Полный текст (470 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والبيت من كلمة شهيرة تسمى لامية العرب، وكان أهل الأدب يقولون: أولى ما تراض به الأبناء لاميةُ العرب، أو السّبْعُ الطِّوال، فإنّها تفتق الألسنَ بالفصاحة، وتهذّب الأخلاقَ، وتزيد في العقل. وأولها:
(أقيموا بني أُمّي صدورَ مطيُكم ... فإني إلى قومٍ سواكم لا ميلُ)
(فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ ... وشُدَّت لطيّاتٍ مَطايا وأرحلُ)
(وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى مُتحولُ)
(لعَمْرُكَ ما في الأرض ضيق على امرئٍ ... سَرَى راغبًا أو راهبًا وهو يَعقِلُ)
(ولي دونَكم أهلون سِيد عملسٌ ... وأرقطَ زهلولٌ وعَرفاءَ جَيْألُ)
(هُم الأهل، لا مستودعُ السرِ شائعٌ ... لديهم ولا الجاني بما جَرِّ يُخْذَلُ)
(وكلُّ أبيُّ باسِلٌ غيرَ أنني ... إذا عرضت أولى الطرائدِ أبْسَلُ)
(وإن مُدَّتِ الأيدي ........... البيت)
(وما ذاك إلا بَسْطَةٌ عن تفضُّلٍ ... عليهم وكانَ الأفضلَ المتفضِّلُ)
ومنها:
(أُديمُ مطالَ الجوعِ حتى أُميتَهُ ... واضرب عنه الذكرَ صَفْحًا فأذْهَلُ)
(وأسْتفُّ تُرْبَ الأرض كيلا يُرى له ... عليَّ من الطَّوْلِ امروءٌ مُتَطَولُ)
(ولولا اجتناب الذامِ لَمْ يُلْفَ مَشْرَبٌ ... يُعابُ بِهِ إلا لَدي ومأكل)
(ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي ... على الخَسْفِ إلا رَيْثَما أتحوَّلُ)
стр. 247
ومن أبياتها بيت يأتي شرحه- إن شاء الله تعالى- في حروف الجر.
يقال: أقام /١٤١/ صدر مطيّتهِ، إذا سار. و (حُمَّتْ) بالمهملة المضمومة: قُدِّرتْ. و (مُقْمِرٌ) واضح. والطِّيَّة، بكسر المهملة: الحاجة. و (مَنْأَى) مَبْعَدٌ. و (سِيدٌ) ذئبٌ، وجمعه سيدانٌ. و (عملَّس) خفيف. و (أرقط) نمرٌ. و (زُهلول) خفيف اللحم. و (عَرفاء) ضَبُعٌ. و (جيأل) علمٌ عليها، فهو بدل من ضبع، لا عطف بيان، لأن عرفاء نكرة، ولا صفة لأن العلم لا يوصف به و (الباء) في (بما) باء السببية، وهي متعلقة بجر، و (جرَّ) من (الجريرة)، وهي الجناية. و (أبيُّ) حميُّ ممتنعٌ، و (باسل) شديد الإقدام، وأَبْسَل: أشدّ بسالةً.
وأما البيت الثاني فإنه لدريد بمن الصِّمة الجُشَمي. و (القُعْدَد) بضم الدال وفتحها، قال في المحكم: الجبان: اللئيم القاعد عن الحرب والمكارم. وقال ابن السيد في شرح الكامل: الجبان وأيضًا أقعد القرابة في النسب أي أحطهم فيه. وقال الجوهري: القريب الأباء إلى الجد الأكبر، وأنشد عليه البيت.
قال: ووجه الذَّمِّ به أنه من أولاد الهَرْمَى، فيكون ضعيفًا، ويمدح به أيضًا، لأن الولاء للكُبْر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبد الله أخا دريد غزا بقومه غطفان، فغنم وانصرف ونزل بمنقطع اللوى، فقال له دريد: ليس هذا بمنزل لك والقوم تابعوك لأجل ما غنمت منهم، فلم يسمع منه، فطلع دريد
стр. 248
على رابية وأنذرهم مجئ الخيل، ووصف من عليها، فقال عبد الله: هذه فزارة، ولا بأس علينا، ثم أنذرهم آخرين ووصفهم، فقال: هذه أشجع ولا بأس، ثم أنذرهم بآخرين ووصفهم، فقال: هذه عبس، وقد جاءكم الموت، فأدركتهم الخيل، وقاتلوهم قتالاً شديداً، وطعن ذؤاب ابن أسماء عبد الله، فسقط إلى الأرض واستغاث بدريد، فأقبل يدفع عنه الخيل ساعة، ثم صرع دريد وقتل عبد الله، وانهزم أصحابه، واستنقذت الغنيمة، ويسمى ذلك يوم / ١٤٢/ اللوى، فقال دريد:
(نصحت لعارض وأبناء عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي)
(وقلت لهم إن الأحاليف كلها ... قعود على ماء الشليل فثهمد)
(وقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد)
(أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد)
(فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد)
(وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد)
(تنادوا وقالوا أردت الخيل فارساً ... فقلت أعبد الله ذلكم الردى)
(دعاني أخي .......... البيت)
стр. 249
(فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون اسود)
(طعان امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد)
(فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافاً ولا طائش اليد)
(كميش الازار خارج نصف ساقه ... صبور على اللأواء طلاع أنجد)
(قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب المصيبات في غد)
(وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي)
(فإن تعقب الأيام والدهر تعلموا ... بني قارب أنا غضاب بمعبد)
(الشهد) جمع شاهد، بمعنى حاضر. و (الأحاليف) الأصحاب، والواحد حليف، كحديث وأحاديث. (والمدجج) بالفتح والكسر: الكامل السلاح، وقيل: لابس السلاح، وإن لم يكمل وقيل: هو بالكسر للفارس، وبالفتح للفرس، وإنهم كانوا يدرعون الخيل. و (الفارسي) دروع تصنع بفارس. و (المسرد) المنسوج بالحلق المحكم. وقيل: الدقيق محل السرد. و (سراتهم) أشرافهم، والواحد سري. و (منعرج / ١٤٣ / اللوى) ما انعطف من الرمل. وقوله (اسودى) أصله (أسودي) بياء مشددة
стр. 250
للمبالغة في معنى الصفة، كما يقال: احمري، ثم خفف فينبغي كتابته بالياء. و (كميش) مرتفع.
وأما البيت الثالث فإنه للفرزدق يهجو كليباً، ويرميهم بإتيان الأتن، كما أن بني فزارة يرمون بإتيان الابل. قال: [البسيط].
(لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار)
وقبل البيت:
(وليس كليبي إذا جن ليله ... إذا لم يذق طعم الأتان بنائم)
وقد وهم أبو علي في (التذكرة)، فقال في قول الفرزدق يرمي كليباً بذلك: [الوافر]
كأن فوارساً لبني كليب ... ضفادع سبحت بمغير بان
وما تنفك تبصر في طريق ... كليبياً عليه مزادتان
أنه يريد أنهم حمارة، وأن زجرهم للحمير عند سيرهم بها كصوت الضفادع.
والصواب أنه إنما أراد ما قدمنا، وأنه يريد أنهم أولاد الحمير. و (آقلولي) بالقاف: ارتفع. و (اقرد) بالقاف: لصق بالأرض من ذلة أو فزع.
стр. 251
وإذا قدّرت (هل) بمعنى ما مثلها في ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، فلا دليل فيه.
ويروى: ألا ليت ذا العيش اللذيذ.
فيكون دليلاً على أن الباء قد تدخل على خبر ليت، وقد دخلت بعدها على أن السادة هي وصلتها مسد اسمها وخبرها في قول الحطيئة: [الوافر]
(ندمت على لسان كان مني ... فليت بأنه في جوف عكم)
و (اللسان) هنا الكلام لا الجارحة، لأن الندم لا يكون على الأعيان / ١٤٤ /، واستعمله مذكراً، وهو لغة التنزيل لجمعه فيه على ألسنة. و (العكم) هنا باطن الجنب، أتى به على المثل.
وأما البيت الرابع فإنه لامرئ القيس. ومعنى (تنأى) تبعد. و (حقبة) مدة و (لا تلاقيها) بدل من (تنأى)، لأن النأي مشتمل على عدم اللقي. و (المجرب) ويروى بكسر الراء. وعليه يأتي الاستشهاد، أي: فإنك المجرب، ويكون فما أحدثت، إما (تبييناً) بتقدير (أعني) أو متعلقاً بالمجرب وباؤه للتعليل، أي بسبب ما أحدثته قبل ذلك في حال غيبتك.
ويروي بفتحها، فالمجرب، قال أبو علي الجرجاني: اسم مكان، والباء ظرفية مثلها في ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ أي بحيث يفوزون
стр. 252
منه، وبحيث جربت، وقال غيره: صدر كالممزق في الآية، والباء بمعنى على، أي فإنك ستراها على التجربة التي عهدت وأول القصيدة.
(خليلي مرا بي على أم جندب ... تقضي لبانات الفؤاد المعذب)
(فإنكما أن تنظراني ساعة ... من الدهر ينفعني لدى أم جندب)
(ألا ليت شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعي وصلة المتغيب)
(أدامت على ما بيننا من مودة ... أميمة أم صارت لقول المخبب)
(اللبانات) الحاجات. وقال: نظره بمعنى انتظره. و (المخبب) بالخاء المعجمة والباء الموحدة المكسورة: المفسد / ١٤٥ /.
مسألة [٧٨]
إعمال لا النافية عمل ليس قليل وكثير ، فالقليل حيث لا تقترن بها التاء. وتختص هذه بالنكرات كالعاملة عمل أن المؤكدة ويغلب ترك خبرها كقوله: [مجزؤ الكامل].
(من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح)
ومن ذكره قوله: [الطويل]
стр. 253
(تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا)
قيل: وقد تعمل في اسم معرفة كقوله: [الطويل].
(وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبها متراخيا)
والكثير حيث تقترن بالتاء، وتختص هذه بأسماء الزمان ويجب حذف أحد معموليها. والغالب كونه الاسم وكون معمولها لفظة (الحين) كقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وقرئ شاذاً برفع الحين وقال: [كامل]
(ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم)
فاعملها في (الساعة) وقال: [الخفيف].
стр. 254
(طلبوا صلحنا ولات اوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء)
فاعملها في الأوان، وإنما كسره ونونه لما سيأتي.
فأما البيت الأول فهو لسعد بن مالك القيسي، جد طرفه بن العبد.
ومعناه: من أعرض عن اصطلاء نار الحرب فإنا مخالف له، لأني الفتى الأصيل المعروف المستغني بشهرته عن إطالة نسبته. وقوله (لا براح) تقرير للجملة السابقة، أي لا براح لي عنها. و (البراح) مشترك بين المكان والزمان. تقول: ما برحت من مكاني براحاً وبروحاً. وما برحت افعل كذا براحاً.
وقيل: لا شاهد فيه، لجواز كون (براح) مبتدأ. ورد بأن / لا / الداخلة على الجمل الاسمية يجب إما اعمالها، أو تكرارها، فلما لم تتكرر / ١٤٦ / عُلِمَ أنها عاملة.
فأجيب بأن هذا شعر، والشعر يجوز فيه أن ترد غير عاملة، ولا
стр. 255
مكررة. فرد بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة، وأول القصيد:
(يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا)
(والحرب لا يبقى لجا ... حمها النخيل والمراح)
(إلا الفتى الصبار في الـ ... نجدات والفرس الوقاح)
وبعد البيت:
(صبراً بني قيس لها ... حتى تريحوا أو تراحوا)
(إن الموائل خوفها ... يعتاقه الأجل المتاح)
قوله (يا بؤس للحرب) نداء في معنى التعجب، أي: ما ابأسها وأشدها. واللام الجارة مقحمة لتوكيد معنى الإضافة، ويختص ذلك في النداء بهذه اللفظة ولا تقع في غير النداء إلا في باب (لا) يقولون لا أبا لزيد ولا أخا لعمرو، ولا غلامي لك، ولولا قصد الإضافة لم تحذف نون المثنى.
ولم تثبت ألفاً (أب وأخ) فإن ذلك يقوله من ليس من لغته القصر، ولقيل: يا بؤساً، بالنصب، أو يا بؤس، بالضم.
و (الوضع) ضد الرفع، أي أنها اسقطت شرفهم، إذ تركوها لعجزهم فاستراحوا من تحمل المشاق في ابتغاء الحمد.
стр. 256
وقال رجل للأخنف: ما أبالي أمدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام.
و (أراهط) جمع أرهط، قال: [رجز].
وفاضح مفتضح في أرهطه [من أرفع الوادي ولا من يعتطه]
و (أرهط) جمع (رهط)، وهذا أولى من قول سيبويه: إن أراهط جمع رهط على غير القياس.
و (جاحم الحرب) معظم شدتها. و (التخيل) الخيلاء. أي: صاحب التخيل. و (المراح) / ١٤٧ / المرح واللعب، أي أنها تشغله عن خيلائه ومرحه. و (الفتى) بدل من صاحب التخيل على لغة تميم في إبدال المنقطع. و (النجدات) الشدائد. و (الوقاح) الصلب الجلد والحافر.
ثم أمر إخوانه من بني قيس أن يصبروا للحرب حتى يظفروا بعدوهم، فيريحوا قومهم منه، أو يقتلهم عدوهم، فيريحوهم، و (الموائل) مفاعل من (وأل) منه إذا خلص، أي أن الذي يطلب الخلاص من الحرب لخوفه منهلا لا بد له من الموت. و (المتاح) المقدر. وما أحسن قول قطري بن الفجاءة، يخبر عن مخاطبته نفسه. واسم الفجاءة مازن، وسمي فجاءة
стр. 257
لأن أباه جاء به من اليمن فُجأة بعد ما صار رجلاً: [البسيط].
(أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لا تراعي)
(فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي)
(فصبراً في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع)
(سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داع)
(ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع)
(وما للمرء حير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع)
(الشعاع) بالفتح: المتفرقة. و (من الأبطال) إما متعلق بـ (تراعي) أو بـ (طارت). (يعتبط) بالعين والطاء المهملتين، يمت شاباً طرياً.
وأما البيت الثاني فظاهر. و (التعزي) التصبر، مطاوع عزيته و (الوزر) الملجأ، وأصله الجبل، والجاران متعلقان باخبرين بعدهما، أو الأول صفة لما قبله.
وأما البيت الثالث فإنه للنابغة الجعدي ﵁. وحمله بعضهم / ١٤٨ / على ظاهره، فأجاز عملها في اسم معرفة وهو قول أبي الفتح في كتاب (التمام)، وابن الشجري، وعلى ذلك يتخرج قول المتنبي: [الطويل].
стр. 258
(وإذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا)
والأولى في بيت النابغة أن يؤول على أن الأصل: لا أوجد باغيا. ثم حذف الفعل وحده، فبرز الضمير وأنفصل أولا أنا أوجد باغيا، ثم حذف الخبر، وبقي معموله كقراءة علي ﵁ (ونحن عصبة) أي نوجد عصبة.
ويروى:
(لا أنا مبتغ سواها .. ولا عن حبها متراخيا)
وعلى هذه الرواية أيضا معملة، ولكنه سكن ياء مبتغ للضرورة كقوله: (الوافر).
كفى بالنأي من أسماء كاف ... (وليس لحبها ما عشت شاف)
وقول الفرزدق في هشام: (الطويل).
(يقلب رأسا لم يكن رأس سيد .. وعينا له حولاء باد عيوبها)
وكان الأصل (كافيا) على التمييز، و (باديا) صفة لـ (عينا). و (عيوبها) فاعل بـ (باد)، ولو كان (باد) خبرا عن (عيوبها) لوجب أن
стр. 259
يقول: بادية. و (متراخيا) معطوف على (مبتغ).
وجوز ابن الشجري كون (لا) مهملة فـ (مبتغ) مرفوع، قال: ويكون أعمل (لا) الثانية، وحذف اسمها، أي: ولا أنا متراخيا عن حبها، وحسن حذفه تقدم ذكره انتهى.
ولم يثبت أن اسم لا هذه يحذف، والقياس يأباه، لأن اسم ليس لا يحذف، فالمحمول عليها أحرى بذلك. وقبله:
(دنت فعل ذى ود فلما تبعتها ... تولت وخلت حاجتي في فؤاديا)
وبعده:
(أتيحت له وآلهم يحتضر المفتى ... ومن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا)
(فلا هي ترضى دون أمرد ناشئ ... ولا أستطيع أن أعيد شبابيا/ ١٤٩ /)
(وقد طال عهدي بالشباب وطيبه ... ولاقيت أياما تشيب النواصيا)
(ولو دام منها وصلها ما قليتها ... ولكن كفى بالهجر للحب شافيا)
(وما رابها من ريبة غير أنها ... رأت لمتي شابت وشاب لداتيا)
(ولكن أخو العلياء والجود مالك ... أقام على عهد النوى والتصافيا)
(فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا)
(فتى ثم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا)
وهذان البيتان بديعان، ولم يورد أبو تمام في حماسته سواهما.
стр. 260
وانتصاب (غير) على الاستئناء المنقطع، ولولا أن القوافي منصوبة لكان يصح له أن يقول في بيت الشاهد:
ولا في حبها متراخي
على أن يكون من الضرب الثالث من أضرب الطويل، وهو فعولن كقوله: (الطويل).
(أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا)
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، فالواو واو الحال، وقلما تستعمل (لات) إلا بعدها.
و (لات) هي لا النافية زيدت عليها التاء لتأنيث اللفظة، أو للمبالغة في معناها، وإنما حركت لالتقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة لمناسبة الألف، لأنها أخف.
والمعنى: وليس ذلك الحين حين فرار، فحذف اسمها، وبقي خبرها. هذا قول الجمهور. وقال الأخفش: هي لا العاملة عمل إن، وحين مناص اسمها، والمحذوف خبرها، قال: أو التقدير: لا أرى حين مناص، فانتصاب الحين على المفعولية.
وقرئ برفع (الحين)، فقال الجمهور: هي على حذف الخبر،
стр. 261
فهي أفصح قياسا لا استعمالا. وقال أبو الحسن: مبتدأ حذف خبره.
وقرئ بجر (الحين) فقال الفراء: هي حرف جر، وقال بعضهم: على اضمار (من)، وقال الزمخشري: الأصل مناصهم، ثم حذف الضمير. وشبه (مناص) / / بـ (إذ) في قوله: وأنت إذ صحيح. فبناه على الكسر، وعوضه التنوين، وصح فيه ذلك وإن لم يكن زمانا، لأنه مخفوض بإضافة الزمان، والمتضايقان كالشئ الواحد، ثم بنى (الحين) لاضافته إلى المبني.
وأما البيت الرابع فواضح أيضا. و (البغاة) جمع باغ، والواو للحال مثلها في الآية. و (مندم) مصدر ميمي كمناص. و (المبتغي) الطالب. و (الوخيم) كالوبئ وزنا ومعنى.
وأما البيت الخامس فإنه لأبي زبيد الطائي.
стр. 262
وروى أبو عمرو الشيباني وآبن الأعرابي أن رجلا من بني شيبان نزل برجل من طئ، فاضافة وسقاه، فلما سكر قام إليه بالسيف فقلته وهرب، فافتخرت بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد: (الخفيف).
(خبرتنا الركبان أن قد فرحتم ... وفخرتم بضربة المكاء)
(ولعمري لعارها كان أدنى ... لكم من تقى وحسن وفاء)
(ظل ضيفا أخوكم لأخينا ... في صبوح ونعمة وشواء)
(لم يهب حرمة النديم ولكن ... يا لقوم للسوءة السواء)
(فآصدقوني وقد خبرتم وقد ثا ... بت إليكم جوائب الانباء)
(هل علمتم من معشر سافهونا ... ثم عاشوا صفحا ذوى غلواء)
(كم أزالت رماحنا من قتيل ... قاتلونا بنكبة وشقاء)
(بعثوا حربنا عليهم وكانوا ... في مقام لو أبصروا ورخاء)
(ثم لما تشذرت وأنافت ... وتصلوا منها كريه الصلاء)
стр. 263
طلبوا صلحنا ... البيت
(ولعمري لقد لقوا أهل بأس ... يصدقون الطعان عند اللقاء)
(إننا معشر شمائلنا الصبر ... ودفع الأسى بحسن العزاء)
(ولنا فوق كل مجد لواء ... فاضل في التمام كل لواء)
(فإذا ما استطعتم فاقتلونا ... من يصب يرتهن بغير فداء)
(المكاء) اسم للرجل الذي قتل و (جوائب) جمع جائبة، يقال: هل عندكم من جائبة خبر - وهو ما يجوب البلاد أي يقطعها. و (تشذرت) رفعت ذنبها، وأنافت: رفعت رأسها.
وفي توجيه قوله: (ولات أو ان) أقوال، أحدها للفراء: أن لات تستعمل حرف جر. الثاني: لابن جني: أن الأصل ولات حين أوان صلح، ثم حذف خافض الأوان، وبقي عمله، وحذف محفوضه ورجع بالتنوين. والثالث للزمخشري: إن الأصل: أوان صلح، فحذف ثم أنه شبه أوانا بـ (إذ) في قوله: وأنت إذ صحيح. في أنه زمان قطع عن الاضافة، فبناه على الكسر، وعوض التنوين.
وفيه نظر في موضعين، أحدهما: أن (إذ) لم تبن على الكسر بل على
стр. 264
السكون، ثم لما جاء التنوين كسرت لالتفاء الساكنين، ولا يمكن هنا أن يقال: بنى (أوان) على السكون لأن ما قبل آخره ساكن. والثاني: أن العوض يسد مسد المعوض منه، ولو صرح بالمضاف اليه وجب الاعراب، فكذلك يجب مع عوضه.
والرابع ذكره ابن الناظم، وهو أن الأصل (أوان صلح) ثم حذف المضاف إليه وبنى المضاف، كما في (قبل وبعد)، ولكن جعل بناءه على الكسر، تشبيها له بـ (نزال) في الوزن، ثم نونه للضرورة.
مسألة [٧٩]
يقل إعمال (إن) النافية عمل ليس، وذكر أنه لغة أهل العالية ، وعليه قراءة سعيد بن جبير:
(إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم) بنون خفيفة مكسورة، ونصب ﴿عِبادًا أمثالَكُمْ﴾، وقول الشاعر/ /: (المنسرح).
стр. 265
(إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين)
فأما القراءة فخرجها على ذلك أبو الفتح، وتبعه الناظم وابنه، وظن أبو حيان أن تخريجها على ذلك يوقع في تناقض القراءتين فإن الجماعة يقرأون بتشديد النون وفتحها، ورفع (عباد وأمثالكم)، وذلك إثبات، وقراءة سعيد على هذا التخريج نفي، فخرجها على أنها إن المؤكدة خففت ونصب الجزأين، كقوله:
إن حراسنا أسدا.
(إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا إن حراسنا أسدا)
ولم يثبت الاكثرون إعمال (ان) النصب في الجزأين، وتاولوا ما أوهم ذلك، ثم القائلون به لم يذكروه إلا مع التشديد، لا مع التخفيف، ثم التناقض الذي توهمه مدفوع، لأنهم أمثالهم في أنهم مخلوقون، وليسوا
стр. 266
أمثالهم في الحياة والنطق، وقراءة سعيد على هذا التخريج أقوى في التشنيع عليهم من قراءة الجماعة، ويؤيدها ما بعدها من قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ ... الآيات).
وأما البيت فواضح، وهو من إنشاء الكسائي، ويروى:
إلا على جذبه الملاعين وفيه على الروايتين شاهد على مسألة أخرى، وهي أن انتقاض النفي بعد الخبر لا يقدح في العمل، ومثله في ذلك قول الآخر: (الطويل).
(إن المرء ميتا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا)
стр. 267
شواهد باب أفعال المقاربة
مسألة [٨٠]
ربما جاء خبر (عسى وكاد) اسما مفردا ، فالأول كقولهم في المثل: "عسى العوير ابؤسا"، وقوله: (الرجز).
(اكثرت في العدل ملحا دائما ... لأتكثرن أني عسيت صائما)
والثاني كقوله: (الطويل).
(فأبت إلى فهم وما كدت آبيا) ... (وكم مثلها فارقتها وهي تصفر).
стр. 268
فأما/١٥٣ / المثل فعسى للاشفاق، و (الغوير) ماء لكلب معروف، قاله ابن الكلبي، وهو في الأصل تصغير غور أو غار.
و (الا بؤس) جمع بؤس، وهو الشدة، واصل المثل: إن الزباء لما قتلت جذيمة جاء قصير إلى عمرو بن عدي، فقال: ألا تأخذ بثأر خالك؟ فقال: كيف السبيل إلى ذلك، فعمد قصير إلى أنفه فجدعها. فقالت العرب: (لا مر ما جدع قصير أنفه) وأتى الزباء، وزعم أنه فر إليها، وأنهم آذوه بسببها، وأقام في خدمتها مدة يتجر لها، ثم أنه أبطأ عنها في سفره، فسألت عنه، فقيل: أخذ طريق الغوير، فقالت،
"عسى الغوير أبؤسا"، ثم لم يلبث أن جاء بالجمال عليها صناديق في جوفها الرجال، فلما دخلوا البلد خرجوا من الصناديق، وانضاف إليهم الرجال الموكلون بالصناديق والجمالون، فقتلوا في الناس قتلا ذريعا، وقتلوا أهل الزباء وأسروها، وفقأوا عينيها، وأتوا بها عمرا، فقتلها، وقيل: أنها امتصت خاتما كان معها مسموما.
стр. 269
ومعنى المثل: لعل الشر يأتي من قبل الغوير، يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة بعينها.
وجاء رجل إلى عمر ﵁ يحمل لقيطا، فقال له عمر: هسى الغوير أبؤسا.
قال ابن الأعرابي: عرض به، أي لعلك صاحب اللقيط. ووهم ابن الخباز في أصل المثل، فقال: قالته الزباء حين الجأها قصير إلى غارها. انتهى.
وفي الصحاح قال الأصمعي: اصله أنه كان غار فيه ناس، فإنهار عليهم، أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم، فصار مثلا لكل شئ يخاف أن يأتي منه شر.
قلت: وتكون الزباء تكلمت به تمثلا، وهذا أحسن، لأن الزباء فيما زعموا رومية / ١٥٤ /، فكيف يحتج بكلامها، وقد يقال: وجه الحجة أن العرب تمثلت به بعدها.
واختلف في ناصب (أبؤسا)، فعند سيبويه وأبي علي: أنه (عسلا)، وأن ذلك من مراجعة الأصول.
وقال ابن الأعرابي: بـ (صير) محذوفة. وقال الكوفيون: التقدير: أن يكون (أبؤسا)، ومنع سيبويه إضمار أن يكون في قوله: (الوافر).
стр. 270
(وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان)
لأن فيه اضمار الموصول، وقدر إلا صفة، وقيل: التقدير يكون أبؤسا. وفيه مجئ الفعل بعد (عسى) بغير (أن)، واضمار (كان) غير واقعة بعد أداة تطلب الفعل. وقيل: التقدير، عسى الغوير يأتي بأبوس.
وفيه ترك (أن) واسقاط الجار توسعا ولكن يشهد له قول الكميت: (البسيط).
(قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم ... عسى الغوير بإباس وإغوار)
وتلخص أن (أبؤسا) خبر لعسى، أو لكان، أو لصار، أو مفعول به. وأحسن من ذلك كله أن يقدر: ييأس أبؤسا، فيكون مفعولا مطلقا، ويكون مثل قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ أي يمسح مسحا، وقول أبي دهبل الجمحي: (الطويل).
(لأوشك صرف الدهر تفريق بيننا ... ولا يستقيم الدهر والدهر أعوج)
стр. 271
أي لأوشك يفرق بيننا تفريقا، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ظرفه، وهذا شعر رقيق، وصدر قصيدته:
(تطاول هذا الليل ما يتبلج ... وأعيت غواشي الهم ما يتفرج)
(وبت كئيبا ما أنام كأنما ... جلال ضلوعي جمرة تتوهج)
(فطورا أمني النفس من غمرة المنى ... وطورا إذا ما لج بي الحب أنشج)
(لقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج)
(أخطط في ظهر الحصير كأنني ... أسير يخاف القتل ولهان محرج)
/ ١٥٥ / والحذف في الآية خير منه في البيتين، لأن مجئ الفعل بعد عسى وأوشك بغير أن ضرورة.
وفي الوجز على التأويل المذكور مجاز، وهو إسناد الفعل إلى المكان على حد قوله تعالى:
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وهو لازم لمن قدر: يكون أو يصير.
وأما البيت الأول فمشهور، وطعن فيه عبد الواحد الطواح في كتاب
стр. 272
(بغية الأمل ومنية السائل)، فقال: هو بيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين.
وحرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده.
(قم قائما قم قائما ... إني عسيت صائما)
وإنما "قم قائما" صدر رجز آخر يأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - في باب الحال. ولا يتركب قوله:
(إني عسيت صائما) عليه، بل على ما قدمنا فإن معناه: أيها العادل الملح في عدله أنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يناسبه من السب، فإنني صائم.
وهو مقتبس من الحديث: "فليقل إني صائم"، ويروى (لا تلحني) مكان (لا تكثرن)، وهو بفتح الحاء، يقال: لحيته، بالفتح، الحاه لحيا إذا لمته.
والشاهد في قوله: "صائما"، فإنه اسم مفرد جئ به خبرا لعسى كذا قالوا، والحق خلافه، وأن (عسى) هنا فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي. يدلك على أنه خبري، لا فعل ناقص إنشائي. يدلك على أنه
стр. 273
خبري وقوعه خبرا لأن، ولا يجوز بالاتفاق، أن زيدا هل قام، وأن هذا الكلام يقبل التصديق والتكذيب، وعلى هذا فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائما. فصائما خبر لكان، وأن والفعل مفعول لعسى. وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على المحذوف. ألا ترى أنه قدر في قوله:
/ / "من لد شولا" من لد أن كانت شولا.
ومن وقوع عسى فعلا خبريا قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، ألا ترى أن الاستفهام طلب فلا يدخل على الجملة الانشائية، وأن المعنى: هل طمعتم ألا تقاتلوا، إن كتب عليكم القتال؟
ومما يحتاج إلى النظر قول القائل: عسى زيد أن يقوم. فإنك إن قدرت (عسى) فيه فعلا إنشائيا، كما قال النحويون، أسكل، إذ لا يسند فعل الإنشاء إلا إلى منشئه، وهو المتكلم، كبعت واشتريت واقسمت وقبلت وحررتك.
وأيضا فمن المعلوم أن زيدا لم يترج، وإنما المترجي المتكلم. وإن قدرته خبرا، كما في البيت والآية، فليس المعنى على الأخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه.
فإن قلت: يخلص من هذا الأشكال أنهم نصوا على أن كان وما أشبهها أفعال جارية مجرى الادوات فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال.
стр. 274
قلت: قد اعترفوا مع ذلك أنها مسندة، إذ لا ينفك الفعلا المركب عن الاسناد، إلا إن كان زائدا أو مؤكدا، على خلاف في هذين أيضا.
وقالوا: إن كان مسندة إلى مضمون الجملة، فمعنى: كان زيد أخوك، نسبة الكون والحصول إلى (أخوة) زيد، وقد بينا أن الفعل الإنشائي لا يمكن إسناده لغير المتكلم، وإنما الذي يخلص من الأشكال أن ندعي أنها هنا حرف بمنزلة لعل، كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه.
وقد ذهب أبو بكر وجماعة إلى أنها حرف دائما، وإذا حملناها على الحرفية زال الاشكال، إذ الجملة الإنشائية حينئذ اسمية لا فعلية، كما تقول: لعل/ ١٥٧ / زيدا يقوم.
فاعرف الحق ودع التقليد، وآستفت نفسك وإن افتاك الناس، وميز بين وقوعها خبرا وإنشاء، ووقوعها فعلا وحرفا.
وأما البيت الثاني فإنه لتأبط شرا، واسمه ثابت بن جابر، ووافقه في أسمه واسم أبيه الشنفري، وإنما لقب بذلك، لأن أمه قالت له يوما: إن الغلمان يجنون لا هلهم الكمأة، فهلا فعلت كفعلهم؟ فأخذ جرابه ومضى،
стр. 275
فملأه أفاعي، وأتى متأبطا به، أي جاعلا له تحت إبطه، فألقاه بين يديها، فخرجت الأفاعي منه تسعى، فولت هاربة. فقال لها نساء الحي: ما الذي كان ابنك متأبطا له؟ فقالت: تأبط شرا. فلزمه هذا اللقب.
ومعنى: (أبت) رجعت. و (فهم) قبيلته. ويروى: وما كنت آيبا، ولم اك آيبا. وضعفهما ابن جني في كتاب (التنبيه). وقال: إنما المعنى: فأبت وما كدت آوب، لقولك سلمت وما كدت اسلم. ولا معنى لأن يقول: وما كنت، أو لم أكن. انتهى.
وقال الأعلم: معناهما ما كان حالي حال من يؤوب حين أحيط بي لولا تحيلي.
وعلى هاتين الروايتين فلا شاهد فيه. وتمامه:
وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
أي: وكم خطة مثل هذه لاقيتها وتخلصت منها وهي تصفر ندما حين فتها. وأراد بالصغير النفخ عند الندم.
ومن ألفاظ هذا الشعر.
إذا سد منها منخر جاش منخر
стр. 276
كما سيأتي.
ومن محاسن أهل الأدب أن محيي الدين بن قرناص الأديب قال بحضرة شرف الدين الحلي ملغزا في الشبابة: / ١٥٨ / (الطويل).
(وناطقة خرساء باد شحويها ... تكنفها عشر وعنهن تخبر)
(يلذ إلى الأسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخر)
فأجابه في الحال: (الطويل).
(نهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر)
وأول الشعر:
(إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر)
(ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للخطب مبصر)
(فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر)
(أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الباع معور)
(هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر)
(وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر)
(فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر)
(فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر)
(فأبت إلى فهم ....... البيت)
стр. 277
وكان من خبره أنه تدلى من قنة إلى سفحة، ليشتار عسلا، وتحته صخرة ملساء تنتهي إلى الحضيض. وعرفت لحيان بمكانه، وكان يغير عليهم كل وقت، فأتوه وحركوا له الخيل، فسألهم أن يرقى إليهم، ويفدي نفسه فأبوا عليه، فصب العسل على الصفا، وجعل عليه صدره، فنزل قليلا حتى بلغ الحضيض، وهم ينظرون، وكان بين الموضع الذي تدلى منه والذي انتهى إليه ثلاثة أيام لمن سار في أسفل الجبل.
و (القريع) الداهية. و (الحول) المتحول من حال إلى حال. و (جاش) فار/ ١٥٩/ وغلا، وهذا تمثيل.
والمعنى: إذا ضاق عليه مذهب احتال فاتسع له مذهب آخر. و (لحيان) قبيلة من هذيل. و (صفرت) خلت من الشراب. و (الوطاب) زقاق اللبن، ضربة مثلا لإشرافه على الموت حين أحيط به، فجعل نفسه كمن مات فخلا جسمه من روحه، كما تخلو الوطاب من اللبن، ونظيره قول ارئ القيس:
وأفلتن علباء جريضا ... ولو أدركته صفر الوطاب
أي: هلك. و (معور) بادي العورة للعدو، وإنما ضيق الباع والإعوار لنفسه لا لليوم، ومثله: (والليل إذا يسر) و (الخطتان) الخصلتان، وحذف النون للضرورة.
ومما عزت العرب للبهائم أن الحجلة تقول للقطاة:
بيضك ثنتا وبيضي مئتا
стр. 278
ومن خفض (اسارا ومنة) فالضرورة في الفصل بين المتضايقين بإما. و (الدم) هنا كناية عن القتل. و (المصاداة) المداراة والمعالجة. والخصلة الأخرى الهبوط على الصفا. و (الجؤجؤ) وسط الصدر. و (العبل) الغليظ. و (المتن) الظهر. و (المخصر) الرقيق الخصر. و (الكدح) التأثير والخدش.
مسألة [٨١]
ندر ورود خبر (جعل) جملة اسمية كقوله: (الوافر).
(وقد جعلت قلوص ابني سهيل ... من الأكوار مرتعا قريب)
وهو من إقامة الجملة الإسمية مقام الفعلية، كما قيل في (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير)، إن الجملة الاسمية وقعت جوابا ل (لو) على ذلك، وفي قوله: (الطويل).
(ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها)
أنه وقع الجملة الإسمية بعد حرف التحضيض، وسيأتي البحث فيه عند الكلام على أدوات التحضيض/ ١٦٠/ إن شاء الله تعالى.
стр. 279
و (القلوص) الشابة من النوق. والمعنى: طفقت يقرب مرتعا من الأكوار. أي أنها لما أعيت حط عنها رحلها. فزعت قريبا ولم تبعد.
وذكر الشلوبين فيما كتبه على الحماسة أن بعض الناس أجاز أن يكون (جعل) بمعنى (صير) وحذف منم (جعلت) ضمير الشأن. والتقدير: وقد جعلته، أي جعلت الأمر والشأن مرتعها قريب من الكوار.
وإن آخر أجاز أن يكون على الغاء (جعلت) مع تقدمها على جد اجازة أبي الحسن: طننت عبد الله منطلق. انتهى.
قلت: إنما يجوز إلغاء أفعال القلوب لا أفعال التصيير ويؤيد القول الأول، وهذا القول، لو صح أنه يروى بنصب (القلوص) على أنه مفعول أول، والجملة الاسمية مفعول ثان، وفاعل (جعلت) على هذه الرواية، وعلى رواية الرفع على التوجيهيين المذكورين آنفا ضمير المرأة السابق ذكرها في قوله:
فلست بنازل إلا ألمت ... برحلي أو خيالتها الكذوب
стр. 280
ويقال: خيال وخيالة، كما يقال: حال وحالة، ومكان ومكانة.
وبعده:
(كأن لها برحل القوم بوا ... وما إن طبها إلا اللغوب)
أي لم يكن داؤها إلا الكلال، فهي لا تبرح. و (البو) جلد الحوار يحشى ويقرب إلى أمه، لتعطف عليه ويدر لبنها، وذلك إذا فقدت ولدها بذبح أو غيره.
مسألة [٨٢]
الغالب اقتران الفعل بعد عسى وأوشك بأن ، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾، وقوله: (الطويل).
(إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا)
وربما تجرد منها كقوله: [الوافر]:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 281
وقوله: (المنسرح).
(يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها)
فأما البيت الأول فأنشده ثعلب في أماليه، قال: أنشدنا ابن الاعرابي، وذكره، ومعناه واضح. وفيه رد على الأصمعي إذ زعم أنه يقال: يوشك، ولا يستعمل له ماض، وقبله:
(أبا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفيك فضل الله فالله فالله واسع)
وأما البيت الثاني فإنه للكلحبة، بفتحة فسكون ففتح الحاء المهملة وباء موحدة، واسمه عبد الله بن هبيرة. ومعناه: من لم يركب الهول تقطع أمره، وكانوا يقولون: من أشعر نفسه الجرأة والغلبة ظفر، ومن تذكر الذحول أقدم. و (الذحول) بالذال المعجمة: جمع ذحل، وهو العداوة.
стр. 282
والشاهد في قوله: (أن تقطعا)، فاستعمل الفعل بعد أوشك بأن. وفيه شاهد آخر، وهو الاستغناء بالظاهر عن المضمر، وذلك في قوله: (بالفتى)، وكان الأصل (به)، فلما اضطر أتى بالظاهر، ولم يأت بذلك الظاهر المتقدم، بل بمرادفه، وهو أحسن، دفعا للتكرار، ولنه نسبة الضمير في مخالفته للفظ ما سبق. وفيه استعارة الحبال للهوينا، تنزيلا للمعقول منزلة المحسوس، وترشيح الاستعارة بذكر التقطع، وقبله:
(أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ... ولا رأى للمغضي إلا تصنعا /١٦٢/)
وانتصاب (تصنع)، أما لأنه حال من الرأي وإن كان نكرة، لنه في سياق النفيض، أو من ضميره المستتر في صفته، وهي للمغضي، أو لأنه مستثنى على أنه صفة للرأي، وذلك على قول الأخفش: إن إلا تعترض بين الموصوف وصفته.
والفارسي يمنع من ذلك. ومن أبيات القصيد قوله:
(وقد جعلتني من خزيمة إصبعا)
وأما البيت الثالث فإنه لهدبة بن خشرم. والهدبة: طرف الثوب. والخشرم: جماعة النحل.
стр. 283
وكان من خبره أنه قتل زيادة بن زيد الحارثي، فحمله أخوه عبد الرحمن إلى معاوية ﵁، فأدعى عليه، فقال له معاوية: ما تقول؟ فقال: أأجيبك شعرا أم نثرا؟ فقال: بل شعرا. فقال مرتجلا: (الطويل).
(ألا با لقومي للنوائب والدهر ... وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري)
(وللأرض كم من صالح قد تلمات ... عليه فوارته بلماعة قفر)
(فلا ذا جلال هبنة لجلاله ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر)
إلى أن قال:
(رمينا فرامينا فصادق سهمنا ... منية نفس في كتاب وفي قدر)
(وأنت أمير المؤمنين فما لنا ... وراءك من مغزى ولا عنك من قصر)
(فإن تك في أموالنا لا نضق بها ... ذراعا وإن صبرا فنصبر للصبر)
فقال له معاوية: قد اعترفت. فقال: هو ذاك. فقال أخو المقتول: أقدني منه، فنظر معاوية فإذا للمقتول ولد صغير، فقال يحمل إلى المدينة فيحبس بها إلى أن يبلغ الصبي. فلبث في السجن /١٦٣/ سبع سنين، وكان معه رجل مسجون يقال له أبو نمير فجالسه يوما، وأظهر له التألم، فقال:
(يؤرقني اكتئاب أبي نمير ... فقلبي من كآبته كئيب)
(فقلت له هداك الله مهلا ... وخير القول ذو اللب المصيب)
стр. 284
(فإنا قد حللنا دار بلوى ... فتخطئنا المنايا أو تصيب)
(عسى الكرب ...... البيت)
يروى بفتح التاء من (أمسيت). وبعده:
(فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله الرجل الغريب)
قوله (دار بلوى) يعني السجن. قوله (ذو اللب) أي قول ذي اللب.
فلما بلغ الصبي عرضت عليه عشر ديات فأبى إلا القود، فدفع إليه، فقتله صبرا، وهو أول مصبور بالمدينة بعد غهد رسول الله ﷺ ، قاله ابن المسيب.
ورأيت في بعض الكتب أنه جيء به مقيدا فقال: (الطويل).
(إذا العرش إني مسلم بك عائذ ... من النار ذوبث إليك فقير)
و (عسى) في البيت للترجي. و (الكرب) الهم لأنه قريب من الإنسان، قال: (الطويل).
стр. 285
(سبقت إليك الموت والهم كاربي)
و (وراء) ظرف مؤنث، لتصغيره على (وريشة)، وظهور الهمزة في تصغيره دليل على أنه ليس من (وأريت)، كما قال بعضهم. والظاهر أنه بمعنى: أمامه، كقوله تعالى: ﴿مِّن وَرَأَىئِهِ جَهَنَّمُ﴾، و ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
و (الفرج) انكشاف الهم. و (فرج) مبتدأ، وقريب صفة والظرف خبر /١٦٤/، والجملة خبر يكون، واسمها ضمير الكرب، ويكون وما بعده خبر (عسى).
ويجوز تقدير (يكون) تامة، ويكون فاعلها ضمير الكرب، والجملة الاسمية حالا. ويجوز على الوجهين أن يكون (فرج) فاعلا بالظرف، على أنه خبر الناقصة، وحال من فاعل التامة، وهذا أرجح من تقديره مبتدأ. وإنما لم أقدر (فرج) اسم يكون على أنها التامة، و (وراءه) متعلق ب (يكون) كما فعل بعضهم، لأن فاعل الفعل الواقع في باب (كاد) لا يكون إلا ضميرا راجعا للاسم السابق، فلا يجوز (كاد زيد يموت أبوه)، وما خرج عن ذلك نادر فلا يحمل عليه مع وجود مندوحة عنه. وكذلك لا يكون اسم يكون ضمير الشأن كما قدره جماعة، لما ذكرنا.
следующие страницы →