فعلُه، والله أعلم (١).
السادسة والسابعة والثامنة: فيه النهي عن لبس الحرير والديباج، والشرب في آنية الفضة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبلَه.
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر هذا هاهنا بعد تقدمه؟
قلت: لو كان المقصودُ بيانَ الحكم كما في الكتب الفقهية لكان تكرارًا من غير فائدة، وإنما المقصود بيان ما في الحديث من الفوائد، وما يُستَنتج منه من الأحكام، وثبوت الحكم بحديث لا ينفي ثبوته بآخر، واستفادته من حديث ليس هي استفادته من آخر، وبهذا تحصل الفائدة في إعادة الذكر بحسب إعادة الأحاديث، وتتكرَّرُ الأدلةُ وتتعاضد.
التاسعة: في هذا الحديث النهيُّ عن الشرب في آنية الذهب،
стр. 1017
وهو زيادةٌ على ما دل عليه الحديثُ من النهي عن الشرب في آنية الفضة، وذلك بالنسبة إلى رعاية المعاني من باب الأولى، ولكن بالتنصيصِ عليه يندفعُ الشَّغبُ الظاهري، والأوهام البعيدة، والله أعلم.
العاشرة: فيه زيادة النهي عن الأكل، فينضاف إلى النهي عن الشرب المذكور في غير هذا الحديث.
الحادية عشرة: من المتبين أنَّ مأخذَ الظاهرية من النصوص مقصورٌ على مدلولات الألفاظ، والقياسيُّون معهم في ذلك، لكن لا على سبيل الحصر، بل يعتبرون المعاني، فقد يؤدي ذلك إلى تعميمه بالنسبة إلى مدلول اللفظ وتخصيصه.
وهذا الحديث الَّذي نحن في الكلام عليه يرجع إلى ما يستنبط منه إلى هاتين القاعدتين، والألفاظ التي (١) ينظر فيها بالنسبة إلى هذا الحديث، هي ما تدلُّ على الفعل المنهي عنه كالشرب والأكل، وما يدلُّ على كيفية ذلك الفعل؛ أي: كيفية الأكل والشرب، وإنما جاء النظر في هذا من جهة كلمة "في"، وأن المراد: هل هو الظرفية الحقيقية، أو هي بمعنى "مِن"، فإنَّ الأحكامَ تختلف بحسب ذلك.
الثانية عشرة: قد عُلم أنَّ اعتبارَ حقيقة الظرفية، بمعنى أن يكون الإناءُ ظرفًا للأكل والشرب متعذرٌ أو بعيد؛ لأن تلك الهيئة غيرُ معتادة في حق بني آدم، وهم المخاطبون، وتنزيلُ اللفظ عليها، تنزيلٌ له على
стр. 1018
أمر نادر مع كونه وردَ في تأسيسِ قاعدةٍ كليةٍ.
وإذا حملت كلمة "في" على معنى "مِن" تناولت الظرفية وغيرَها؛ لأن الظرفية في الأكل والشرب لا تنافي معنى ابتداء الغاية على ما عُرف، فعلى هذا لو وَضَع فَمَه في الإناء يَكْرَعُ فيه شربًا أو أكلًا، لكان مرتكبًا للنهي جزمًا، اعتُبِرت الحقيقة في كلمة "في"، أو لم تُعتبر.
الثالثة عشرة: إذا تعذَّرت الحقيقة، وتعدَّدت وجوهُ المجاز، وكان بعضُها أقربَ إلى الحقيقة تعيَّن الحملُ عليه، وهذا ظاهرٌ مشهور إذا كان المجازان بينهما تنافٍ في الحمل.
يبقى النظر فيما إذا كان المجازُ المحمول عليه عند تعذُّرِ الحقيقة مجازًا واحدًا يتناول محلَّين لا مانع من الحمل عليهما معًا، وأحدُهما أقربُ إلى الحقيقة من الآخر، فهل يتعين الحملُ على الأقرب من الاحتمالين، أو يُحمل عليهما معًا؛ لتناول ذلك الوجه العام لهما، وعدم التنافي؟
فقد يُحمل على الأقرب إلى الحقيقة، وقد يقال ذلك إذا تعددت وجوهُ المجاز عند تعذُّر الحقيقة، وكان في الحمل بينهما تنافٍ.
أما إذا اتَّحد المجازُ المحمولُ عليه، ولم يتنافَ الحملُ على وجهته، فليُحملْ عليهما؛ لأن في الحمل على الأقرب محذورَ التخصيص مع إمكان التعميم، بخلاف ما إذا تعددت وجوهُ المجاز، ووقع التنافي في الحمل، فإنه ليس فيه هذا المحذور.
стр. 1019
ومثال ما إذا تعذر الحمل على الحقيقة، وتعددت وجوهُ المجاز مع التنافي: ما إذا دخل النفي على الحقيقة اللغوية، وتعذر الحملُ عليها، كما في: (لا عملَ إلا بنيَّةٍ) مثلًا، فإن الحقيقة متعذرة، واحتمل أن يقدَّر: لا صحةَ عمل، واحتمل أن يقدَّر: لا كمالَ عمل.
فهذان وجهان من المجاز، وفي الحمل على أحدهما منافاةٌ للحمل على الآخر، لأنَّا إذا [قلنا]: لا صحة، لزم انتفاء الكمال، وإذا قلنا: لا كمال، لم يلزم انتفاء الصحة، بل قد يشعر بوجودها، والحملُ على نفي الصحة أقربُ إلى انتفاء الحقيقة من الحمل علي نفي الكمال.
وأما مثال القسم الثاني: فسيأتي في المسألة التي تلي هذه المسألة، إن شاء الله تعالى، ويتبين تنزيلُ الأمرِ فيها على ما أشرنا إليه من التخصيص وعدمِه.
الرابعة عشرة: قد ذكرنا تعذُّرَ الحمل على حقيقة الظرفية في كلمة "في" من قوله: ﷺ : "ولا تأكلوا في صحافها"، فإذا حملناها على معنى "من" مجازًا كانت لابتداء الغاية، وابتداءُ الغاية يتناول الشربَ مع مباشرة الإناء بالفم، والشرب من غير مباشرته، كما إذا صبَّ من الإناء في فِيْهِ من غير ملاقاته الإناءَ، والشرب منه لا مع مباشرته، ويمكن حملُه عليهما معًا، وليس أحدهما أولى من الآخر بالنسبة إلى ابتداء الغاية، ولكنَّ الأقربَ إلى حقيقة الظرفية الشربُ مع مباشرة الإناء، ومتى حملناه على المباشرة أخرجنا عنه الشربَ منه من
стр. 1020
غير مباشرةٍ مع تناول ابتداء الغاية له، وأنه ليست إحدى (١) الصفتين أولى - فيُحمل عليه اللفظُ وهو ابتداء الغاية - من الأُخرى، وهذا تخصيصٌ لبعض مدلول اللفظ بعد الحمل على ابتداء الغاية، فهذا هو المثال الَّذي قصدنا ذكره في المسألة قبلَها.
الخامسة عشرة: هذه الصورة التي فرضناها، وهي أن يرفع الإناء، ثم يصبُّ في فمه من غير مُماسَّة، ظاهرةٌ في التحريم؛ لأنه إذا أدرنا الحكمَ على الاستعمال فهو مستعملٌ، وإن أدرناه على مسمَّى الشرب من الإناء فهو حاصل، إذ يسمى شاربًا منه في الإطلاق العرفي.
وهاهنا تظهر فائدةُ البحث الَّذي قدمناه من النظر في قرب هذه الصورة من الحقيقة، وهل لذلك أثرٌ في تعيُّن الحمل عليها، أو لا؟
فإن لم يكن فظاهر، وإن كان اقتضى ذلك أنْ تخرجَ هذه الصورةُ من دلالة اللفظ، وأنْ يؤخذَ ذلك من دليلٍ آخرَ، فهو بعيدٌ.
السادسة عشرة: في قاعدة ينبني عليها غيرُها، المتقدمون من الأصوليين يقسمون الأحكام إلى وضعية وتكليفية، وبعض المتأخرين يردُّ الكلَّ إلى حكم التكليف.
ومن الأحكام الوضعية نصب الأسباب، والأصلُ فيها ترتُّبُ مسبَّبِها عليها من غير اعتبارِ شرطٍ في إعمال السبب.
وأما الأحكام التكليفية فاعتبار القصد فيها مناسب؛ لأن غايتَها
стр. 1021
امتحانُ المُكَلَّف بالامتثال، والقصدُ ركنٌ في ذلك، وعلى هذا يقول الحنفية في مسألة النية: إن الماء مطهِّرٌ بنفسه، فلا حاجةَ فيه إلى النية، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من أن الأصلَ ترتبُ المسبب على سببه، ومن يَشترِط النيةَ في الوضوء فبدليل من خارج على اعتبار شرط في إعمال السبب (١).
السابعة والثامنة عشرة: قد يتعلَّق النظرُ فيما نحن فيه بما (٢) إذا جلسَ في الوضوء أو الغسل تحتَ الميزاب، أو برز للمطر فأصابه الماءُ، ناويًا للوضوء أو الغسل صحَّ، وإذا وقف في مَهَبِّ الريح قاصدًا بوقوفه التيممَ حتى أصابه الترابُ فمسحه بيده، ففيه اختلافٌ عند الشافعية، ﵏ (٣).
فأما صحةُ الوضوء والغسل فكأنَّه لمعنى السببية في تطهير الماء كما يذكره الحنفية، لكن باعتبار شرط آخر بدليل من خارج، وهو النيةُ عند الشافعية والمالكية.
وأما مسألة التيمُّم؛ فالاختلاف فيها راجعٌ إلى أنَّ الأمرَ توجَّه بالقصد إلى الصَّعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيبًا﴾ [المائدة: ٦].
стр. 1022
ومن منع يقول: لم يقصدِ الترابَ، وإنَّما الترابُ أتاه، ومن صحَّح فكأنه يرى أنَّ هذا التعرُّضَ قصدٌ، أو كالقصد إلى التراب، وقصدُ التراب من الأحكام التكليفية.
التاسعة عشرة: رفعَ غيرُه الإناء، وصبَّ منه في فمه، فشرب منه، إن كان ذلك بأمره فليلتحقْ بما لو رفعه هو، وإن كان بغير أمره فليس هاهنا إلا التعرُّضُ لمصبِّ الماء، أما اعتبارُ الاسم وكونُه يقتضي شاربًا من إناءِ فصة فظاهر، وأما اعتبارُ هذا الاستعمال، فهل يتنَزَّلُ هذا التعرضُ لمصبِّ الماء من الإناء منزلةَ الاستعمال للإناء؟
من هاهنا يجيء النظرُ في مسألتي التعرض لماء الميزاب أو المطر من حيث إنَّ تطهيرَ الماء لاحقٌ بالأسباب؛ لما أشرنا إليه، وذكرنا أن الأصلَ ترتبُ المسبب على سببه، وترتُّبُه على أمر زائد يكون بدليل من خارج.
ويبقى النظرُ في مسألة التراب؛ لأن هذه المسألة ومسألة التيمم، كلاهما من أحكام التكليف، وقد ذكرنا مناسبةَ اعتبار القصد فيه تُلحقُ هذه المسألة، فيقال: إن هذا التعرضَ هل يُنَزَّل منزلةَ الاستعمال لإناء الذهب والفضة، أو لا؟
هذا محل نظر، والأقربُ - والله أعلم - المنعُ؛ لوجهين:
أما أولًا: فلحصول مسمَّى الشرب من إناء الذهب أو الفضة.
وأما ثانيًا: فلهذا التعرُّضِ الَّذي وقع به القصدُ إلى الشرب.
стр. 1023
العشرون والحادية والعشرون: تعرَّضَ لميزاب ذهب أو فضة من غير قصدِ قاصدٍ، أولماء يفور من ذهب أو فضة من غير قصد قاصد؛ فشرب منه، هو كالمسألة التي قبلَها.
الثانية والثالثة والعشرون: قد عُلم أنَّ من جملة ما يقع فيه النظر من أحكام هذا الحديث كيفيةَ الشرب والأكل، وهيئةَ الاستعمال، ولا شكَّ أن التحريمَ في هذه الأمور ليس للأكل والشرب بمجرَّدِه، وإنما هو لهما بقيدِ الإضافة إلى إناء الذهب والفضة، فلا بدَّ من اعتبار تلك النسبة للإضافة، فكل ما يُسمى شربًا وأكلًا من الإناء، فهو مندرجٌ تحت اللفظ، فوضعُ اللقمة في الإناء ورفعُها إلى الفم، أو وضعُ آلة الشرب في الإناء ورفعُ المشروب إلى الفم، لا شكَّ في انطلاق الأكل والشرب من الإناء على ذلك، أما إذا رفع المأكول من إناء الذهب والفضة، ووضعه بين يديه على غير الإناء، ثم أكل، فهل يحرم، أم لا، ويجعل ذلك خارجًا عن الأكل من إناء الذهب والفضة؟
بلغني عن بعض الناس: أنه فعل هذا، وأخذ مأكولًا من الإناء، ووضعه على رغيف وأكل، والقصد بذلك.
وهذا عندي يختلف (١) الأمرُ فيه باختلاف ما يرفع من الإناء، وما تقتضيه العادة، ويُطلِقه أهلُ العُرف في كونه أكلًا من الإناء، أم لا.
فأقول: إن الكثيرَ الَّذي لم تجرِ العادةُ برفع جميعه، بل بأن يُرفعَ منه ويؤكل، ليس كالشيء اليسير الَّذي تجري العادةُ بأن يرفعَ من الإناء
стр. 1024
إلى الفم؛ فالأولُ - إذا رُفع ووُضع في غير الإناء وأكُل منه - أقربُ من الثاني إلى الجواز على كلِّ حال، فالممتنعُ المُسمَّى، وما ينطلقُ عليه اسم الأكل والشرب من الإناء.
الرابعة والعشرون: غَرفَ بإناء فضة أو ذهب ماءً، ثم صبَّ في إناء غيرهما، فشرب أو استعمل، هل يمتنع؟
" أما الأكلُ والشربُ المضافُ (١) إلى إناء الذهب والفضة فمنتفٍ؛ لأن اللفظ إنما يدل على منع أن يكونَ ابتداءُ الأكل والشرب من الإناء، وهذا القدر ليس كذلك، وكذلك إذا اعتبرنا الاستعمالَ المنسوبَ إلى الأكل والشرب.
وأما مطلقُ الاستعمال فإنَّ هذا الاغترافَ هل يحرُم؛ لأنه استعمالٌ في الجملة؟ فهذا من غير اللفظ الَّذي في الحديث.
الخامسة والعشرون: وضع إناء خزف في إناء فضة أو ذهب أكبر منه، وأكل من الخزف: إن لم يَفضِ المأكولُ حتى يتصلَ بإناء الذهب والفضة لم يأثمْ.
السادسة والعشرون: اسم الإناء معتبر، فحيث لا يُسمَّى إناءً لا يدل اللفظ عليه، فلو وضع شحطًا من فضة، ووضع عليه مأكولًا، فأكل، أيبنى الأمرُ فيه على اسم الإناء؟ فإن سُمِّي به حَرُم باللفظ، وإن لم يسمَّ به لم يحرمْ إلا بالقياسِ والنظرِ إلى المعنى.
стр. 1025
الحديث الثالث مِن البَاب
عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أيَّمَا إهَابٍ دُبِغَ فقدْ طَهُرَ" أخرجوه إلا البخاريَّ (١).
стр. 1026
أما التعريف بابن عباس ﵄ فقد مرَّ.
ثم الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التصحيح:
وقد ذُكِرَ في الأصل أنهم أخرجوه، والضمير للمصنِّفين الستة؛ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ﵏ أجمعين، وقد استثنى البخاريَّ، فدخل مسلم ﵀ فيمن أخرجه، فهو من شرطه في الصحيح، وليس تظهر لنا العلةُ في ترك البخاري له، إلا التوهم في أن يكونَ ابنُ وَعْلةَ عند البخاري في حيِّز - الستر الَّذي لم يبلغْ به إلى الرتبة التي يعتبرها.
وليس يُعلم في ابن وعلةَ مطعنًا، وهو عبد الرحمن بن السَمَيْفع ابن وَعْلة السَّبَأي (١)، وقد روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم، فقد ارتفعت الجهالة عنه على ما عُرف من مذاهب المحدثين، هذا وقد ذكر الحافظ أبو سعيد بن
стр. 1027
يونس المصري المؤرخ بمصر: أنه كان شريفًا بمصر في أيامه، وله وفادة على معاوية، وصار إلى أفريقيا، وبها مسجده ومواليه (١)، وهذه شهرة شهيرة تزيد على رواية الجماعة عنه، مع تخريج مالك ﵀ لحديثه في "الموطأ" (٢)، والله أعلم.
* * *
* الوجه الثاني: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: قال محمد بن جعفر التميمي في كتاب "جامع اللغة" في مادة (أي ي): يستعمل من (أي ي) اسم يقع مواقع، منها الشرطُ إذا قلت: أيًّا تضربْ أضربْ، وأيٌّ يكرمْك أُكرمْه. فمعنى (أيّ) هاهنا التبعيض، ويسقط المضاف إليه لعلم المخاطب به.
وتقع (أيّ) في الاستفهام على وجهين:
إن أضيفت إلى معرفة طلبت الاسمَ إذا قلتَ: أيُّ الرجلين أخوك؟ فالجواب: زيد أو عمرو.
وإن أضيفت إلى نكرة طلبت الصفةَ، فإذا قيل: أيُّ رجلين أخوك؟ قلتَ في الجواب: قصير أو طويل.
стр. 1028
وهي في الاستفهام والمجازاة بغير صلة، لأن صلةَ الشيء تبيينٌ له، وأنت لا تدري ما يستفهم عنه، فمحالٌ أن تبيِّنه.
فتكون (أيُّ) نعتًا في النكرة إذا قلت: رأيت رجلًا أيَّ رجلٍ، وأتاني رجلٌ أيُّ رجل، وتكون حالًا مع المعرفة إذا قلت: جاءني زيدٌ أيَّ رجل.
وتقع في الاستفهام عن النكرة، فإذا قال الرجل: جاءني رجل، قلتَ: أيْ؟ ساكنة، فإنْ وصلت قلت: أيٌّ يا هذا؟ تنصب مع النصب، وتخفض مع الخفض، وتُثنِّي مع التثنية، وتجمع مع الجمع، وتنوِّن، ولك أن تقول: أي، في كل الوجوه، مع التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، بالرفع.
فإن استفهمت بها عن المعرفة جئت بالمعرفة بعدَها، وإذا قلت: جاءني زيدٌ، قلت: أيُّ زيد، فإن رُفع أو نُصب أو جُرَّ، رفعت في كل الوجوه.
وتجري (أيُّ) مجرى الأسماء في الأفراد، قال الشاعر [من الوافر]:
فأيِّيَ ما وأيُّك (١) كانَ شرًّا ... فقِيْدَ (٢) إلى المقامةِ لا يَرَاها (٣)
стр. 1029
المقامة: مجلس القوم.
وقال آخر [من الوافر]:
ومشتبهانِ لستُ أرَى إذا ... ما رَأيتُهُما بأنَّهَما منَ ايِّ
وكلُّ اسمٍ بصاحبِهِ يُسمَّى ... وليسَا عندَ مخبرِهِ بشيِّ
وإنما يريدُ الماءَ العذب والمالح.
[ونصلُ بها] (١) الهاء، ونجعلُها للنسبة والتخصيص، ولا يكون هذا المنادي ينادي غيرَه، وإنما هو مثل قولك: أما أنا فأفعلُ كذا وكذا أيُّها الرجل، لم تُرِد بقولك: أيُّها الرجل، غيرَك، ولكن أردت أن تُشخِّص نفسَك، وكذلك: نحن نفعل كذا وكذا أيَّتُها العُصَابة.
قال - هو أو غيره -: ويقول في النداء: يا أيُّها الرجل، ف (أي) الاسم المنادى، وها للتنبيه، والرجل نعتٌ لى (أي).
وقال الجوهري في "الصحاح": وأيٌّ: اسم معرب يُستفهم به ويُجازى، فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، تقول: أيُّهم أخوك؟ وأيُّهم يكرمْني أُكرِمْه، وهو (٢) معرفة للإضافة، وقد تتركُ الإضافةُ وفيه معناها.
стр. 1030
وقد تكون بمعنى (الَّذي) فتحتاج إلى صلة، فتقول: أيُّهم في الدار أخوك.
وقد تكون نعتًا [للنكرة] فتقول: مررت برجلٍ أيِّ رجل وأيِّما رجل، ومررت بامرأة أيِّ امرأة، وأيَّةِ امرأة، وبامرأتين أيَّتِما امرأتين، وهذه امرأة أيَّةُ امرأة، وأيَّتُما امرأتين، وما زائدة.
قال: و (أيُّ) قد يُتعجَّب بها، قال جميل [من الطويل]:
بُثَيْنُ الْزَمِي: لا، إنَّ (لا) إنْ لَزِمْتِهِ ... على كثرةِ الواشينَ أيُّ مَعُونِ (١)
الثانية: (ما) في قولنا: أيّما، زائدة كما قدمناه في الحكاية عن الجوهري، ومن زعم أنها للعموم؛ ليعضِدَ بذلك تقويةَ هذه الصيغة في الدلالة على العموم؛ لاجتماعها مع (أي)، فقد وَهَلَ وغَلِط.
الثالثة: اختلفوا في (الإهاب)؛ هل ينطلق لفظه على الجلد مطلقًا، أم يُخصُّ بما لم يُدبغ؟
فقال أبو منصور الأزهري في "تهذيبه": والإهاب: الجلد، وجمعه أَهَب، وأُهُب، وفي الحديث: وفي بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ أُهُبٌ
стр. 1031
[عَطِنةٌ] (١)؛ أي: جلود في دِباغِها (٢).
وقال محمد بن جعفر التميمي في كتاب "جامع اللغة" في مادة (أهب): استعمل منه الإهاب، وهو الجلد، يسمى بذلك مدبوغًا وغير مدبوغ، وفي الحديث: "وفي البيتِ أُهُبٌ عَطِنَةٌ" فسماها أهبًا وهي قد عطنت، وفيه: "أيُّمَا إهابٍ دُفيَ"، فقد سماه إهابًا وهو غير مدبوغ، وجمعه أَهَبٌ على فَعَلَ.
قال: وهذا المثال إنما جاء في إهاب وأَهَب، وعَمُود وعَمَد، وأَفِيق وأَفَق، وا لأَفِيق: الحَبْل، وأَدِيم وأَدَم.
قال أبو الحسين بن فارس في "مجمل اللغة": الإهاب: وهو كل جلد، وقال قوم: هو الجلد قبل أن يُدبغَ، والجمع أَهَب، على فَعَل (٣).
وقال الجوهري في "الصحاح": الإهاب: الجلد ما لم يدبغ، والجمع أَهَب؛ يعني: بفتح الهمزة والهاء معًا، قال: على غير قياس،
стр. 1032
[مثل]: أَدَمٍ وأَفَقٍ وعَمَدٍ، جمع: أَدِيم وأفَيِق وعَمُود، وقد قالوا: أُهُب - بالضم -، وهو قياس (١).
وذكر عبد الغافر الفارسي في "مَجْمعه" (٢): أديمًا وأدمًا، وأفيقًا وأفقًا، وقضيمًا وقضمًا. وهذه (٣) زائدة على ما ذكره التميمي، واقتضى لفظُه الحصرَ فيما ذكره من إهاب وأَهَب، وعمود وعَمَد، وأفيق وأَفَق، وأديم وأَدَم.
الرابعة: في اشتقاق هذه اللفظة: وفسّر الزمخشري في "الفائق" الإهاب بالجلد، وقال: قيل: لأنه أهبة للحيِّ، وبناء للحماية على جسده، كما قيل له: المِسْك، لإمساكه ما وراءه (٤).
الخامسة: قال الجوهري: يقال: دَبَغَ فلانٌ إهابَهُ، يدبُغُهُ، ويدبِغُهُ دَبغًا ودِباغًا ودِباغةً، وفي الحديث: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا" (٥).
стр. 1033
والدِّباغ أيضًا: ما يُدبغ به، يقال: الجلد في الدباغ، وكذلك الدَّبغْ والدِّبغُ بالكسر، والدَّبغة - بالفتح -: المرة الواحدة، ويقال: دبغت الجلد فاندبغ (١).
وذكر التميمي: والجلد مدبوغ ودبيغ، والصناعة الدِّباغة، قال: والدَّبغ الرماد كلَّ ساعة، فهذا لفظ مشترك.
السادسة: قال الجوهري في "الصحاح": طَهَر الشيءُ، وطَهُرَ أيضًا، طهارةً فيهما، والاسم الطُهْرُ (٢).
* * *
* الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: المشهور والجمهور على أنَّ جلد الميتة نَجِس (٣). وحكي عن الزُّهري أنه قال: جلدُ الميتة لا ينجس، وحكاه أبو سعيد المتولي الشافعي وجهًا، وعزاه إلى ابن القطان (٤).
стр. 1034
وإنما الزُّهومةُ التي في الجلد نجسةٌ، فيؤمر بالدبغ لإزالة الزُّهومة، كما يغسل الثوبُ عن النجاسة.
والذي رأيته في مصنف عبد الرزاق، من رواية الديري عنه، عن معمر: وكان الزهري يُنكِرُ الدِّباغَ، ويقول: يُستمتَعُ به على كلِّ حال (١).
قلت: يستدلُّ بالحديث على نجاسة الجلد كما هو مذهب الجمهور، ووجه الدليل: أنَّ مقتضى اللفظِ من الشرط والجزاء ترتُّبُ الطهارة على الدباغ، ومن ضرورة ذلك تقدُّمُ النجاسة على الدباغ؛ لأن تطهيرَ الطاهر محالٌ.
الثانية: الصيغة من صيغ العموم؛ أعني: "أيّما"، وهي من أقوى الصيغ في الدلالة على العموم؛ لأنها موضوعة لتأسيس
стр. 1035
القواعد، وبيان الحكم من غير تقدم سبب أو سياق؛ ليوهما التخصيص.
الثالثة: اختلف العلماءُ في تأثير الدباغ في جلود الميتة على مذاهب:
أحدها: أنها لا تطهر به، وهو المنصور عند الحنبلية من مذهبه (١)، وحقيقة مذهبِ مالكٍ ﵀ المشهور، إلا أنه يُبيح الانتفاعَ به على وجه مخصوص (٢).
وثانيها مقابله: وهو تطهير الدباغ لكلِّ جلد من غير استثناء شيء، وهو مذهب الظاهرية (٣)، والمنقولُ عن أبي يوسف (٤).
وذهب سُحنون من المالكية أيضًا إلى أنَّ الخنزير يطهُرُ جلده بالدباغ، وإذا كان كذلك فالكلبُ أولى، أو مساوٍ (٥).
وثالثها: يُستثنى جلدُ الخنزير والآدمي،
стр. 1036
وهو المشهور عن الحنفية (١)، وحكى ابن القطان المغربي عن مالك: أنَّه لا يؤثر الدباغ في طهارة جلد الخنزير (٢).
ورابعها: يستثنى جلد الكلب والخنزير، وهو مذهب الشافعي، وفي جلد الآدمي تردُّدٌ لأصحابه، أو لبعضهم (٣).
وخامسها: يفيد طهارة جلد ما يؤكل لحمُه، دون ما لا يؤكل، وهو مذهب أبي ثور، ونُقل عن أشهب، عن مالك: أنَّ ما لا يؤكل لحمُه لا يطهرُ جلدُهُ بالدباغ (٤).
الرابعة: في القواعد والمقدمات التي يُحتاج إليها في البحث عن دلائل هذه المذاهب، وهي تفيد أيضًا في غير هذا الموضع:
أحدها: أنَّ التنصيصَ على بعض موارد العام بإثبات الحكم فيه، هل يقتضي التخصيص؟
وثانيها: أنَّ استنباط معنى من النص يعود على اللفظ بالتخصيص، هل يُقبَل، أم لا؟
وثالثها: أن المؤرَّخ، هل يُرجَّح على المطلق في التعارض بين البينتين؟
ورابعها: أن العموم، هل يُخصُّ بالعادة الفعلية؟
стр. 1037
وخامسها: أنه لا بدَّ في التخصيص من قصد الإخراج لمحل التخصيص، ولا يُشترط في التعميم قصدُ الإدخال تحت العموم لِلفرد المعين.
وسادسها: بيان اختلاف مراتب العموم في القوة والضعف.
وسابعها: أن القياسَ، هل يَخصُّ العموم؟
وثامنها: أن العام إذا ورد بعد الخاص، هل يُخَصَّص، أو يكون نسخًا؟
وتاسعها: إذا لم يُعلم التاريخ في العام والخاص، هل يُقدَّم الخاص، أم لا؟
وعاشرها: أن اللفظ إذا ترددَ بين الحمل على الحقيقة الشرعية أو اللغوية، فحمله على الشرعية أولى.
والحادية عشرة منها: في القانون المعتبر في التأويلات، وإزالة اللفظ عن ظاهره.
الخامسة: إذا أُفرِدَ بعضُ أفراد العام في الذكر لا يقتضي تخصيصَهُ به، وصوَّروه بهذه المسألة؛ أعني: قوله ﷺ : "أيَّمَا إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر" مع إفراد ذكر الشاة في حديث ميمونة (١).
стр. 1038
وأقول: لا ينبغي أن يُكتفى في تقرير هذه القاعدة، ونسبة هذا المذهب إلى أبي ثور بهذا؛ لأن استنتاجَ الكليات من الجزئيات يَعتَمِدُ كثرتها؛ لتنتفيَ الخصوصات، ويؤخذَ القدرُ المشترك.
وأما الفردُ المعين؛ فيحتمل أن يكون الحكم فيه لأمر يخصه، مثاله فيما نحن فيه: أن يعتقدَ أبو ثور ﵀: أنَّ الأصل عدمُ طهارة الجلد بالدباغ، ويعتقدَ أنَّ المأكول مختصٌّ بمعنى مناسب للتطهير، أو التخفيف، فيجعل ذلك قرينة في تخصيص العموم، كما جعل أصحابُ الشافعي - أو بعضُهم - عدمَ اعتياد دباغ جلد الكلب قرينةً تَخص هذا العموم، أو يمنع تطهيرَ جلد ما لا يؤكل لحمه، بنهي النبي ﷺ عن افتراش جلود السباع (١)، كما استدلَّ به
стр. 1039
بعضُهم لهذا المذهب، أو يستدل بقوله: "دباغُ الأديمِ ذَكاتُهُ" (١)، والذكاة لا تكون فيما [لا] يؤكل لحمه، فكذلك الدباغ، وقد استدل بهذا أيضًا.
والمقصود: أنه إن كان أبو ثور نصَّ على قاعدة فذاك، وإن كان أُخِذ بطريق الاستنباط من مذهبه في هذه المسألة فلا يدلُّ على ذلك، وقد تقدم كلامٌ في هذه القاعدة مع قاعدة: أنَّ المفهوم يخصص العمومَ عند من يقوله.
السادسة: دليلُ مذهب الجمهور في أنَّ العموم لا يُخصُّ بذكر الحكم في بعض أفراده ظاهرٌ؛ لأن المخصص منافٍ، وذكر الحكم في بعض الأفراد ليس بمنافٍ، فذكر الحكم ليس بمخصِّص.
واعترض عليه بمنع المقدمة الثانية، وهو أن ذكر الحكم في بعض الأفراد ليس بمنافٍ بناءً على قاعدة المفهوم، وفرقٌ بين منافاة الحكم ومنافاة الذكر، فسوق الحكم في بعض الأفراد ليس بمنافٍ لثبوته في غيرها، وأما الذكر فلا تسلمُ عدمُ منافاتِه؛ لأجل المفهوم الدَّالِّ على نفي الحكم عمَّا عَدَاه.
стр. 1040
وهذا الاعتراض إنما يتأتَّى في ذكر الحكم في بعض الأفراد بتخصيصه بما له مفهومُ مخالفةٍ عند القائلين به؛ كالصفة مثلًا، فلا تجيء في ذكر الحكم في بعض الأفراد ذكرًا لا مفهومَ له كاللقب، والذين أوردوا المسألة أوردوها عامة، وقد قدّمنا تباعدَ ما بينهما، والله أعلم.
السابعة: استنباط معنى من النص يعود على النص بالتخصيص، قد يُمنع منه ويقال: إنَّ العموم لا يخص بعلة مستنبطة منه؛ لأن العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها، وكمالِ فائدتها، وما يقتضيه لفظُها، فإذا استقرت فائدتُها فبَحَثَ الباحثُ عن سبب القول بعد تحصيله، فتحصَّلَ من هذا أن العلةَ تابعةٌ لتحصيل معنى اللفظ، وما يفيده، وهذا يمنع من تخصيص العموم بعلةٍ مستنبطة منه؛ لأنَّا قد نقدم قبل النظر في علته إفادتَه للاستيعاب، فإذا كان مفيدًا للاستيعاب نظرنا في علة إفادته الاستيعابَ منه.
قلت: وبهذه القاعدة اعترضوا على مذهب أبي حنيفة ﵀ في مسائلَ منها: تعليلُهُ تحريمَ الربا في الأصناف الأربعة بالكيل، فإنه يخرج اليسيرَ الَّذي لا يُكالُ ليَسَارته، مع أنه داخل تحت: "البُرُّ بالبُرِّ"، ويكون تخصيصًا للعام بعلة مستنبطة منه.
стр. 1041
الثامنة: اختلف العلماء في البينتين إذا تعارضتا، وأُرِّخت إحداهما بوقت، وأُطلِقت الأخرى، هل تقدَّمُ المؤرَّخةُ، أم لا؟ على قولين (١).
والذي يتعلَّق بهذا الحديث من هذا: أنَّ قولَه ﷺ : "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طَهُر" غيرُ مؤرّخ، وحديث عبد الله بن عُكَيم: "أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ قبلَ موتهِ بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصبٍ" (٢) مؤرَّخ.
التاسعة: العمومُ هل يُخصُّ بالعادة، كما إذا قال ﷺ لطائفة من أمته: حرَّمتُ عليكم الطعامَ والشراب مثلًا، وكان عادتُهم تناولَ طعامٍ مخصوص؟
стр. 1042
اختلفوا فيه، والمختارُ عندهم أن لا يُخصَّ، ولا يقصر النهيُ على مُعتَادهم، بل يَدخل فيه لحمُ السمك والطير وما لا يُعتاد في أرضهم، واستدلَّ عليه بأن الحجة في لفظه ﷺ ، وهو عام، وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم، حتى يدخلَ فيه شربُ البول، وأكلُ التراب (١)، وابتلاع الحَصَاة والنَّواة (٢)، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة بعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ، وأكلُ الحصاة والنواة يُسمى أكلًا في العادة، وإن كان لا يُعتاد فعلُه، ففرقٌ بين أن لا يُعتادَ الفعلُ، وبين أن لا يعتادَ إطلاقُ الاسمِ على الشيء (٣).
والذي يتعلق بهذا الحديث من هذه القاعدة أن جلودَ الخنازيرِ والكلاب غيرُ معتادةِ الدَّبغِ، فلا يقتضي على هذه القاعدة أن يُخص اللفظُ بما عداها مما يُعتاد دبغُهُ.
العاشرة: لمَّا كان التخصيصُ إخراجَ بعضِ أفراد العام عن الإرادة منه، وجب قطعًا أن يكون شرطُه قصدَ الإخراج عن الإرادة، وأما العام فيتناول الأفرادَ بوضعه، فيدخل تحته ما لا يمكن أن يحصى من الأفراد، فليس من شرطه إرادةُ الفردِ المعين اتفاقًا؛ لأنه إذا لم يخرج
стр. 1043
منه بعضُ الأفراد، كَفَتِ الإرادةُ العامة لتناول الحكم لجملة أفراده في حصول الحكم في الفرد المعين، وإن لم يخطرْ بالبال ذلك الفردُ بخصوصه، وهذا مما لا يَختلِفُ فيه أحدٌ؛ أعني: أنه ليس شرطَ العموم إرادةُ كل فرد من أفراده بخصوصه.
الحادية عشرة: اختلفوا في تخصيص العموم بالقياس على أقوال: جوازِ التخصيص بالقياس، ومنعِه، والوقفِ، والتفرقةِ بين ما خُصَّ من العموم وما لم يُخص، والتفرقةِ بين التخصيص بالمتصل والمنفصل، والتفرقةِ بين جليِّ القياس وخفيِّه.
ثم قيل في تفسير الجليِّ: إنه قياسُ العلة، والخفيُّ قياسُ الشَّبَهِ، وعن بعضهم: أن الجليَّ مثل قوله ﷺ : "لا يَقضِي القاضي وهو غَضْبَان" (١)، وتعليل ذلك بما يدهشُ العقلَ عن تمام الفكر حتى يَجريَ في الحاقِن.
وبعضُهم يرى اعتبارَ توازنِ الظنَّين؛ أعني: الظنَّ الحاصلَ من القياس، والظنَّ الحاصلَ من العموم، فيُعمل بأقواهُما؛ فإن العموم يفيد ظنًا، والقياس يفيد ظنًا، وقد يكون أحدهما أقوى في نفس
стр. 1044
المجتهد فيلزمه اتباعُ الأقوى، وهذا موافق للقاعدة الكلية في اتباع أقوى الظنين في الدلائل.
وأصلُه: أنَّ الأصلَ عدمُ العمل بالظنِّ لما يتطرق إليه من الخطأ، والضرورة دعت إلى ذلك، فإذا رُجح أحد الظنين، فالعمل بالمرجوح منهما ترك لتلك المرتبة الراجحة مع كونها أقربَ إلى العثور على الصواب، وأبعدَ من احتمال الخطأ (١).
الثانية عشرة: بحثَ بعضُ المتأخرين المباحثين - لا المصنفين - في منع تفاوت مراتب العموم؛ نظرًا إلى أن دلالةَ اللفظ العام على أفراده بصيغته، ولا تفاوت في الوضع، وتناوله الأفرادَ.
وقد صرَّح في "المُستصفى" بتفاوت مراتب العموم، وتناولها لبعض الأفراد، لكن هذا التفاوتَ ليس من جهة الوضع، وإنما هو لأمور خارجة عنه.
قال: والعموم يَضعُفُ بأن لا يظهرَ منه قصدُ التعميم، وبيَّن ذلك بأن يكثرَ المُخرَج عنه، وتتطرَّقَ إليه تخصيصات كثيرة.
ومثَّله بـ ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإن دلالةَ قوله ﷺ :
стр. 1045
"لا تَبيعُوا البُرَّ بالبر" (١) على تحريمه الأرز والتمر، أقربُ من دلالة هذا العموم على تحليله.
قلت: في هذا المثال نظرٌ قد لا يُساعد عليه.
ثم قال: فقد دلَّ الكتابُ على تحريم الخمر، وخصَّ به قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وإذا ظهر منه التعليل بالإسكار، فلو لم يَرِدْ خبرٌ في تحريم كلِّ مسكر، لكان التحاق النبيذ بالخمر بقياس الإسكار أغلبَ على الظنِّ من بقائه تحت عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
قال: وهذا ظاهر في عموم هذه الآية، وآية إحلال البيع؛ لكثرة ما أُخرج منهما، ولضعفِ قصدِ العموم فيهما، ولذلك جوَّز عيسى بنُ أبانَ (٢) التخصيصَ في أمثاله دون ما بقي على العموم، ولكن لا يَبعُد ذلك عندنا أيضًا فيما بقي عامًا، لأنا لا نشك في أن العموماتِ
стр. 1046
بالإضافات إلى بعض المسمَّيات تختلف بالقوة؛ لاختلافـ[ها] في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى به، فإذا تقابلا وجب تقديمُ أقوى العمومين، وكذا القياسان إذا تقابلا، قدمنا أجلاهما وأقواهما (١).
قلت: أما ظهورُ قصدِ التعميم الَّذي حكيناه أولًا فلا شكَّ في اقتضائه القوةَ، لكن قد يقال: هل المعتبرُ في الضعف عدمُ قصدِ التعميم، أو قصد عدم التعميم؟
فإن قيل: إن المعتبر عدم قصد التعميم بالنسبة إلى دخول بعض الأفراد في الإرادة، فهذا لا يعتبر كما قدمناه.
وظاهر كلام "المستصفى" قد يوهم اعتبارَه بقوله: لا شكَّ في أن العموماتِ بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف بالقوة؛ لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى.
فإن كان المرادُ من هذا الكلام أنه إذا ظهر قصدُ إرادة المسمى المعيَّن كان تناولُ العمومِ له أقوى من تناوله لما لم يظهرْ قصدُ إرادتِه، فهذا صحيحٌ جزمًا.
وإن كان المراد أن ما لم يظهر قصدُ إرادته من العام يكون ضعيفًا بالنسبة إلى العموم، فلا نسلمه؛ لِمَا ذكرناه من أن الألفاظَ الدالةَ على العموم قد تتناول ما لا يمكن حصرُه من الصور، فلا يشترط قصدُ المتكلم بصيغة العموم لإرادة كلِّ فردٍ منها.
стр. 1047
وإن قيل: المعتبر في الضعف قصد عدم التعميم فهذا واضح، لكنَّ ذلك إنما يظهر باعتبار قرائنَ خارجةٍ عن مدلول اللفظ، كالسياق مثلًا.
وقد تقوى القرائنُ وتَضعُف، وتَكثُر وتَقِل، وفيها مجال للنزاع فسيح.
قال أحد المُنَاظرين: إذا قال: المقصود بهذا الكلام: كذا، لا ظاهره من العموم، نازعه خصمُه في ذلك، وقال: لا أسلم أنه المقصود، نعم هو مقصود، غير أنه لا يمتنع أن يقصدَ غيرَه معه، كما سيأتي في قوله ﷺ : "فيمَا سقَتِ السماءُ العُشر" (١).
الثالثة عشرة: قسمت المراتب على ثلاث:
إحداها: أن يظهر أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُردِ التعميمَ، وإن كان اللفظ عامًّا لغةً كقوله: "فيمَا سقَتِ السماءُ العُشر ... " الحديث، فإن سياقَه لبيانِ (٢) قدر الواجب لا غير، فهذا لا عمومَ له في غيره، وكذلك قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرِ﴾ [المدثر: ٤] لا عمومَ له في آلات التطهير؛ إذ المقصود إنما هو الأمر بأصل التطهير، ولذلك يحسن السؤال عنها، وهو كقوله: ﴿فَاغْسِلُوْا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ إذ الغرضُ بيانُ أعضاء الوضوء مع أنه مخصوصٌ بالماء اتفاقًا.
стр. 1048
الثانية: لفظٌ عام ظهر فيه قصدُ التعميم بقرينة زائدة على اللفظ، فحكمَ إمام الحرمين بأنه لا يؤوَّل بقياس، وقال بعض المتأخرين: وفي هذا نظر؛ فإن كانت القرينةُ تفيد العلمَ بالتعميم صار نصًا، وإن لم تفدْ إلا قوةَ الظن، فما المانع من تأويله بقياس أجلى منه في النظر، فلا وجهَ لهذا الإطلاق.
الثالثة: لفظ عام لغةً، ولا قرينةَ معه في تعميمٍ ولا في نقيضه، فالواجبُ - إذا أُوّل، وقُصِدَ بقياس - اتباع الأرجح في الظنِّ، فإن استويا وقف القاضي.
قال بعض المتأخرين: وهو الصواب لعدم المرجِّح، وقدم الإمام الخبر لإطلاقه، وهو كقوله: "الأعمالُ بالنِّيَّاتِ" (١)، انتهى.
وإمام الحرمين يقول: إنه لو قدَّم ظنَّ القياس على ظنِّ اللفظ لكان تقديمًا لمرتبة القياس على مرتبة الخبر (٢).
الرابعة عشرة: إذا آلَ الأمُر إلى تقديم الأرجح في الظن، فقياسُ الشَّبَهِ عندنا ضعيف، فإن قيل به، فيتقدمُ عليه العمومُ بالنظر إلى رتبته ورتبة العموم.
وأما النظر في الجزئيات فلا ينبغي أن يقدَّمَ القياسُ الشَّبَهي عليه إلا عند ضعف العموم ضعفًا شديدًا بكون قياس الشبه أغلب على الظن
стр. 1049
منه، فإنا رأيناهم يستدلون بعموماتٍ ونصوصٍ بعيدةِ التناولِ في القصد لمحلِّ النزاع بظهور القصد، وكذلك القياسيون بالشبه يستدلون بقياسات مُتَهَالِكَةٍ في الضعف.
مثال الأول: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] على أن اختلافَ الأماكن مانعٌ من القدرة، حيث تُعتقد مانعيتُه، فإن المعلومَ أن المقصودَ بهذا الكلام إقامةُ الجمعة، وعدمُ تركها؛ لأن مقصود السعي مطلقًا يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولو قال قائل: الآية تتناول من سمع الدعاء - وهو في آخر باب المسجد بحيث لا يسمع الخطبة - أنه يجب عليه أن يسعى في المسجد إلى محلِّ ذكر الله تعالى، لكان مبطلًا جزمًا.
ومثال الثاني: قياس من قاس بطلانَ صلاة المأموم إذا تقدم على إمامه على بطلان صلاة المصلي الواقف على نجاسة، بجامعِ أنه وقف في مكان ليس فيه موقفٌ لأحد.
أما قياسُ العلة فهو أرفعُ من قياس الشَّبَه، فما كان قد أُومِئ إليه في النص فهو صحيح، وكذا ما عُلم المقصودُ منه، والسبب فيه، فقد ينتهي ذلك إلى درجة القطع، كما نعلم قطعًا أن تحريمَ الخمر لإسكارها، وإفسادها للعقل والتمييز، حتى لو لم يَرِدْ أنها لذلك، لكفى مجردُ النهي والتحريم.
وأما ما ليس فيه إلا مجرَّدُ مناسبةٍ تبيَّنَها النَّاظرُ لا يَقْوَى في النَّفس
стр. 1050
انفرادُها بالتعليل، فالأولى تقديمُ العمومِ والظاهرِ عليها، لا سيّما إذا قَرُب أن تُزاحم، وكان ترجيحُها على ما تُقَابلُ به ليس بالقويّ (١).
الخامسة عشرة: إذا ورد العامُّ بعد الخاص، هل يُخصص به، أم يكون نسخًا؟
اختلفوا فيه؛ فالشافعية اختاروا التخصيصَ، والحنفية اختاروا النسخَ.
ومثاله: لو قيل أولًا: لا تقتلوا أهلَ الذِّمة، ثم قيل بعد ذلك بمدة متراخية: اقتلوا المشركين.
فمن قال بالمذهب الأول منعَ قتلَ أهل الذمة، ومن قال بالثاني جوَّز، وحُكي في المسألة قولٌ ثالث بالوقف.
واحتُجَّ لتقديم الخاص على العام المتأخر بأن الخاصَّ نصٌّ، والعامَّ ظاهرٌ في الاستغراق، فيقدَّم النص، كما إذا تقدم العام، وتأخر الخاص.
والاعتراضُ عليه: بأن نصَّ التناولِ للخصوص ظاهرٌ في الدوام والاستمرار، فإزالتُه بالعموم الَّذي هو ظاهرٌ في الاستغراق إزالةٌ لظاهر متقدم بظاهر متأخر، لا إزالةَ معلوم بمظنون، وذلك سائغ، فإن ماء البحر معلوم الطهورية، ثم لو أخذنا منه يسيرًا في إناء، وأمكن وقوع النجاسة فيه، فأخبرَ بذلك عَدْلٌ، رُجع إليه، ولم يكن إزالةَ معلوم بمظنون، وكذلك لو تيقنَّا طهارةَ ثوب، ثم أمكن تنجسُه،
стр. 1051
فأخبر بذلك عَدْلٌ عن مشاهدة، فإنه يجب الرجوعُ إليه، وليس إزالةَ معلوم بمظنون.
وحجةُ المذهب الآخر: أنَّ العام في تناوله لآحادِ ما دخل عليه يجري مجرى خبرٍ خاصٍ يخصُّه، ألا ترى أنَّه يصحُّ التمسكُ به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص في تناول الخاص مجرى الخبرين الخاصين، وردا وهما متنافيان؛ أحدهما متقدم، والآخر متأخر، يصير المتقدمُ منسوخًا بالمتأخر، كذا هذا.
وأحتجَّ للوقف بأنه وجد في كلّ واحد منهما ما يقتضي التقديم فتعارضا، ولم يقضَ بأحدهما على الآخر.
وييانه: أن العمومَ مستغرقٌ بلفظه، وهو متأخر عن الخاص في الزمان، ويجوز أن يكون صاحبُ الشرع قصدَ رفعَ الحكم الخاص، فهذا ما وُجد في العموم مما يقتضي تقديمه، وفي مقابلة ذلك أن الخاص نصٌّ في الحكم، ويجوز أن يكون صاحب الشرع قصد تخصيص العموم به، وهذا يقتضي تقديمه فتعارضا، فوجب التوقفُ.
وأما الترجيح بالجمع بين النصين، وأنَّ العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أَولى من إلغاء أحدهما، فقد تنازعه الخصمان؛ أما القائلون بالتخصيص فيقولون: يعمل بالعموم فيما عدا صورةِ التخصيص، ويعمل بالتخصيص في محله، وهو أولى من إلغاء محل التخصيص بالكلية.
وأما القائلوان بالعمل بالعام ونسخ الخاص به، فيقولون: إذا لم
стр. 1052
يُنسخ محل التخصيص بالعام الوارد عَقيبه أُلغيت دلالته بالكلية على محل التخصيص، [و] لم يبطل العمل بالخاص دائمًا، وفي كل حال؛ لأنه قد عُمل به في الأزمان السابقة على زمن ورود [العام] (١)(٢).
السادسة عشرة: إذا وردَ الخاص والعام، ولم يُعلمِ التاريخ، فالخاص مقدم عند من يقدمه على تقدير أن يتأخر العام؛ لأنه ليس للخاص حالة إلا وهو مقدم فيها، فإنه إما أن يتقدم أو يتأخر أو يتقارب، وكيف ما كان فهو مقدم.
وأما من يقدم العام على تقدير تأخيره، فقد ألزم الوقفَ؛ لجواز أن يكون العام متأخرًا، فيتقدم عنده، أو متقدمًا، أو مقاربًا، فيقدم الخاص، ولا دليلَ على تقديم أحدهما.
وعن عبد الجبار بن أحمد (٣) في صورة الجهل بالتاريخ: أنه يقدم الخاص كما في الغَرْقى والهَدْمى، فإنَّ جماعةً لو غَرِقوا في سفينة، أو ماتوا تحت الهَدْمِ، أو عمَّهم وجهٌ من وجوه الهلاك، ولم يعلم أيُّهم
стр. 1053
سبق موتُه، فإنهم يجعلون كأنهم ماتوا دفعةً واحدة، ولا يَرِث أحدُهم من صاحبه.
واعترض على هذا بوجوه:
أحدها: أن الأمة ما أجمعت على هذا.
وثانيها: أنه لمّا اشتبه الحالُ لم يحكمْ بإرث أحدهما من الآخر، فكذا هاهنا، لما اشتبه حالُ الحديثين لا يعترض بأحدهما على الآخر.
وثالثها: قال ابن بَرهان (١): إن هذا الاستدلال باطل؛ فإنه تضمَّنَ إثباتَ أحكام اللغة بأدلة الشرع، وحكم اللغة ثابت سابق على الشرع، والمدلولُ لا يكون مقدَّمًا على الدليل.
فأما الوجه الأول: فالجواب عنه أنه مبنيٌّ على المذهب المشهور بين العلماء في عدم توريث الغَرْقَى والهَدْمَى، إذا لم يُعلم سبقُ موتِ أحدهما، فمن وافق على هذا المذهب فعليه الجواب.
وأما الوجه الثاني: فيقال عليه: إنَّ التعارضَ وقع في التقديم والتأخير، ولم يُقضَ بأحدهما على الآخر، والحكم بتقديم الخاص
стр. 1054
مستندُه عدمُ ثبوتِ تقدم أحدهما على الآخر، وأن ذلك يوجب أن يجعلا كالمتقاربين، فيقدم الخاص، كما إذا اقترنا، وليس مستنده الحكم بتقدم الخاص - أو تأخره - حتى يكون حكمًا بالتقديم (١) لأحد المتعارضين على الآخر، فيكون الحكمُ بتقديم الخاص هاهنا بمثابة الحكم بتوريث ورثةِ كلِّ واحد منهما منه، وعدم الحكم بتقديم أحد الموتين على الآخر، لا لأنَّا حكمنا بتأخر الخاص فقدمناه.
وأما الوجه الثالث الَّذي ذكره ابن بَرْهان: فساقطٌ؛ لأن تقديمَ الخاصِّ على العام - أو عكسِه - حكمٌ شرعي، اعتبره عبدُ الجبار بحكم شرعي آخر، وليس من باب الأحكام اللغوية، فإن الخطاب متوجه على المجتهد، فيقدَّمُ الخاصُّ إذا رأى أنه حكمُ اللهِ تعالى.
السابعة عشرة: إذا دار لفظُ الشارع بين أن يُحمل على الحقيقة الشرعية أو اللغوية، حُمِلَ على الحقيقة الشرعية؛ لأنها مقصودُ البعثة، وصرف الكلام إلى ذلك أولى من صرفه إلى تعريف وضع اللغة.
الثامنة عشرة: في القاعدة المعتبرة في التأويلات، وإزالة اللفظ عن ظاهره: لمَّا عُلم أنَّ التأويلَ صرفُ اللفظ عن ظاهره، وكان الأصلُ حملَ اللفظ على ظاهره، كان الواجب أن يُعضَدَ التأويلُ بدليل من خارج لئلَّا يكونَ تركًا للظاهر من غير معارض، وقد جعلوا الضابط فيه
стр. 1055
مقابلةَ الظاهر يتأويل وعاضِدِهِ، فيقدم الأرجحُ في الظن، وإن استويا في الظق فقد قيل بالوقف، وإن كان ما يدعى تأويلًا لا ينقدح احتمالُه، فهو باطل.
واعلم أَن تقديمَ أرجحِ الظنين عند التقابُل هو الصوابُ إن شاء الله، غير أنا نراهم إذا انصرفوا إلى النظر في الجزئيات يخرج بعضهم عن هذا القانون، ومن أَسباب ذلك اشتباهُ المَيلِ الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل عن الإِلْف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمورَ تُحدِثُ للنفس هيئةً وملكَةً تقتضي الرجحانَ في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظرُ بذلك، ويتوهم أنه رجحانُ الدليل، وهذا محل خوف شديد، وخطر عظيم، يجب على المتقي لله تعالى أن يصرِفَ نظرَه إليه، ويقفَ فكرَه عليه، والله أعلم.
التاسعة عشرة: المحكيُّ عن أبي ثور وغيره، أن أثر الدباغ إنما هو فيما يؤكل لحمه، بمعنى: أنه لا يطهر غيره بالدباغ، وأن التنصيص على بعض أفراد العام يقتضي التخصيص، لورود النص في شاة ميمونة (١)، وقد قدمنا (٢) أنه لا ينبغي أن تؤخذَ هذه القاعدة الكلية، وينسب إليها مذهب أبي ثور بسبب هذا الحكم الجزئي.
العشرون: الذين قالوا باستئناء جلد الخنزير، وأنه لا يطْهُر بالدباغ، لم يَجْرُوا على مقتضى العموم في هذا الحديث، ولعل مأخذَه