← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يا إخوان، كنتم كلما أزمعتم أمراً أو طلبتم من أحد شيئاً قلتم لأنفسكم أو قيل لكم: بعد الحج. وكنتم تترقبون الحج، منكم مَن يرتقبه ليستقبل أهله ويلقاهم، ومَن يرتقبه ليربح من ورائه مالاً ويبيع بضاعة، ومنكم من يرتقبه للثواب. فها هو ذا الحجّ قد انقضى، ولقيتم الأقرباء والأهل ثم فارقتموهم، وربحتم المال وستنفقون ما ربحتم من مال، ونال منكم مَن نال مِن الثواب. وكذلك الحياة؛ أيام تمرّ وسنون تكرّ، ومستقبل يصبح حاضراً وحاضر يصير ذكرى، ثم يُطوى الزمان ويذهب الماضي والحاضر ولا يبقى إلا أمل واحد في مستقبل واحد: جنة فيها النعيم المقيم أو نار فيها العذاب الأليم. فاعملوا لذلك المستقبل. * * *

стр. 107

النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوّامة نشرت سنة ١٩٦٢ سألني سائل عن الشيطان: هل هو النفس ذاتها أم أن الشيطان غير النفس؟ وإن كان الشيطان غير النفس فما هي النفس الأمّارة بالسوء؟ وأنا أعتذر إلى القراء من ذكر مثل سأسوقه كنت قد ذكرته من قبل، وعذري أن من المعاني ما لا بد من تكراره لتكرر مناسباته، وأنا أكتب من خمس وثلاثين سنة وأخوض في موضوعات كنت خضت فيها من قبل، فآتي بما كان القراء قرؤوا لي مثله. وإن كنت لا أعيد شيئاً بحروفه وكلماته ولكن أعرض المعنى كل مرة من جانب، وهذا شيء لا يقدح بالبلاغة لأن القرآن -وهو كلام الله الذي لا يتعلق بغباره أبلغ كاتب- أعاد قصة موسى مثلاً غير مرة يوجّهها كل مرة الوجهة التي تناسب المقام. ومن يقرأ هذا الاستطراد الطويل يظن أني أعيد هنا مقالة كاملة منشورة، وما أعدت إلا المثل الآتي وحده، ولكن أطلت هذا الاستطراد ليكون معذرة لي في هذه وفي أمثالها حينما يجد القراء لها أمثالاً.

стр. 108

وبعد، فهذا هو المثال الذي مهدت له بهذا الاعتذار: إذا سمعت رنين الساعة المنبِّهة في فجر يوم من أيام الشتاء الباردة يدعوك إلى القيام إلى الصلاة، تتصور مشقة القيام وبرد الصباح وتجد لذة النوم ودفء الفراش، فتحسّ كأن صوتاً من داخلك يناديك أن: نَمْ فإنّ في الوقت فسحة. فتميل إلى مواصلة المنام، فتسمع صوتاً آخر يهتف بك أن: قُمْ فإن الوقت ضيق والصلاة خير من النوم. فيعود الصوت الأول يقول لك: استمتع بالدفء والراحة لحظات أخرى. فيرجع الأول يذكّرك بثواب الطاعة وعقاب المعصية. ولا تزال بين «قُم»، «نَم»، «قُم»، «نَم»، تتعاقبان مثل دقات الساعة، حتى تعزم فتَثب عند واحدة من دقّات «قُم»، أو يغلبك الهوى ويطول بك التردد حتى تطلع الشمس وتفوتك الصلاة. ولهذا المثال الذي كررتُه أمثلة لا تحصى تعرفها من نفسك؛ إذا كنت شاباً وعرضَت لك في الطريق فتاة فتّانة من هؤلاء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وسمعت صوتاً من داخلك يقول لك: انظر إليها، ما أجملها! وصوتاً يقول لك: لا، دعها، فإن لك النظرة الأولى التي لا بدّ منها وعليك ما بعدها. وإذا عُرض عليك مال حرام تحسّ صوتاً يدعوك إلى أخذه ويحرك طمعك إليه، وصوتاً يمنعك منه ويذكّرك حكم الله فيه. فالصوت الأول الداعي إلى المعصية التي فيها اللذة العاجلة هو صوت النفس الأمّارة بالسوء، والصوت الثاني الصارف عنها الداعي إلى الخير، هو صوت الضمير، صوت العقل. وربما اشتد الأول وعَلا حتى ملأت أصداؤه كيانَك كله

стр. 109

ووجدتَه في كل شعبة من عصبك وفي كل قطرة من دمك، وخرج الثاني ضعيفاً خافتاً، وذلك إذا اشتدت الشهوة وتهيأت دواعي إشباعها بالزنا، أو إذا تمكن الغضب وأمكن التنفيس عنه بالبطش. واتّباع صوت الحق هنا أصعب، لا سيما للشاب الذي يعيش في بلاد الإفرنج حيث يسهل الزنا وتتيسر دواعيه وحيث يكثر الجمال المعروض والمتع المبذولة، ولذلك جعل الله ثواب من ينصرف عن المتعة المحرَّمة بعد التمكن منها أعظم. وقد ورد أن من يتمكن من الزنا بامرأة وتتهيأ له أسبابه كلها، ثم ينصرف عنه خوفاً من الله، يكون يوم القيامة أحدَ السبعة الأصناف الذين يظلّهم الله بظل عرش الرحمن يومَ لا ظلّ إلا ظله. وعلى مقدار عظم الثواب تكون مشقة العمل. وهذا موقف لا يقدر عليه في الواقع إلا من أوتي إيماناً راسخاً وعزيمة قوية، والله المستعان. ومَن علم من الشبّان الذين يدرسون في أوربا أنه لا يستطيع أن يمتنع عن الزنا وأنه يغلب عن ظنه الوقوع فيه، حَرُم عليه حرمة تامة الإقامة في هذه الديار مهما كان له منها من منافع دنيوية، لأن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ولو كان في هذه البلاد مرض من الأمراض السارية وغلب على ظن هذا الطالب أو ظن أهله أنه سيصاب في جسده لمنعوه من السفر وأرجعوه إلى بلده، ولم يعودوا يبالون بعلم يحصله أو شهادة ينالها إن كان في ذلك مرض جسده، فكيف لا يبالون بمرض قلبه وذهاب دينه؟ * * * والله وضع أمامنا طريقين: طريقاً ينتهي إلى الجنة

стр. 110

وإلى النعيم الدائم، وطريقاً ينتهي إلى جهنم وإلى العذاب الدائم. وأعطانا قوة نميز بها هذا من ذاك، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْن﴾. وهذه القوة موجودة عند كل إنسان، عالماً كان أم كان جاهلاً، كبيراً كان أم صغيراً. كل إنسان يعرف أن الزنا مثلاً شر وأن الزواج خير، لذلك يختفي الزاني ويستتر بزناه من الناس، ويعلن المتزوج عن زواجه ويدعو له الناس. وكلنا يعرف أن السرقة شر وأن الإحسان خير، لذلك ينكر السارق ولا يحب أن يتحدث عنه الناس بأنه سرق، ويسر المحسن أن تحدثوا عنه بأنه أحسن. حتى السكّير الخِمّير لا يحب أن ينشأ ابنه على الخمر والسكر لأنه يعرف قبح ما هو فيه. بل إن الحيوان يميز الخير من الشر، فإذا رميت إلى القط بقطعة لحم أكلها آمناً بين يديك، وإن خطفها خطفاً فرّ بها إلى الطريق. والكلب يعمل عملاً صالحاً فيقترب من صاحبه ويتحسس به كأنه يطلب منه المكافأة، وإذا أساء ابتعد ووقف كالنادم المعترف! ثم إن الله أقام على كل من الطريقين مَن يدعو إليه ويرغّب فيه. فالأنبياء يقومون على طريق الجنة يقولون للناس: تعالوا، امشوا من هنا، هذا طريق الجنة. والشياطين، شياطين الجن وأعوانهم من شياطين الإنس، يقومون على طريق النار يدعون إليه، يقولون: تعالوا، هذا الطريق أجمل وأسهل، ألا ترون البساتين على جانبيه والأنهار تجري من تحته، وفيه الطعام

стр. 111

والشراب واللهو والطرب، وذاك طريق متعب من حواليه الصحراء وقد حُفّ بالمتاعب؟ فيقول الأنبياء: لا تخافوا من مشقة طريقنا، فإن بعد هذه المشقة المقام الآمن والنعيم الدائم، ولا تغترّوا بجمال الطريق الآخر، فإن أوله سهل ممتع ولكن مصير سالكه الضياع والهلاك. وجعل الله في الإنسان قوتين متقابلتين، واحدة تنصر الأنبياء وترغّب في الحق، وهي التي عرفتم أن اسمها العقل أو الضمير، وأخرى تنصر الشياطين وتزيّن لصاحبها باطلهم، وهي النفس الأمّارة بالسوء. فالشيطان يوسوس لهذه النفس، وهي حليفته وناصرته، فتحاول أن تدفع بصاحبها إلى السير في طريق النار، ويقف الضمير يحذّر من اتّباعها وينبه إلى غشها ومكرها. فإذا ذكر العبد ربه وتعوّذ به من الشيطان خنس الشيطان وهدأت النفس، وإن أعرض عن صوت الضمير واتبع النفس وُضعت على قلبه نقطة سوداء، فإن عاد فتاب مُحِيَت، فإن عمل ذنباً آخر وُضعت نقطة أخرى، فإن تكررت الذنوب زادت النقط السود حتى يصير قلبه كله أسود، فلا تنفع معه حينئذ موعظة ولا يفيد نصح، ويصير من الذين قال الله عنهم: ﴿كَلاّ، بَلْ رَانَ عَلى قُلوبِهِم مَا كَانُوا يَكْسِبون﴾. هذا هو الرَّان أو الرَّيْن، وهذه حال أكثر شبّان هذه الأيام من غير المتدينين الناشئين في طاعة الله، لا يسمعون موعظة ولا يرجون رحمة ربهم ولا يخافون عذابه. * * *

стр. 112

هذه هي النفس الأمّارة بالسوء. فإذا كان الإنسان في جهاد مع نفسه؛ تغلِبُ نفسُه ضميرَه ثم تندم على ما وقع منها وتحاول أن تسلك سبيل الهدى، فتنجح مرة وتخيب مرة، فهي تكرر الذنب ولكنها لا تنسى الله ولا تترك التوبة، فهذه هي النفس التي سماها الله «النفس اللوّامة». فإذا تغلبت على وسواس الشيطان ونقضت الحلف بينها وبينه وصارت متّبعة لصوت الضمير ماشية مع الشرع، كلما عرض لها الشيطان يزيّن لها المعصية استعاذت منه بالله واحتمت به، صارت نفساً مطمئنّة وقيل لها: ﴿يَا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلي في عِبَادي وادْخُلي جَنَّتي﴾. هذا، على أن يعلم كل قارئ لهذا الفصل أن الأصل في النفس أنها أمارة بالسوء، فلا يقل أحد: أنا واثق من نفسي، أخلو بالمرأة الأجنبية ولكني أملك أمري وأضبط غريزتي، لأن هذا هو قول الأحمق المغرور، والرسول ﷺ قال: «ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثَهما». ما خلا رجل بامرأة، أي كل رجل بكل امرأة، على التعميم بلا استثناء (١). وكيف تبرّئ نفسك وهناك من هو خير منك، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، النبي ابن النبي ابن النبي ابن

стр. 113

النبي، وليس في البشر كلهم أربعة أنبياء على نسق واحد إلا هؤلاء الأربعة، ويقول عن النساء: ﴿إلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ﴾. فالنفس إن تركتَها كانت سفيرة إبليس لديك وعونه عليك، وإن ألزمتها الموعظة الدائمة والندم على كل ذنب صارت نفساً لوّامة، وإن استمر ذلك منها حتى صار عادة لها، ابتعد الشيطان عنها فصارت نفساً مطمئنة. ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَها وَتَقْوَاها، قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكّاهَا، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. * * *

стр. 114

الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب نشرت سنة ١٩٨٧ كلُّ مَن في الوجودِ يَطلُبُ صَيداً ... غيرَ أنّ الشِّبَاكَ مُخْتَلِفاتُ فمن كان أوسع حيلة وأكمل وسيلة أخذ حظاً أكبر. هذا ما يراه الراؤون، أما العارفون فيعلمون أنه مشهد من تمثيلية، والتمثيلية مكتوبة كلها قبل أن توزَّع أدوارها، والأدوار وُزِّعت على أصحابها لتكتمل بها القصة ويحصل بها المراد، فلا يستطيع ممثل أن يقول غيرَ ما أُعِدّ له، ولا يأخذ أكثرَ مما قُدِّر أن يأخذه. وأستغفر الله، فما أضرب الأمثال من عمل البشر لقَدَرِ الله، ولكن أُقرِّب المسألة إلى أفهام القرّاء. ما خلق الله حيّاً من الأحياء، إنساناً ولا حيواناً، إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رِزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحاً على كرسيّه ويُمسك قلمه بيده فيُجريه على الورق. ومنهم من وضع الله رِزقَه أمام الفرن أو التّنور ومَنْ رِزقُه في مصنع الثلج، هذا أبداً عند حرارة النار وهذا عند برودة الجليد. ومَن رِزْقُه مع الأولاد الصغار في المدرسة أو العمال الكبار في المصنع، ومَن رِزْقُه وسط لُجَّة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات

стр. 115

الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به. ومَن رِزْقُه وسط الصَّخر الصَّلد فهو يكسره ليستخرجه، ومن رزقه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه. تعددت الأسباب وكَثُرَت الطرق، وكلٌّ إذا نظر إلى مَن هو أشقّ عملاً منه رأى نفسه في خير. إننا جميعاً في سباق، فما منا إلا مَن يجد أمامه من سبقه ووراءه من تخلّف عنه. كلّ امرئ منّا سابق ومسبوق، فإن كان من رفاق مدرستك وأصدقاء صباك من كان مثلَك فصار فوقَك، فلا تأسَ على نفسك ولا تبكِ حظك، فإن منهم من صرتَ أنت فوقه. فلماذا تنظر إلى الأول ولا تنظر إلى الثاني؟ إن الله هو الذي قسم الأرزاق وكتب لكل نفس رِزقَها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه؛ أي اعملوا، فإن السماء -كما قال عمر العبقري- لا تمطر ذهباً ولا فضّة، ولكن الله يرزق الناسَ بعضَهم من بعض. لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته؛ أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر، فلمّا ذكر الرزق أقسم بذاته ﷻ فقال: ﴿وَفي السّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون. فَوَرَبِّ السّمَاءِ والأرْضِ إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾. كلام الله حقٌّ وصدق، ولكنه أقسم عليه تأكيداً له، ثم أكده بمثال ظاهر لا يستطيع أحدٌ أن ينازع أو أن يشكّ فيه. هل تشكّ إذا نطقت أنك أنت الناطق؟ فجاء منا -بعد قول الله، وبعد تأكيده

стр. 116

بالقسَم، وبعد تثبيته بالمثال- مَن يشكّ في أن الرزّاق هو الله! نسمع كل يوم قائلاً يقول: "إن فلاناً قطع رزقي". إنّ رزقَك لا يستطيع أحدٌ أن يصرفه عنك ورزقَ غيرك لا يقدر أحدٌ أن يُوصله إليك؛ ما كان لك فسوف يأتيك على ضَعفِك، وما كان لغيرك لن تناله بِقوّتك، رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف. وربما أعدّت لك زوجتك الطعام ووضعته على سفرتك فلم تأكله لأنه مقسوم لغيرك، وربما وصل الدينار إلى يدك فلم تنتفع به لأنه رزق سواك. حدّثني الشيخ صادق المُجَدّدي رحمة الله عليه، الذي كان من علماء أفغانستان الكبار والذي كان عميد السلك الدبلوماسي في مصر أيام الملكية زمناً طويلاً، أنه كُلِّف يوماً بمهمة رسمية في البلاد الروسية، فخاف أن لا يجد فيها لحماً ذبحه مسلم (ولا يجوز للمسلم أن يأكل ذبيحة شيوعي ملحد لا يؤمن باليوم الآخر) فأمر فذُبحت له دجاجتان كانتا في داره، وطبختهما زوجته ووُضعتا في سُفرة (١) حملها معه لتكون طعامه. فلما وصل وجد في المدينة مسلمين، ودعاه شيخ مسلم يعرفه صالحاً إلى الغداء، فاستحيا أن يحمل الدجاجتين معه. فما استقرّ به المقام حتى جاءته برقية بأن المهمة قد أُلغيت وأن عليه الرجوع إلى أفغانستان، ووجد أسرة مسلمة فقيرة دلّوه عليها فدفع الدجاجتين إليها. فكأنه ما سافر هذه السَّفرة ولا قطع مسافة ألفَي كيل ولا حمل هذه المشقة إلاّ لأن الدجاجتين اللتين كانتا ملكه، واللتين طبختهما زوجته، لم تكونا رزقه بل كانتا رزق هذه الأسرة المسلمة

стр. 117

في الأرض التي ابتُليت بحكم الشيوعيين. وقرأت مرة للقاضي التَّنوخي ... وإذا كان المؤرخون قد عُنوا بتاريخ القصور وأهلها والمعارك وأبطالها وأهملوا عادات الشعوب وأوضاعهم، فإن القاضي التنوخي طرق في كتابيه العظيمين: «الفرج بعد الشدة» و «نشوار المحاضرة» باباً لم يطرقه إلاّ قليل جداً من المؤرخين، فارجعوا إليهما فاقرؤوهما. وكتابُ «الفرج بعد الشّدة» من أوائل الكتب التي قرأتها في صغري، وأحسب أني أعدت قراءته ثلاثين مرة، وكانت طبعته سقيمة مملوءة بالتطبيعات وبالأغلاط فكنت أصحّح الكثير منها من حفظي أكتبه على هامش الكتاب، حتى قيّض الله لهذين الكتابين أستاذاً عراقياً فاضلاً هو عبود الشالجي، فطبعهما طبعة مصحَّحة مقابَلة على نسخ خطية صحيحة وعلّق عليهما تعليقات نافعة، أهدى إليّ الأولَ ولدي الأستاذ الفاضل زهير الشاويش، ولم أطّلع على الثاني إلى الآن. قرأت فيه: أن تاجراً في بغداد ضاقت به الحال وقلّ في يده المال وسُدّت في وجهه أبواب الأعمال، فكان إذا أوى إلى فراشه رأى في منامه كأن هاتفاً (١) يهتف به: "إن رزقك في مدينة القَطائع في مصر" ... ويُعيّن له البيت الذي فيه الرزق والحارة التي فيها البيت. وكان ذلك أيام النزاع بين الموفَّق أخي الخليفة العباسي وأحمد بن طولون الذي استقلّ بمُلك مصر وخرج على الدولة العباسية وبنى مدينة القطائع، وهي بين الفسطاط (مصر القديمة)

стр. 118

والقاهرة (التي أُنشئت بعدها) (١)، وأقام فيها مسجدَه الجامع الذي لا يزال باقياً بمنارته. ومنارتُه صورة معدَّلة من منارة مسجد «سُرّ مَن رأى» الذي تكلمت عنه فيه ذكرياتي (٢). فلما تكرّر هذا الهاتف واستمرّ يرى هذه الرؤيا جمع من المال ما استطاع جمعه وسافر إلى مصر، وذهب إلى البيت الذي حُدِّد في المنام فإذا هو دار صاحب الشرطة (مدير الشرطة)، فحسبوه جاسوساً وأمسكوا به، وقرّروه فلم يقرّ بشيء لأنه لا يُخفي شيئاً، فوضعوا رجليه في الفلق (٣) وضربوه ليَصلوا إلى إقراره، وهو يقسم لهم أنه لا يعرف شيئاً وإنما هو منام رآه. وقصّ عليهم ما رأى، فقال له صاحب الشرطة: إنك لأحمق؛ أنا أرى من سنين مثل هذا المنام وأسمع قائلاً يقول لي: إنّ رزقك في بغداد في الدار الفلانية في الطريق الفلاني تحت نخلة فيها، فأُعرِضُ عن المنام ولا أهتم به. وتنبّه الرجل إلى أن الدار التي ذكرها صاحب الشرطة هي دارُه، والنخلة التي عيّنها فيها، فقال لهم: اتركوني فإنني أعود الآن إلى بغداد. وعاد وحفر تحت النخلة واستخرج منها جرّة ممتلئة بالدنانير. * * *

стр. 119

الرّزق مقسوم، هذا حقٌّ نؤمن به، ولكنْ لا بدّ من اتخاذ الأسباب. وقد ذهب الناس في أمر الأسباب مذهبين كلاهما يحيد عن الصواب ولا يوصل إلى الغاية؛ فمنهم من ظن أنه ما دام الرزق مقسوماً فما عليّ إلاّ أن أقعد وأنتظره، فتركوا العمل واحتجّوا بحديث عن رسول الله ﵊: «لو توكّلتم على الله حقّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً (أي جائعة) وتعود بِطاناً (أي ممتلئةً بطونُها)» (١) وغفلوا عن أن هذا الحديث حجّة عليهم لا لهم، فالطير ما قعدت في أعشاشها وانتظرت أرزاقها، ولكنها غدت وراحت، وهل تملك الطير إلا الغدوّ والرَّواح؟ ومن غير المسلمين مَن اتّكل على الأسباب وحدها وظن أن النتائج مَنوطة أبداً بها لا تخرج عنها، وغفلوا عن أن وراء الأسباب مُسبِّباً. ولم يتنبّهوا إلى أنه طالما مات الرجل عن ولدين متماثلين صحّةً وشباباً وقوة وذكاء، فاقتسما ماله، وإذا بأحدهما يُفتَح عليه باب رزق لم يكن مُنتظَراً، تأتيه مثلاً وكالة شركة من الشركات الكبرى فلا تمرّ سنوات حتى يصير من كبار أرباب الأموال، ويبقى الثاني على حاله. وقد يكون في الغرفة الواحدة من المستشفى مريضان، مرضُهما واحد وطبيبُهما واحد والدواءُ الذي يأخذانه واحد، وإذا بأحدهما يرجع إلى بيته معافى والثاني يُحمَل ميتاً إلى المقبرة. ونحن لا نتوكل هذا التوكّل الذي لم يأمر به الإسلام، بل

стр. 120

نمشي في مناكب الأرض. نمشي مشياً لا نسعى سعياً، لأن الله قال لنا في مجال الرزق: ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِها﴾ وقال في مجال العبادة: ﴿فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ﴾؛ هذا هو الفهم الصحيح لمسألة الرزق. فإن كنت تاجراً فاعمل دائماً على توسيع تجارتك وعلى تكثير بضاعتك وعلى زيادة دخلك، ولكن لا تغشّ ولا تسرق ولا تحتكر وعامل الناس بما تُحب أن يعاملوك به، ثم ارضَ بما قسم الله لك، فلا تأسَ على ما فاتك أسىً يملأ نفسك حزناً واكتئاباً، ولا تفرَحْ بما آتاك فرحاً يطغيك ويخرجك عما يرضيه عنك. وإن كنت موظفاً فاعمل على أن ترتفع درجتك وأن يزيد مرتّبك، لكن لا تسلك غير طريق الحق ولا تُضِعْ كرامتك ولا تخالف شرع ربك. وإن اعترضتك العقبات فاعمل على تخطي العقبات، وإن عرضَت لك الشدائد فلا تفلّ عزيمتَك الشدائدُ، فرُبّ شدّة أعقبها فرج وضيق جاءت بعده السّعة: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾. حدّث ديل كارنيجي في كتابه النافع الذي سمّاه مترجمه «دع القلق وابدأ الحياة» (وكان أَولى أن يسميه «دع الهمّ» فالذي يتكلم عنه مؤلف الكتاب هو الهمّ لا القلق)، حدّث أنه لما كانت الهجرة إلى غرب أميركا، إلى الأرض البِكر التي لم تُمَسّ خيراتها ولم تستخرَج كنوزها، باع رجل كلَّ ما يملك وأخذ ما جمعه فاشترى به أرضاً في الغرب، طمع أن تكون أرضاً خصبة يستثمرها بزراعتها ويجمع المال من ثمرتها، فلما بلغها رآها مملوءة بالحيّات والثعابين، كلما قتل واحداً منها رأى عشرة، فكاد يفقد من هول الصدمة عقله ويهيم على وجهه مجنوناً أو يعلق حبلاً في شجرة

стр. 121

فيشنق به نفسه، ثم قعد يفكر فرأى أن هذه النقمة يمكن أن تنقلب نعمة، لأنه ما في الدنيا شيء إلا وفيه بعض النفع وإن كان فيه كثير من الضرر. فهداه الله بتفكيره إلى أن يجعل الأرض لتربية الحيّات والثعابين يبيع منها للحُواة (أي الذين يربّون الحيّات)، وجاء بخبراء يأخذون جلودها لتصنع منها الحقائب والأحذية للنساء ويستخرجون سُمّها ليكون منه ترياق فيه الدواء بعد أن كان منه الداء، فاغتنى من ذلك. ولولا هذا التفكير لانتحر! أما المسلم فلا ينتحر أبداً ولا ييأس أبداً، لأنه يعلم أنها مهما سُدَّت من حوله الطرق وتعذّر عليه المسير وحاقت به الشدائد فإن طريق السماء لا يُغلَق أبداً، وإنْ سُدّت الأبواب كلّها فإنّ باب الله مفتوح دائماً، فمُدّوا أيديكم -إذا ضاقت بكم أبواب الرزق أو حاقت بكم المصائب- وقولوا: يا رب! إن كنت في ضيق تبحث عمّن يُقرضك ألفاً فجاءك شيك بعشرة آلاف، أكنت باقياً على ضيقك؟ هذا صكّ من أكرم الأكرمين يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحتَسِبُ﴾. فإذا أردتم مخرجاً من ضيقكم فبتقوى الله، وإذا أردتم رزقاً من جهة لا تعرفونها فبتقوى الله، وتقوى الله فيها -من بعد ذلك كله- اطمئنان النفس، واطمئنانُ النفس أعظم نِعَم الحياة. * * * ومن أقوى الوسائل اليوم إلى الرزق العلمُ، فإن فاتك قطاره صغيراً فلا تتردد عن اللحاق به كبيراً، فإن العلماء الذين أعرفهم أنا درسوا على كبر فبلغوا في العلم أعلى الذّرى كثير كثير، وربما

стр. 122

كتبت يوماً عنهم. منهم من أساتذتنا الشاعر الفحل محمد البِزِم الذي لم يعرفه ولم يطّلع على ديوانه هنا إلاّ القليل من الأدباء، وكنا نعدّه أحد شعراء دمشق الأربعة الكبار وهم خير الدين الزِّرِكْلي وشفيق جَبري وخليل مَرْدَم بك والبِزِم، بلغ العشرين وهو بعيد عن العلم والأدب. بل لقد خبّرني الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) بلسانه أنه قارب الثلاثين ولم يقرأ شيئاً لأبي تمام ولا للبحتري ولا لتلك الطبقة من الشعراء الكبار الذين كانوا يُعرَفون عند الأوّلين بالشعراء الشاميين، وإنما كان عاكفاً على شعراء عصر الانحطاط. وممّن أعرف رجل صالح يبيع الكتب في مكتبة صغيرة بجوار الجامع الأموي، اضطرته الحاجة إلى إخراج ولده من المدرسة. وكان الولد ذكياً فعكف على كتب المدرسة وحده يقرؤها، فلما كان امتحان الشهادة الابتدائية دخله فنجح فيه، ثم دخل امتحان الكفاية (التي تُدعى شهادة الكفاءة) فنالها، ثم نال الثانوية، ثم دخل الجامعة. وهو في هذه الأحوال كلها لم يَدَع مكتبة أبيه ولم يترك مساعدته، فلما أتم الجامعة ذهب فأتى بالدكتوراة من فرنسا، وكان من خبره أنه قدم المملكة معاقداً (أي متعاقداً) من نحو خمس عشرة سنة فدرّس في كلية التربية فيها. والدنيا لا تخلو من المصاعب ومن المتاعب: خُلِقَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدُها ... صَفْواً من الأقذارِ والأكدارِ؟ ومُكلِّفُ الأيامِ ضِدَّ طِباعها ... مُتطَلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ! فإذا دهمتك مصيبة فلا تقنط ولا تيأس من رحمة الله وابدأ

стр. 123

من جديد، فلقد ذكروا في ترجمة يحيى النحوي (وكان أيام الفتح الإسلامي لمصر) أنه رغب في طلب العلم فلم يفلح فيه، فكاد ييأس، واضطجع يفكر فرأى نملة تحاول أن تصعد الجدار، فإذا بلغت ذراعاً أو ذارعين سقطت، فعاودت الصعود ثم سقطت، فعاودت الصعود ... فعدّ عليها أربعين مرة حتى وصلت إلى أعلى الجدار واجتازته! فأخذ من النملة درساً وعاود الجدّ والتحصيل حتى نجح. وأنا أعرف مما قرأت في الكتب ومما رأيت في الحياة حوادث وحوادث كلها واقع، فيها لمن أراد أن يعتبر عبرة بالغة. لما كنت أدرّس في ثانويات العراق سنة ١٩٣٧، من خمسين سنة كاملة، كان عندنا طالب رضيّ الخُلُق متفتح الذهن مستقيم السيرة، أخذ الشهادة الثانوية فدخل الكلية الحربية وتخرج فيها ضابطاً، وترقّى في السلك العسكري حتى بلغ رتبة العقيد، فتبدلت الأحوال في بغداد واضطر إلى التخلي عن رتبته وترك سلكه العسكري، فدخل كلية الحقوق وتخرج فيها وصار محامياً، فاضطر إلى ترك العراق والهجرة منها إلى النمسا، فتعلم اللغة الألمانية ودخل كلية الطب وتخرج فيها بعد سبع سنين طبيباً، وجاء مكة حاجّاً من بضع سنين وزارني وسمعت قصته. * * * الرزق مقسوم؛ فما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، ولكن اذكر دائماً أنّ الذي كتب لك هذا الرزق أوجب عليك العمل، وأن التوكل على الله لا يكون بترك

стр. 124

الأسباب. والأعرابي الذي ترك ناقته على باب مسجد رسول الله طليقة ودخل عليه، فافتقدها، لقَّنَه الرسول ﷺ درساً من دروسه النبوية التي تظل إلى يوم القيامة نبراساً لكل من أراد أن يهتدي بها في ظلمة الحياة فقال له: «اعقِلْها وتوكّل» (١). فالله هو المُعطي وهو المانع، وما يمنع الله أحداً شيئاً إلاّ عوضه بشيء خير له منه، وكم من إخوة عرفناهم رُبّوا في بيت واحد من أمّ واحدة وأب واحد، وكم من رفاق في المدرسة الواحدة بل على المقعد الواحد، صار هذا غنياً وغدا ذلك فقيراً، لأسباب أدركنا بعضها وغاب عنا علم بعض. فليذكر الذي اغتنى أنه كان يمكن أن يكون هو الفقير وأن يحتاج إلى أخيه، فليعامله الآن بما كان يحبّ أن يعامله به. وليذكر الذي يعطي أنه لا يعطي أحداً إلاّ رِزْقَه، كالمعلمين في المدرسة أو الموظفين في الدائرة يُوكّلون أحدهم أن يقبض لهم رواتبهم، فإذا أوصلها إليهم لا يكون قد مَنّ بها عليهم. فالذي يعطي غيره إنما يُوصل إليه رزقه الذي كتبه الله له، ولكنّ الله جعل إيصاله على يديه ليعطيه على ذلك أجراً من هذا الراتب. وليكن المال عبداً لصاحبه ولا يكن صاحبُ المال عبداً لماله، فقد ورد: «تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الدينار». وما مالك؟ ليس مالك الذي تملكه؛ ولكن لك منه ما أكلت فأفنيتَ، أو لبست فأبْلَيتَ، أو تصدّقتَ فأبقيت.

стр. 125

فيا أيها القراء: إن الرزق مقسوم، والعمل له واجب، والتوكل لا يكون بترك الأسباب، والله هو المعطي وهو المانع. * * *

стр. 126

رحلة الحج نشرت سنة ١٩٦٦ يا عازمين على الحج، يا من يَشُدّ الرحال ويُعِدُّ الأحمال، ليصل إلى فناء الحرم ويقوم عند المُلتزَم ويشرب من ماء زمزم. قفوا قليلاً فاستمعوا مني كلمة، ثم امضوا على بركة الله. إنكم ما حملتم مشاق السفر ولا رضيتم بفراق الأهل ولا أنفقتم هذا المال، إلا ابتغاء ثواب الله وادّخاراً من الحسنات ليوم الحساب. فهل علمتم قبل أن تمشوا أن الحج حَجّان: حج مبرور وردت الأحاديث الصحاح بأنه ليس له ثواب إلا الجنة وأن صاحبه يرجع منه كيوم ولدته أمه، وحج ما فيه إلا إنفاق المال وإرهاق الجسد وفراق العيال؟ فماذا تعملون ليرفع الله حجكم إليه ولا يرده عليكم فيضرب به وجوهكم؟ أنا أقول لكم. هل ترتفع الطيارة إذا أثقلتها بالحديد وحمّلتها أضعاف ما تطيق ثم ربطتها بحبال الفولاذ إلى صخور الجبل؟ إنها لا ترتفع إلا إذا خففت أحمالها وقطعت عنها حبالها؛ وكذلك الأعمال. فإذا أردتم أن يصعد حجّكم فخفّفوا عن عواتقكم أثقال

стр. 127

الذنوب، واقطعوا الحبال التي توثقكم بأرض الشهوات أو حلّوها. فاقعد يا أخي الحاج وحدك، واحصر فكرك قبل أن تخطو أول خطوة في طريق الحج، وحاسب نفسك، وانظر في حياتك في بيتك، وصلاتك بأهلك، وروابطك بأصحابك، وسلوكك في وظيفتك أو تجارتك، وفي مصادر ثروتك وطرق إنفاقك؛ فكر فيها كلها وقِسْها بمقياس الشرع، فما وجدتَه منها محرَّماً فتُبْ منه واستسمح أصحابَه قبل أن تمضي إلى الحج. انظر: هل أنت تاركٌ لفريضة من الفرائض؟ هل أنت مرتكبٌ لمحرّم من المحرمات؟ هل أسأت رعاية من استرعاك الله أمره من أهلك وولدك؟ هل أنت ظالم لزوجتك قد كرَّهت إليها بسوء معاملتك عيشها، أو أنت منقاد إليها تتبع رغباتها التي تغضب ربها؟ هل رضيت بترك أولادك الصلاة؟ هل وضعتهم في مدارس غير المسلمين؟ هل أكلت مال أحد أو تعديت عليه؟ هل لأحد في ذمتك دَين لم تقضِه أو حق لم تسدّده؟ هل تقصر في عمل الوظيفة إن كنت موظفاً؟ هل تأخذ الرشوة؟ هل تعامل الناس بالربا إن كنت تاجراً؟ هل تعقد عقوداً مخالفة للشرع؟ انظر في هذا كله وأمثاله فتُبْ منه. وليس يكفي أن تعزم على ترك الذنب بقلبك أو أن تعلنه بلسانك، بل أن تتخذ الأسباب لذلك. فإن كنت تتعامل بالربا وأردت أن تتوب منه وألاّ تعود إليه، فصَفِّ حساب عملائه واقطع صِلاتك بهم، وخذ رأس مالك ودع موارد الربا. ولا يغرُرْك أن الربا سُمّي بالفائدة، فلقد ورد أن الناس في آخر الزمان يسمون المحرمات بغير أسمائها ليستحلّوها.

стр. 128

وإن كنت تتكسب من عمل محرَّم، كأن تكون عاملاً في ناد يسقي الخمر ويجمع الجنسين، أو في مصرف يرابي وأنت تشتغل فيه كاتباً للربا، أو كنت في مؤسسة أو مصلحة تنشر الإلحاد أو تؤذي المسلمين، وأردت أن تتوب، ففتش لنفسك عن عمل آخر، وإلاّ لم تنفعك توبتك عنه وأنت ملازم له. واعلم أن الله هو الرزاق، وأن من يتّقِ الله (لا مَن يعصِ الله) يجعَلْ له مخرجاً ويرزُقْهُ من حيث لا يحتسب. وكذلك الحال في كل محرَّم. ثم تدبّر أمورك وأمور عيالك في غيبتك، لتريحَ بالك منها فلا تفكرَ فيها وأنت في الحج. فتعطي أهلك من النفقة ما يكفيهم في غيابك، وتوكل بهم من يقوم بأمرهم إلى حين عودتك، وتعهد بعملك إلى من تثق به وتعتمد بعد الله عليه. واعلم يا أخي الحاج أن الحج غسل للقلب من أوضار الذنوب، فهل يغسل أحدٌ جسده من الأوساخ بالماء الوسخ؟ فكيف إذن تبغي أن تتخلص بالحج من تبعات الحرام إذا كان حجك بمال حرام؟ إن الله طيّب لا يقبل إلا طيباً؛ فليكن أول ما تصنعه أن تعدّ لنفقات حجك مالاً حلالاً. لا أريد بالمال الحلال أن يكون خالياً من كل شبهة، فلقد ذكر العلماء من قرون طِوال أن ذلك كان كالمتعذر في أزمانهم، فكيف بزماننا؟ ولكن أريد ألاّ يكون المال الذي أعددته للحج مالاً ظاهر الحرمة، كأن يكون مغصوباً أو متحصَّلاً من الربا أو من مهنة يحرمها الشرع كالاتّجار بالخمر أو زراعة الحشيش أو نشر

стр. 129

الكتب والمجلات المفسدة للدين وللأخلاق. المال الحرام ردّوه إلى أصحابه الذين أخذ منهم ظلماً، فهذا أفضل من الحج، ثم إن وجدتم بعد ذلك ما تحجون به من المال الحلال، وإلا فانتظروا حتى يبعثه الله إليكم فتحجوا. ومن كان منكم موسِراً فليحمل معه ما يزيد عن نفقات حجه ونفقات أهله في غيابه، ولْيَنْوِ بذلك مساعدة المحتاج وإسعاف المنقطع، لا يوزعه على الشحّادين الذين اتخذوا السؤال حرفة ولعل فيهم من هو غني، بل يعطي من يثق بحاجته، ومن يكون عفيفاً فيظنه الناس من عفته وإبائه غنياً وهو في أشد الفقر. أمثال هؤلاء فأعطوهم، وإذا لم تعرفوهم فاسألوا عنهم من تثقون به من أفاضل أهل الحرمين. * * * واعلموا أن على ألسنة الناس أقوالاً سائرة يلقونها لا يفكرون بمعناها، وكأنها من كثرة الترداد قد صارت ألفاظاً بلا معان، وهي ثمرة تجارب بشرية طويلة. منها قولهم: «الرفيق قبل الطريق». وأَولى سفرة باختيار الرفيق الصالح سفرة الحج، ورُبّ رفيق حججتَ معه فاستفدت من علمه واسترحت إلى حِلمه واطمأننت إلى أمانته، ورب رفيق نغّص عليك حجتك وأضاع عليك ثوابك. رفيق يجعل الحج مردوداً مرفوضاً، ورفيق يجعله مبروراً مقبولاً. فاختر لك رفيقاً عالماً بالمناسك، فإن لم تجد فخذ كتاباً من كتب المناسك لعالم موثوق به، ولا تركن إلى هذه الكتب التي يؤلفها من ليسوا بعلماء ولو رأيت الإعلان عنها والدعوة إليها،

стр. 130

فإن فيها خطأ كثيراً. ولا تأخذ كلام المطوِّفين قضيةً مسلَّمة، فإن أكثرهم من غير العلماء. ولا تقبل من كل من يتكلم في العلم، فربما تكلم في العلم في زماننا وتصدّر للإفتاء من ليس بعالم ولا بطالب علم. فإذا أعددتم المال الحلال وانتقيتم الرفيق الصالح، وتبتم من ذنوبكم وأدّيتم الحقوق التي عليكم، فأخْلُوا أذهانَكم من هموم العيش وخلّفوها وراءكم، وفرّغوا قلوبكم ما استطعتم لربكم، فإنكم تفكرون في الدنيا العمرَ كله ففكروا في الآخرة هذه الأيام فقط، وتعملون طولَ حياتكم لما لا ينفعكم بعد موتكم، فاعملوا هذه الأيام فقط لما يبقى لكم ويفيدكم يوم العرض على ربكم. * * * يا إخوتي الحجاج، إنكم تقومون للصلاة، تنظرون إلى مسير الشمس في النهار وتبحثون عن نجم القطب في الليل، وتضعون البوصلة أمامكم وتستحضرون موقع البلد في أذهانكم، لتعرفوا أين الكعبة فتجعلوها قبلتكم في صلاتكم، وبينكم وبينها الأبعاد والآماد وبينكم وبينها الصحارى والبحار والجبال والأنهار، لا يمنعكم بعدها ولا تصدّكم العوائق دونها عن أن تتوجهوا إليها بأجسادكم وقلوبكم، وأن تتصوروها على الغيبة وتحنّوا إليها على البعد، فها أنتم هؤلاء تمشون إليها كما يمشي المحبّ إلى لقاء المحبوب ودونه الحجب والأستار، فكلما جُزتم إليها بادية أو ركبتم بحراً رُفع لكم من دونها حجاب، وكلما دنوتم منها شبراً رُفع لكم ستر، حتى وصلتم إلى «المواقيت».

стр. 131

هذه مواقيت الحرم يا حُجّاج فقفوا؛ هذه أعتاب ديار المحبوب، هذه مشارف بيت المَليك. إن من يدخل حضرة ملك من ملوك الدنيا يلبس للمقابلة لباسها الرسمي، وهذه أبواب حضرة ملك الملوك، رب العالمين، فاخلعوا عن أجسادكم ثياب الدنيا والبسوا للنسك لباسه الرسمي. البسوا ثياب الإحرام التي لا يمتاز فيها غني عن فقير ولا أمير من أجير، وانزعوا معها حب الدنيا، وانزعوا مشاغلها ومشكلاتها عن قلوبكم، واغسلوا بالماء أجسادكم، واغسلوا بتجديد التوبة نفوسكم، وانووا إمّا الحجَّ وحده. وإما العمرةَ والحجّ مقرونَين؛ فتدخلون بالعمرة فتطوفون وتسعَون وتبقون محرمين إلى انتهاء أعمال الحج. وإما العمرة وحدها، فإذا أكملتم مناسكها (أي طفتم وسعيتم) حلقتم ولبستم ثيابكم وحَلَلْتُم، ثم أحرمتم بالحج يوم الحج. الأول هو «الإفراد»، والثاني «القِران»، والثالث «التَمَتُّع»، وكل ما تنوون حسن، وكلٌّ من الثلاثة هو الأفضل في أحد المذاهب، وإن كان التمتّع هو آخر ما أمر به رسول الله ﷺ والعمل به أولى. * * * ثم أصغوا تسمعوا صوت الشرع في قلوبكم يأمركم بالتوحيد وإخلاص العبادة لله، واتّباع سبل الخير والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. اسمعوا أوامر الله في آيات كتابه وأقوال نبيه، فإذا تمثّلت لأذهانكم فأجيبوا بألسنتكم وبقلوبكم: لَبّيْكَ اللهُمَّ لبّيكَ، لبّيكَ لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلْكَ، لا شريك لك.

стр. 132

لبيك؛ أمرتنا فأطعنا، ونهيتنا فاجتنبنا، فأعِنّا اللهمّ على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، فإنا لا نستطيع أن نقوم بها بغير معونتك. لا شريك لك فنطلب منه، ولا إله سواك فنفرّ إليه. لقد فررنا إليك وجئنا قاصدين بيتك، فهل تردّنا عن بابك خائبين وأنت أكرم الأكرمين؟ هذه -يا حجّاج- مواقيت الحرم، «آبار عليّ» على أبواب المدينة، و «الجَحْفَة» عند رابِغ، و «قَرْن» عند السَّيل الكبير، و «وادي مُحرم» قرب الطائف، و «يَلَمْلَم» في الجنوب الشرقي من مكة. هذه حدود منزل الوحي. لقد جزتموها الآن مُحرِمين، فجدّوا السير واحْدُوا المَطِيّ (أو استحثّوا سائق السيارة). * * * لقد دنوتم الآن من الحرم. أتعرفون يا إخوان ما الحرم؟ هنا دار السلام إن عمّت الأرضَ الحروبُ، هنا دار الأمن إن شمل الناسَ الخوفُ. كل حي ها هنا آمن، الناس والحيوان والنبات، ليس ها هنا حرب ولا قتال، الحيوان ها هنا لا يُصاد والأشجار لا تُقطع. لا عدوانَ على أحد ولا تجاوزَ على شيء. هذه حدود الحرم، ألا ترون أعلامها؟ لقد أقام هذه العلامات أبو الأنبياء إبراهيم، وبقيت حيث أقامها. لقد دخلتم الآن الحرم، فجدّدوا التلبية واجهروا بها، وقولوا بقلوبكم مع ألسنتكم: لبيك اللهمّ، قد دعوتَنا فأجبنا، سمعنا المؤذن يؤذن بالحج فجئنا رجالاً وعلى كل ضامِر، أتينا من مكان بعيد، نجزع الأرض، نطوي البيد، نركب الريح ونمتطي اللُّجَج،

стр. 133

امتثالاً لأمرك وابتغاءَ رضاك. لبّوا يا حجاج واجهروا بالتلبية، لبّوا عند كل رابية وجبل تُلَبِّ معكم الروابي والجبال، لبّوا كلما صعدتم نَشْزاً (١)، لبوا كلما هبطتم وادياً، لبّوا فهذه جبال مكة بَدَت لكم. لقد وصلتم، لم يبقَ إلا قليل فجِدّوا المسير. هذه مكة فادخلوها من أعلاها، من جهة ذي طوى (٢) ثم اهبطوا من الحُجُون، من عند المقبرة، فمِن هناك دخلها رسول الله ﷺ ، ثم امشوا من عند المسعى حتى تدخلوا من باب السلام، باب بني شَيبة. لقد زالت الحُجُب حجاباً بعد حجاب، وتقاربت الأبعاد ساعة بعد ساعة، حتى بلغتم الأرَب فنسيتم التعب، فهنيئاً لكم نلتم المرام؛ هذا باب السلام وهذه زمزم وهذا المَقام، وهذه الكعبة البيت الحرام. فلبّوا وهلّلوا وادعوا، فإن دعاء المسلم أولَ ما يرى الكعبة مستجاب. هذا هو المشهد الذي قطعتم من أجل رؤيته الآفاق وحملتم المشاق. إني لن أنسى يوم وقفت هذا الموقف أول مرة من إحدى وثلاثين سنة؛ لقد سلكنا الصحارى من دمشق، فكنا

стр. 134

كلما دنونا يوماً زاد الشوق بنا شهراً، حتى تمنيت أن تطوى لي الأرض وأن ينصرم الزمن. حتى إذا وقفتُ على باب السلام صفّق من الفرحة القلبُ وبكت من السرور العينُ، فما رأيت الكعبة إلا من خلال الدموع: هذه دارُهُم وأنت مُحِبُّ ... ما بقاءُ الدّموعِ في الآماقِ؟ إني لا أتمنى إلا أمنيّة واحدة، هي أن أنسى هذا المشهد لأستمتع برؤيته من جديد. هذه مكافأة الحاجّ؛ إنها لذة من لذائذ الروح لا مثيل لها، لذة لا يدرك مداها إلا من ذاقها، لذة لا توصف ولا تعرف. أسأل الله أن يَمُنّ بالحج على كل راغب فيه مشتاق إليه. * * *

стр. 135

أعرابي في بلودان نشرت سنة ١٩٦٢ لا يعجبني قول من يقابل بين القرآن والعلم ويفخر بأن القرآن سبق العلم الحديث إلى كذا وكذا، وجوابه هذه القصة. هل قرأتم قصص الأعرابي الذي صَحِبَنا دليلاً لنا لمّا سافرنا من سبع وعشرين سنة لنفتح طريقاً للسيارات من دمشق إلى مكة؟ لقد كتبتُ عنه في «الرسالة» فصولاً وصفت فيها قدومه الشام من بَعدُ (١)، وكان ذلك سنة ١٩٣٥، ثم انقطعت أخباره عني حتى

стр. 136

سافرت من سنوات وجزعت عرض الجزيرة من البحر إلى البحر، من جدة إلى الظهران، فلقيت صاحبنا في إحدى المحطات التي وقف عليها قطارنا في نجد، ووجدته قد أثرى واغتنى وصار ذا مال وبنين، ولكنه لا يزال على جفوته، لا يعرف من مظاهر الحضارة التي يتمتع بها الناس إلا خيمته والوعاء الذي يستقي به الماء من البئر والسّراج الذي يشعله إذا أظلم الليل؛ لا يدخل مدن نجد ولا يرى ما فيها فضلاً عن أن يؤمّ غيرها، ولا يعرف ضوء الكهرباء، ولا ركب الطيارة ولا سمع بالرادّ ولا بشيء من أدوات المدنية الحديثة. فتركت القطار وبقيت معه يوماً أنِستُ فيه بلقائه وجدّدت العهد به، ثم دعوته لزيارة الشام كَرّةً أخرى، فتأبّى ثم لان ولبّى، فأخذتُه معي إلى الظهران ومعه ثلاثة من أولاده، ثم ركبنا الطيارة إلى دمشق. وكان معه مال كثير، فأحببت أن أريه من مظاهر الحضارة ونِعَم الله على أهلها (وإن كان أكثرهم لا يحسن الشكر عليها)، فاستأجرت له في بلودان (١) قصراً مُنيفاً لواحد من المُترَفين المسرفين لم يَدَعْ شيئاً مما وصلت إليه مدنية العصر إلا أودع منه في هذا القصر، ففيه التدفئة المركزية للشتاء وفيه المكيفات للصيف، وفيه المصعد الآلي، وفي مطبخه البرّاد والغسّالة والعصّارة وأجهزة تقشير الخُضَر وغسل الأواني وتقطيع الخبز وتجميره، كل ذلك على الكهرباء، وفيه الماء جارياً أبداً حاراً وبارداً.

стр. 137

أوصلته إليه وتركته فغبت عنه في دمشق أسبوعين، ثم عدت إليه فوجدته قد ترك القصر بكل ما كان فيه، وأقام في رحبة أمامَه خيمةً ينام فيها هو وأولاده على نحو ما كان يصنع في البادية، واشترى قِربة وطلب عينَ الماء البعيدة فكان يملأ قربته فيها ويعود بها، لا يدخل القصر ولا يعلم أن الماء في الحنفيّة. وابتاع شمعاً، فكان إذا أظلم الليل أشعل شمعة، فإذا انتهت أو أطفأتها الريح نام مكانه، لا يعرف الكهرباء ولا يهتدي إلى مفتاح ضوئها. ولبث على ذلك أياماً. إلى أن كانت ليلة من ليالي السَّرار غاب فيها القمر، ولم يجد ما يشعل به السراج فدخل الدار وهو خائف يتلمّس الجدران بيديه، فوقعت يده بالمصادفة على مفتاح الكهرباء، وكان في بهو الدار الثُّرَيّات ذوات العشرات من المصابيح الصغار فأضاءت كلها معاً. فغارت جرأة الأعرابي كما يغور ماءُ الحوض انشقّت من تحته الأرض، وغاص قلبه في صدره حتى أحس به في قدميه، وأراد الصياح فلم يطاوعه صوته، وطلب الهرب فما حملته رجلاه. وظن أن الجنّ هي التي أشعلت الأنوار، ووقف أمام الباب ينتظر أن يذهب الجني فينطفئ الضوء، فوجده لا يزال مشتعلاً، فتشجع ودخل يلمس الجدران كما كان يفعل أول مرة، فوقعت يده على الزر فانطفأ، فخاف وكاد يهرب، ولكن يده مست الزر مرة ثانية فأضاء، فعرف أن النور يشتعل وينطفئ من هنا. ورأى الأولاد النور فدخلوا، فوجدوا في الدار ما لم ترَ مثلَه عينُ أحد في القبيلة ولم تسمع به أذناه، وجالوا فيها فرحين، وزال

стр. 138

عن الأب ما كان فيه فجال معهم حتى دخلوا المطبخ، فوجدوا فيه طعاماً كثيراً طيباً لم يروا مثله ولم يعرفوا ما هو، ولكن رأوا سَواغه في حلوقهم وعرفوا خفته على بطونهم. وعبث الرجل بالحَنَفيّة فسال منها الماء، فدخل عليه الغرور ولم يبقَ عنده شك في أنه قد أصبح من السحَرة وأنه غدا فوق البشر، إذ أشعل النور بلا كبريت وأسال الماء من الحديد وعمل هذه المعجزات. وبلغني أنه لما جاء صاحب القصر بعد ذلك يطلب الأجرة تنكّر له صلبي وجحده حقه ومنعه أجرته، وقال له: لقد كنت أتعرف إليك وأنا في عهد الشمعة والقِرْبة، أما الآن وأنا في عهد الكهرباء والحنفيات، في عهد التقدمية والرقي، فلست أعرفك. قال: ويحك، أنا الذي بنى هذه الدار ووضع فيها أسلاك الكهرباء وأنابيب الماء، ولقد وضعت لك أشياء أُخَر أعجبَ من هذا وأغرب، فإذا كان وقوفك على مفتاح الكهرباء وحنفية الماء جعلك تنكر حقي، فكيف إذا عرفت سرّ ما بقي؟ أفما كان أولى بك أن تشكرني على ما أعددت لك وتخجل مني لأنك لبثت أسبوعاً لا تدري به، وأنك لا تعرف إلى الآن بقية ما في الدار؟ وكيف إذا عرفت المصعد فرأيت غرفة تصعد بك وتنزل، والغسّالة وهي حديد تعمل عمل الأيدي، ولو عرفت -بعدُ- الرادَّ والرائي وشريط التسجيل وهاتيك العجائب؟ * * * يا سادة، هذا هو مثال البشر إذ يغترّ ناسٌ منهم بهذه المكتشَفات العلمية ويظنون أنهم شاركوا الله في ملكه وقدروا على

стр. 139

ما لا يقدر عليه البشر. تقول للرجل: اتّقِ الله واتبع سبيل الشرع، فيقول لك: ما لنا وللدين؟ نحن في عصر الذرّة والصاروخ والقمر الصناعي والتقدمية والرقي. ولو عقلنا لأقررنا بعجزنا إذ لم نكشف هذه الأسرار كلها من أول يوم، ولازددنا إيماناً بالذي خبّأها لنا، والذي عنده من الأسرار ما لا يبلغ كلُّ ما اكتشفنا نقطةً من بحره. إننا مثل ذلك الأعرابي الذي عرف قليلاً مما وضعه له صاحب الدار، فبدلاً من أن يشكره عليه ويعترف بفضله ويسعى لمعرفة المزيد أنكر عليه حقه وقصر في أدائه وامتنع عن دفع الأجرة. هذا هو المثال، ولله المَثَل الأعلى. إن الله هو الذي خلق الكون، وهو الذي وضع فيه هذه الأسرار الهائلة وهذه القوانين الطبيعية العجيبة. إنه جعل لكل مرض دواء، ووضع ذلك أمام أعيننا كما وضع صاحبُ الدار المفروشات والأدوات أمام الأعرابي، فكنا مثله في جهالته وأمضينا الدهر الأطول فلم نبصر إلا الأقل الأقل منها، عرفناه مصادفة كما عرف الأعرابي وأولاده مفتاحَ النور وحنفيةَ الماء، لم نعرفه بخطة مرسومة ولا نهج بيّن. ما علمنا أن في هذا العفن الأخضر مادة البنسيلين التي تقتل الجراثيم وتشفي الناس إلا من عشر سنين، مع أن هذه المادة موجودة فيه وضعها الله تحت أبصارنا من يوم خلق العالم. وهو الذي جعل في الهواء القدرة على حمل الطيارات وجعل في الذرة هذا القوة الهائلة، وكان ذلك موجوداً من أول الدنيا ولكنّا لم نعرفه

стр. 140

إلا من قريب. فلما عرفناه حسبنا أننا نحن طيّرنا الطيارة، وأننا نحن خلقنا البنسلين، وأننا نحن سيّرنا الصاروخ، وأننا نحن وضعنا هذه القوة العظيمة في الذرة الصغيرة! الله أودع في الكون هذه الأسرار من يوم خلق العالم، وقال لنا: فكروا واعملوا بعقولكم وابحثوا عن هذه الأسرار. فلما فكرنا ووقفنا على بعضها لم نحمد الله لأنه وضعها لنا ووفقنا إلى اكتشافها، بل جحَدْنا بها فضلَ ربنا وكدنا نكفر بديننا! * * * إن هذه المخترعات تزيد الإيمان بالله ولا تنقصه. كفار قريش وكبار عقلائهم لما قال لهم النبي ﷺ إنه ذهب من مكة إلى القدس ورجع في ليلة واحدة كذّبوه ولم يستطيعوا أن يصدقوا أن هذا الأمر ممكن. وأجهل رجل اليوم لو قلت له: "أنا ذاهب إلى الشام وأعود غداً" لقال لك: "مع السلامة"، وما تعجّب ولا اندهش. لم يعد يكذّب أحدٌ بمعجزة الإسراء لأن اختراع الطيارة قوى إيماننا بها. والذين كانوا يسمعون أن اليد تنطق والرجل تنطق يوم القيامة كانوا يشكّون في هذا ويقولون: كيف تنطق اليد؟ وهل لليد لسان؟ فلما رأوا شريط التسجيل ينطق وأسطوانة الحاكي تنطق علموا أن الله الذي أنطق الشريط والأسطوانة في الدنيا قادر على أن يُنطق اليدَ والرجل في الآخرة، فزالت شكوكهم وقوي إيمانهم. يا سادة، إن البشر كلما ازداد علمهم بأسرار هذه الطبيعة

стр. 141

التي طبعها الله وبما أودع فيها من أسرار زاد إيمانُ العقلاء منهم بالله، أما الذين يتزعزع منها إيمانهم فإن مثلهم مثل ذلك الأعرابي الأحمق الذي ظن أنه هو الذي أسال الماء من الحديد وأخرج الضياء من الجدار! لقد أودع الله الكونَ هذه الأسرارَ لتكون داعياً إلى الإيمان لا حافزاً على الكفر. اللهم اجعلنا من أولي الألباب. * * *

стр. 142

روح الصلاة نُشرت سنة ١٩٦٧ كنت في زيارة صديق لي، شيخ من المشايخ الصالحين المُرَبيّن، وكان في المجلس اثنان من رفاق ولده من الشباب الأحداث المتأنّقين. فأذن المغرب فاستعددنا للصلاة، ولكن أحد الشابين لم يتحرك، فقال له الشيخ: ألا تصلي؟ قال: لستُ متوضئاً. قال: هذا الماء. قال: شكراً، لا أريد الوضوء. قال الشيخ: الأمر سهل ما فيه مشقة. قال: لا، شكراً. فتركناهما وصلينا. فلما قُضيت الصلاة فكّر الشيخ فرأى أنه يأثم إن تركهما، فقال لهما: يا أولادي، يقولون إن المغرب غريب، أي أن وقته قصير، وإذا أردتما الصلاة في داركما لم تلحقاها. قال الشاب الثاني: أقول لك الصحيح؟ نحن لا نصلي. قال: ولماذا لا تصليان؟ فقال (بلهجة نابية وجفاء ظاهر): هذه أمور شخصية لا دخل لأحد فيها، ويكفي أني لا أضرّ أحداً ولا أسرق مال أحد. قال الشيخ: هذه أمور شخصية في نظرك ونظر من أخذوا

стр. 143

برأي الأجانب، أما في نظر الإسلام فلا؛ إن من الواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه وأن يرشده، وأن يأمره بالمعروف وأن ينهاه عن المنكر. قال الشاب: وهل الدين بالصلاة؟ فقلت أنا: نعم، بالصلاة؛ لا الإسلام فقط بل الأديان كلها. ليس في الدنيا دين، سواء في ذلك الدين الصحيح الذي هو الإسلام والأديان الباطلة، إلا وعماده الصلاة. وإلا ففيمَ يكون الدين؟ هل يكون بالرقص والتمثيل والقفز على الحبل؟ إن الشيخ يدعوك إلى فرض فرضه الله عليك لم يفرضه عليك هو. قال: أنا لا أنكر أن الصلاة فرض، وأنا أحبّ أن أصلي، ولكني عندما أرى بعض المصلين أنفر من الصلاة. عندنا في المدرسة شاب يصلي دائماً ويقرأ الأوراد، وهو دجال محتال بعيد عن الأمانة مجانب للاستقامة. قلت: لهذا تركت الصلاة؟ قال: نعم. قلت: لماذا تأكل إذن؟ قال: لماذا لا آكل؟! قلت: لأن بين من يأكلون من هو لص خبيث ساقط محتال. قال: ما لي وما له؟ الأكل ضروري لحياة الجسد. قلت: والصلاة ضرورية لحياة الروح، فما لك ولهذا الذي قلت إنه دجال؟ فسكت. قلت: وشيء آخر، هل تعتقد أن رفيقك الدجال المحتال يصلي؟ قال: نعم. قلت: لا يا بني، إنه ما صلّى. ﴿إنّ الصّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحْشَاءِ

стр. 144

والمُنْكَر﴾؛ هذا قول الله، وقد شرحه رسوله ﷺ فبيّن أن مَن لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، وكان قد فعلها رياء وتظاهراً، لم يزدد من الله إلا بعداً. انظر إلى كاتب الأمير الذي يدخل عليه كل ساعة مرة، هل يخرج من عنده فيتكلم عليه أو يشتغل بما لا يرضيه ويخالف عن أمره؟ وكيف، وهو يعلم أنه سيدخل عليه بعد ساعة وسيسأله عمّا فعله؟ فكيف يأتي الفحشاءَ والمنكر من يدخل الحضرة الإلهية ويقوم بين يدي الله خمس مرات كل يوم؟ لذلك شبه الرسول ﷺ هذه الصلوات الخمس بنهر على باب المسلم يغتسل فيه خمس مرات في اليوم. هل يكون وسِخَ الجلد قذر الجسد من يغتسل خمس مرات في اليوم؟ لا، إن صاحبك ما صلى، ولو قام وقعد وركع وسجد وتلا وذكر، وأدى الشروط الظاهرة والأركان والواجبات والسنن. هذا كله جسد الصلاة، فإن لم يكن معه الإخلاص وحضور القلب كانت صلاته جسداً بلا روح. قال أحد الحاضرين: وكيف يكون الإخلاص؟ قلت: بأن يكون قصدك من الصلاة امتثال أمر الله وعبادته وطلب رضاه، لا أن يكون قصدك تقدير الناس وأن يقولوا: فلان متعبد. ولا أن تتخذ من حسن رأيهم فيك وسيلة إلى مالهم أو جاههم، فتكون قد جعلت الدين سلماً إلى الدنيا. والصلاة أهم الأعمال كلها في نظر المسلم، وقد يترك من أجلها كلّ عمل من الأعمال مهما كان كبيراً، ولا يتركها من أجل عمل من الأعمال مهما كان كبيراً.

стр. 145

وينبغي أن تحدَّد مواعيد الأعمال كلها في المجتمع الإسلامي تبعاً لأوقات الصلاة، مواعيد الدروس في المدارس، والدوام في الوظائف، والتجارات في الأسواق، والحفلات والرحلات والمباريات، وألاّ يُسمَح في المجتمع الإسلامي لعمل من الأعمال أن يعطل الصلاة أو يؤخرها عن وقتها. وقد غضب الناس في دمشق مرة لأن المجلس النيابي جعل بداية موعد جلسة من جلساته قبل المغرب بنصف ساعة، فاستمرت الجلسة إلى هزيع من الليل فضاعت صلاة المغرب. وقد يقوم من يشاء من الأعضاء فيصلي، ومع ذلك غضب المسلمون لأن هذا التهاون بالصلاة في بلد إسلامي لا يجوز. وكان في دمشق من سنين احتفال رسمي كبير في الملعب البلدي، يضم أكثر من ثلاثين ألفاً، فبدؤوه قبل المغرب بقليل. فلما حان موعد الصلاة كان الوزير يخطب خطبة الافتتاح، فوقف أحد المشايخ وأذّن بصوت عال وأقام الصلاة، فقام معه جمهور الحاضرين وتركوا الوزير يخطب وحده، فاضطر إلى السكوت. وكان فيمن قام إلى الصلاة هاشم بك الأتاسي رحمة الله عليه، وكان يومئذ رئيس الجمهورية. وقد لام ناسٌ هذا الشيخَ وكتبوا في الجرائد ينقدونه، فكتبت أدافع عنه وقلت: إن الذنب ذنب مَن حدّد وقت هذا الاحتفال. وقلت لهم: لو أن الاحتفال بدأ الضحوة واستمر إلى الليل ولم يُراعَ فيه وقت الغداء، فهل يُلامُ مَن يترك الاجتماع ويقوم ليأكل أم يلام من دعا إلى الاجتماع وقت الغداء؟ فلماذا لا تنكر على
следующие страницы →