← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1791

نور وهداية

علي الطنطاوي

Полный текст (264 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التي طبعها الله وبما أودع فيها من أسرار زاد إيمانُ العقلاء منهم بالله، أما الذين يتزعزع منها إيمانهم فإن مثلهم مثل ذلك الأعرابي الأحمق الذي ظن أنه هو الذي أسال الماء من الحديد وأخرج الضياء من الجدار! لقد أودع الله الكونَ هذه الأسرارَ لتكون داعياً إلى الإيمان لا حافزاً على الكفر. اللهم اجعلنا من أولي الألباب. * * *

стр. 142

روح الصلاة نُشرت سنة ١٩٦٧ كنت في زيارة صديق لي، شيخ من المشايخ الصالحين المُرَبيّن، وكان في المجلس اثنان من رفاق ولده من الشباب الأحداث المتأنّقين. فأذن المغرب فاستعددنا للصلاة، ولكن أحد الشابين لم يتحرك، فقال له الشيخ: ألا تصلي؟ قال: لستُ متوضئاً. قال: هذا الماء. قال: شكراً، لا أريد الوضوء. قال الشيخ: الأمر سهل ما فيه مشقة. قال: لا، شكراً. فتركناهما وصلينا. فلما قُضيت الصلاة فكّر الشيخ فرأى أنه يأثم إن تركهما، فقال لهما: يا أولادي، يقولون إن المغرب غريب، أي أن وقته قصير، وإذا أردتما الصلاة في داركما لم تلحقاها. قال الشاب الثاني: أقول لك الصحيح؟ نحن لا نصلي. قال: ولماذا لا تصليان؟ فقال (بلهجة نابية وجفاء ظاهر): هذه أمور شخصية لا دخل لأحد فيها، ويكفي أني لا أضرّ أحداً ولا أسرق مال أحد. قال الشيخ: هذه أمور شخصية في نظرك ونظر من أخذوا

стр. 143

برأي الأجانب، أما في نظر الإسلام فلا؛ إن من الواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه وأن يرشده، وأن يأمره بالمعروف وأن ينهاه عن المنكر. قال الشاب: وهل الدين بالصلاة؟ فقلت أنا: نعم، بالصلاة؛ لا الإسلام فقط بل الأديان كلها. ليس في الدنيا دين، سواء في ذلك الدين الصحيح الذي هو الإسلام والأديان الباطلة، إلا وعماده الصلاة. وإلا ففيمَ يكون الدين؟ هل يكون بالرقص والتمثيل والقفز على الحبل؟ إن الشيخ يدعوك إلى فرض فرضه الله عليك لم يفرضه عليك هو. قال: أنا لا أنكر أن الصلاة فرض، وأنا أحبّ أن أصلي، ولكني عندما أرى بعض المصلين أنفر من الصلاة. عندنا في المدرسة شاب يصلي دائماً ويقرأ الأوراد، وهو دجال محتال بعيد عن الأمانة مجانب للاستقامة. قلت: لهذا تركت الصلاة؟ قال: نعم. قلت: لماذا تأكل إذن؟ قال: لماذا لا آكل؟! قلت: لأن بين من يأكلون من هو لص خبيث ساقط محتال. قال: ما لي وما له؟ الأكل ضروري لحياة الجسد. قلت: والصلاة ضرورية لحياة الروح، فما لك ولهذا الذي قلت إنه دجال؟ فسكت. قلت: وشيء آخر، هل تعتقد أن رفيقك الدجال المحتال يصلي؟ قال: نعم. قلت: لا يا بني، إنه ما صلّى. ﴿إنّ الصّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحْشَاءِ

стр. 144

والمُنْكَر﴾؛ هذا قول الله، وقد شرحه رسوله ﷺ فبيّن أن مَن لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، وكان قد فعلها رياء وتظاهراً، لم يزدد من الله إلا بعداً. انظر إلى كاتب الأمير الذي يدخل عليه كل ساعة مرة، هل يخرج من عنده فيتكلم عليه أو يشتغل بما لا يرضيه ويخالف عن أمره؟ وكيف، وهو يعلم أنه سيدخل عليه بعد ساعة وسيسأله عمّا فعله؟ فكيف يأتي الفحشاءَ والمنكر من يدخل الحضرة الإلهية ويقوم بين يدي الله خمس مرات كل يوم؟ لذلك شبه الرسول ﷺ هذه الصلوات الخمس بنهر على باب المسلم يغتسل فيه خمس مرات في اليوم. هل يكون وسِخَ الجلد قذر الجسد من يغتسل خمس مرات في اليوم؟ لا، إن صاحبك ما صلى، ولو قام وقعد وركع وسجد وتلا وذكر، وأدى الشروط الظاهرة والأركان والواجبات والسنن. هذا كله جسد الصلاة، فإن لم يكن معه الإخلاص وحضور القلب كانت صلاته جسداً بلا روح. قال أحد الحاضرين: وكيف يكون الإخلاص؟ قلت: بأن يكون قصدك من الصلاة امتثال أمر الله وعبادته وطلب رضاه، لا أن يكون قصدك تقدير الناس وأن يقولوا: فلان متعبد. ولا أن تتخذ من حسن رأيهم فيك وسيلة إلى مالهم أو جاههم، فتكون قد جعلت الدين سلماً إلى الدنيا. والصلاة أهم الأعمال كلها في نظر المسلم، وقد يترك من أجلها كلّ عمل من الأعمال مهما كان كبيراً، ولا يتركها من أجل عمل من الأعمال مهما كان كبيراً.

стр. 145

وينبغي أن تحدَّد مواعيد الأعمال كلها في المجتمع الإسلامي تبعاً لأوقات الصلاة، مواعيد الدروس في المدارس، والدوام في الوظائف، والتجارات في الأسواق، والحفلات والرحلات والمباريات، وألاّ يُسمَح في المجتمع الإسلامي لعمل من الأعمال أن يعطل الصلاة أو يؤخرها عن وقتها. وقد غضب الناس في دمشق مرة لأن المجلس النيابي جعل بداية موعد جلسة من جلساته قبل المغرب بنصف ساعة، فاستمرت الجلسة إلى هزيع من الليل فضاعت صلاة المغرب. وقد يقوم من يشاء من الأعضاء فيصلي، ومع ذلك غضب المسلمون لأن هذا التهاون بالصلاة في بلد إسلامي لا يجوز. وكان في دمشق من سنين احتفال رسمي كبير في الملعب البلدي، يضم أكثر من ثلاثين ألفاً، فبدؤوه قبل المغرب بقليل. فلما حان موعد الصلاة كان الوزير يخطب خطبة الافتتاح، فوقف أحد المشايخ وأذّن بصوت عال وأقام الصلاة، فقام معه جمهور الحاضرين وتركوا الوزير يخطب وحده، فاضطر إلى السكوت. وكان فيمن قام إلى الصلاة هاشم بك الأتاسي رحمة الله عليه، وكان يومئذ رئيس الجمهورية. وقد لام ناسٌ هذا الشيخَ وكتبوا في الجرائد ينقدونه، فكتبت أدافع عنه وقلت: إن الذنب ذنب مَن حدّد وقت هذا الاحتفال. وقلت لهم: لو أن الاحتفال بدأ الضحوة واستمر إلى الليل ولم يُراعَ فيه وقت الغداء، فهل يُلامُ مَن يترك الاجتماع ويقوم ليأكل أم يلام من دعا إلى الاجتماع وقت الغداء؟ فلماذا لا تنكر على

стр. 146

من يدعو إلى الاجتماع وقت الصلاةِ والصلاةُ خير من النوم ومن الطعام؟ ثم إن الصلاة ليست للفرد وحده ولكن الصلاة للناس كلهم، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي التي تُصلح المجتمع وتمنع العدوان وتهذب الأخلاق، ولا سيما إن صُلِّيت في المساجد مع الجماعات. * * * نحن لا نعرف قيمة صلاة الجماعة. إن هذه الجماعة مثل المجالس المحلية التي تعمل على كل ما فيه خير للحارة، تقر التكافل الاجتماعي فتعين المحتاج وتساعد الفقير وتداوي المريض، وإن احتاجت الحارة إلى إصلاح طريق راجعت الجماعةُ الحكومةَ لإصلاحه، وإن ضاقت المدرسة سعت لتوسيعها، وإن كان فيها مَفسَدة أو منكر عملت على إزالته. والمجالس المحلية عند الناس تجتمع مرة في الأسبوع، ولكن مجالسنا المحلية تجتمع خمس مرات كل يوم. هذه هي المجالس المحلية للحارات. وهناك مجلس محلي للحي كله يجتمع مرة في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، ومجلس للمدينة كلها يجتمع مرتين في السنة، وهو صلاة العيد، ومجلس إسلامي عام، وهو المؤتمر الذي ليس له نظير في الدنيا ولم يعرف البشر قبله ولا معه مثله، وهو الحج. إن هذه الصلاة هي أساس صرح الحضارة الإسلامية، وهي الدافع لهذه الفتوحات، هي الركيزة لهذا المجد الذي نطح النجم ودان الدهر.

стр. 147

إن المسلمين سادوا الدنيا وكانوا هم ملوكها وكانوا أساتذتها، وكانوا هم حَمَلة منار الحضارة فيها، لمّا كانوا يصلّون حقيقة وكانت صلاتهم جسداً وروحاً، لم تكن كصلاة كثير منا: جسداً بلا روح. فهل نعود إلى مثل تلك الصلاة ليعود لنا مثل ذلك المجد؟ * * *

стр. 148

أين التائبون ؟ حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٩ حديث اليوم -يا أيها السادة- موعظة من شيخ وليس طرفة من أديب، فلا تنتظروا منه تسلية ومتعة بل فائدة ومنفعة، واستحضروا قلوبكم، فإن مثل هذا الحديث يُسمَع بالقلوب لا بالآذان. إنها موعظة أخذتها من فِلم، فلا تعجبوا من موعظة تكون في الأفلام، فإن القلب قد يصحو صحوة فيرى الموعظة في لوحة الرائي ونكتة المهرج، وقد يغفل فلا يراها في حلقة الواعظ أو مسجده. وقديماً رووا أن رجلاً صالحاً كان يفكر في الله دائماً، فسمع بياع الصّعتر ينادي: «يا سعتر برّي»، فسمعها «اسعَ تَرَ برّي» فأغمي عليه. كانوا يعرضون جريدة الأخبار المصوَّرة وفيها مشاهد من الامتحان، حيث التلاميذ الصغار يقعدون مفكّرين أقلامُهم في أيديهم وعيونهم في أوراقهم، فمَن كان عارفاً الجوابَ أسرع في الكتابة باسماً، ومن كان ناسياً نظر عابساً، ومن كان جاهلاً أطرق حزيناً أو بكى يائساً. وظهر في الصورة ولدٌ ألقى نظرة من عينيه يسرق بهما من ورقة جاره فجاء المدرس فأمسكه.

стр. 149

وضحك بعض الحاضرين من هذا المشهد، ولكني لم أضحك. رأوه بعين اللاهي ورأيته بنظر الجادّ، لأني كنت في لحظة من هذه اللحظات المفاجئة التي يتفطّر فيها القلب وتتفتح النفس. ولست أدّعي الصلاح، وما وجدت في عمري كله إلا قليلاً من هذه اللحظات كانت هذه واحدة منها. تصورتُ هذا التلميذ المسكين وقد ألقى نظرة ظنّ أنه لا يراها أحدٌ وإنما تمرّ وتُنسَى، فجاءت الآلة فسجّلتها وأعلنتها وعرضتها على الناس، فافتُضح بها ولم يعد يستطيع إنكارها. وقلت في نفسي: إذا كان هذا كله من عمل آلة بشرية سجّلت هذه الخطيئة وأبقتها دائماً، فكيف الحال والمَلَكان يسجّلان عليّ كل صغيرة وكبيرة أعملها؟ أحسب أني قد نجوت ولم يرَني أحدٌ كما حسب هذا التلميذ المسكين أن نظرته مرّت لم يَرَها المراقب، لا أدري أن كل صغيرة وكبيرة عملتها قد سُجِّلت في الشريط الخالد، شريط المَلَكين! كل كلمةٍ بشرٍّ زلَّ بها لساني، وكل نظرة إلى عورة نظرَتها عيني، وكل خطوة إلى حرام خطَتها رجلي، وكل حركة بظلم تحركتها يدي، كله قد سُجِّل وحُفظ في هذا الشريط، وكل لقمة حرام أكلتها وكل قرش حرام أخذته. وسيعرض هذا الشريط لا في فِلم يراه ألوفٌ من الناس ثم ينسونه، بل هو سيعرض على الخلائق كلهم، من كان منهم في أيامنا ومن كان قبلُ أو يكون بعدُ، من عهد آدم إلى آخر الزمان يجمعهم الله جميعاً، وهنالك الفضيحة الكبرى لا فضيحة التلميذ سرق بنظره كلمة من ورقة جاره. الفضيحة على رؤوس الأشهاد جميعاً، وإذا أنا أنكرت (وأنّى لي الإنكار؟)

стр. 150

أُجبرتُ على تمثيل خطيئتي من جديد كما يمثّل المتهم جرمه أمام المحقق، فتحكي يدي ما كان من ذنب أنكرتُه بلساني، وتنطق رجلي ويشهد عليّ جلدي! * * * إن التلاميذ اليوم يخشون هذا الامتحان، مع أن الراسب فيه يعيد الدورة أو يُرَدّ إلى صفه فيخسر سنة من عمره. فما بال ذلك الامتحان، الامتحان الأكبر يوم القيامة، وليس فيه دورة ثانية ولا يُرَدّ مَن يرسب فيه إلى الدنيا ليعيد التجربة، وليس فيه خسارة سنة ولا سنوات ولكن فيه ربح الأبد أو خسارة الأبد، فيه النعيم الخالد أو الشقاء الخالد، فيه الجنة أو جهنم؟ إن نار الدنيا إذا قيست بنار جهنم كانت نعمة، ونحن مع ذلك لا نستطيع أن نتحمل عذابها. من يقدر أن يجلس ربع ساعة على الموقدة المشتعلة المحمرّة؟ فكيف نلقي بأنفسنا في نار جهنم؟! إن أكثركم إذ يسمع ذكر الآخرة يُعرِض عنه أو يسخر بقائله، لأن أفكاركم مشغولة بحوادث يومكم وعمل ساعتكم. إن منكم من يسمع هذا الحديث وهو على موعد قد استعدّ للذهاب إليه أو شغل يهمّ بقضائه، ومن يضع الرادّ إلى جنب السرير يستجلب بسماعه النوم إلى أجفانه، هذا كل ما يريده منه، أما أمر الآخرة فلا يباليه ولا يفكر فيه، كأننا خالدون في الدنيا وكأن الموت ما نزل بأحد حتى ينزل بنا. كنت مرة في زيارة صديق لي، وكان مريضاً مرضاً عارضاً

стр. 151

فهو قاعد في فراشه، وكان عنده ولده وهو يسأله شيئاً من المال فلا يعطيه مع أن عنده من الأموال ما لا تأكله النيران، وتطاول الولد عليه وهو يردّه ويأبى عليه القليل، وكان يتكلم فشَرِقَ بريقه فوقف في وسط الجملة، وانتظرنا أن يكملها فما أكملها، وطالت السكتة فمسَسْناه فإذا هو قد مات! ونظرتُ مفكراً وسألت نفسي: ما الموت وما الحياة؟ إن الرجل لا يزال أمامنا كما كان، ما تبدل منه شيء ولا نقص منه شيء، ولكنه مات. كان المال له يمنعه الولد، فغدا في نصف ثانية من الزمان غريباً عنه لا يملك منه شيئاً وصار المال كله للولد، ما أخذ منه شيئاً ولا حمل معه منه قليلاً ولا كثيراً، فلماذا كان يحرص عليه ويبخل به؟ إنه ما أخذ معه إلا عمله، فلماذا نتمسك بما لا ينفع ونترك النافع؟ إذا كنتَ على سفر بالطيارة وكنت لا تستطيع أن تحمل معك إلا حقيبة واحدة، وكان عندك جواهر غالية أو أموال وعندك قناطير مقنطرة من الحطب، وكنت لا تدري متى تدعى للسفر، فهل تلبس وتُعِدّ حقيبتك وتلمؤها بالمال والجواهر، أم أنك تقعد من غير استعداد، لا تلبس ثيابك ولا تعد حقيبتك وإنما تحرس الحطب حتى لا تذهب منه حطبة؟ إن كل ما في الدنيا من متاع ولذة ومال كَوْمة حطب لا تقدر أن تحمل معك منه شيئاً، وعملك الصالح هو الجواهر التي تحملها أو تنتفع في سفرك إلى الآخرة بها.

стр. 152

وقلت لنفسي: يا رجل، مهما عشتَ فإنك ميت، وإنك واقف للحساب، وسيُعرَض الشريط الذي سَجّل عليك كلَّ حركة وكل لفظة وكل صغيرة وكل كبيرة، حتى ما نسيته أنت ولم تعد تذكره، وستكون فضيحتك على رؤوس الأشهاد كما افتُضح الصبي المسكين الذي سرق بعينه من ورقة جاره. فماذا أعددت لهذا اليوم؟ وامتلأت نفسي رهبة وخوفاً، وتصورت ذنوبي التي لا تُعَدّ ولا تُحصى: ما أصنع بها؟ ثم وجدت الخلاص؛ وجدت وسيلة إلى محو هذا الشريط بكل ما فيه. فهل تحبون أن أدلكم عليها؟ إنها طريقة سهلة تَضطرون بها الملكين إلى محو كل ما سجّلا عليكم من ذنوب؛ هي التوبة. التوبة -يا أيها الناس- هي التي تمحو الذنوب حتى كأنها لم تكن، بل لقد تكون التوبة حسنة من الحسنات، فلا تتخلصون بها من الذنوب فقط بل يكون لكم منها مكانَ السيئات حسنات. وليس في الذنوب ما لا تمحوه التوبة: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله، إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً﴾. * * * فيا أيها العصاة المذنبون (وأنا والله واحد منكم): هل يقدر أحدٌ أن يحارب الله؟ هل يقدر أحد أن يهرب من لقاء الله؟ هل يقدر أحد أن يخلد في الدنيا؟ مهما نال من القوة والسلطان لا بد أن ينزل في هذه الحفرة وحده، لا ينزل معه والد ولا ولد ولا زوجة

стр. 153

ولا إخوة، كلهم يتركهم ويعود فيبقى في القبر وحده، ويَقْدُم على الله وحده ويقوم في الحساب وحده. فهل لكم طاقة بحساب الله؟ فلماذا إذن لا تستفيدون من هذا العفو العام؟ ولا يقل أحد: إن ذنوبي كثيرة. أما سمعتم في الحديث الصحيح قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين رجلاً ثم أراد أن يتوب، فسأل راهباً جاهلاً: هل لي من توبة؟ قال: لا. فقتله فكمل به المئة. ثم سأل عالماً: هل لي من توبة. قال: نعم. وتاب وذهب ليعبد الله في بلد آخر، فمات على الطريق، فاختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ هؤلاء يقولون: مات تائباً، وهؤلاء يقولون: ما عمل خيراً قط. فأرسل الله مَلَكاً على هيئة رجل فقال: قيسوا الأرضين فإلى أيهما كان أقرب كان لها. وأمر الله الأرض التي قَتَل فيها أن تبتعد والأرض التي يريدها أن تقترب، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى أرض التوبة فغُفر له. * * * وهذا شهر رمضان أوشك أن يولي، فصفّوا حسابكم مع الله لتخرجوا من رمضان بصحف بيض ونفوس زكية، وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً. وللتوبة شروط يا أيها الإخوة. أولها: أن تترك الذنب الذي تتوب منه، فمَن تاب من ذنب وهو لا يزال مقيماً عليه كان كالمستهزئ بربه والعياذ بالله. وثانيها: أن تندم على الماضي وتعزم عزماً أكيداً على أن لا تعود إليه أبداً. هذا في حقوق الله، أما في

стр. 154

حقوق الناس فلا بدّ من أن تُرجِع الحقوق لأصحابها أو يسامحوك بها، فلا يكفي أن تتوب منها وأنت لم ترجعها. وقد ورد أن الرسول ﷺ سأل أصحابه: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: المفلس (أي المفلس الحقيقي) من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار (١). وهذا سيد الاستغفار: جاء في الحديث الصحيح أن من وفّى حقوقَ الناس وقاله من نهاره موقناً به فمات في هذا النهار كان من أهل الجنة ومن قاله من ليلته موقناً به فمات في هذه الليلة دخل الجنة، وهو: «اللهمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٢). * * * يا أيها السامعون، لو أن الحكومة نشرت بياناً تقول فيه إنها تسامح كل مكلَّف بضريبة لم يؤدِّها بشرط أن يقدم طلباً بذلك،

стр. 155

وكان عليك ضرائب كثيرة لم تدفعها، ألا تقدّم هذا الطلب لتتخلص منها؟ هذا بيان من رب الأرباب يقول: ﴿يَا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله، إنّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً، إنّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ. وأَنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِموا لَهُ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُون﴾. ويقول النبي ﷺ : «إن الله يبسُط يدَه بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (١). الله يدعوكم لتتوبوا إليه في كل يوم وليلة، فأين التائبون المستغفرون؟ * * *

стр. 156

طريق الإسلام نشرت سنة ١٩٨٨ [وجدت اليوم شيئاً فرحتُ به: شريطاً مسجّلاً عليه خطبة الجمعة التي كنت ألقيتها في مسجد عمّان الكبير يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى سنة ١٣٩١هـ (٩ تموز ١٩٧١)، وأُذيعت من الإذاعة الأردنية. ولم يكن من عادتي أن أُعِدّ خطبي أو أن أكتبها، ولكن هذه الخطبة قد سُجّلت، ففرحت بها واستخرجتها من الشريط وبعثت بها إلى «الشرق الأوسط» لتعم الفائدة إن شاء الله منها.] إن مثَلَنا مَثَل قافلة كانت ماشية في طريقها، تتبع دليلها ويحدو بها حاديها، ففُقد الدليل وسكت الحادي، ثم كثر الأدلاّء وتعدد الحُداة وتشعّبت الطرق، فانقسمنا، ثم اختلفنا، ثم افترقنا فمشى كلٌّ في طريق واتخذ كلٌّ لنفسه غاية. فقفوا قليلاً وانظروا: إلى أين نمشي؟ ومن منا الذي يمشي على الصواب؟ منّا مَن مشى غرباً ومِنّا مَن مشى شرقاً، فما انتهى المشرّقون ولا المغرّبون إلا إلى الفرقة والهوان. والطريق واضح والقبلة

стр. 157

معروفة، ليست قبلتنا البيت «الأبيض» ولا البيت «الأحمر»، ولكن قبلتنا بيت عليه ستار أسود. وليست وجهتنا الشرق ولا الغرب، ولكن وجهتنا إلى حيث يقوم هذا البيت. فحين ندع الشرق والغرب ونتوجه إليه، إلى منزل الوحي، إلى الكعبة، نكون قد عرفنا الطريق. يا إخواني، أنا ما جئت أدعو إلى خيالات وأوهام، ولا أتعمّد اليوم تزويق الكلام، بل جئت بالحقيقة. وهذه الحقيقة ماثلة أمامكم، لا تحتاج إلى قيل وقال ولا تحتمل الجدال. فلو مرض عندك مريض فراجعت طبيبين وأعطياك دواءين، جربت هذا الدواء فكان فيه الشفاء وجربت الثاني فاشتدّ منه الداء، فأي الدواءين تختار؟ لقد جربَت هذه الأمة الإسلام وجرّبت المذاهب والنِّحَل من دونه ومن ورائه: لما كانت في جاهليتها، في مرض الجهل والانقسام والعزلة والبعد عن دنيا التمدن والعلم، جعلها الإسلام أمة التمدن والعلم وسلمها مفاتيح الأرض. وكانت يوماً بعد إسلامها في مثل حالنا اليوم: كانت متفرقة شيعاً ومنقسمة دولاً، تتجادل وتتقاتل وتتصايح وتتذابح والأجنبي الغاصب الصليبي يحتل الساحل السوري كله، وتنصرف إلى اللغو واللهو وتتبع الهوى وتعيش في الغفلة، والعدو إلى جنبها ما بينها وبين العدو حاجز ولا ستار. كانت في معركة غاب الإسلام عنها حيناً، فأخذ الصليبيون القدس وبقيت في أيديهم أكثر من تسعين سنة. مات منا جيل ووُلد

стр. 158

جيل، ثم مات الجيل المولود ووُلد الثالث والقدس في أيديهم، فلما دخل الإسلام المعركةَ على يد عماد الدين، ثم نور الدين، ثم صلاح الدين، كانت معركة حطين وكان النصر المبين، واسترددنا القدس وطهّرنا بلادنا كلها من الغاصب الدخيل. والإسلام لا يزال كما كان، وهو يستطيع -إن أدخلناه في المعركة- أن يكسبنا بعون الله المعركة، ولكن ناساً يدّعون أنهم منا يفزعون كلما ذُكر الإسلام. يفزعون من ذكر الإسلام لأنهم لم يعرفوه؛ للإسلام في أذهانهم صورة مشوهة، لذلك يفزعون من ذكر الإسلام. يظنون الإسلام هو ما كنا عليه منذ مئة سنة وأن ما عليه المتمدنون اليوم لا يكون إلا بمخالفة الإسلام، لذلك جاءت صورة الإسلام مقرونةً عندهم بالتخلف والجهل بعلوم العصر، وصورة الدعوات المخالفة له مقرونة بمنجزات العلم وثمرات الحضارة والصعود إلى القمر! المرأة تظن أن الإسلام هو ما كانت عليه في القرن الماضي حين كانت تنادي بتحرير المرأة، وأعداء الإسلام والمغفلون من أبناء المسلمين يحسبون أننا إن دعونا إلى الإسلام إنما ندعو إلى هجر المدارس وترك العلوم الحديثة، وأن نتداوى بوصفات العجائز وندع الطب، وأن نركب الجمل بدلاً من السيارة، وأن نحارب بالسيف والرمح بدل المدافع والصواريخ! لا يا سادة، ليس هذا هو الإسلام، بل إن هذا كله ليس من الإسلام؛ الإسلام أن نُقبل على العلم، العلم كله: علم الأديان، وعلم الأبدان، وعلم الأكوان، وعلم البلدان، وعلم الحيوان، وعلم الإنسان، حتى نكون في ذلك كله أعلم الأمم. الإسلام أن

стр. 159

نكون نحن سادة الدنيا، وأن نكون نحن أساتذتها، وأن نكون حكامها. فإذا كنتم تريدون استرداد مقدساتكم واسترجاع مسجدكم الأقصى، واستعادة بلادكم والعودة إلى أمجادكم التي كانت لأجدادكم، فبالإسلام وحده تستطيعون ذلك ولا تستطيعونه بغير الإسلام. والتجربة أكبر برهان: صلاح الدين استردّها من جيوش أوربا كلها بعدما لبثت في أيديهم قريباً من القرن، استردها بالإسلام، ونحن نعجز أن نستردّها من أيدي اليهود لأننا نحاول أن نصل إلى ذلك من غير طريق الإسلام، فأقنعوا هؤلاء الذين يفزعون من ذكر الإسلام ويتصورونه رجعية وتخلفاً أنهم على خطأ مُبين، أثبتوا لهم أن الخطوة الأولى في طريق الظفر أن نتفق على مبدأ الرجوع إلى الإسلام. * * * أنا أسأل هؤلاء: ماذا يريدون من خير ولا يجدونه في الإسلام؟ أيريدون عدالة تحمي الضعيف من ظلم القوي، وتدفع عن الفقير تحكم الغني، وتنصف العامل والفلاح، وتطرد من بلادنا الغاصب الدخيل وتعيد إلينا السيادة والمجد؟ الإسلام يحقق ذلك كله. بل لقد حقق الإسلام ذلك كله في الصدر الأول، حين أجرى أول إحصاء عام للسكان في الدنيا ثم جعل لكل فرد في الأمة، نعم، لكل فرد حتى الذي وُلد من ساعة، راتباً من خزانة الدولة، وكان ذلك على عهد عمر.

стр. 160

وعلى عهد أمية حين جعل الوليدُ لكل أعمى مرافقاً يقوده وراتب هذا المرافق من خزانة الدولة، ولكل مريض مزمن ممرّضاً يصحبه وراتب هذا الممرض من خزانة الدولة، وحين جاء -من بعد- عمر بن عبد العزيز فأعاد حكومة المَثَل الأعلى التي تحققت على عهد أبي بكر وعمر. بل لقد تحققت هذه العدالة في عهد التأخر والانحطاط على أيدي أمراء تلك الدول الصغيرة، على يد واحد منهم هو الملك المظفَّر صاحب إربل في العراق، حين جعل الخبز مجانياً كالماء يصل إليه أي إنسان. ولقد أقرت الدولة الإسلامية من تلك القرون البعيدة مجانية الطب ومجانية التعليم، فأباحتهما للجميع. أتطلبون العدالة بغير الإسلام وعندكم مبدأ نفقات الأقارب وعندكم الزكاة، وعندكم مبدأ إسهام بيت المال في نفقة كل فقيرة ليس لها معين ولكل فقير عاجز عن الكسب؟ لا تستقلّوا الزكاة، فلقد خبّرني الثقة أن الأموال التي تجب فيها الزكاة في عمّان وحدها (ولا تنسوا أن الخطبة أُلقيت سنة ١٩٧١)، أموال الشركات والتجّار والموسرين والمدّخرين العاديين، تزيد عن أربعمئة مليون، زكاتها عشرة ملايين دينار. فتصوروا حال البلد لو وُزِّع فيه على وجوه البِرّ والخير التي هي مصارف الزكاة عشرة ملايين دينار في كل سنة، تعطى للفقير يتّخذ منها رأسَ مال يبدأ به عملاً شريفاً يقوم به على قدميه لا يحتاج إلى أحد، ويكون منها سداد دين المدين، وثمن أدوات عمل للصانع، ونفقات دراسة للطالب النابغة الفقير، وللمرأة يعصمها من ويلات

стр. 161

الحاجة. لا تُعطى صدقةً يكون فيها هوان للفقير وفيها تحقير له، فهي ليست صدقة، إنها حق معلوم للسائل والمحروم. ونفقة الأقارب مبدأ للتضامن الاجتماعي ما له نظير، ألقيت فيه بحثاً مرة أمام حلقة الدراسات الاجتماعية التي تقيمها جامعة الدول العربية بمشاركة الأمم المتحدة (١)، فدُهش منها السامعون. كل امرأة فقيرة وكل رجل فقير عاجز عن العمل يستطيع أن يطلب من القاضي فرضَ نفقة له على وارثه الغني، فإن لم يدفع طوعاً أجبره القاضي على الدفع بقوة القانون. لقد اكتفى من المرأة بالفقر واشترط على الرجل العجزَ عن العمل، لأن من مبادئ الإسلام أن المرأة لا تكلَّف العمل وأن الرجل لا يُسمَح له بالبطالة والكسل. فإن لم يكن لهما قريب فالنفقة على بيت المال يحكم بها القاضي. هذه هي عدالة الإسلام الاجتماعية، ليست مجرد كلام ولا مذهباً ولا ميثاقاً يُدوَّن على الورق، ولكنها مبادئ عملية طُبقت قروناً وقروناً. * * * أتريدون قانوناً يحقق العدالة ويضمن لكم أفضل ما عند الأمم من مبادئ حقوقية؟ نحن نقدّمه لكم من الإسلام. لا نقتصر على الكتب المدوَّنة في المذاهب الأربعة وحدها، لأن هذه

стр. 162

الكتب ليست هي الإسلام كله كما يظن البعض؛ هذه الكتب كالصيدليات، إن لم نلقَ الدواء في مذهب من المذاهب طلبناه في المذهب الآخر، فإن لم نجده فيها كلها عمدنا إلى عمله بأيدينا، والمواد موجودة والطريقة معروفة: المواد هي ما جاء في الكتاب والسنة، والطريقة هي أصول الاجتهاد. ففي كتب المذاهب الأربعة أحكام اجتماعية استُنبطت في زمانهم ويمكن استنباط مثلها في زماننا، لأن القاعدة الشرعية في هذا المقام أنه «لا يُنكَر تبدل الأحكام بتبدل الأزمان». أما الأصول التي نستمدها منها -وهي الكتاب والسنة الثابتة- فلا نحتاج إلى تبديلها لأنها تصلح لكل زمان، بل إنها تُصلح كلَّ زمان. أفتريدون أن ندع شرع ربنا لشرع نابليون، أي لقانونه الذي هو أبو القوانين المدنية؟ إن اللجنة التي وضعت قانون نابليون استندت إلى كتب كثيرة في الفقه أخذتها من مصر واعتمدت عليها، ولا سيما كتب المالكية. يقول هذا أستاذ القانون المدني في جامعة ليون، وفيها أرقى كلية حقوق في فرنسا، مستنداً إلى ضبوط جلسات اللجنة التي وضعت هذا القانون. فلماذا نترك رأس العين ثم نمشي حتى نشرب من السواقي التي تفرعت عنها بعدما تعكّر ماؤها؟ مَن ترك له أهله ثلاجة مملوءة بشهيّ الأطعمة وهو جوعان يشتهي رغيفاً، أفيترك الثلاجة بما فيها ويدور على بيوت الناس يشحد رغيفاً؟ أتريد المرأة التحرر من ظلم بعض الرجال، ومنع العبث بحق الطلاق الذي وضعه الله في أيديهم، وأن لا يتخذ أحدٌ من

стр. 163

إباحة تعدد الزوجات دليلاً للإساءة إلى النساء والإضرار بهن، وأن تتحقق لها المساواة مع الرجال في الحقوق المدنية وفي الواجبات؟ هذا كله يحققه لها الإسلام. فلماذا يفزع بعض النساء من العودة إلى أحكام الإسلام؟ الإسلام يقول للمرأة: صوني جمالك عمّن يريد أن يجعلك عبدة مسخّرة لشهواته، عمّن ألغى رقّ الأجساد فشرع رقّ الأعراض، يُقبل عليك ما دام فيك ماء الشباب فإذا جفّ رمى بك كما تُرمى برتقالة قد امتُصّ ما فيها من ماء. الإسلام يقول للمرأة: لا تمنحي الرجل شيئاً من المتعة بهذا الجمال إلا بعد أن تربطيه من رقبته برباط الزواج، لتكوني في شيخوختك أمّاً وجدة في موضع الاحترام من الأبناء والأحفاد، لا عجوزاً منبوذة لا يبالي بها أحد. إن معك جوهرة إن ضاعت منك لا تعوَّض، والسوق أمامك فيه التجار الأمناء يشترونها بأغلى الأثمان، وعلى الطريق لصوص يريدون أن يضحكوا عليك وأن يسلبوها منك. فهل تجزعين إن قال لك الإسلام أخفي الجوهرة حتى لا تراها أعين اللصوص ولا تبذليها إلا بثمنها المشروع، أي بالزواج الدائم لا باللذة العارضة التي تستمتعين بها مع الرجل دقيقة، ثم يمضي هو خفيفاً وتحملين أنت نتائجها ثقلاً في بطنك ووصمة على جبينك؟ * * *

стр. 164

هل يفزع ناس من الإسلام لأنه يقيد النفس الأمّارة بالسوء حتى لا تنساق وراء الكفر والشرك والفسق والضلال وتهوي بصاحبها في جهنم؟ هل يجزعون لأن الإسلام يقيّد الشهوة أن لا تنطلق فتصبح بالتكشف والاختلاط ناراً مدمرة محرقة، لا تدع في نفوس الشباب طاقة على قتال ولا على نافع من الأعمال لأنها تغرقهم في بحر من الغرائز؟ هل يجزعون لأن الإسلام يقول: يا ناس، إن بعد الحياة موتاً وبعد الدنيا آخرة، وإن لهذا الكون رباً سيحاسبكم غداً على الصغيرة والكبيرة، لا منجى لأحد ولا مهرب من هذا الحساب، فأعدوا لما لا بد منه وفكروا من الآن في الجواب؟ هل يجزعون لأن الإسلام يقول لهم: اتركوا الظلم والعدوان وكونوا أهل عدالة وإحسان، وفكروا وتعلموا ولا تسمحوا لليهود والموضات التي يخترعها اليهود وللمذاهب الباطلة التي يضع أسسها اليهود، لا تسمحوا لليهود ولا لعملاء اليهود أن يعبثوا بكم ويحققوا مآربهم على أيديكم؟ هل يجزعون لأن الإسلام يقول لهم: لا تتبعوا الهوى ولا تأكلوا الربا، ولا تسمعوا كلام الشيطان بل اتبعوا شرع الرحمن؟ فماذا تريدون من خير لا يقدمه لكم الإسلام؟ عندنا في الإسلام دواء لكل داء من أدواء الفرد والمجتمع، عندنا حل كل مشكلة، عندنا جواب كل معضلة. فيا أيتها المرأة التي تستمع إليّ الآن في بيتها، ويا من يستمع إليّ هنا في المسجد، ويا من يصل صوتي إليه اليوم من المذياع أو يسمعه مسجَّلاً غداً على الشريط: هذا والله الحق والذي يدعونك إليه الباطل، هذا الحق مؤيَّداً بالأدلة

стр. 165

والبراهين والوقائع والأرقام، وما يَدْعون إليه خيالات ونظريات وأوهام. ولقد جربنا المذاهب كلها وسلكنا الطرق كلها فما أوصلتنا إلا إلى ما ترون، أفما آن لنا أن نعود إلى تجربة طريق الإسلام؟ * * * يا ناس، الطريقان أمامكم، فإن أعجبكم ما نحن فيه فتابعوا مسيركم، وإن أردتم أن يبدّلنا الله بما نحن عليه حالاً خيراً من حالنا، وأن يردّ علينا ما خسرنا من أمجادنا وفضائلنا، وأن يعود إلينا تحت الشمس مكاننا، فعودوا إلى الإسلام، فهذا هو الطريق. * * *

стр. 166

جواب على سؤال حديث أذيع سنة ١٩٧٢ [ورد عليّ سؤال طويل من رجل يقول إنه متدين لكنه قليل العلم، وهو يخالط مسلمين غير ملتزمين وأشخاصاً غير مسلمين فيطرحون عليه من الأسئلة ما يجعله في حيرة، ويقول إنه يخشى أن لا يقف الأمر عند عجزه عن الجواب بل أن يهتز إيمانه، ويسأل: لماذا وضع الله الغريزة في الإنسان ثم يحاسبه على الاستجابة لبواعثها؟ ويريد جواباً عقلياً يقنع من لا يؤمن بالدين لا جواباً من القرآن.] لو أن لهذا السائل سيّارة وسمع بسباق عالمي للسيارات للمُجلّي فيه (أي الفائز) جائزة كبيرة، هل يُقْدِم على دخوله رأساً أم ينظر أولاً في سيارته: ما هي أقصى سرعة لها؟ وينظر إلى نفسه: ما مدى خبرته بسَوْق السيارات؟ فإن وجد أن غاية سرعة سيارته مئتا كيل في الساعة وأن سيارات السباق تصل سرعتها إلى ثلاثمئة أو أكثر، أو وجد أن مهارته في السَّوْق لا تصل إلى ما يستلزمه السباق من مهارة، فإنه يمتنع حتماً عن دخوله.

стр. 167

فلنطبق هذا المبدأ الصحيح على سؤاله الذي يطلب مني جواباً عقلياً عليه ليقنع به مناظريه الذين لا يؤمنون بالقرآن إذا ناظرهم به، ولننظر ما مدى طاقة العقل الذي نصل به إلى الجواب كما نصل بالسيارة إلى نهاية السباق. هل طاقته مطلقة أم هي محدودة؟ وإن كانت محدودة فما حدّها؟ ثم لننظر إلى ثقافة مناظريه هؤلاء، هل لهم دراسات ومعارف فلسفية تؤهّلهم لخوض هذا البحر أم هم يناظرون من غير هذه المعارف؟ فإن كانوا مطّلعين على مذاهب الفلاسفة أو قرؤوا على الأقل كتابَي أكبر فيلسوف عقلاني (راسْيونالِسْت) في العصر الحديث، عمانويل كانط، وهما «نقد العقل المجرد» و «نقد العقل العلمي»، أو لو نظروا إلى مباحث علماء الكلام وفلاسفة الإسلام، لا سيما كتاب «شرح المواقف» للسيد (أو لو رجعوا على أدنى الدرجات إلى كتابي «تعريف عام بدين الإسلام») إذن لرأوا أن من المقرَّر الذي لم يبقَ فيه شك أن حكم العقل قاصر على عالم المادة (أي الفيزيك)، فإن وصل إلى حدود ما وراء المادة (الميتافيزيك) ضلّ وعجز ولم يبقَ له عمل أصلاً. لذلك كان العلم (أقصد ما يقال له «سيانْس») مشاهَدة، ثم فَرَضية أو نظرية، فتجرِبة، فالوصول إلى الحقيقة العلمية، أي القانون الطبيعي. فإن جاوز ذلك وقف وصار العمل من هنا للفلسفة، ومعروف أن بحوث الفلسفة فيما وراء المادة -من عهد أفلاطون إلى عهد هنري برجسون- لم تَنْجَلِ يوماً عن حقيقة علمية، أي قانون كقوانين الكيمياء أو الفيزياء، وإنما هي افتراضات واحتمالات. فالجواب العقلي إذن على سؤال من عالم الميتافيزيك، فضلاً

стр. 168

عن سؤال يتعلق بالله ﷻ ، مستحيل. مستحيل مثل استحالة دخول سباق ثلاثمئة كيل في الساعة بسيارة جعل المصنعُ الذي صنعها سرعتَها القصوى مئتَي كيل فقط. * * * والمعارف البشرية لها منبعان: منبع كَسْبيّ، وهو قاصر على عالم المادة. ومنبع عَينيّ، أي أنه آتٍ من خارج النفس وخارج العقل، من الوحي، وهو المنبع الوحيد لمعارفنا عن عالم الغيب (الميتافيزيك). وفي القرآن، وهو المنبع العيني، جواب سؤال الأخ السائل. ولكنه يقول إن الذين يناظرونه لا يؤمنون به، وأنا أقول: لماذا لا نقنعهم أولاً بأن يؤمنوا به؟ كيف؟ أرجو أن يتكرم بقراءة كتابي «تعريف عام بدين الإسلام»، ثم يسألني بعد قراءته «كيف؟» إذا وجد بعد قراءته ما يدعو لهذا السؤال. إن كل ما في الكون من كواكب ونجوم وحيوان ونبات يمشي على الطريق الذي رسمه الله، فلا الشمس تستطيع أن تقترب إصبعاً من الأرض أو تبتعد عنها، ولا الأرض تقدر أن تزيد سرعتها أو تنقص منها، ولا تملك ذرة الأكسجين أن تتحد مع أكثر من ذرتين من الهيدروجين، ولا يستطيع معدن أن يبدّل وزنه النوعي ... كل ما في الكون مسيَّر مجبَر، حتى الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمَرون. المخلوق الوحيد الذي أُعطي «اختياراً»، فهو يستطيع أن يطيع أو يعصي ويصلح أو يفسد، وكانت حياته هذه اختياراً بين

стр. 169

اتّباع شهوته أو امتثال أمر ربه، لذلك كان مستحقاً للمثوبة إن أصلح والعقوبة إن أفسد، هذا المخلوق هو الإنسان (١). لماذا انفرد وحده بهذا؟ لأنه هو الذي اختار ذلك. مَن قال إن الإنسان خُيِّر فاختار؟ الله هو الذي قال، قال: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ (وهذه هي الأمانة) على السّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وَحَمَلها الإنسانُ﴾. قد يقول الأخ السائل: إني لا أعرف متى كان ذلك ولا أذكره. صحيح، ولا أنا؛ أنا أيضاً لا أذكره. وأزيدك شيئاً قد لا تصدقه وقد تعجب منه: أنا أجهل أكبر حادث في حياتي ولا أذكر والله شيئاً عنه، هو ولادتي! صدِّق أنّي لا أذكر يومَ ولادتي ولا وجه القابلة التي أخرجتني إلى الدنيا! بل إن مرحلة مهمة من حياتي نسيتها كلها، هي المرحلة التي كنت فيها جَنيناً في بطن أمي. أقسم لك أني لا أتذكر عنها شيئاً! والسؤال هو: هل يحق لي أن أنكرها لأني لا أذكرها؟ لقد صدّقتُ بها لأن الذين خبّروني خبَرَها كانوا صادقين. أفلا نصدّق بما أخبر به رب العالمين؟ وما دامت الحياة اختباراً، ابتلاءً، امتحاناً كامتحان المدرسة،

стр. 170

أفلا ترى -يا أخي السائل- أن سؤالك كسؤال الطالب: لماذا لا يعطوننا أسئلة الامتحان من أول يوم في السنة؟ لو أعطوك أسئلة الامتحان من أول السنة لما عاد امتحاناً! (١) ولو سألتك: لماذا وُجدنا في هذا العصر ولم نوجَد في عصر النبوة؟ لماذا لم أكن أنا ابن شيخ الإسلام أو ابن مليونير؟ لماذا كنت متوسط القامة ولم أكن طويلاً؟ وألف سؤال مثل هذه الأسئلة، لا تستطيع جواباً على واحد منها. إذن في الوجود أمورٌ صُنعت رغماً عنّا ولم نعرف سببها ولا علّتها، وموضوع سؤالك واحد منها. فإذا عرفتَ تعليل كل موجود مشاهَد ولم يبقَ إلا هذا فسوف نستأنف الحديث. قد تقولون لي: إنك ما أجبت. نعم؛ ما أجبت لأن الجواب غير ممكن، مستحيل. مستحيل لأن العقل لا عمل له في عالم ما وراء المادة، ولأن الوحي لم ينزل بجواب السؤال، فكيف أجيب على سؤالٍ العقلُ لا يدرك جوابَه والوحيُ ما وضّحه؟ هل أقدر على تحقيق المستحيل؟ * * *

стр. 171

هذا هو الطريق نشرت نحو سنة ١٩٦٩ إن المسلمين اليوم في نكبات وفي أخطار، قد أحاط بهم أعداؤهم، يرسمون الخطط لحربهم وحرب دينهم، ويبذلون لذلك كرائم الأموال ويسخّرون لذلك أكابر المفكرين ويستعينون على ذلك بكل وسيلة. فما النجاة وأين الطريق؟ إن الجواب في التاريخ، فسائلوا صحائف التاريخ: ما الجواب؟ بل خذوا صفحة منه واحدة، فإن هذا الفصل القصير يضيق عن سرد الصحف الطِّوال. اذكروا يوم قامت أوربا كلها على ساقيها، فمشت إلينا بقضّها وقضيضها على اختلاف أجناسها ولغاتها، يحدوها التعصب الأعمى ويدفعها الحقد الذي يأكل الأكباد، وحطّت بثقلها على فلسطين، على هذه البقعة الضيقة من الوطن الإسلامي. من الذي وقف يومئذ في وجهها ونهض لردّها؟ إنه -يا سادة- البطل التركي المسلم نور الدين، والبطل الكردي المسلم الذي جاء من بعده، صلاح الدين. لقد وضع

стр. 172

الأول الأساس ورفع الثاني الشُّرُفات والذُّرى، وفتح الأول بابَ المعركة وتابع الثاني حتى جنى النصر. فبماذا انتصر صلاح الدين في حطين، وبِمَ استرجع القدس بعدما لبثت في أيدي الصليبيين لا عشرين سنة ولا ثلاثين ولكن أكثر من تسعين؟ إن صلاح الدين انتصر لأنه دعا بدعوة الإسلام، لم يدعُ بدعوة الجاهلية ولا نادى بشعائر الكفار، ولم يرفع راية مذهب باطل ابتدعه أهل الضلال من البشر بل رفع راية القرآن الذي أنزله رب العالمين وخالق البشر، انتصر لأنه ضرب بسيف محمد، وسيف محمد ﷺ لا ينبو ولا يكِلّ، وسيف محمد ﷺ لم يضرب به أحدٌ إلا انتصر. ويوم جاء السيل الطامي من الشرق يقوده هولاكو، يجرف في طريقه المدن والحكومات ويمحو كل ما يمر عليه من مظاهر العمران. وانهارت أمامه بغداد، بغداد العظيمة التي كانت سرّة الدنيا وعاصمة الأرض. مَن وقف أمامه في عين جالوت؟ جيش مصر؟ لا والله، بل وقف أمامه شيخ من دمشق هو قاضي مصر وإمامها، العالم العامل المؤمن العزّ بن عبد السلام، الذي باع المماليك في سوق العبيد يوم كان المماليك أمراء مصر! هذا الذي وقف في وجهه. لا، بل وقف في وجهه الإيمان الذي أثاره هذا الشيخ في نفوس الجند والأمراء والعامة، وقفت أمامه دعوة الإسلام التي تجد اليوم من أبناء المسلمين من يفزع من ذكرها ويؤذيه سماعها. الإسلام هو الذي جعل من مصر الضعيفة ومن جيوش

стр. 173

المماليك التي كانت قليلة مفككة، جعل من ذلك قوة استطاعت أن تردّ سيل المغول وتنقذ الإسلام والحضارة. فيا أيها المسلمون، هذا التاريخ تشهد صفحاته أنه ما نزل بالمسلمين خطب إلا ردّته عنهم دعوة الإسلام إذا صدقوا الدعوة بها، وإن الخطوب التي تحيط بالمسلمين اليوم لا يردها عنهم ولا ينجيهم منها إلا دعوة الإسلام. * * * وهذا شاهد آخر على أن المسلمين ما أحاطت بهم يوماً النكبات إلا كانت نجاتهم منها بدعوة الإسلام والرجوع إلى الله. وما أكثر الشواهد على هذه الحقيقة في تاريخنا! أترون هذا البحر الأبيض المتوسط؟ لقد كان يوماً من الأيام بحيرة إسلامية، وكان المسلمون يملكون معظم شطآنه وأكثر جزائره، ومن ذلك جزيرة كريت (التي كنا نسميها إقريطِش). وكانت تخرج منها السفن المجاهدة المسلمة فتغزو أطراف بلاد الروم، وكان أكثر المجاهدين من قرية معتزلة في طرف الجزيرة الشرقي، حتى تأذّى قيصر الروم وغضب، وحلف ليدمرّنّ هذه القرية ولو كلفه ذلك ملكه. وأعد لها جيشاً عظيماً وأسطولاً ضخماً نزل عليها فجأة، وحاصرها وسدّ عليها الطرق فلا تستطيع أن تبعث في طلب النجدة. ولم يكن في تلك الأيام برقيات ولا إذاعات، وعلم أهل القرية أنهم لا يقدرون على الحرب فأغلقوا الأبواب وتحصّنوا

стр. 174

بالجدران. وطال الحصار حتى قلَّتْ المُؤَن وشَحّت المياه وبدت بوادر المجاعة والمرض، فتداولوا الرأي وتبادلوا المشورة، ثم قرروا التسليم. قال أحمد بن يوسف في كتاب «المكافأة»: وحدّثني رجل مسنّ من أهل القرية (وكان شاهد عيان لما كان) قال: وكان في القرية شيخ صالح متّصل القلب بالله، وكان معتزلاً في مسجده يرقب الحوادث، فلما رآهم قد عزموا على التسليم قال لهم: هل بَقِيت لكم قوة تلجؤون إليها أو حيلة تحتالون بها؟ قالوا: لا. قال: فاستمعوا مني إذن أدلّكم على طريق النجاة؛ اخرجوا جميعاً إلى ساحة القرية، ولا يَبْقَ في بيته أحدٌ، لا طفل ولا امرأة ولا عجوز ولا مريض، وأخرجوا ما عندكم من المواشي والأنعام. ثم افصلوا الأولاد عن الأمهات والإخوة عن الأخوات، وقفوا كلَّ ناس على حدة، وافصلوا كذلك الأنعام والمواشي. ففعلوا، وعلا بكاء الأطفال وثُغاء الماشية. قال: أحضروا الآن قلوبكم وأخلوها من أمور الدنيا كلها، وتوبوا إلى الله توبة صادقة نصوحاً. ففعلوا. قال: عُجّوا الآن إلى الله عَجَّةً واحدة، وقولوا من أعماق قلوبكم: يا الله! ففعلوا. قال: افتحوا الأبواب وكبّروا واخرجوا إليهم. فنادوا: «الله أكبر» بصوت ارتجّت له الأرض، وخرجوا

стр. 175

وليس في قلوبهم إلا عظمة الله والإيمان به، قد هانت عليهم الدنيا وصغرت في عيونهم جيوش العدو وأساطيله حتى رأوها في جنب الله كلا شيء، وهجموا على العدو. يا سادة، لمّا هجموا بهذه القلوب وهذا الإيمان وقعت الأعجوبة؛ شُدِه العدوّ وقطع الرّعبُ أفئدةَ أبطاله، فلم يستطع أحد منهم أن يقف في وجه هذه السيل الأتِيّ الفوّار، وانهزموا لا يلوون على شيء حتى نزلوا البحر، وغلب العددُ القليل هذا الجيشَ العظيم، وانتصروا. وما انتصروا، وما انتصر أجدادنا في كل معركة خاضوها، ولن ننتصر نحن على إسرائيل وغير إسرائيل، إلا بشيء واحد هو الإيمان. * * * وهاكم تاريخ الأمس القريب، أفنسيتم تاريخ الأمس القريب؟ بماذا وقف عبد الكريم الخطابي في وجه فرنسا وإسبانيا معاً، يواجه جيشين فيهما مئة وخمسون ألفاً؟ بماذا قابل حسن الخرّاط في الشام، وهو خفير ليلي عامي، جيشَ فرنسا لمّا كانت فرنسا أقوى دولة برية في العالم في أعقاب الحرب الأولى، حتى احتل دمشق ثلاثة أيام؟ بماذا ناضل الثائرون في فلسطين سنة ست وثلاثين؟ بماذا حارب مجاهدو الجزائر حتى نالوا الاستقلال؟ أما حاربوا بالقرآن الذي تعلّموه في كتاتيب جمعية العلماء التي افتتحها الشيخ ابن باديس؟ فلماذا -يا إخوان- نلقي هذا السلاح؟ لماذا ندع الإسلام فلا نرفع رايته ولا نضرب بسيفه؟

стр. 176

لقد فتح أجدادُنا بالإسلام الأرضَ، وفتح اليهودُ قلبَ بلادنا وقبلتنا الأولى لمّا تركنا الإسلام. فهل اعتبرنا أم نحن نحتاج إلى درس آخر؟ لقد مشيتم أولاً على الطريق فوصلتم، فلماذا تنحرفون عمداً عن الطريق الموصل؟ لماذا تتعمدون الضلال في المتاهات وتسلكون المهالك، والطريق أمامكم؟ يا قرائي ويا إخواني، هذا هو الطريق! * * *

стр. 177

هل تهدي الفطرة إلى الدين ؟ نشرت سنة ١٩٦٧ خطرت على بالي فكرة غريبة، هي أن أتصور في مكاني رجلاً لم يُنعم عليه الله فيُنسِله من أب مسلم وينشئه في أسرة مسلمة، وأن أتأمل وأفكر وأنظر: هل أستطيع بالحدس والعقل الاهتداء إلى الدين؟ وجربت الفكرة، فوجدت أني سأنظر إلى نفسي فأرى أني درت مع الأرض نحو ستين دورة، شهدت فيها تعاقب الصيف والشتاء وتتابع النعيم والشقاء، ورأيت فيها خيراً ورأيت شراً وذقت حلواً وذقت مراً. فما وجدت حلاوة تبقى ولا مرارة تدوم، ووجدت اللّذاذَات كلها محدودة، إذا بلغتَ غايتها ووصلت إلى حدها لم تعد اللذة لذة، ولكن صارت عادة فذهب طعمها وبطل سحرها، وصارت كالنكتة المحفوظة والحديث المعاد. أي أنها كالسراب، تراه من بعيد ماء فإن جئته لم تجد إلا التراب. يبصر الفقير سيارة الغني تمرّ به وعمارة الغني يمر بها، فيحسب أنه يحوز الدنيا إن حاز مثلها، فإن صارت له لم يعد يشعر بالمتعة بها. ويسهر المحب يحلم بوصل الحبيب، يظن أن متع

стр. 178

الدنيا كله بحبه والأماني كلها في قربه، فإذا تزوج التي يحب ومر على الزواج سنتان اضمحلّت تلك الأماني وماتت تلك المُتَع، ولم يبقَ له منها إلا ذكراها. ويمرض المريض ويتألم، فيتصور اللذة كلها في ذهاب الألم والشفاء من المرض، فإذا عاودته الصحة ونسي أيام المرض لم يعد يرى في الصحة شيئاً من تلك اللذاذات. ويتمنى الشاب الشهرة ويفرح إن أذاعت الإذاعةُ اسمَه ونشرت الصحفُ رسمَه، فإذا هو اشتهر وصار اسمه ملء السمع وشخصه ملء البصر صارت الشهرة أمراً معتاداً. فأيقنت أن اللذاذات المادية ضيقة المدى قريبة الحدود. ووجدت أني سأرجع النظر إلى نفسي، فأراها تسمع الأغنية الحالمة في الليلة الساجية، قد خرجت من قلب مغن عاشق، فهزت منها حبة القلب وأطلت بها على عالم الروح. وتقرأ القصة العبقرية للأديب البارع، فتحس كأنه يمشي بها في مسارب عالم مسحور فيه مع السحر شعر وعطر، فإذا انتهت القصة رأت كأنها كانت في حلم لذيذ فتّان وصحت منه، فهي تحاول عَبَثاً أن تعود إلى لذته وفتونه. وتعيش في لحظات التجلي، حين تصفو النفوس بالتأمل فتتخفف من أثقال المادة، فتعلو بجناحين من الصفاء والتجرد، حتى تصل إلى حيث ترى الأرض وما عليها أصغرَ من أن يُنظَر إليها لما تجد من لذة الروح التي لا تعدلها لذة الطعام للجائع، ولا لذة الوصال للمحروم، ولا لذائذ الجاه والمال للمغمور الفقير. وإذا بالنفس تتشوق أبداً إلى هذا العالَم الروحي العلوي،

стр. 179

العالم المجهول الذي لا تعرف منه إلا هذه اللمحات التي لا تكاد تبدو لها حتى تختفي، وهذه النفحات التي لا تهبّ حتى تسكن. وإذا أنا حين رأيت ما رأيت من أن اللذات المادية محدودة، وأن اللذات الروحية أكبر منها كبراً وأعمق في النفس أثراً، قد أيقنت -بالحدس النفسي لا بالدليل العقلي- أن هذه الحياة المادية ليست كل شيء، وأن العالم المجهول المختبئ وراء عالم المادة حقيقة قائمة، تحن إليها الأرواح وتحاول أن تطير إليها، ولكن هذا الجسد الكثيف يحجبها عنها ويمسكها عن أن تنطلق وراءها. وهذا اليقين أولُ الطريق إلى الدين. * * * وأستمرُّ في هذه التجربة الفكرية. فأجد أني قد داخلت الرجال واستكشفت الطوايا واستطلعت الأفكار، أفكار الأحياء من الناس والأموات من المؤلفين، فوجدت أن الناس جميعاً، المؤمن منهم والكافر، والناشئ في صوامع العبادة والمتربي في مخادع الفسوق، إذا ألمّت بهم مُلِمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات: قوة عظيمة لا يرونها ولكنهم يشعرون بوجودها بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم. كلهم ينادي في هذه الحال: «يا رب» وإن لم يكن يدري ما الربّ!

стр. 180

فأدركتُ بالحدس أن التصديق بوجود الرب المعبود عقيدة فطرية في نفس كل بشر، ولكن الأمن والصحة والمطامع والشهوات قد تلقي ستاراً عليها يخفيها ويغطيها. وهذا هو «الكفر»، وهو في اللغة «الستر»، ومعنى الكافر الساتر. وجاء العقل فأيّد هذا الحدس حين رأى في كل شيء دليلاً عليه؛ في هذا العالَم وإتقانه، وهذا الجسد وعجائبه، وفي سنن الكون وأسراره التي أودعها فيه خالق الكون وأعطانا العقول وقال لنا: اكشفوا بعقولكم هذه السنن والأسرار، فسعينا حتى عرفنا بعضاً منها في عالم الكيمياء والفيزياء والطب والفلك، وفي الأرض وفي الفضاء القريب الذي يحيط بالأرض، ولم نعرف إلى اليوم إلا الأقل الأقل منها. فآمن العقل بأن هذه الصنعة العجيبة لا تكون من غير صانع، وهذه الطبيعة لا بدّ لها من طابع، وهذا الخلق لا يكون بغير خالق. وأن هذا الخالق لا يمكن أن يشبه المخلوقات، وإلا كان منها واحتاج -مثلها- إلى الخالق، وأنه لا يكون إلا قديماً باقياً لا أوّلَ له ولا آخر، ولا يكون إلا مفرداً واحداً لا شريكَ له ولا مثيل، ولا يكون إلا قادراً قدرة لا يُعجِزها شيء، ثم لا يكون إلا عادلاً. * * * ونظر العقل في هذه الدنيا فرأى بأن فيها مَن يعيش ظالماً ويموت ظالماً، وأن فيها من يعيش مظلوماً ويموت مظلوماً. والربّ العادل لا يقر الظلم ولا يدع صاحبه بغير عقاب ولا يترك من يقع
следующие страницы →