمْألٌ) بهمزة زائدة بعد الميم، وقد تجعل قبلها، والأكثر شمأل، بألف: اسم الريح الآتية من تلك الجهة، وفيها لغات أخر.
ولم يؤنث (بليل، لأنه بمعنى مبلول، كما يقال: امرأة جريح، وكف خضيب.
стр. 217
أي: أنت كريم في الشتاء، أي حينّ يَقِلُّ الطعام ويكثر الأكل، ومثله قول أمية: [الوافر].
تُباري الريح مكرمة وجَودًا ... إذا ما الكَلْبُ أجْحَرَهُ الشتاءُ)
والفراء يقيس زيادة (كان) بلفظ المضارع، لكن بعد ما التعجبية، نحو: ما يكون أطولَ هذا الكلام، وقولُ رجل من طَيّي: [الكامل].
(صَدقْتَ قائلَ ما يكونُ أحقَّ ذا ... طِفْلاً ببذِّ أولى السيادة يافعًا)
(البذّ) بالموحدة فالمعجمة: الغلبة، و (اليافع) الغلام إذا ارتفع، أُخِذَ من اليفاع للمرتفع من الأرض، وقياسه موفع ولقولهم أيفع الغلام.
وأما البيت الرابع فالشاني: المبغض، وأصله الهمز، ولكن أبد له للضرورة، والمعنى: بمشغول عنه. و (أصبح) زائدة بين المبتدأ والخبر، ويمكن أن تكون ناقصة حذف خبرها، أي أصبح كذلك، أو أصبحه.
فعلى الأول (مشغول) خبر المبتدأ، وفي (أصبح) ضمير المبتدأ وجملة أصبح كذلك مستأنفة.
وعلى الثاني (مشغول) اسم أصبح والجملة خبر المبتدأ، والأول أولى، لأن في الثاني قلب الإعراب إذ الأصل: أصبح مشغولاً /١٢٥/ على الأخبار، بالنكرة عن المعرفة، ثم قلب، فقيل: أصبحه مشغول، ثم حذف الخبر، وإنما لم يثنِ ضمير المبتدأ لأن العدوّ هو الثاني.
стр. 218
وأما البيت الخامس فإنه للنمر بن تولب. والمعنى: يا عاذلة قولي ما أحببت فرجعي لَوْمَكِ إياي، فإني أرى ذنوبي عندك كثيرةً.
وفيه إعمال (أرى) مع التوسط بين المفعولين، وزيادة (أمسى)، والإخبار بفعيل عن الجمع، إلا أن قدّر أن الأصل شيئًَا كثيرًا. وبعده:
(فلن تنطقي حقًا ولستِ بأهله ... فقبّحتِ مما قائل وخطيبِ)
(وحثت على جَمْع ومَنْع ونفسها ... لها في صروف الدهْرِ حَق كذوبِ)
(وكأينْ رأيتُ من كريم مُرَزَّأ ... أخي ثقةٍ طلقِ اليدينِ وهوبِ)
(شَهِدْتِ وفاتوني وكنت حسبتني ... فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي)
(أعاذل إن يُصبحْ صداي بقَفْزَةٍ ... بعيدًا جفاني ناصري وقريبي)
(تَرَى أن ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ ... وإن الذي أمضيْتُ كان نصيبي)
(وذي إبل يَسْعَى ويحسِبُها له ... أخي نَصَبٍ في جَمْعِها لدؤوب)
(غَدَتْ وعدا ربُّ سواه يَسُوقُها ... ويُدِّلَ أحجارًا وحالَ قليبِ)
قوله (مما قائل) من لبيان الجنس، وما زائدة كزيادتها في ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾، وفي قوله: (وحثت) التفات، وقوله: (فلن تَنْطفي) متصل بقوله: (قولي وقوله حق كذوب) صفة لمحذوف، أي: كذوب حق كذوب، وفعول بمعنى فاعل، يستوي فيه الذكر والأنثى، و (كأين) بمعنى كثير لغة في (كأي) وبها قرأ ابن كثير. و (من كريم) تمييز لكأين،
стр. 219
وناصب كأين معترض بينهما. و (مرزإ) ........ /١٢٦/ و (شهدت) حضرت، أي بقيت وعشت، و (فاتوني) أي: ماتوا، ثم أخبر أنه كان مفتقرًا إلى عكس ذلك.
وجمع ضمير الفاعل حملاً على معنى (كأين)، وأعمل (حسبتُني) في ضميرين متصلين، مرفوع ومنصوب لمسمى واحد، وهو قياس في أفعال القلوب، (كنت فقيرًا) مفعول ثان.
و (الشِّفُّ) بكسر المعجمة: التثمير والزيادة، ويأتي أيضًا بمعنى النقص، و (حال) البئر بالمهملة نواحيها، وإنما يريد القبر.
مسألة [٧١]
يكثر حذف كان واسمهما وبقاء خبرها بعد (أن ولو) الشرطيتين، ويقل مع غيرها، ويجب حذفها وحدها بعد أما بفتح الهمزة ، فالأول كقوله: [الكامل].
(حَدِبَت عليَّ بطونُ ضِبَّةً كُلها ... إنْ ظالمًا فيهمْ وإنْ مظلوما)
وقوله: [البسيط].
стр. 220
(لا يأمَنِ الدّهر ذو بَغْيٍ ولو مَلِكا ... جُنُودُهُ ضاقَ عنها السَّهْلُ والجَبَلُ)
والثاني كقوله: [الرجز].
(مِنْ لَدُ شَوْلا فإلى إتْلائها)
والثالث كقوله: [البسيط]
(أبا خُراشةَ أمّا أنتَ ذا نَفَرٍ ... فإنَّ قومي لم تأكلهم الضَّبُعُ)
فأما البيت الأول فإنه للنابغة الذبياني يخاطب به يزيد بن سنان المزني. و (حدبت) بالمهملتين مفتوحة فمكسورة بمعنى: عطفت, و (ضِنة) بمعجمة مكسورة فنون، ومن قاله بالفتح وبالباء فقد حرّف، قاله ابن السيد والأعلم، وهو ضبة بن كثير ابن عذرة، وكان النابغة وأهله ينسبون إليها، وينفون عن بني ذبيان، فحقق هذا الشعر انتسابه إلى عذرة، وذكر أنهم عطفوا عليه ونصروه، لأنه منهم.
وفي البيت شاهدان، إذ الأصل: إن كنت وإن كنت، وحذف جوابيَ
стр. 221
الشرطين للدلالة عليهما ب (حدبت)، وجملتا الشرط والجزاء حال والمعنى: عطفوا على (كائنًا ما كنتُ)، وإذا شرط شيء ونقيضه صح الشرط أن يقع حالاً، مثل /١٢٧/ لأضرِبَنَّهُ إن ذهب وإن مكث، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾. أي فمثله كمثل الكلب لاهثًا على كل حال. وأول الكلمة:
(اجْمَعْ جموعَكَ يا زيدُ فإنني ... أعَدْدتُ يَرْبُوعًا لكُمْ وتميمًا)
(ولحِقْتُ بالنسبِ الذي عَيْرتَني ... ووجَدْتُ نَصْرَكَ يا يزيدُ ذميمًا)
(لولا بنو نَهدِ بنَ عَوْفٍ أصبحَتْ ... بالنَّعْفِ أمكَ يا يزيدُ عقيًما)
وأما البيت الثاني، فلا ناهية، و (الدهر) مفعول به، أي حوادث الدهر، أو ظرف، أي لا يأمن في الدهر الحوادث، أو لا يمكن ذا أمن في الدهر، فلا حاجة لمفعول، و (لو) بمعنى أن، وما قبلها دليل على الجواب والجملة الاسمية صفة (ملكًا).
وأما البيت الثالث، فالإتلاء، بكسر الهمزة وبالمثناة من فوق، مصدر (اتلت) الناقة، إذا تبعها ولدها، فهي متلية، تِلْوٌ، والأنثى تِلْوة، والجمع أتْلَاء، بفتح الهمزة.
стр. 222
وأما (الشَول) بفتح المعجمة، ومادّته تدل على الارتفاع، واختلف في المراد به هنا، فقيل: مصدر (شالت) الناقة بذنبها، أي رفعته للضراب، فهي شائل، بغير تاء، والجمع شُوَّل، مثل: راكع وُركع، والتقدير: من لدن شالت شولا، فالبيت من حذف عامل المصدر المؤكد، وقيل: اسم جمع شايلة، بالتاء، وهي الناقة التي ارتفع لبنها وضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية.
والتقدير: من لدن كانت شولا. فالبيت من حذف كان واسمها، وبقاء خبرها، وقد يُرجح الأول بأنه يروى من لدشول، بالخفض، ولا يقال من لدن النوق فإلى اتلائها. /١٢٨/ ويجاب: بأن التقرير: من لا شَولانِ شَول، أو زمان شول، ولكن يحتاج على هذا لتقدير الخبر، موجودًا، فإن قدر الكون مصدر كان التامة لم يحتج إلى ذلك، ولكن لا يقع التوفيق بين الروايتين في التقدير. وقد يرجح الثاني برواية الجرمي، من لد شولا، بغير تنوين، على أن أصله شولا، بالمد فقصره للضرورة، ولكن هذه الرواية تقتضي أن المحدث عنه ناقة واحدة، لا نوق.
ومن الغريب أن بعضهم زعم أن انتصاب (شولاًَ) بعد لَدُن على التمييز أو التشبيه بالمفعول به كانتصاب (غدوة) بعدها في قولهم: لَدن غُدْوَةً.
стр. 223
وأنه لا تقدير في البيت. وهذا مردود باتفاقهم على اختصاص هذا الحكم بـ (غدوة)، ولأنه لم يسمع في غدوة مع حذف النون، بل مع ثبوتها.
واعلم أن سيبويه قدّر (من لد إن كانت). ورُدَّ بأنّ فيه حذف الموصول وصلته وبقاء معمولها من غير ضرورة.
وأُجِيبَ: بأنه تقدير معنى لا إعراب.
وقال ابن الدهان: الحامل له على هذا التقدير أنّ لدن لا تضاف عنده إلى الجمل، ويلزم من هذا التأويل الذي ذكره أن يُقدّر سيبويه أن في قوله: [الطويل].
(صريغ غوانٍ راقهن ورقنه ... لَدُنْ شَب حتى شاب سُود الذوائبِ)
ونحوه وهو كثير، وذلك بعيدٌ.
وأما البيت الرابع فهو للعباس بن مرداس السُّلمي ﵁.
стр. 224
وأبا خُراشة أيضًا شاعر صحابي، وهو بضم الخاء، وأما أبو خِراش الهذلي فبكسرها. واسم أبي خراشة خُفاف، بالضم، ابن عمرو، واسم أم خفاف نَدْبَة، وهو مشهور بها، والنون مفتوحة في /١٢٩/ الأشهر، أو مضمومة، أو النون والدال مفتوحتان، وهو ابن عم خنساء وصخر ومعاوية أولاد عمرو بن الشريد، وكان أسود حالكًا، قال أبو عبيدة: وهو أحد أغربة العرب. انتهى.
وهو القائل، وقد قتل مالك بن حمار قاتل معاوية المذكور: [الطويل].
(فإن تكُ خيلي قد أُصيبَ صميمُها ... فعَمدًا على عيني تيممتُ مالكا)
(وقفْتُ لهُ عُلْوًا وقد نام صحبتي ... لابني مجدًا أو لأثأر هالكًا)
(أقولُ لهُ والرمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ ... تأملْ خُفافًا إنني أنا ذلكا)
(خُفاف) مفعول قائم مقام ياء المتكلم، ولم خَشِىَ الإلباس أردفه بقول: (إنني أنا ذلكا)، أي ولا تتوهم أنه غيري.
و (أما) بالفتح، وليست التي في قولك: أما بعد، بل هي كلمتان بالاتفاق، الثانية منهما عوض من كان محذوفة، والأولى (أنْ) المصدرية
стр. 225
عند البصريين، والشرطية عند الكوفيين، وزعموا (أن) المفتوحة قد يُجازيَ بها، ويؤيده أمورٌ منها:
(أنّ ابن دريد روى في جمهرته: إما كُنْتَ، بالكسر، ويذكر كان، وعلى هذا فما لتأكيد الشرط مثلها في: (فإمّا تَرَيّن).
ومنها: مجيء ألفاء بعدها، واستغناء الكلام عن تقدير على قول البصريين، فالأصل: أَلأنْ كُنْتَ ذا نَفَرٍ فَخَرْتَ. فحذف همزة الإنكار ولام التعليل، وهو فخرت، إذ لا تتعلق بما بعد الفاء، لأن الفاء وأن المعنى ما بين ذلك. والفاء على هذا قيل: زائدة. والصواب أنّها رابطة لما بعدها بالأمر المستفاد من النداء السابق، أي تنبه فإن قومي ........
و (النفر) في الأصل اسم لما دون العشرة، قاله في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾. وجمعه أنفار، والتنكير /١٣٠/ في نفر للتكثير. و (الضَّبع) السنة المجدبة، استعيدت من اسم الحيوان، لأنه متبالغ الفساد.
стр. 226
والمعنى: أن افتخرت بكثرة قومك، ففي قومي كثرة، إذ لم تُهلكهم السنون.
وقال ابن الأعرابي: إنما الضبع الحيوان، ولكنهم إذا أجدبوا ضَعفُوا، فعاثت فيهم الضِّباع. والمعنى: فإن قومي ليسوا ضِعافًا عن الانبعاث، فتعيث فيهم الضباع. ومن دعائهم: اللهم ضَبُعًا وذئبًا، أي اللهم اجمَعْ على الغنم ذلك، حتى يستأصلاها. فتحتمل الضبع هنا المعنيين.
وقال الخطّابي: إنما هو دعاءٌ لها، لأن الضبع والذئب إذا اجتمعا منع كلُّ منهما الآخر، فسلمت الغنم كما قال: [الطويل].
(وكان لها جارانِ لا يخفرانِها ... أبو جعدةَ العاوي وعَرْفاء جَيْألُ)
(أبو جعدة) كنية الذئب، ويقال: عوى الكلب، وعوى الذئب، قال: [الطويل].
(عوى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذْ عوى ... وصوْتَ إنسانٌ فكدت أطيرُ)
стр. 227
و (عرفاء) بالمهملتين بالفاء: الضبع، و (جيأل) علمٌ عليها، فهو بدلٌ لا بيانٌ، لأنه لا يخالف متبوعه تعريفًا وتنكيرًا، ولا نعت، لأن الأعلام تُنْعَتُ ولا يُنْعَتْ بها.
واعلم: أن سيبويه لا يجيز ذكر كان بعد (أمّا)، لما فيه من الجمع بين المعوض والمعوّض منه. وأجاز ذلك المبرد لا على أن (ما) عوض بل على أنّها مزيدة لمجرّد التوكيد مثلها في: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾.
مسألة [٧٢]
يختص مضارع كان ناقصةً وتامة بجواز حذف نونه تخفيفًا، إن كان مجزومًا ولم يتصل به ضمير نصب ولا ساكن ، نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، ونحو: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قرئ بنصب (حسنة) ورفعها، على نقصان (كان) وتمامها بخلاف نحو: أن يكنه وأن لا يكنه، لأن الضمائر
стр. 228
تَرُدّ الأشياء إلى أصولها، ونحو: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنها تتحرك للساكنين /٨٣١، فتقوى بحركتها، وتتعاصى على الحذف، ويزول شَبهها بحرف اللين، وجوّز الكوفيون ويونس الحذف قبل الساكن، واحتُجَّ لهم بقوله: [الطويل].
(فإنْ لم تَكُ المرآةُ أَبْدَتْ وَسَامةً ... فَقَدْ أبدتِ المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ)
وقوله: [الطويل].
(إذا لم تكُ الحاجاتُ من همة الفتى ... فليس بمُغْن عنه عقدُ الرَّتائم)
وقوله: [الخفيف].
(لم يكُ الحقُّّّّّّّّّّّّّّ سِوَى أن هَاجه ... رَسْمُ دارٍ قد تَعَفَّى فالطلَلْ)
وقد استعمله المتنبي، فقال: [الكامل]
(حِللاً كما بي فليكُ التبريحُ ... أغذاءُ ذا الرشِأ الأغنِّ الشِيحُ)
стр. 229
وأجيب: بأن حذف النون الساكنة للضرورة ثابت بدليل قوله: [الطويل].
(فلستٌ بآتيةِ ولا أستطيعُه ... ولَكِ أسقني إنْ ماؤكَ ذا فَضْلِ)
وقال ابن مالك: لا ضرورة في ذلك، إذ كان يمكن أن يُقال في الأول:
(فإن تكن المرآة أخفَتْ وَسَامةً)
وفي الثاني:
(إذا لم يكن من همة المرء ما نوى)
وفي الثالث:
(لم يكن حق سوى)
وهذا مبني على تفسيره للضرورة، وقد مضى ردّه.
و (الوَسامة) بالفتح: الحُسْنُ. و (الرتائم) بفتح الراء وبالمثناة من فوق، جمع (رتيمة) كصيحفة: خيط يشد في الأصبع ليتذكرّ به الحاجة.
وأنشد الجوهري البيت:
(إذا لم تكن حاجاتنا في نُفوسكُم ... فليسَ بمُغْن عنك عقد الرتائم)
وفيه التفات من التكلم إلى الخطاب، ورجوع عن الجمع إلى الإفراد، على أنه لم يرد بالجمع، وبالخطاب إلا نفسه.
стр. 230
وأما بيتُ المتنبي فإنّما ذكر تمثيلاً لا استشهادًا، إذ لا يقوم حجةً لكلامِه /١٣٢/.
مسألة [٧٣]
زال وأخواتها لانتفاء ما بَعْدَها، ويدخل عليها النفي، فيصيرُ الكلام إيجابيًا، فيمتنع اقتران كل من معموليها بألا، إذ شرط الاستثناء المفرغ أن لا يكون الكلام إيجابيًا ، فلا يُقال: مازال عالمًا إلا زيدٌ، ولا مازال زيد إلا عالمًا. فأما قول ذي الرُّمَّة: [الطويل].
(حراجيحُ لا تنفكُ إلا مُنَاخَةً ... على الخَسْفِ أو نَرمي بها بلدًا قَفْرًا)
فمنهم من غلطهُ، ومنهم من غلط الرواة، وقال: الصوابٌ (إلا) بالتنوين، والإلُّ يُطلق على الشخص، والنَّسمَةِ، فهو الخبر، و (مُنَاخةٌ) صفة، وروي أنه أنشده على الاستثناء، فأُنكر عليه، فتفطن
стр. 231
لغلطِه، فقال: إنما قلت: (إلا). ومنهم من تأوّله فقال جماعة منهم ابن مالك: إنما الخبر (على الخسف)، و (مُناخةٌ) حال.
أي: ما تنفك على الخَسْف في حالة من الأحوال إلا في الاناخة، فإن لها فيها راحةً وليس بشيء لأن المانع من استثناء المفرَّغ في الخَبر مانع منه في الحال.
وقيل: (مُناخة) حال، و (تنفك) تامةٌ، أي ما تنفصل عن التَّعَب، إلا في حال إناخة على الخَسْفِ إلى أن نرمي بها، أو لا نرمي بها، وهذا أجودُ ما قيل، لأن الكلام مع التامة نفي لا إيجابٌ، وقيل: (إلا) زائدة مثلها في قوله: [الطويل].
(أرى الدهر إلا منجنونًا بأهْلهِ ... وما صاحب الحاجات إلا معذبًا)
كذا رواه المازني، ولم يُثبت أكثر النحويين زيادة (إلا).
стр. 232
والمشهور في البيت: (وما الدهر ......) وإن ثبتت تلك الرواية، فيجوز أن يكون التقدير: (لا أرى)، فحذف لا النافية، لدلالة (إلا) عليها، كما حذفت في ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ لدلالة وقوع "تفتأ" جوابًا للقسم من غير توكيد، وعلى هذا فلا يلزم أن يجوز (أقوم) بتقدير: (لا أقوم) لعدم الدليل [فراغ]، و (حراجيجُ) جمع حُرْجُوج: وهي الناقة الضامر، /١٣٣/ و (الخَسْفُ) النقصان، يُقال: رَضيَ بالخَسْفِ، أي النقيصَة، وبات على الخسف، أي جائعًا، وربطت الدابة على الخسف، أي: على غير علف.
مسألة [٧٤]
إذا اجتمعت نكرة ومَعْرفة، فالمعرفةُ الاسم والنكرة الخبر ، نحو: كانَ زيدٌ قائمًا، وقد يعكس في الضرورة كقول خداش بن زهر: [الوافر].
(فإنّكَ لا تُبالي بَعْدَ حَوْلٍ ... أظبيٌ كان أُمَّكَ أمْ حِمارُ)
стр. 233
أنشدهُ سيبويه على ذلك، وأشكل على كثيرين، فقالوا: إنما أخبر عن معرفةٍ بمعرفةٍ، إذا اسم كان ضمير: وأجِيبَ: بأوجهٍ أحدها أن ضمير النكرة نكرة، وردّ بأنهم اختلفوا في ضمير النكرة أمعرفةٌ هو أم نكرةٌ؟ فلم يختلفوا في صحة وقوعه في محل المعرفة، وإنما الخلاف في المعرفة، هل هي عبارة عمّا يتعين مدلوله وجودًا، أو على أي وجه كان، ولهذا يقال: ضربت رجلاً وهو راكبٌ، وجاءني رجلاً وكان راكبًا.
ولولا أن الضمير في حكم المعرفة لم يقع مبتدأ، واسمًا لكان، قاله ابن الحاجب.
ويُرُدّ قوله في المثال الأول بأن النكرة يُبتدأ بها بعد واو الحال كما مر.
وأما المثال الثاني فقد يُرَدّ بأن الخبر فيه نكرة وليس بمستقيم، لأنه كما يمتنع أن يخبر بمعرفة عن نكرة كذا يمتنع أن يخبر بنكرة عن نكرة من غير مصحح، نحو: كان رجل قائمًا، مصحح ثم لو قُدِّر ضاربٌ معهود لصح أن يقال: جاءني اليوم رجل وكان الضاربَ. وهذا نظيرُ مسألتِنا.
стр. 234
والوجهُ الثاني: أنه لا ضميرَ في (كان)، بل (ظبي) اسمُها تقدّم للضرورة.
وقد يُعْتَرضُ هذا بأنّ ابن السِّيد نقل في كتابه الاقتضاب: أنّ البصريين لا يُجيزُون تقديمَ الفاعل في نَثْر ولا شِعْر /١٣٤/، فالمشبه بالفاعل أولى:
ويُجابُ بأنّ الأصل (أظبيًا) كانَ أمُّك، بنصب الظبي، ورفع (الأم) ثم عكس الإعراب، وتُرك (الظبي) في موضعهِ، لأنه خبرٌ في المعنى وإن كان مرفوعًا، ورفع (حمار)، لأنه تابع، فإن اعترض بأنه كان يجب ثبوت التاء في كان، لأن المسند إليه بالحقيقة (أمّك).
أُجيب: بأن التاء إذا حذفت في النثر في قول بعضهم. قال فلانة، مع ظهور الإسناد إلى المؤنث، فحَذْفُها في الشعر مع الإسناد في اللفظ إلى المذكر أولى.
والثالث: أنّ (ظبي) ليسَ اسمًا لكان المذكورة لما ذكرنا، ولا مبتدأ، لأنّ الاستفهام بالجمل الفعلية أولى، بل هو اسم لكان محذوفةُ تفسرها المذكورة، والتقدير: أكان ظبي أمّك، وهذا محل الاستشهاد، لا كان المذكورة ومعمولاها.
ورُدَّ بأن الهمزة التي قبل أم المتصلة يليها أحد المستويين، نحو: أزيد عندَك أم عمرو؟ وعلى هذا التقدير إنّما وَلَيَها (كان) فهو نظيرُ: أقام زيد أم
стр. 235
عمرو. ولا تعادل في ذلك بين الهمزة وأم، لاختلاف ما وليهما.
والجوابُ: أنها لما كانت محذوفة وجوبًا كانت كأنّها لا وُجودَ لها، وكأنّ التعادل موجودٌ في اللفظ فاكتفى بذلك، بل لو ظهرت كان لم يضر، لأنها غير مقصودة، وإنّما العِبْرةُ بما يذكر مقصودًا.
ومعنى البيت: إن الإنسان إذا استعنى بنفسهِ لا يبالي بمن انتسب إليه من شريف أو وضيع، وضربَ (الظبي والحمار) لهُما مثلاً، وذكر الحَولَ، لأن هذين يستغنيان بأنفسهما بعده، ثم أشار إلى أنّ الزمانَ لعَدم جريه على مقتضى القياس، وقد التحق فيه الوضيع بالشريف، فقال: [الوافر].
(فقْد لَحِقَ إلا سافلُ بالأعالي ... وصارَ مَعَ المُغَلهَجَةِ العِشارُ /١٣٥/)
(المغلهج) الهجين.
стр. 236
شواهد الفصل المعقود لما ولات وأن المشبهَّات بـ"ليس "
مسألة [٧٥]
يبطل عملُ ما الحجازية إنْ تقدَّمَ خبرُها ، كقولهم: ما مُسِيءٌ مَنْ أعتَبَ)، أيْ مَنْ رَجَعَ عن الإساءة، وإنْ اقترنَ خبرُها بإلا، نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ﴾، أو اسمُها بإنْ الزائدة، كقوله: [البسيط].
(بَني غُدانةَ ما إنْ أنتم ذَهَبٌ ... ولا صريفٌ ولكِنْ أنتُم الخَزَفُ)
стр. 237
وقوله: [الوافر].
(فما إنْ طِبُّنا جُبُنٌ ولكِنْ ... مَنايانا ودَوْلَةُ آخرينا)
أو بمعمول الخبر وليس ظرفًا ولا مجرورًا، كقوله: [الطويل].
(وقالوا تَعَرَّفْهَا المنازلَ مِنْ مِنًى ... وما كلُّ مَنْ وافَى مِنًى أنا عارفُ)
فأما البيت الأولُ فغُدانةُ بالمعجمة المضمومة والدال المهملة: حي من يَربوع، و (ما) نافية، و (أن) زائدة كافة لما عن العمل.
وزعم الكوفيون أنّها نافية مؤكدة، ويَلزمهم أن لا يبطل عمل (ما) كما لا يَبْطُلُ عملُها إذا تكررت على الصحيح.
بدليل قوله: [الكامل].
(لا يُنسِك الأسَى تأسيًا فما ... من حِمامٍ أحدٌ معتصِمًا)
نعم، رَوى يعقوبُ: ذَهبًا وصَريفًا، بالنصب، فعلى هذا هي نافية مؤكدة لما.
стр. 238
ومعنى هذا البيت: لا ينسك ما أصابك من الحُزْنِ /١٣٦/ علَى مَنْ فَقَدْتَهُ، أنْ تتأسى بِمَنْ سَبقك مِمنَ فَقَدَ أحبابَهُ، فليسَ أحدٌ ممنوعًا من الموت.
ومَنْ زَعَمَ أن (ما) إذا تكررت بطل عملُها جعل مَنْفِي (ما) الأولى محذوفًا، أي فما ينفعك الحزن، وهو تَكلُّف.
و (الصَّريف) الفِضّة. و (الخَزَفُ) الجَرُّ جَمْعَ جَرَّةٍ.
وأما البيت الثاني فإنّه للكميت، أو لفروة بن مُسَيْكٍ، بضم الميم وفتح السين. والشاهد فيه كالشاهد في الذي قبله.
و (الطِبُّ) العادة. و (الجُبُن) بضم الباء وبإسكانها: ضد الشجاعة، والذي يؤكل أيضًا، وفي المأكول لغةٌ ثالثة، وهي تشديد النون.
يقول: إنْ كنا قد حصل لنا أسر وقتل فليس ذلك، لأنّ عادتنا الجبن، ولكن الله تعالى قدّر منايانا وحصول دَولةٍ لغيرنا فلا مَفَرَّ من ذلك. ويُروى (وطعمة) بدل (ودولة). وقبلَهُ:
стр. 239
(فإن نَغْلِبْ فغلابُون قِدمًا ... وإنْ نُغلَبْ فغيرٌ مُغَلَّبينا)
وبعده:
(كذاك الدهرُ دَولتهُ سِجالٌ ... تكرُّ صُروفُهُ حينًا فحينا)
(فبينا ما تُسَرُّ به وتَرَضَي ... ولو لُبِسَتْ غضّارتُه سنينا)
(إذا انقلبت به كرّاتُ دَهْرٍ ... فألفيتَ الأُولى غُطبطُوا طَحينا)
(ولو خَلَد الملوكُ إذًا خَلَدْنَا ... لو بَقي الكرامُ إذًا بَقِينا)
وأما البيت الثالث فإنَّهُ لمزاحم العُقيليّ يذكرُ امرأةً يَهْواها، فإنه سأل عنها، فقيل له: تَسلْ عَنْها في منازل الحاجّ بمنى، فقال: أنا لا أعرفُ كلّ مَنْ وافَى مِنى.
قال النّحاسُ: قلتُ لأبي إسحاق: الإنسانُ يسألُ مَنْ يَعْرِفُهُ ومَنْ لا يَعْرِفُهُ، فقال: إنّما يسأَلُ عَنْها مَنْ يَعْرِفُه، ويَعْرِفُها. وانتصابُ المنازلِ على إسقاط (في) توسعًا لا على الظرْفِ، لأنهُ مختصٌ. وكل منصوب بعارف وأوقعه /١٣٧/ إلى جانب (ما) وليس بظرفٍ، فلذلك قال: (عارفُ) بالرفع. ويُروَى: (كُلُّ) بالرفع على أنَّه اسم (ما)، والجملةُ من قوله: (أنا عارفُ) خبرها، والعائد محذوف، أي: عارفهُ، وذلك مستسهل إذا كانَ
стр. 240
المخبَرُ عنه (كُلاُّ) كقراءة ابن عامر: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى﴾، وكقوله: [الوافر].
(ثلاثٌ كلُّهنَّ قتلتُ عمدًا ... فأخزى اللهُ رابعةً تعودُ)
وقول أبي النجم: [الرجز].
(قد أصبحْت أمُّ الخيارِ تدَّعي ... عليَّ ذنبًا كلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ)
مسألة [٧٦]
زَعَمَ ابن مالك وابنُه أنّ (ما) قد تُعمَلُ مَعَ تقدُّم خبرها ، كقوله: [البسيط].
(فأصبَحُوا قد أعادَ اللهُ نِعمتَهُم ... إذْ هُمْ قريشٌ وإذْ ما مِثْلَهُمْ بَشَرُ)
стр. 241
ومع انتقاض نفي الخبر بإلا كقوله: [الوافر].
(وما حَقُّ الذي يَعتو نَهَارًا ... ويَسْرِقُ ليلَهُ إلا نَكَالا)
وقال آخر: [الطويل].
(وما الدّهرُ إلا منجنونًا بأهْلهِ ... وما صاحبُ الحاجات إلا مُعَذَّبا)
فأما البيت الأول فإنه للفرزدق يمدحُ به بني أميّةَ، يقول: إنّ مُلْكَ العرب كان في الجاهلية لغير قريش وسائر مَضُر، وكانوا أحق به لفضلِهم على جميع البشر، فلما جاء الإسلام رجعَ إليهم الملكُ الذي كانوا أحقّ الناسِ به.
وهذا البيتُ حملَهُ سيبويه على ما ذكرنا من أعمال (ما) مع تقدّم خبرِها، وهو مُشكل؛ لأن الفرزدق تميمي، وبنو تميم لا يعملون (ما) مع تأخُّرِ خبرها، فكيف مع تقدّمه.
وقد أُجيب: بأنّه أرادَ أنْ بتشبه بالحجازيين فلم يَدْرِ ما شرطُ إعمالِها عندهم، وبأنَّهُ أرادَ أنْ يُخَلِّصَ الكلامَ للمدح، لأنَّك إذا قُلْتَ: ما مثلُكَ أحدًا، فنفيت الأحدية، احتمل المدح والذمَّ، فإن نصبتَ المثل ورفعتَ (أحدًا) تعيَّنَ للمدح.
стр. 242
وفي الجوابين نظرٌ، لأن الشاعرَ إذا جازَ أنْ يَغْلطَ في لغةٍ غيره جازَ أنْ يَغْلَطَ في لغةِ نفسهِ /١٣٨/، وزالتِ الثّقةُ بكلامهِ، ولأنّ السياقَ يعيّن الكلامَ للمدحِ.
وقال غيرُ سيبويه: لا إعمال في البيت، ثم قيل: مثلَهُم، مبتدأ، وفتحتُه، بناء، لا بهامهِ ولإضافتِه لمبني مثل: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فيمن قرأه بالفتح، وقيل حالٌ من (بشر) وحُذِفَ الخبرُ، والأصل: ما في الوجود بَشرٌ مثلُهُم، برفع (مثل) على الصفة للنكرة، ورُدَّ بأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة، وقيل ظرف.
والمعنى: ما بَشَرٌ في مكان مثل مكانِهم، ثم أنيبَتِ الصفةُ عن الموصوف، والمضافُ إليه عن المضاف. ورُدَّ بأنّ الصفة إنّما تخلف الموصوف إذا اختصَّتْ بجنسهِ، ولهذا جازَ: رأيتُ كاتبًا، وامتنع: رأيتُ طويلاً.
وأما البيت الثاني فهو لمغلِّس بن لقيط. و (يَعْتُو) بالمهملة، أي: يستكبر أشدَّ الاستكبار، ويتجاوزُ الحدَّ. قاله الزُّبَيْديُّ، ويشهد له ﴿فَعَتَوْا
стр. 243
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾، وقال الزمخشري: يتجاوزُ الحد في الظلم، وشهدُ له: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً﴾ والعطفُ يؤذِنُ بالمُغابرة. وقوله: (إلا نَكالا) وهو محل الاستشهاد، ولا دليلَ فيه لوجهين، أحدُهما: لاحتمالهِ انّ الأصل (بألا نكالان) أي نكالٌ لعُتْوِّه، ونَكالٌ لسرقته، ثم حَذَفَ النونَ للضرورة، فهو حينئذِ مرفوعٌ لا منصوبٌ.
والثاني: أن يكون أصله (إلا ينكل نكالاً) فالنصبُ على المصدريّةِ لا على الخبرية، ونظيرهُ: ما زيدٌ إلا سَبْرًا، أي إلا يَسيرُ، ولكن هذا ضعيف من وجهين، أحدُهما: أن فيه إضمار أن المصدرية وصلتِها، وإبقاء معمولِ الصلةِ، وذلك نظير حَذْفِ الاسم وابقاءِ بعضه، والثاني: أنّ المخبرَ عنه ليس اسم عَيْن كما هو في المثال، فالقياسُ فيهِ أنْ يرفعَ عبى الخبريةِ /١٣٩/ نحو: ما شأنُك إلا سَيْرٌ.
وأما البيتُ الثالثُ، فالمنجنونُ: الدُّولاب، ولا دليل فيه أيضًا، لاحتمالهِ لأنْ يكونَ من باب "ما زيد إلا سَيْرًا" على أنّ الأصل: إلا يَدورُ دورانَ مَنْجَنُونٍ، وألا يُعَذَّبُ مُعَذَّبًا، أيْ تعذيبًا.
كما قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي تمزيق، ثم حُذِفَ الفعلان وما أُضيف إلى منجنون، وأقيمَ المنجنون مقامَهُ.
стр. 244
وجوز ابن با بشاذ أن يكون الأصل: إلا كنجنون، ثم حُذِفَ الجار، فانتصب المجرور.
ومَنْ زَعَمَ أن كافَ التشبيه لا تَتَعلَّقُ بشيء فَهَذَا التخريج عندَهُ باطلٌ، إذْ كانَ حَقُّه أنْ يرفعَ المجرورَ بَعْدَ حَذْفِها، لأنَّهُ كانَ في محلِّ رفع على الخبرية لا في موضعِ نَصْبٍ باستقرار مقدر، فإذا ذهبَ الجارُّ ظهرَ ما كان للمحلِّ.
مسألة [٧٧]
قد تدخلُ الباءُ الزائدةُ على خبر كان المنفية كقوله: [الطويل].
(وإنْ مدت الأيدي إلى الزادِ لَمْ أكُنْ ... بأعجلهِم إذْ أجْشَعُ القَومِ أعْجَلُ)
وعلى المفعول الذي أصله خبر المبتدأ إذا نفي عاملهُ كقوله: [الطويل].
стр. 245
(دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقُعْدَدِ)
وعلى خبر مبتدأ مسبوق بهل كقوله: [الطويل].
(ويقول إذا أقلولي عليها وأقْرَرَتْ ... ألا هَلْ أخو عيشٍ لذيذٍ بدائمِ)
وعلى خبر أن كقوله: [الطويل].
(فإن تنأ عنها حقيةً لا تُلاقِها ... فإنّك مِما أحدَثَتْ بالمجربِ)
فأما البيت الأول فإنه للشَّنْفَري الأزديّ، واسمه ثابت بن جابر، وهو أحد خُرَّاب العرب، أي لصوصهم، والواحد حَارِبٌ. و (الزاد) في الأصل الطعام الذي يتخذ للسفر، ثم أطلق على /١٤٠/ كل طعام. و (الجَشَع) بالجيم فالمعجمة فالمهملة: أشد الحرص على الأكل، ويُقال منه: جَشِعَ، بالكسرِ، فهو جَشِعٌ ومِجْشَاعٌ، قال: [الطويل].
(ولستُ بِمْجْشَاعٍ وإنْ كُنْتُ أخمصًا ... ولا هَلِعٌ عند الصريخِ المُثوِّبِ)
و (أعجلُ) في البيت بمعنى: عجِل، لا للتفضيل.
стр. 246
والبيت من كلمة شهيرة تسمى لامية العرب، وكان أهل الأدب يقولون: أولى ما تراض به الأبناء لاميةُ العرب، أو السّبْعُ الطِّوال، فإنّها تفتق الألسنَ بالفصاحة، وتهذّب الأخلاقَ، وتزيد في العقل. وأولها:
(أقيموا بني أُمّي صدورَ مطيُكم ... فإني إلى قومٍ سواكم لا ميلُ)
(فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ ... وشُدَّت لطيّاتٍ مَطايا وأرحلُ)
(وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى مُتحولُ)
(لعَمْرُكَ ما في الأرض ضيق على امرئٍ ... سَرَى راغبًا أو راهبًا وهو يَعقِلُ)
(ولي دونَكم أهلون سِيد عملسٌ ... وأرقطَ زهلولٌ وعَرفاءَ جَيْألُ)
(هُم الأهل، لا مستودعُ السرِ شائعٌ ... لديهم ولا الجاني بما جَرِّ يُخْذَلُ)
(وكلُّ أبيُّ باسِلٌ غيرَ أنني ... إذا عرضت أولى الطرائدِ أبْسَلُ)
(وإن مُدَّتِ الأيدي ........... البيت)
(وما ذاك إلا بَسْطَةٌ عن تفضُّلٍ ... عليهم وكانَ الأفضلَ المتفضِّلُ)
ومنها:
(أُديمُ مطالَ الجوعِ حتى أُميتَهُ ... واضرب عنه الذكرَ صَفْحًا فأذْهَلُ)
(وأسْتفُّ تُرْبَ الأرض كيلا يُرى له ... عليَّ من الطَّوْلِ امروءٌ مُتَطَولُ)
(ولولا اجتناب الذامِ لَمْ يُلْفَ مَشْرَبٌ ... يُعابُ بِهِ إلا لَدي ومأكل)
(ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي ... على الخَسْفِ إلا رَيْثَما أتحوَّلُ)
стр. 247
ومن أبياتها بيت يأتي شرحه- إن شاء الله تعالى- في حروف الجر.
يقال: أقام /١٤١/ صدر مطيّتهِ، إذا سار. و (حُمَّتْ) بالمهملة المضمومة: قُدِّرتْ. و (مُقْمِرٌ) واضح. والطِّيَّة، بكسر المهملة: الحاجة. و (مَنْأَى) مَبْعَدٌ. و (سِيدٌ) ذئبٌ، وجمعه سيدانٌ. و (عملَّس) خفيف. و (أرقط) نمرٌ. و (زُهلول) خفيف اللحم. و (عَرفاء) ضَبُعٌ. و (جيأل) علمٌ عليها، فهو بدل من ضبع، لا عطف بيان، لأن عرفاء نكرة، ولا صفة لأن العلم لا يوصف به و (الباء) في (بما) باء السببية، وهي متعلقة بجر، و (جرَّ) من (الجريرة)، وهي الجناية. و (أبيُّ) حميُّ ممتنعٌ، و (باسل) شديد الإقدام، وأَبْسَل: أشدّ بسالةً.
وأما البيت الثاني فإنه لدريد بمن الصِّمة الجُشَمي. و (القُعْدَد) بضم الدال وفتحها، قال في المحكم: الجبان: اللئيم القاعد عن الحرب والمكارم. وقال ابن السيد في شرح الكامل: الجبان وأيضًا أقعد القرابة في النسب أي أحطهم فيه. وقال الجوهري: القريب الأباء إلى الجد الأكبر، وأنشد عليه البيت.
قال: ووجه الذَّمِّ به أنه من أولاد الهَرْمَى، فيكون ضعيفًا، ويمدح به أيضًا، لأن الولاء للكُبْر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبد الله أخا دريد غزا بقومه غطفان، فغنم وانصرف ونزل بمنقطع اللوى، فقال له دريد: ليس هذا بمنزل لك والقوم تابعوك لأجل ما غنمت منهم، فلم يسمع منه، فطلع دريد
стр. 248
على رابية وأنذرهم مجئ الخيل، ووصف من عليها، فقال عبد الله: هذه فزارة، ولا بأس علينا، ثم أنذرهم آخرين ووصفهم، فقال: هذه أشجع ولا بأس، ثم أنذرهم بآخرين ووصفهم، فقال: هذه عبس، وقد جاءكم الموت، فأدركتهم الخيل، وقاتلوهم قتالاً شديداً، وطعن ذؤاب ابن أسماء عبد الله، فسقط إلى الأرض واستغاث بدريد، فأقبل يدفع عنه الخيل ساعة، ثم صرع دريد وقتل عبد الله، وانهزم أصحابه، واستنقذت الغنيمة، ويسمى ذلك يوم / ١٤٢/ اللوى، فقال دريد:
(نصحت لعارض وأبناء عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي)
(وقلت لهم إن الأحاليف كلها ... قعود على ماء الشليل فثهمد)
(وقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد)
(أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد)
(فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد)
(وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد)
(تنادوا وقالوا أردت الخيل فارساً ... فقلت أعبد الله ذلكم الردى)
(دعاني أخي .......... البيت)
стр. 249
(فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون اسود)
(طعان امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد)
(فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافاً ولا طائش اليد)
(كميش الازار خارج نصف ساقه ... صبور على اللأواء طلاع أنجد)
(قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب المصيبات في غد)
(وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي)
(فإن تعقب الأيام والدهر تعلموا ... بني قارب أنا غضاب بمعبد)
(الشهد) جمع شاهد، بمعنى حاضر. و (الأحاليف) الأصحاب، والواحد حليف، كحديث وأحاديث. (والمدجج) بالفتح والكسر: الكامل السلاح، وقيل: لابس السلاح، وإن لم يكمل وقيل: هو بالكسر للفارس، وبالفتح للفرس، وإنهم كانوا يدرعون الخيل. و (الفارسي) دروع تصنع بفارس. و (المسرد) المنسوج بالحلق المحكم. وقيل: الدقيق محل السرد. و (سراتهم) أشرافهم، والواحد سري. و (منعرج / ١٤٣ / اللوى) ما انعطف من الرمل. وقوله (اسودى) أصله (أسودي) بياء مشددة
стр. 250
للمبالغة في معنى الصفة، كما يقال: احمري، ثم خفف فينبغي كتابته بالياء. و (كميش) مرتفع.
وأما البيت الثالث فإنه للفرزدق يهجو كليباً، ويرميهم بإتيان الأتن، كما أن بني فزارة يرمون بإتيان الابل. قال: [البسيط].
(لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار)
وقبل البيت:
(وليس كليبي إذا جن ليله ... إذا لم يذق طعم الأتان بنائم)
وقد وهم أبو علي في (التذكرة)، فقال في قول الفرزدق يرمي كليباً بذلك: [الوافر]
كأن فوارساً لبني كليب ... ضفادع سبحت بمغير بان
وما تنفك تبصر في طريق ... كليبياً عليه مزادتان
أنه يريد أنهم حمارة، وأن زجرهم للحمير عند سيرهم بها كصوت الضفادع.
والصواب أنه إنما أراد ما قدمنا، وأنه يريد أنهم أولاد الحمير. و (آقلولي) بالقاف: ارتفع. و (اقرد) بالقاف: لصق بالأرض من ذلة أو فزع.
следующие страницы →