← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17916

تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد

ابن هشام النحوي

Полный текст (470 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والشعر لجرير بن عطية بن حذيفة، ولقب حذيفة الخطفي، بثلاث فتحات، وهو تميمي عدناني من بني كليب أخي ثعلبة بن يربوع. و (عرين) مبتدأ، هو بوزن تميم، وهو عرين ابن ثعلبة بن يربوع، وقول علي بن سليمان الأخفش: عرين ابن يربوع وهم و (عرينه) مصغر: بطن من بجيلة، والشعر يهجو به فضالة العريني، يقول أنه ليس تميماً، وإنما هو من عرينه، فهو قحطاني، والجار والمجرور خبر و (ليس منا) /٢٠/ خبر ثان، أو مستأنفة، ويروي (مني). و (بريت وتبرّأت) بمعنى، والأصل بريت إليه منه، فأناب المظهرين عن المضمرين، لاتضاح المتبرأ إليه من المتبرأ منه؛ ولأن إيقاع البراءة على صريح اسم عرين أبلغ، ولتصحيح الوزن والتقفية؛ ولأن ذلك جائز في الجملتين، ويروي: وبني عبيد، وبني رياح، وهو بكسر الراء بعدها آخر الحروف: حيّ وجعفر وجمهور وتمرين وعبيد أولاد ثعلبة بن يربوع من يربوع، و (الزعانف) بفتح الزاي وبالعين المهملة جمع زعنفة، بكسر الزاي والنون: أطراف الناس،

стр. 37

وأصله أطراف الأديم وأكارعه، والشاهد في البيت الثاني، وإنما أنشد البيت الأول ليعلم أن القوافي مكسورة، وقبلهما. (أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرن يداك دوني) وشاهد ذلك في المحمول على الجمع قوله: [الوافر]. (أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني) (وماذا تدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين) والشاهد في الثاني كما في البيتين السابقين، والهمزة للإنكار و (كل) ظرف و (حل) فاعل به، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره، وهو بفتح الحاء، مصدر (حللت) بالمكان، بالفتح، أحل، بالضم، ويأتي مصدراً لحلة ضد عقده، وهو القياس و (ما) نافية جاء بعدها (ولا تدري)، يفتح المثناة والمهملة المشددة يقال: دريت الصيد، وأدريته وتدّريته، بمعنى ختلته وخدعته. وهنا تنبيهان، الأول: أن البيت لا دليل فيه، لجواز أن يكون الشاعر لما أضطر جره بالكسر على القياس في أسماء الجموع، وعلى ذلك أنشده المبرد في كامله، وانشد أيضاً بيت الفرزدق /٢١/ [البسيط].

стр. 38

(ما سد حي ولا ميت مدهما ... إلا الخلائف من بعد النبيين) فسوى في إجازة ذلك بين الجمع وغيره، وفي (البسيط) إن ذلك لغة خاصة بما يكون إعرابه بالواو والياء تعويضاً. كأرضون وسنون وقلون، وأنشد البيت وقول الآخر: [الكامل]. (ولقد ولدت بنين صدقٍ سادةً ... ولأنت بعد الله كنت السيدا) وجوّز بعضهم ذلك في الباب كله، وحمل عليه قوله: [الخفيف]. (رب حي عرندس ذي طلال ... لا يزالون ضاربين القباب) والثاني: إن هذين البيتين من كلمتين لشاعرين، وغلط الشارح والناظم في ذلك كما غلط الشارح وحده في بيتي التنوين السابقين، فأما البيت الأول فإنه من كلمة للمثقب العبدي، أولها: (أفاطم قبل بينك نبئني ... ومتعك ما سألت كأن تبيني)

стр. 39

(ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمر بها رياح الصيف دوني) (فإني لو تخالفني شمالي ... لما اتبعتها أبداً يميني) (إذاً لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك اجتوى من يجتويني) إلى أن يقول وذكر ناقته: (إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوّه أهة الرجل الحزين) تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني) أكل الدهر ... البيت. ومعنى البيت الأول: أخبريني قبل فراقك على أن منعك ما أطلبه منك بمنزلة فراقك، ومعنى (اجتوي) أكره، وأرحلها، بفتح الهمزة: أشد عليها الرحل، وأصل (تأوّه) تتأوّه، (آهة) بالمد، ويروى بالقصر والتشديد /٢١/، وهما نائبان عن التأوّه، و (درأ) بالمهلة: دفع، و (الوضين) بالمعجمة: وهو للهودج كالبطان للقتب، والتصدير للرحل والحزام للسرج، وجمعه وضُنٌ، بضمتين، و (الدين) العادة، والاستفهام للتعجب، و (يُبقي علي) يرحمني، والمصدر الإبقاء، والاسم البُقيا، بالضم، والبَقوى، بالفتح، و (يقيني) يصونني، ومنها قوله: (فإما أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثي من سميني) (وإلا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتّقيك وتتّقيني) وسيأتي الكلام عليهما إن شاء الله في باب العطف، وبعدهما:

стр. 40

(فلو أنا على حجر ذُبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين) (زعمت العرب أن دم المتباغضين ... إذا جريا لا يختلطان) قال [الطويل]: (أحارث إنا لو تُساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دماً) والدميان تثنية دم برد االلام شذوذاً، أو تثنية دما على لغة القصر، قال: [الطويل] (فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدما) وقال: [الرمل]. (غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي معظام ودما) وأما البيت الثاني فإنه لسحيم بن وئيل الرياحي الذي فاخر غالب بن صعصعة أبا الفرزدق بالكوفة أيام علي ﵁. فعقر غالب مئة ناقة، وعقر سحيم ثلاث مئة، وقال للناس: دونكم، وأفتى علي رضي الله عنه

стр. 41

بتحريمها؛ لأنها لم تُذبح إلا للمفاخرة والمضارة، فتركت للكلاب والعقبان، وقبله: (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني) وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في باب ما لا ينصرف، وبعده، /٢٣/ (أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون) وهذه الأبيات الثلاثة تمثل بها الحجاج على منبر الكوفة يوم دخلها، والأشد: القوة، وهو مفرد كالأنُك للرصاص، ولا ثالث لهما، وقيل جمع لا واحد له، وقيل جمع شدة كنعمة وأنعم، و (نجذني) بالذال المعجمة، هذبني واحكمني، و (مداورة) معالجة، و (الشؤون) الأمور جمع شأن. مسألة [١٣] نون المثنى نون المثنى وما حمل عليه مكسورة على أصل الساكنين، ولم يحفظ البصريون فيها غير ذلك، وقال غيرهم: قد تفتح للتخفيف، وذلك لغة بعض بني أسد في نقل الفراء، ولبني زياد بن فقعس في نقل الكسائي، ثم قال

стр. 42

ابن كيسان: لا نعلم أحداُ من الحذّاق يجيزه مع الألف، وقال أبو الفتح: تفتح مع الألف أيضاً، وتابعه الناظم، وقال بعضهم: لا تفتح مع الألف إلا في حالة النصب، وذلك في لغة من يقول: رأيت الزيدان. حجة الأكثرين أمران أحدهما: أن الياء ثقيلة فاحتيج إلى التخفيف معها ففتحت النون، كما في أين وكيف، وأما الألف فإنها خفيفة فالتزم معها الأصل. والثاني: إن الفتح إنما صح به السماع مع الياء خاصةً، كقول بعض الأسديين يصف قطاة: [الطويل]. (على أحوذيين استقلت عشية ... فما هي إلا لمحة وتغيب) والأحوذي، بالحاء المهملة والذال المعجمة: السريع في كل ما أخذ فيه، قال ابن سيدة: أو الخفيف في الشيء لحذقه فيه، حكاه الجوهري عن أبي عمرو، والمراد بالأحوذيين الجناحان، وليس فتح نونه ضرورة؛ لأنه في حشو البيت، واستقل الطائر ارتفع في الهواء، ويروى (عليهما) بدل (عشية) /٢٤/، فإعادة (على) توكيد، ولزم من إعادتها أن توصل بالمجرور، وقوله (فما هي) أصله فما مسافة رؤيتها ثم حذف المضاف الأول، وأناب عنه الثاني، ثم الثاني أناب عنه الثالث، فارتفع وانفصل،

стр. 43

ومثله في حذف مضافين: أنت مني فرسخان، أي ذو مسافة فرسخين، إلا أن هذا حذف من الخبر، وقد يقدر بعدك مني فرسخان، فالمحذوف واحد من المبتدأن وقوله (وتغيب) مستأنف، أي وهي تغيب بعد ذلك، وحجة أبي الفتح أن أبا زيد أنشده في نوادره: [الرجز]. (أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا) قال: وذلك حمل لحالة على حالتين، وزعم الأولون أن هذا البيت مصنوع، وحجة المذهب الثالث الاعتداد بالبيت المذكور والوقوف مع ظاهره. فإن (العينان) في محل النصب وقد جاء الفتح معه، وكذلك (الظبيانا) وفيه حذف مضاف أي منخرا ظبيانا.

стр. 44

شواهد باب النكرة والمعرفة مسألة [١٤] لا يلي (إلا) من الضمائر إلا المنفصل، نحو: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة هود: ١٤]، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [سورة يوسف: ٤٠]، وقد يليها المتصل بشرطين: كونه بلفظ المنصوب لا المرفوع، وكونه ذلك في الشعر، كقوله: [البسيط]. (وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار) وكان حقه إلا إياك، وإنما استحق النصب؛ لأنه استثناء مقدّم على المستنثنى منه، وهو ديّار، فهو كقول الكميت: [الطويل]

стр. 45

(وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب) وإنما استحق الفصل مع أنه معمول لإلاّ على الصحيح؛ لأن المستثنى في التفريغ واجب الفصل، نحو: ما أكرمت إلا إياك، لأنه معموك للفعل بالاتفاق، فلا يصح اتصاله بغير عامله، ثم حمل عليه غير المفرغ، ليجريا على سنن واحد، وإنما سهّل وصله في الضرورة لثلاثة أمور، أحدهما: إن الأصل في الضمير الاتصال /٢٥/، الثاني: أن الأصل في الحرف الناصب للضمير أن يتصل به، نحو: إنك ولعلك، والثالث: إجراء (إلا) مجرى أختها (غير)، كما أجريت مجراها في الوصف بها، وزعم الناظم في شرح التسهيل: أن الفصل في البيت ليس بضرورة، لتمكن الشاعر من أن يقول: (أن لا يكون لنا خِلٌّ ولا جار) وإذا فتح هذا الباب لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر، وزعم أبو الفتح أن الذي سوّغ لهم أن يرتكبوا في الشعر ما لهم عنه مندوحة إرادة أن يسهل عليهم ارتكابه عند الاضطرار وجعل من ذلك قوله: [مجزؤ الكامل]. (فزججتها متمكّناً ... زجّ القلوص أبي مزاده)

стр. 46

فإنه فصل بين المتضايفين بمفعول المضاف مع تمكنه من أن يضيف المصدر إلى المفعول، ثم يرفع الفاعل. وظهر لي وجهان غير ما ذكر، أحدهما: أن أكثر أشعارهم كانت تقع من غير روية، فقد لا يتمكنون من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه. والثاني: أن الشعر كان مظنّة الضرورة استباحوا فيه ما لم يضطروا إليه، كما أبيح القصر في السفر، لكونه مظنة المشقة مع أنها قد تنتفي مع بقاء الرخصة. ويقال: باليته وبه ويحتملان هنا، لأن الجار يحذف من (أنّ وأنْ) قياساً، والمحمل على الأول نصب، وعلى الثاني نصب أو جر على الخلاف المشهور، و (إذا) ظرف لـ (نبالي) أن قدّر تجرده من معنى الشرط، وإلا فناصبه فعل الجواب المحذوف، أو فعل الشرط إذا لم تقدّر (إذا) مضافة، و (ديّار) من ألفاظ العموم، ولا تستعمل في الإيجاب، وأصلها (ديْوارٌ). مسألة [١٥] كما جاز إيقاع المتصل موقع المنفصل يجوز العكس، وذلك بشرطين أحدهما: الضرورة كما في المسألة التي قبلها /٢٦/، والثاني: كون الضمير مرفوعاً أو منصوباً لا مجروراً، وهذا الشرط أهملوه لوضوحه وشاهد فصل المرفوع قوله: [البسيط]. (وما أصاحب من قوم فاذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم)

стр. 47

وقائله رجل من بني عديّ، وهو زياد بن حمل عذابي تمام، وزياد بن منقذ عند الجوهري، والمرزباني، والمرّار بن منقذ عند القتبي. ومعناه: أنه ما يصاحب من بعد قومه قوماً فيذكر قومه إلا يزيد أولئك القوم قومه حباً إليه، أما لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأول بالقلب، وعلى الثاني باللسان، ويشهد للأول أنه يروي: فأخبرهم. ومحل الشاهد قوله (هم) فإنه فاعل (يزيد) فكان حقه أن يتصل به، فيقال: ألا يزيدونهم. وزعم بعض من فسر الضرورة بما ليس للشاعر عند مندوحة، أن هذا ليس بضرورة، لتمكن قائله من أن يقول: (ألا يزيدونهم حباً إلى هم) ويكون الضمير المنفصل توكيداً للفاعل، ورده الناظم بأنه يتقضي كون الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وإنما يجوز ذلك في باب ظن، نحو: ﴿أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٧]، وهذا سهو؛ لأن مسمى الضميرين مختلفان؛ إذ ضمير الفاعل راجع لقوم، وضمير المفعول لقومه الممدوحين، ويحتمل عندي أن يكون فاعل (يزيد) ضمير المذكر، ويكون (هم)

стр. 48

المنفصل توكيداً لـ (هم) المتصل، فلا يكون في البيت شاهد لأنه يجوز أن يؤكد بالمرفوع المنفصل كل متصل، ويجوز في (فاذكرهم) و (فاخبرهم) الرفع عطاً على (اصاحب)، والنصب في جواب النفي؛ لأن انتقاض النفي إنما هو بالنسبة إلى لمعمول، ونظيره: ما تأتينا فتحدثنا إلا في الدار. وزعم أبو حيان أن الناظم حرّف صدر هذا البيت، وأن صوابه: لم ألف بعدهم /٢٧/ حياً فأخبرهم. ولا مستند له في ذلك إلا أنه وجده في "حماسة أبي تمام" هكذا، والذي أورده الناظم هو رواية ابن قتيبة في "طبقات الشعراء"، ورواه المبرد أيضاً كذلك، إلا أنه أورده بالفاء في أوله، فقال: إذا اضطر الشاعل فصل الضمير، كقوله: [الرجز]. (أتتك عنس تقطع الأراكا ... إليك حتى بلغت إياكا)

стр. 49

وقوله: [الكامل]. (أصرحت حبل القوم أم صرموا ... يا صاح بل صرم الحبال هم) وقوله: فما أصاحب ... البيت. (لا حبذا أنت يا صنعاءُ من بلدٍ ... ولا شعوب هوى منى ولا نُقُم) (إذا سقى الله أرضاً صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم) (وحبذا حين تمسي الريح باردةً ... وادي أشي وفتيانٌ به هُضُمُ) ومنها: (هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللقاء إذا تلقى بِهم بُهم) (مخدّمون كرام في مجالسهم ... وفي الرجال إذا لاقيتهم خدم) و (شعوب) بضم الشين المعجمة، والعين المهملة، و (نقم) بضم النون والقاف، وهما وصنعاء بلاد كرهها هذا الشاعر حين أتى اليمين، وحنّ إلى وطنه.

стр. 50

و (الغادية) السحابة التي تمطر بالغداة، و (أشي) بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة، أكمة ببلاد تميم، يصرف ولا يصرف، و (هضم) بضمتين جمع هضوم، وهو الطاوي الكشح، و (البهم) بضم الموحدة وفتح الهاء، جمع بهمة، بضمة فسكون: الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه. وشاهد فصل المنصوب قول الفرزدق، وقيل: أمية بن أبي الصلت، ولم أجده في ديوانه: [البسيط]. (بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهم الدّهارير) وقبله: (وإني حلفت ولم أحلف على فندٍ ... فِناءَ بيتٍ من /٢٨/ السارين معمور) الفند، بفتحتين: الكذب، وفناء: ظرف لحلفت، وما بينهما اعتراض، ومعمور: صفة لبيت تقدم عليه الظرف المتعلق به، والبيت: الكعبة المشرفة، والباء متعلقة بحلفت، والأموات: إما منصوب بالوارث على أن الوصفين تنازعاه، وأعمل الثاني، وإلا لا ضمير فيه، وإما مخفوض بإضافة الأول أو الثاني على حد قولهم: [البسيط]. (يا من رأى عارضاً أرقت له ... بين ذراعي وجبهة الأسد)

стр. 51

وسيأتي في باب الإضافة إن شاء الله تعالى. ومعنى (الوارث): الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاّك، و (ضمنت): أما بمعنى تضمنت، أي اشتملت عليهم، أو بمعنى كفلت، كأنها تكفّلت بأبدانهم، و (إياهم) مفعوله، وكان حقه: قد ضمنتهم، بالاتصال، وهذا محل الشاهد، والدهر والزمان واحد، قال [الخفيف]. (إن دهراً يلف شملي بسُعدى ... لزمان يهم بالاحسان) و (دهر الدهارير) الزمن السالف، وقيل: أول الأزمنة السالفة، فهو من باب التنبيه مثل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾؛ لأنه إذا بعث من تقادم زمانه، وتطاول عهده فما قرب أولى، وإذا قيل: دهر دهارير، بالصفة، فمعناه شديد، كما يقال: ليلة ليلاء، يوم أيوم، وساعة سوعاء، أنشد سيبويه لرجل من أهل نجد: [البسيط]. (حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حال دهارير) والدهر شديد في كل وقت، وقبل هذا البيت: (استقدر الله خيراً وأرضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير) (وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير)

стр. 52

(يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسر) المياسير: جمع ميسور بمعنى اليُسْر، والرَّمس القبر، ومغتبط: مسرور، وتعفوه: تزيل أثره، والأعاصير: جمع إعصار، وهي الريح الشديدة فيها /٢٩/ غبار وتراب. مسألة [١٦] إذا اجتمع ضميران، أولهما أعرف، وليس مرفوعًا، بغير كان وأخواتها، فالثاني منهما على ثلاثة أقسام ، أحدها: ما اتّفق على أن فصله أرجح، وضابطه أن يكون الضمير الذي تقدّمه مخفوضًا، نحو: عجبت من ضربك إياه، وذلك لأن العامل حينئذٍ اسم، فهو ضعيف عن الاتصال بضميرين، ومن شواهد الوصل قوله: [الوافر]. (فلا تطمْع أبيتَ اللعنَ فيها ... ومنعُكَها بشيءٍ يُستطاعُ) وهذا البيت لرجل من تميم، قاله وقد سأله بعض الملوك فرسًا يُقالُ لها سَكابِ، وقبله: (أبيتَ اللعنَ إنَّ سكابِ عِلْقٌ ... نَفيسٌ لا تعارُ ولا تُباعُ) (مُفداةٌ مكرّمةٌ علينا ... تُجاع لها العيالُ ولا تُجاعُ)

стр. 53

(سليلةُ سابقين تناجلاها ... إذا نُسبا يضمّهما الكُراعُ) أبيت: فعلتَ من الآباء، وهو الامتناع، واللعن: الطرد، أي أنه أبى أسباب اللعن، والجملة كانت تحية الملوك، وسكاب: علمُ وفرس، واشتقاقه من السّكب، وهو الصّبّ، ويقال: فرس سكبٌ وبحرٌ، على الصَفة، والمحفوظ في البيت كسره، والصواب فتحه، لأن الشاعر تميمي، وتميم توجب منع صرف فَعالِ علمًا لمؤنث، كخَذامِ، ولا يكسرون إلا ما آخره راء، نحو: وبارِ. والعلق: النفيس، فالجمع بينهما للتوكيد، كقوله تعالى ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾. و (تعار وتباع) بالتأنيث والتذكير، باعتبار الفرس، وباعتبار علق نفيس، والإضافة في (ومنعكها) لأول المفعولين والتناجل: التناسل، و (الكراع) علم لفحل مشهور، والواو واو الحال، ويروى بالفاء للتسبب عن النهي، و (بشيء) إما متعلق بما قبله، أو بما بعده، وعليهما فالمعنى: بشيء ما، و (يستطاع خبر /٣٠/ وأمّا خبر، فـ (يستطاع) صفة، والباء زائدة مثلها في ﴿جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ عند الأخفش. والقسم الثاني: ما اختلف فيه أو صله واجب أم راجح، وضابطه أن يكون الأول منصوبًا بفعل غير قلبي، فمذهب سيبويه أن وصله واجب، نحو: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا﴾، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ

стр. 54

الله﴾، ومذهب جماعة، منهم الزمحشري، والناظم، أنه راجح، واستدل الناظم بالحديث الوارد في العبيد والإماء «إن الله ملككم إياهم»، ولو كنا على ثقة من أنه روي بلفظه لم يكن فيه دليل، لأن يعده: ولو شاء لملكهم إياكم، والفضل فيه واجب، لأن الضمير المقدم غير أعرف، فلعل الفصل في الأول للتناسب، وعن الشلوبين أن فصله راجح على وصله، وتكلف لتأويل كلام سيبويه على ذلك، وليس بشيء. والقسم الثالث: ما اختلف فيه، أوصلهُ راجح أم مرجوح؟ وضابطه أن يكون العامل فيه فعلاً ناسخًا، نحو: كان وظنّ، فالجمهور يختارون الفصل، لأن الثاني خبر في الأصل، فأصله وجوب الفصل، كقولك: أنا هو وأنت هو، والرّماني وابن الطراوة وتلميذه السهيلي وابن مالك يختارون الوصل، لشبه

стр. 55

كنته بضربته، وهو واجب الوصل، وشبه ظننتكه باعطيتكه، وهو واجب الوصل، أو راجحه على الخلاف السابق، ومن شواهده في (كان) قول أبي الأسود الدؤلي: [الطويل] (فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها أغذته أمه بلبانها) وسبب قوله ذلك أنه كان له مولى يختلف إلى الأهواز في تجارة له، فكان يصيب من الخمر، فاضطرب أمر التجارة، فلامه فزعم أنه إنما بشربها لحرارتها لا للسكر، فأمره بأكل الزبيب، فإنه أخوها /٣١/ ارتضع معها من ثدي واحد، أي أنه يشرب من عروق الكرامة كما يشرب العنب الذي هو أصلها، وقبله. (دَعِ الخمَر تشربْها الغُواةُ فإنني ... رأيتُ أخاها مُغنيًا بمكانها) يقال: هو أخوه بلبان أمه، ولا يقال: بلبن أمه، وذكر اللبان هنا بعد ذكر الأخوة ترشيح للاستعارة. ومن شواهد الفصل قول حميد الأرقط: [الرجز] (أتتك عُنْسٌ تقطع الأراكا ... إليك حتى بلغت إياكا)

стр. 56

وزعم الزجّاج أنه لا ضرورة فيه، لإمكان أن يكون الأصل بلغتك إياك، وهذا مبني على جواز حذف المؤكد وبقاء التأكيد، وفيه خلاف، وقول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]. (لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغير) وفي الكامل للمبرّد أن ابن عباس سمع الكلمة التي منها هذا البيت، وعدد أبياتها ثمانون، فحفظها من مرة، وأن نافعًا قال له: ما رأيت أروى منك، فقال: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي ﵃ أجمعين، وأولها: (آم آل ليلى أنت غادٍ فمبكر ... غداة غد أو رائح مُتَهجِّر) (تهيم إلى نُعم فلا الشَّمْلَ جامع ... ولا الحبلُ موصول ولا القلب مقصرُ) ومنها قبله: (قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه ... أهذا المغيري الذي كان يُذْكَرُ) (أهذا الذي أطريت نعتًا فلم أكن ... وعيشكِ أنساه إلى يوم أُقبَرُ) (فقالت: نعم لا شك غير لونَهُ ... سُرى الليلِ حتى نَصُّهُ والتهجُّرُ) وبعده: (رأت رجلاً أمّا إذا الشمسُ عارضَتْ ... فيُضحي وأما بالعَشي فَيَخْصرُ)

стр. 57

(أخا سَفَر جواب أرض تقاذفَتْ ... بهِ فلوتٌ فهو اشْعَتُ أغبرُ) (قليلاً على ظهرِ المطيَّةِ ظِلُهُ ... سِوى ما يقي عنه الرداء المحبرُ) مسألة [١٧] إذا اتحدت ربتة ضميرين وأولهما غير مرفوع فصل الثاني، كملّكني إياي، ملكتك إياك، وملكته إياه، وقد يتصل إن كان الاتحاد في الغيبة واختلف لفظ الضميرين، ولذلك شواهد، أحدها قوله: /٣٢/ [الطويل]. (وقد جعلتْ نفسي تَطيبُ لِضَغْمةٍ ... لِضَغْمهاها يَقْرعُ العظمَ نابُها) وهذا البيت لمغلّس بن لقيط السعدي الأسدي، وكان له ثلاثة أخوة. مرة ومدرك وأظبطه، وكان أبرهم به فمات، وأظهر الإخوان عدواته وآذياه فقال يرثيه ويشتكي من أخويه، قيل هما ابنا أخيه الذكور، وقيل أجنبيان: (وأبقتْ ليّ الأيامُ بعدَكَ مُدْركَا ... ومُرَّة والدنيا قليلٌ عتابُها) (قرينين كالذئبين يقتسمانني .. وشَرُّ صَحَاباتِ الرجالِ ذئابُها) (إذا رأُيا لي فُرصَةً آسدا بها ... أعادي والأعداء كَلْبَى كِلابُها) (وإن رأياني قد خدرت تبغيًا ... لرجليَّ مهواةً هَبَاءً ترابها)

стр. 58

(فلولا رجائي أنا تثوبا ولا أرى ... عقولكما إلا شديدًا ذهابُها) (سقيتكما قبل التفرق شربةً ... يمرُّ على باغي الظلام شرابها) قوله (جعلت) أي شرعت، و (الضغمة) العَضَّة، ومنه قيل للأسد ضيغم، و (القَرع) هنا وصول الناب إلى العظم، وأصله الضرب بشيء صلب في مثله، و (الناب) السن التي خلف الرباعية، وذكر الضغم والقرع والناب استعارة. وفي معنى البيت وتوجيهه خمسة أوجه، أحدها: أن الضغمة الأولى له، والثانية لهما، أي أن نفسه طابت لأن توقع بهما مصيبة عظيمة لأجل ضغمهما إياه مثلها، فاللام من (لضغمة) تتعلق ب (تطيب)، وهي لام التعدية، واللام من (لضغمهما) متعلقة بضغمة، أو بجعلت، أو بتطيب، وهي لام العلة، وضمير التثنية فاعل، وضمير المؤنث مفعول مطلق، والمعنى: لضغمهما إياي ضغمة مثلها، فحذف المفعول به والموصوف، وأناب عنه صفته، ثم حذف المضاف، وأناب عنه المضاف إليه ووصله شذوذًا. الثاني: /٣٣/ أن يكون المعنى كذلك، ولكن لا يقدر مثل، بل يكون ضميرًا لمؤنث عائدًا على الضغمة المتقدمة في اللفظ والمراد غيرها على حد قولهم: عندي درهم ونصفه. الثالث: أن الضغمتين كلتيهما من فعل المتكلم، أي جعلت نفسي لأجل ايذائهما لي تطيب لايقاع ضغمة بهما يقرع العظم نابها، لشدة ضغميهما إياها، فحذف مضافين، الشدة المضافة إلى الضغمتين، وياء

стр. 59

المتكلم المضاف إليها الضغمتان، وهي فاعل المصدر، فاللام الأولى متعلقة بتطيب، والثانية متعلقة (بيقرع). الرابع: أن الضغمتين للمتكلم، وأن الثانية على تقدير ياء المتكلم كما تقدم، ولكن الثانية بدل من الأولى بإعادة الجار. فاللامان للتعدية، والتقدير لأن أضغهمهما ضغمة يقرع العظمَ نابُها. والخامس: أن الضغمة الأولى لأجنبي، والثانية لهما، أي: تطيب لأن يضغمني ضاغمٌ ضغمةٌ يقرع العظمَ نابُها لضغمهما إياي مثلها، كما تقول: طابت نفسي بالموت لما نالني من أذى فلان. واللام الأولى للتعدية والثانية للتعليل، وأرجح الأوجه الثالث؛ لأن السيرافي روى: تهمّ بضغمة علي على غيظٍ، ولأنّ بعضهم روى: لغضمة أَعضُّهُماها. وضمير نابها راجع للضغمة إما على أنه جعل لها نابًا على الاتساع، والمراد صاحبها، أو على أن التقدير: ناب صاحبها ثم حذف المضاف. والشاهد في وصله (ها) مع اتحاد الرتبة، ومع كون العامل اسمًا، فهو ضعيف الطلب، وقد مرّ شرح قوله: (ومنعكها)، والعتاب: إما بمعنى الاعتاب، فهو مضاف إلى الفاعل، أو بمعنى المعاتبة، فهو مضاف إلى المفعول، أي: قليل نفع معاتبتها، أي: أنها لا تنفع معاتبتها. و (آسادا) اغريا، و (كلبى) بوزن سكرى جمع كلب، بكسر

стр. 60

العين، وهو /٣٤/ الذي به الكلب، بفتحتين: وهو داء لا يُبْرَأ منه، ولذلك استعاره. و (المَهواة) حفرة الصائد. و (الظلام) بالكسر مصدر ظالمته، وجميع ظلم كرماح ودهان، ويروى بالضم اسم جنس لظُلامة، أو اسم جمع لظلم كظؤر وتوأم. الشاهد الثاني قوله: [الطويل]. (لوجهِكَ في الإحسانِ بَسْطٌ وبَهْجَةٌ ... أنا لَهُماه قَفْوُ أكرم والد) وقوله (في الإحسان) أي في وقته، و (القفو) الاتباع، وسائر البيت واضح لفظًا ومعنى، والاتصال فيه أحسن منه في الذي قبله، لأن العامل فعل وفيه من البديع الاستطراد، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَن كَمَا بَعِدَتْ ثَمُود﴾، وقول الشاعر: [الطويل]. (فتَى شَقِيَتْ أموالهُ بنوالهِ ... كما شقيتْ بكرٌ بأرماحِ تَغْلِبِ) وقول آخر: [الطويل] (وأنا لقومُ لا نرى القتلَ سُبَّةَ ... إذا ما رأته بمامرٌ وَسلولُ) الشاهد الثالث: قو بعضهم في النثر: هم أحسن الناس وجوهًا وأنضرهموها

стр. 61

وهذا أشد من قوله: لضغمهماها، لأن اسم التفضيل أضعف في العمل من المصدر، ولهذا لا يعمل في المفعول مطلقًا، ولا في الظاهر، أي الملفوظ به إلا في مسألة الكحل، فهو أبعد من احتمال الاتصال، ولأن عمله في الثاني خارج عن القياس، /٣٥/ لأنه نصبه على التشبيه بالمفعول به كما حكى الكسائي: لا عهد لي بألأم قفًا منه، ولا أوضعه، بفتح العين، لتقدير الضمير منصوبًا على التشبيه لا مجرورًا بالإضافة، وإنما حقا لصفة المشبهة أن تكون صالحة للتثنية والجمع والتأنيث بالتاء، وقد يقال: إن انتصاب الضمير الثاني ليس على التشبيه، بل على التمييز، لأنه عائد على (وجوهًا)، ووقوعه بعد (أنضر) كوقوع (وجوها) بعد (أحسن الناس)، وهذا لا يتأتى إلا على قول من زعم أن التمييز يجوز مجيئه معرفة، ويستدل عليه بمثل حكاية الكسائي: هو أحسن الناس هاتين، يشير إلى عينيه، أو على قول من يزعم أن ضمير النكرة نكرة مطلقًا، أو على قول من يقول أنه نكرة إذا عاد على واجب التنكير كالحال والتمييز ومجرور رب، والأولى في (هاتين) أن يكون مشبهًا بالمفعول به شذوذًا لا تمييزًا، وفي (وجوهًا) أن يكون كذلك ليناسب إعرابه إعراب الضمير الراجع إليه، و (أنضر) من النضارة، والنضرة أي الرونق، وفعلها كـ (دخل) فيتعدى ولا يتعدى، وكـ (ظرف وفرح)، فلا يتعدى، ومن الأول قوله: [الخفيف]. (نضر الله أعظمَا دفنونها ... بسجستان طلحةَ الطلحاتِ) والمشهور في روايته: رحم الله، وفي الحديث:

стр. 62

«نضر الله امرأً سمع مقالتي»، ومعناه نعمه، وكذا حيث عُلِّقَ بغير الوجه. /٣٦/. مسألة [١٨] إذا نصبت ياء المتكلم بفعل وجبت نون الوقاية ولو جامدًا ، نحو: قاموا ما خلاني، أو ما عداني، عساني أن أفعل. فأما قوله: [الرجز]. (إذا ذهب القوم الكرام ليسي) فضرورة وقبله: (عددت قومي كعديد الطيس) و (الطيس) الشيء الكثير من الرمل وغيره، ويقال فيه: طيسل، بزيادة اللام، والذي سهل ذلك مع الاضطرار أمور أحدها: إن الفعل الجامد يشبه الأسماء فجاز (ليسي) كما يجوز (غلامي وأخي)، ومن ثم جاز: إن زيدًا لعسى يقوم، كما جاز لقائم، ولا يجوز: إن زيدًا لقام، وجاز أيضًا نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، كما جاز: علمت أن زيدًا قائم، ولا يجوز: علمت أن قام، ولا أن يقوم.

стр. 63

والثاني. أن (ليس) هنا للاستثناء فحق الضمير بعدها الانفصال، وإنما وصله للضرورة كقول الآخر: [البسيط]. (وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلاك ديار) والنون ممتنعة مع الفصل، فتركها مع الوصل التفاتًا إلى الأصل. الثالث: أن (ليسي) وغيري بمعنى ولا نون مع غير. مسألة [١٩] إذا نصبت الياء ب "ليت" وجبت النون ، نحو: ﴿يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ لشبه (ليت) بالفعل مع أنه لا ثقل بلحقها بسبب النون، وقد تترك في الضرورة، كقوله: [الوافر]. (كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي) وقوله: [الوافر]. (فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... ولجتُ وكنتُ أولهم ولوجا)

стр. 64

والبيت الأول لزيد الخيل بن مهلهل الطائي، وفد على رسول الله ﷺ في وفد طيء، فأسلم وسماه ﵇ زيد الخير، وقال له: ما وصف لي أحد في الجاهلية إلا ورأيته دون ما وصف غيرك، ويروى ليسك، وقبله: (تمنى مَزْيَدٌ زيدًا فلاقَى ... أخا ثقة إذا اختلفَ العوالي) ومزيد رجل من بني أسد، كان يتمنى لقاء زيد، فلما لقيه طعنه زيد فهرب، وكذلك جابر، وعدل عن أن يقول تمناني حكاية لما كان المتمني بقوله، ولأن زيدًا اشتهر بالشجاعة، فكأنه قال: تمنى الشجاع المشهور، ولحُسْن اللفظ بتجانس مزيد وزيد. و (العوالي) الرماح، والكاف ومجرورها نعت مصدر، و (المُنية) بضم الميم التمني، كالغرفة والأكلة. و (جابر) مرفوع المحل، و (إذ) ظرف للمنية، والواو للجمع، والفعل نصب بأن مضمرة في جواب التمني. ويروى أيضًا بالرفع خبرًا لأنا محذوفًا، والواو حينئذ واو الحال ولا يكون الرفع بالعطف على (أصادف)، لئلا يصير الفعل متمنى، ويروى (أتلف)

стр. 65

مكان (أفقد)، ويروى (أغرم). وروى الجوهري: جل مالي، وهو أحسن، ومن زعم أن بعضًا يرد بمعنى كل، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وقول الأعشى: [البسيط]. (وقد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل) صح عنده حمل رواية الجماعة على ذلك، فيكون أبلغ من رواية الجوهري، إلا أن هذا القول مردود. وأما البيت الثاني فهو لورقة بن نوفل ابن عم خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين، قاله لما ذكرت له عن غلامها ميسرة ما رأى من رسول الله ﷺ في سفره، وما قاله بَحيرَي الراهب في شأنه، وقبله: (لججتُ وكنتُ في الذكرى لجوجًا ... لهَم طال ما بعث النشيجا)

стр. 66

(ووصف من خديجة بعد وصفٍ ... فقد طال انتظاري يا خديجا) (ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجًا) (/٣٨/ بما خبرتِنا من قولِ قُس ... من البرهان أكره أن تعوجا) (بأن محمدًا سيسود قومًا ... ويخصم من يكون له حجيجًا) (ويُظهر في البلاد ضياء نور ... يُقيمُ به البرية أن تموجا) (فيلقى من يحاربهُ خسارًا ... ويلقى من يسالمه فلوجًا) فيا ليتني ... البيت، وبعده: (وُلوجًا في الذي كرِهَتْ قريش ... ولو عَجتْ بمكتها عَجيجًا) (أرجى بالذي كرهوا جميعًا ... إلى ذي العرش أن سفلو عروجًا) (فإن يبقوا وأبق تَكُنْ أمورٌ ... تَضِجُّ الكافرون لها ضجيجًا) (وإن أهلك فكل فتىً سيلقى ... من الأقدارُ مُتلِفةً خروجًا) (النشيج) مصدر نشج، كضرب، ونشيجًا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير الانتحاب، والباء من قوله: (ببطن) متعلقة بانتظاري، ويسمى كلاً من جانبي مكة، أو كلاً من أعلاها وأسفلها مكة، فلذلك ثناها، ونظيره قولهم: صدنا يقنوين. وإنما هو (قنا) اسم جبل، وشربت بماء الدَّحرضين، ودار لها بالرقمتين، وسال المربدان، وإنما هو مِرْبد البصرة، وهو أحد القولين في

стр. 67

قوله: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾، بدليل ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، وفي ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، بدليل ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ .... الآية، وعلى رجائي حال من فاعل الانتظار، وهو الياء، وحديثك مفعوله، وإن وصلتها بدل اشتمال عنه، ومنه متعلق بـ (خروجا) وإن كان مصدرًا للاتساع في الظرف، ومثله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾، ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا، وقوله /٣٩/ ضياء نور بدل، لقول السهيلي إن الضياء والنور غير إن قال: والنور هو الأصل والضوء منتشر عنه بدليل: ﴿فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾، فعلق الأذهاب بالنور، لينتفي الضياء بانتفائه بخلاف العكس ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وفي الحديث: «الصلاة نور والصبر ضياء»، لأن الصلاة عماد الدين وتنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات وعلى الطاعات ضياء صادر عنها، وفي أسمائه النور لا الضياء.

стр. 68

والفلوج على الخصم: الظفر به، ونكر مكة باعتقاد الشياع فيها، فأضافها إلى ضمير قريش. مسألة [٢٠] إذا انتصب الياء بـ "لعل" فالغالب ترك النون ، نحو: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ لقرب مخرج اللام من مخرجها ولهذا قالوا: لعنّ بمعنى لعل، وقد تلحق لشبهها بالفعل، وفي (شرح التسهيل) إن ليتي ضرورة، ولعلني قليل، وفي شرح الخلاصة عكسه، وهو سهو، ومن إلحاق النون قوله: [الطويل]. (وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنكِ النفس في السر خاليًا). وقوله: [الطويل]. (أريني جوادًا مات هَزْلاً لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مُخلدًا) (هزلاً) بفتح الهاء على وزن الهَزْل ضد الجد بكسر الجيم، وأريني بمعنى أعلميني، فهو متعد إلا ثلاثة، وقوله: [الطويل]. (فقلت أعيراني القَدومَ للعلني ... أخُطُّ بها قبرًا لأبيض ماجدٍ)

стр. 69

القدوم، بوزن العمود، الآلة المعروفة، وجمعها قدم، بضمتين، كعمد، وجمع الجمع قدائم، كقلوص وقُلُص وقلائص وقوله /٤٠/ لها دليل على التأنيث، وماجد: صفة فيمن روى لابيض، ومضاف إليه فيمن روى لاكرم، فأبيض مفتوح واكرم مكسور. مسألة [٢١] إذا جُرَّتِ الياء بمن أو عن وجبتِ النون حفظًا للسكون ، لأنه الأصل فيما يبنون، وقد تُتركُ في الضرورة. قال: [الرمل] (أيها السائلُ عَنْهم وعني ... لستُ قيسٍ ولا قيسٌ مني) وفي النفس من هذا البيت شيء، لأنا لم نعرف له قائلاً ولا نظيرًا ولاجتماع الحذف في الحرفين فيه، ولذلك نسبه ابن الناظم إلى انشاد النحويين، ولم ينسبه إلى العرب، وفي (التحفة) لم يجيء الحذف إلا في بيت لا يعرف قائله انتهى. ووقع فيه (قيس) في موضع الضمير مرتين، وارتفاع الثاني بالابتداء، لأن لا إنما تعمل في النكرات. مسألة [٢٢] إذا جرت الياء بلَدُن أو قد أو قط فالغالب إثبات النون ، حفظًا للسكون،

стр. 70

وقد تترك، دليله في لدن قوله تعالى: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾، قرئ مخففًا ومشددًا. وأما قول سيبويه: إن ترك النون مع لدن ضرورة فمردود بالقراءة، ولا يقال إنها جاءت على من يقول: (لد)، وتكون النون للوقاية، لأنه لا وجه حينئذ لدخول النون؛ إذ لا سكون فيحفظ، ولأن الذي يقول: لَدُ، يقول: لدنك ولدنه، لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصلها، كما أن من قال: لم يَكُ يقول: لم يكنه. ودليله في (قد) قوله: [الرجز] (قدني من نصر الخُبيين قدي) وقوله: [الطويل]. (إذا قال قدني قلت بالله حلفة ... لتْغنِنّ عني ذا إناءكَ اجمعًا) والبيت الأول لحُميد الارقط يصف فيه لعبد الملك بن مروان تقاعده عن نصرة عبد الله بن الزبير وأصحابه ﵃، ويقال: قدني من /٤١/

стр. 71

كذا وحسبي منه، ويجوز أن يكون النصر هنا بمعنى العطية، كقول بعض السؤال: من ينصرني ينصره الله، وقد خرج عليه قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾، وعلى هذا فالإضافة للفاعل، ويرجح، الأول: أنه لم يفرده بالذكر، وإنما يكون العطاء غالبًا من ولي الأمر. والثاني: إن بعده [الرجز]. (ليس الإمام بالشحيح الملحد) والمراد بالملحد: الظالم في الحرم، ومن يرد فيه بإلحاد بظلمٍ وخبيب أحد أبناء عبد الله وبه يكنى، ويروى: الخُبَيْيَنَ مثنى، على إرادة عبد الله وأخيه مصعب، والخبين على الجمع، على إرادة عبد الله ومن على رأيه، وكلاهما تغليب. ويحتمل على الجمع أن يريد مجرد أصحاب عبد الله، على أن الأصل الخبيين، ثم حذفت الياء، كقولهم: الأشعريين، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾، فإنه ليس جمعًا لأعجم، لأنه لا تلحقه الياء، لأنه أفعل فعلى، كأحمر وأسود، ورد ابن السيد في (شرح الكامل) رواية التنية، بأن حُميدًا قال هذا الشعر عند حصار طارق، ومُصْعَب مات قبل ذلك بسنين. والشاهد في قوله: قدني، بإلحاق النون، وأما قوله: قدي، فقال

стр. 72

الشارح وغيره: إنه شاهد على ترك النون، وليس كما قالوا: الجواز أن يكون أصله قد، ثم أُلحِقَ ياء القافية، وكسر الدال، للساكنين، وإنما شاهد الحذف: [الطويل]. (فآليت لا آسى على إثْر هالك ... قدي لآن من وَجْدِ على هالك قدي) والشاهد في (قدي) الأولى، أما الثانية فمحتملة لما ذكرنا، وأما البيت الثاني فإنه لأبي غياث الكلابي يصف ضيفًا قدم له إناء فيه لبنٌ، فشرب منه، ثم قال: يكفيني، فحلف عليه ليشربَن جميعهٌ، وقوله: بالله /٤٢/، متعلق (بأحلف) محذوفًا، وحَلْفةً: مصدر لذلك المحذوف، وقوله: لتغني عني، من قولهم: أغْنِ عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيًا عني، أي لا يحتاج إلى رؤيتي، و (ذا إنائك) صاحبه، وهو اللبن. وفي البيت شواهد، أحدها: قوله (قدني) بالنون، وذلك إما لحفظ السكون، وهو قول البصريين، ومعناها عندهم يكفيني. والثاني: قوله: إنائك، بإضافة إناء المضيف إلى الضيف، لا لأنه ملكه، بل لأنه ملابسه، كما يقول كل من حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، وحسنه هنا أن ضيف الكريم يتنزل عنده منزلة المالك. الثالث: قوله (لتغني عني) بلام مكسورة للتعليل، وياء مفتوحة للناصب المضمر، وهي رواية أبي الحسن، واستدل بها على جواز إجابة القسم بلام كي، والجماعة يمنعون ذلك، لأن الجواب لا يكون إلا جملة، ولام كي وما بعدها جار ومجرور، والبيت محمول على حذف الجواب وبقاء

стр. 73

معموله: أي لتشرَبنَّ، لتغني عني، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾، أي: لنِعيدن يوم ترجف. والرابع: لتُغنِنَّ عنِّي، بلام مفتوحة للتوكيد، ونون مكسورة هي عين الفعل، بعدها نون مشددة مفتوحة للتوكيد، وهي رواية ثعلب، وهي دليل على أن الياء التي هي لام الفعل المؤكد بالنون قد تُحذف وتبقى الكسرة دليلاً عليها، وهي لغة قزارة، يقولون: ارمِنَّ يا زيد، وابكن يا عمرو، قال: [البسيط]. (وابكَّن عيشًا تقضي بعد جِدتهِ ... طابتْ أوائله في ذلك البلد) ولغة الأكثرين: ارمين وابكيّن ولتغنيّن، بإثبات الياء مفتوحة. والخامس: في قوله: (أجمعا) فأكد به وإن لم يسبقه كلُّ وأورد /٤٣/ الشارح وجماعة البيت: إذا قال قدني قال بالله ... فيكون الشاعر لا ضيفًا ولا مضيفًا بل حاكيًا عن شخصين غيره، وليس كذلك، وأورده بعضهم: إذا قلت: قدني، قال: بالله.

стр. 74

فيكون الشاعر هو الضيف، والصواب العكس، بدليل أن قبله: (فناولتهُ من رسل كوماء جَلْدَةِ ... وأغضيْتُ عنه الطرفَ حتى تَضَلَّعا) وشاهد (قطني) قوله: [الرجز] (امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلاً رويدًا قد ملأت بطني) فيه شواهد، أحدها: إطلاق القول على ما شهد به لسان الحال، فإن الحوض لما امتلأ فلم يبق فيه سعة كان قائلاً بلسان الحال: حسبي، ونظيره قولهم: (قال الجدار للوتد لم تشقني ... فقال: سل من يدقني) وقولهم: قالت النخلة للنخلة أبعدي ظلك عن ظلي، أحمل حملك وحملي. وللقول خمسة معان، أحدها: اللفظ الدال على معنى مفيدًا كان أو غيرمفيد. والثاني: ما في النفس، بدليل ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾. والثالث: الحركة والإمالة، يقولون: قال برأسه كذا فنطحه، وقالت النخلة كذا فمالت. والرابع: ما يشهد به لسان الحال كهذا البيت، وهو أحد

стр. 75

القولين في قوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. والخامس: الاعتقاد، كقولك: هذا قول الخوارج. الثاني: إلحاق النون قبل الياء الداخلة عليها قط، وفي ذلك من التوجيه والخلاف ما قدمنا في (قد). ووهم يعقوب في الإصلاح، فزعم أنه يقال: قطن، بمعنى حسب، بنون هي من نفس الكلمة، وأنها كسرت لأجل الياء وأورد البيت على ذلك، ورد عليه أبو محمد الأعرابي في كتابه المسمى: زلات العلماء. والثالث: أنه يجوز التعبير عن المعنى الواحد بثلاث كلمات مترادفة مجتمعة على سبيل التوكيد، ومثله ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ وروى يعقوب وغيره: (سلا) بدل (مهلا) وهو يفتح السين المهملة، أي: سل الماء مني سلا رفيقًا، وقيل: إنه بالمعجمة، وهو مصدر (شللت الإبل) إذا طردتها، وشاهد قطي قوله: [الطويل]. (قطي أبدًا من كل ما ليس نافعي ... ومن طلبي ما ليس منه بنصيبِ)
следующие страницы →