← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فأخبر بذلك عَدْلٌ عن مشاهدة، فإنه يجب الرجوعُ إليه، وليس إزالةَ معلوم بمظنون. وحجةُ المذهب الآخر: أنَّ العام في تناوله لآحادِ ما دخل عليه يجري مجرى خبرٍ خاصٍ يخصُّه، ألا ترى أنَّه يصحُّ التمسكُ به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص في تناول الخاص مجرى الخبرين الخاصين، وردا وهما متنافيان؛ أحدهما متقدم، والآخر متأخر، يصير المتقدمُ منسوخًا بالمتأخر، كذا هذا. وأحتجَّ للوقف بأنه وجد في كلّ واحد منهما ما يقتضي التقديم فتعارضا، ولم يقضَ بأحدهما على الآخر. وييانه: أن العمومَ مستغرقٌ بلفظه، وهو متأخر عن الخاص في الزمان، ويجوز أن يكون صاحبُ الشرع قصدَ رفعَ الحكم الخاص، فهذا ما وُجد في العموم مما يقتضي تقديمه، وفي مقابلة ذلك أن الخاص نصٌّ في الحكم، ويجوز أن يكون صاحب الشرع قصد تخصيص العموم به، وهذا يقتضي تقديمه فتعارضا، فوجب التوقفُ. وأما الترجيح بالجمع بين النصين، وأنَّ العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أَولى من إلغاء أحدهما، فقد تنازعه الخصمان؛ أما القائلون بالتخصيص فيقولون: يعمل بالعموم فيما عدا صورةِ التخصيص، ويعمل بالتخصيص في محله، وهو أولى من إلغاء محل التخصيص بالكلية. وأما القائلوان بالعمل بالعام ونسخ الخاص به، فيقولون: إذا لم

стр. 1052

يُنسخ محل التخصيص بالعام الوارد عَقيبه أُلغيت دلالته بالكلية على محل التخصيص، [و] لم يبطل العمل بالخاص دائمًا، وفي كل حال؛ لأنه قد عُمل به في الأزمان السابقة على زمن ورود [العام] (١) (٢). السادسة عشرة: إذا وردَ الخاص والعام، ولم يُعلمِ التاريخ، فالخاص مقدم عند من يقدمه على تقدير أن يتأخر العام؛ لأنه ليس للخاص حالة إلا وهو مقدم فيها، فإنه إما أن يتقدم أو يتأخر أو يتقارب، وكيف ما كان فهو مقدم. وأما من يقدم العام على تقدير تأخيره، فقد ألزم الوقفَ؛ لجواز أن يكون العام متأخرًا، فيتقدم عنده، أو متقدمًا، أو مقاربًا، فيقدم الخاص، ولا دليلَ على تقديم أحدهما. وعن عبد الجبار بن أحمد (٣) في صورة الجهل بالتاريخ: أنه يقدم الخاص كما في الغَرْقى والهَدْمى، فإنَّ جماعةً لو غَرِقوا في سفينة، أو ماتوا تحت الهَدْمِ، أو عمَّهم وجهٌ من وجوه الهلاك، ولم يعلم أيُّهم

стр. 1053

سبق موتُه، فإنهم يجعلون كأنهم ماتوا دفعةً واحدة، ولا يَرِث أحدُهم من صاحبه. واعترض على هذا بوجوه: أحدها: أن الأمة ما أجمعت على هذا. وثانيها: أنه لمّا اشتبه الحالُ لم يحكمْ بإرث أحدهما من الآخر، فكذا هاهنا، لما اشتبه حالُ الحديثين لا يعترض بأحدهما على الآخر. وثالثها: قال ابن بَرهان (١): إن هذا الاستدلال باطل؛ فإنه تضمَّنَ إثباتَ أحكام اللغة بأدلة الشرع، وحكم اللغة ثابت سابق على الشرع، والمدلولُ لا يكون مقدَّمًا على الدليل. فأما الوجه الأول: فالجواب عنه أنه مبنيٌّ على المذهب المشهور بين العلماء في عدم توريث الغَرْقَى والهَدْمَى، إذا لم يُعلم سبقُ موتِ أحدهما، فمن وافق على هذا المذهب فعليه الجواب. وأما الوجه الثاني: فيقال عليه: إنَّ التعارضَ وقع في التقديم والتأخير، ولم يُقضَ بأحدهما على الآخر، والحكم بتقديم الخاص

стр. 1054

مستندُه عدمُ ثبوتِ تقدم أحدهما على الآخر، وأن ذلك يوجب أن يجعلا كالمتقاربين، فيقدم الخاص، كما إذا اقترنا، وليس مستنده الحكم بتقدم الخاص - أو تأخره - حتى يكون حكمًا بالتقديم (١) لأحد المتعارضين على الآخر، فيكون الحكمُ بتقديم الخاص هاهنا بمثابة الحكم بتوريث ورثةِ كلِّ واحد منهما منه، وعدم الحكم بتقديم أحد الموتين على الآخر، لا لأنَّا حكمنا بتأخر الخاص فقدمناه. وأما الوجه الثالث الَّذي ذكره ابن بَرْهان: فساقطٌ؛ لأن تقديمَ الخاصِّ على العام - أو عكسِه - حكمٌ شرعي، اعتبره عبدُ الجبار بحكم شرعي آخر، وليس من باب الأحكام اللغوية، فإن الخطاب متوجه على المجتهد، فيقدَّمُ الخاصُّ إذا رأى أنه حكمُ اللهِ تعالى. السابعة عشرة: إذا دار لفظُ الشارع بين أن يُحمل على الحقيقة الشرعية أو اللغوية، حُمِلَ على الحقيقة الشرعية؛ لأنها مقصودُ البعثة، وصرف الكلام إلى ذلك أولى من صرفه إلى تعريف وضع اللغة. الثامنة عشرة: في القاعدة المعتبرة في التأويلات، وإزالة اللفظ عن ظاهره: لمَّا عُلم أنَّ التأويلَ صرفُ اللفظ عن ظاهره، وكان الأصلُ حملَ اللفظ على ظاهره، كان الواجب أن يُعضَدَ التأويلُ بدليل من خارج لئلَّا يكونَ تركًا للظاهر من غير معارض، وقد جعلوا الضابط فيه

стр. 1055

مقابلةَ الظاهر يتأويل وعاضِدِهِ، فيقدم الأرجحُ في الظن، وإن استويا في الظق فقد قيل بالوقف، وإن كان ما يدعى تأويلًا لا ينقدح احتمالُه، فهو باطل. واعلم أَن تقديمَ أرجحِ الظنين عند التقابُل هو الصوابُ إن شاء الله، غير أنا نراهم إذا انصرفوا إلى النظر في الجزئيات يخرج بعضهم عن هذا القانون، ومن أَسباب ذلك اشتباهُ المَيلِ الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل عن الإِلْف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمورَ تُحدِثُ للنفس هيئةً وملكَةً تقتضي الرجحانَ في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظرُ بذلك، ويتوهم أنه رجحانُ الدليل، وهذا محل خوف شديد، وخطر عظيم، يجب على المتقي لله تعالى أن يصرِفَ نظرَه إليه، ويقفَ فكرَه عليه، والله أعلم. التاسعة عشرة: المحكيُّ عن أبي ثور وغيره، أن أثر الدباغ إنما هو فيما يؤكل لحمه، بمعنى: أنه لا يطهر غيره بالدباغ، وأن التنصيص على بعض أفراد العام يقتضي التخصيص، لورود النص في شاة ميمونة (١)، وقد قدمنا (٢) أنه لا ينبغي أن تؤخذَ هذه القاعدة الكلية، وينسب إليها مذهب أبي ثور بسبب هذا الحكم الجزئي. العشرون: الذين قالوا باستئناء جلد الخنزير، وأنه لا يطْهُر بالدباغ، لم يَجْرُوا على مقتضى العموم في هذا الحديث، ولعل مأخذَه

стр. 1056

عندهم القولُ بنجاسة الخنزير في حال الحياة، وأن غاية الدباغ أن يردَّ الجلد إلى حالة الحياة، وهو في حالة الحياة نجس، فكذلك بعد الدباغ، وبل أولى. وهذا يتوقف على إثبات نجاسة الخنزير أولًا، ثم على إثبات الملازمة بين نجاسة الذات في حال الحياة، ونجاسة الجلد بعد الدباغ. ونجاسةُ الخنزير ليس فيها إجماع (١) ولا نص. والدليل الَّذي استدل به على نجاسة الكلب، وهو غسل الإناء من ولوغه سبعًا (٢) لم يردْ في الخنزير. والقول بأن الخنزيرَ أغلظُ حالًا من الكلب، فيكون أولى بالأغلظيَّة، ويستدل على الأغلظية بالمنع من اتخاذه في كلِّ صوره، أو بإباحة قتله، ودلالة ذلك على النجاسة، إنما هو لمناسبة شدة الإبعاد للتنجيس، ولا تخفى رتبةُ هذه المناسبة، وأن المنع من الاتخاذ بالكلية يقتضي أنه أسوأُ حالًا في ذلك المنع. وأما أنه أسوأُ حالًا في الطهارة والنجاسة فقد يمنع، وإنما طريقُه تلك المناسبةُ التي ذكرناها. وأما إثبات الملازمة بين نجاسة الذات في حال الحياة، ونجاسة الجلد بعد الدباغ، فسنعود إليه في مسألة استثناء جلد الكلب إن شاء الله تعالى.

стр. 1057

الحادية والعشرون: الذين قالوا باستثناء جلد الكلب في الطهارة بالدباغ، مخالفون لظاهر هذا العموم، وفي الاعتذار عنه وجوه: الأول: ما قدمناه من استنباط العلة في تطهير الدباغ للجلد، وحفظِه للجلد عن التغير والفساد، وغايةُ هذا أن يَرُدَّه إلى حال الحياة، وهو في حال الحياة نجسٌ، فكذلك بعد الدباغ (١). وقد قدمنا ما فيه من استنباط علة من النص تقتضي تخصيصَه، وذكرنا ردَّهم على الحنفية بمثل ذلك، فيلزم مثلُه هاهنا، والله أعلم. الوجه الثاني: تخصيص هذا النص في جلد الكلب بما روى أبو المَليح بن أسامة، عن أبيه: أن النبيَّ ﷺ نهى عن افتراش جلود السباع (٢)، والكلب سبع، فوجب أن ينهى عنه بكل حال، وبهذا أجاب الشيخُ أبو حامد الإسفراييني الشافعي؛ أعني: أنه عامٌّ في الكلب وغيرِه، قال: وخبرُنا خاصٌّ في السبع فيقضى به عليه. قلت: وهذان الخبران ليس أحدُهما عامًا من كل وجه، والآخرُ خاصًا من كل وجه، حتى يقضى بالخاص منهما على العام، ولكنهما من قَبيل النصين اللذين كلُّ واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عامٌّ من وجه وخاصٌّ من وجه.

стр. 1058

بيانه: أن خبرَ النهي عامٌّ في جلود السباع قبل الدباغ وبعده، وخاص في السباع، وقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" عامٌّ في كل إهاب، خاصٌّ في الدباغ، فإذا قال أحد الخصمين: قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" عامٌّ في كل إهاب، فأخص عنه جلد الكلب لنهيه ﷺ عن افتراش جلود السباع، قال خصمُه: نهيه ﷺ عن افتراش جلود السباع عام بالنسبة إلى المدبوغ وغيره، فأخص منه المدبوغَ؛ لقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر"، فيتساويان، ويُحتاج إلى الترجيح. والذي يقال في ترجيح الطريق الأول: أنا إذا أخرجنا الكلبَ من عموم قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُر" لم تسقط فائدةُ تخصيصِ الدباغ؛ لأنه ينفي هناك ما لا يطهر جلده إلا بالدباغ، وإذا أخرجنا ما دبغ من نهيه ﷺ عن افتراش جلود السباع سقطت فائدة تخصيص السباع؛ لأن جلودَ السباع وغيرِ السباع في النهي عن افتراشها قبلَ الدباغ سواءٌ. والاعتراض عليه من وجوه: أحدها: أن طلبَ الفائدة في تخصيص جلود السباع غيرِ المدبوغة لم ينشأ من تخصيصنا هذا النهي بما لم يُدبغْ من جلود السباع، وإنما هو ناشئٌ عن ثبوت النهي عن جلود السباع قبل الدباغ ثبوتًا على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص؛ لأنه متى ثبت أن اللفظَ يتناولُ جلودَ السباع غيرِ المدبوغة بطريق العموم مع أن الحكم

стр. 1059

غيرُ مخصوص بها، لزِمَ عدمُ الفائدة في تخصيص جلود السباع في القول بهذا العموم، كما يلزم عدمُ الفائدةِ في التخصيص من القول بالتخصيص، وإذا كان طلبُ الفائدة في التخصيص بأشياءَ عن ثبوت الحكم في جلود السباع المدبوغة مع اشتراك غيرِها معها في الحكم ثبوتًا عامًا، أو خاصًا، وأنهم يقولون بثبوت هذا الحكم في جلود السباع غيرِ المدبوغة، فالإلزامُ مشترك بيننا وبينكم، وطلبُ الفائدة إن لزم لزِمَ الجمعُ. فإن قيل: التخصيصُ يُحوِج إلى طلب الفائدة فيه بخلاف العموم. قلنا: التخصيص بالذكر مُحوِج إلى طلب الفائدة، أو تخصيصُ الحكم محوج إلى طلب الفائدة؟ الأول مسلّم، والثاني ممنوع، وهذا لأن الحاجة إلى طلب الفائدة في التخصيص حيث يطلب ذلك حكم يتبع اللفظَ لأمرٍ يرجع إلى اللفظ والوضع، لا مطلق ثبوت الحكم، فإنَّا في مفهوم الصفة قد نَدَّعي التخصيصَ، وطلبَ الفائدة لأمرٍ يرجع إلى ثبوت الحكم في بعض الأفراد، ولهذا نفرق بينه وبين التخصيص باللقب، ولو كانت العلةُ هو مطلق ثبوت الحكم في الفرد لاستويا، وإذا كان كذلك فنحن هاهنا لم ندَّعِ التخصيصَ بالذكر حتى يلزمنا الفرقُ بين تناول الحكم بالخصوص، وتناوله بالعموم، وإنما ادَّعينا تخصيصَ الحكمِ ببعض ما تناوله العامُّ، وليس ذلك من التخصيص باللفظ، بل هو ادعاءُ ثبوتِ الحكم مخصوصًا ببعض موارد العام،

стр. 1060

فالتخصيص بالذكر يُحوِج إلى طلب الفائدة فيه، وتخصيصُ الحكم يحوِج إلى طلب دليل التخصيص، وهذه القاعدة تبين أن الردَّ على القائلين بالمفهوم بقول من قال: ثبوت الحكم في الفرد لا يدل على نفيه عمَّا عداه، وإلا لَمَا كانت القضيةُ الكليةُ ممكنةً غيرُ (١) تام؛ لأن القائلَ بالمفهوم لا يقول به؛ لأجل ثبوت الحكم في الفرد، بل لأجل ثبوته فيه بطريق التخصيص بالذكر، حكما لفظيا يتبع الوضعَ والعرف، ولا يتبع الحكمَ فقط. وثانيها: أن يقول: النهي عن افتراش جلود السباع مخصوصٌ بالاتفاق منا ومنكم بخروج كل جلد دُبغ من جلود السباع ما عدا جلدِ الكلبِ والخنزير عن النهي؛ فإنه لا يتناوله، وطهارةُ كل إِهابٍ دُبغ ليس (٢) مخصوصًا بالاتفاق؛ لوجود القائل به، وما دخله التخصيصُ بالاتفاق مرجوحٌ بالنسبة إلى ما لم يدخله بالاتفاق. وهذه هي الطريقة التي سُلِكَتْ في الاستدلال على جواز صلاة ما له سببٌ من الصلوات في وقت الكراهة، حيث استدلَّ بقوله ﷺ : "منْ نامَ عن صلاةٍ، أو نسيَهَا، فليصلِّهَا إذا ذكرَهَا" (٣)، فإذا عُورِض

стр. 1061

بنهيه ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها (١)، وقيل: كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه، رُجِّح الأولُ بأن التخصيصَ دخل ذلك النص في عصر اليوم بالاتفاق، ولم يدخل التخصيص في ذلك النص بالاتفاق ... إلى آخر التقرير (٢). وكذلك لمَّا قيل بقتل المرتدة، واحتُجَّ بقوله ﷺ : "من بدَّلَ دينَهُ فاقتلُوهُ" (٣)، فعُورِض بنهيه ﷺ عن قتل النساء والصبيان (٤)، وكلُّ واحد منهما عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجه، رُجِّح الأولُ بدخول التخصيص في حديث النهي بالاتفاق على قتل النساء في بعض الصور؛

стр. 1062

كالقصاص مثلًا، أو عند مقاتلتهن (١). وثالثها: أنه إن لم يُحمل النهيُ عن افتراش جلود السباع على العموم بالنسبة إلى المدبوغة وغيرِ المدبوغة، لم يصحَّ الاستدلالُ به على عدم طهارة جلد الكلب بالدباغ، وإذا كان عامًا بالنسبة إلى المدبوغ وغيرِه، فهو عامٌّ بالنسبة إلى الجلد المدبوغ، فيكون عامًا بالنسبة إلى كل جلد مدبوغ، فإذا حملناه على جلد الكلب فقط، أو على جلد الكلب والخنزير فقط، كان تنزيلًا للفظ العام على الصورة النادرة، وتنزيلُ الألفاظ العامة على الصور النادرة من غير تعدٍ إلى غيرها قد ردُّوه وأَبَوْه. ألا ترى كيف ردُّوا على الحنفية تنزيلَ قولِه ﷺ : "أيّما امرأةٍ نكحَتْ نفسَهَا بغيرِ إذنِ وليِّهَا، فنكاحُهَا باطلٌ" (٢) على المكاتبة، وأبطلُوا التأويلَ بأنه تنزيلُ اللفظ العام على الصورة النادرة، وعلى ما لا يجوز حملُ لفظِ الشارع؟ وكذلك ردُّ بعضِ أكابر الشافعية الاستدلالَ بقوله ﷺ : "منْ ملكَ ذا رحمٍ محرَّم عتقَ عليهِ" (٣) على من حمله على الأصل والفرع

стр. 1063

فقط؛ لأنه حملٌ للصيغة العامة على الصورة المخصوصة، وقصر له عليها (١). وقيل: إن التعبيرَ عن الآباء والأبناء بهذا اللفظ تلبيسٌ، وقيل أيضًا: ليس كلُّ ما يشمله اللفظُ يجوز القصرُ عليه. فإن قيل: لم يحمل اللفظ العام على الصورة النادرة؛ لأن النهي محمولٌ على جلود السباع غيرِ المدبوغة، وعلى جلد الكلب، فلا ندرةَ في الحمل عندنا. قلنا: هذا اللفظُ العام يتناول نوعين، كلُّ واحد منهما عام في أفراده، فلزم على مذهبكم حملُ أحدِ العمومين في أحد النوعين على الصورة النادرة، ومثل هذا لا يلزمنا، فكان ما ذكرنا أرجح. واعلم أن هذا السؤال واردٌ على ما قالوه في مسألة التخصيص

стр. 1064

بالمكاتبة؛ لأن المرأةَ عامٌّ يدخل تحته الصغيرةُ والكبيرةُ والعاقلةُ، فإن تمَّ هذا السؤال فللحنفية أن يقولوا: لم نخصَّه بالصورة النادرة؛ لأناّ نحمله على المكاتبة، وعلى الصغيرة المجنونة، فلا يكون حملًا على الصورة النادرة. فتأمل هذا مع الجواب الَّذي تقدم، فأحد الأمرين لازم، إما فساد السؤال، أو تصحيحُه وإفساد الإبطال، والله أعلم. الوجه الثالث: في العدول عن ترك العموم، والقول بالتخصيص: أن الكلب ما لا يعتاد في العرف دباغُ جلده، فتنفكُّ الأفهامُ عن ذكره إذا جرى التعرض للدباغ، واللفظ ينزَّل على الاعتياد فيما يُدْبَغ، فلم يبقَ إلا عمومُ اللفظ من غير ظهور قصد التعميم، والعرف مُصادِق للعموم، فَظَنُّ الإخراجِ مع هذه القرائن أقوى من ظن الإدخال. وجوابه بالقاعدة التي قدمناها، وهي: أن المخصصَ إرادةُ قصد الإخراج عن العموم، وليس المعممَ قصدُ الإدخال للفرد المعين تحتَ العموم، ولذلك نتَّفق على إدخال بعض جلود الحيوانات التي لم تطرقْ الأسماعَ أسماؤُها، ولا رأت العيونُ أشخاصَها، ونُدرجها تحت العموم، ونحكمُ بطهارة جلودها بالدباغ، مع أنها ليست مما يغلب أن تدخل تحت القصد. الوجه الرابع من الأعذار: القياس على محل التخصيص، وهو جلد الخنزير، وهذا إن نفع فإنما ينفع في حق من يسلِّم أن جلد الخنزير لا يَطهُر بالدباغ، ومن يرى أن الجميعَ يطهر منعَ الحكمَ في الأصل، فهذا

стр. 1065

عذرٌ لا يفيد في إثبات الحكم في نفس الأمر، وإنما هو إلزام لبعض المجتهدين - أو قياس - يعارضه هذا العمومُ القوي، والله أعلم. الوجه الخامس: قياس جلد الكلب بعد الدباغ على جلده حالَ الحياة، فقيل: هو بعد الدباغ جلد كلب، فكان نجسًا كحال الحياة، وهذا داخل تحت قاعدةِ تخصيص العموم بالقياسِ الشَّبَهي، أو قياسِ العلة التي لم يُومَأ إليها في النص، وقد تقدم الكلامُ فيه. ومن يرى الموازنة بين الظنَّين في مسألة معارضة القياس للعموم، فعليه اعتبارُ ذلك هاهنا، ولا أظنُّه يخفى وجهُ الرجحان عمَّن نظرَ في ذلك. الثانية والعشرون: لمَّا كان النظرُ الصحيح بالنسبة إلى هذا القياس ودلالة النص، هو الترجيح بين الظنين، فإن كلَّ ما يقتضي الترجيح يُحتاج إليه في التخصيصِ والكلامِ على الحديث، وكذلك ما يدفع ذلك الراجح يُحتاج إلى النظر فيه، فمن الأسئلة الضعيفة التي وُجِّهت على هذا القياس منعُ كونِ هذا جلدَ كلب، وإنما هو جلدُ ما كان كلبًا، وهذا بناء على أن الجلد (١) كان كلبًا باعتبار أوصاف قامت به، فإنَّ بعضَها انتفى بموته، فانتفت الحقيقةُ بانتفاء بعضِها بعد الموت. وجوابه: أن الأحكام تترتَّبُ على المتعارف بين الناس، وما يطلقون عليه الألفاظ، لا على الحقائق العقلية، والناس يطلقون على الكلب

стр. 1066

اسمه بعد الموت إطلاقَهم إيَّاه عليه قبل الموت، وتبدُّل الحياة والموت عليه كتبدل صفة الصغر والكبر، فلا ينتفي به الإطلاق. الثالثة والعشرون: من الأسئلة التي لا نأنس بها: أن جلدَ الميتة نجسُ الذات، ويؤثر الدباغ فيه، والكلب إذا ثبتت نجاستُه في حال الحياة، فليس فيه أكثرُ من أن نجاسةَ ذاته في أزمنة أكثرُ من نجاسة ذاتِ جلد الميتة، وهذا ضعيفُ الأثرِ بعد الحكم بأن نجاسة الذات لم تنافِ تطهيرَ الدباغ. الرابعة والعشرون: لقائل أن يقول: القول بطهارة جلد الكلب لا يتوقف إلا على ثبوتِ هذا الحديث، وتناولِ صيغة العموم له، وكلاهما ظاهرُ الثبوت؛ لتخريج الأول في الصحيح، ودلالة صيغة العموم بالاتفاق من القائلين به. وأما القول بنجاسته بعد الدباغ فيتوقف على أن يكونَ الكلبُ نجسًا في حال الحياة، ثم على أن الدباغ لا يَرفعُ إلا نجاسةً ثبتت بالموت، وإثبات نجاسة الكلب من دلائلَ أُخرَ، أقواها قولُه ﷺ : "طَهُورُ إناءِ أحدِكُم ... " الحديث (١)، وهو يتوقف على أن لفظة "طَهور" لا تستعمل إلا في حَدَثٍ أو خَبَثٍ، ثم على أن ذلك الخبث هو نجاسة عين اللُّعاب، ثم أن نجاسة عين اللعاب تدل على نجاسة الفم، ثم أن نجاسة الفم تدل على نجاسة باقي الذات، وأن الدباغ لا يرفع إلا نجاسةً ثبتت بالموت.

стр. 1067

الخامسة والعشرون: إذا ثبتت الملازمةُ بين نجاسة ذات الكلب في حال الحياة ونجاسةِ جلده بعد الدباغ، فمن المعلوم أن إثباتَ الملزوم يلزم منه إثباتَ اللازم، وانتفاءَ اللازم يلزم منه انتفاءَ الملزوم. فكما يقال: الكلب نجس في حال الحياة فلا يطهر جلدُه بالدباغ، وثبتت نجاستُه في حال الحياة بدليل من خارج، وهو الملزوم، فثبتت نجاسة جلده بعد الدباغ، وهو اللازم. فكذلك يمكن أن يقال: جلده طاهر بعد الدباغ، فلا يكون نجسًا في حال الحياة كما يعتقده المالكي وغيره. وطريقه أن يقول: لو كان نجسًا في حال الحياة لما طهر جلده بالدباغ، لكن يطهر بالدباغ لقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، فلا يكون نجسًا في حال الحياة، والملازمة يثبتها بعين ما أثبته أصحاب الشافعي ﵏، وانتفاء اللازم يثبته بقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، وحينئذ يبقى النظرُ في المقابلة بين دليل ثبوت الملزوم وبين دليل انتفاء اللازم، وأيهما أرجح فيعمل به. السادسة والعشرون: الذين منعوا تأثيرَ الدباغ في طهارة الجلد مطلقًا اعتمدوا على حديث عبد الله بن عُكَيم: "أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ قبلَ موتِهِ بشهرٍ أن لا تنتفعُوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصبٍ". وهو حديث أخرجه أصحابُ السنن؛ أبو داودَ، والترمذيُّ والنسائي، وأخرجه ابنُ

стр. 1068

خزيمةَ في "صحيحه" (١)، وفي ألفاظه اختلاف، ويعارضه هذا الحديثُ وغيرُه، مثل حديث شاة ميمونة في الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ (٢). فيحتاج هؤلاء إلى الاعتذار عن تلك الأحاديث وفي ذلك طرق: الأول: ادِّعاء النسخ، وأن حديثَ المنعِ متأخرٌ عن حديث الإباحة، وذلك لوجوه: أحدها: التاريخ الَّذي ذكره في حديث عبد الله بن عُكَيم بالشهر أو بالشهرين، وهذا بناء على أن المؤرَّخَ مقدمٌ على المطلق إذا تعارضًا، وقد قيل: يجوز أن تكون الإباحة قبل موته بيوم أو يومين، وهذا مصير إلى عدم التقديم. وثانيها: ما في كتاب البخاري: أنَّ النبي ﷺ استسقى من ماء في غزوة تبوك من شَنٍّ مُعلَّقة، فقيل: يا رسول الله! إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ : "دِباغُ الأديمِ طَهورُهُ" (٣)، فاستدل بذلك على تقدم الإباحة على المنع.

стр. 1069

ووجهُ الدليل: أن أهلَ السير والتاريخ يذكرون أنَّ غزوةَ تبوك كانت في رجب سنة تسع، ودخول النبي ﷺ منها إلى المدينة في رمضان، وهذا قبل موته ﷺ بشهور عديدة، فيكون كتابُ المنعِ قبلَ موته بشهر متأخرًا عنه. وثالثها: روى البخاريّ عن ميمونة: "ثم ما زلنا ننبذُ فيه حتى صار شنًّا" (١)، ولا تصيرُ القِربة شنًا في استعمال شهر، فتكون الإباحة متقدمة على الشهر. ورابعها - وهو أقوى الأدلة في التأخير -: ما في بعض الروايات: "كُنْتُ رخَّصتُ لكمْ في جلودِ الميتةِ" (٢)، وهو لفظ يدل على تقدُّم الترخيص على المنع بنفسه.

стр. 1070

فأما الوجه الأول: فقد ذكرنا أنه ينبني على تقديم المؤرَّخ على المطلق، وفيه خلاف، وكذلك الثاني. وأما الثالث: فإن دلَّ فإنما يدل على تقدم الإباحة في جلد شاة ميمونة على المنع، ولا يدل على تقدم الإباحة مطلقًا على المنع، والإباحة لم ينحصرْ طريقُها في التعليق بحديث شاة ميمونة، وإذا لم ينحصر، فلا امتناعَ من تأخُّر الإباحة في غير حديث ميمونة، كهذا الحديث الَّذي نحن فيه المقتضي للإباحة مطلقًا. وَيرِدُ على هذا: أنه إذا ثبت تقدمُ الإباحة في حديث ميمونة على المنع، فلو تأخرتْ إباحةٌ أخرى عن المنع لزم النسخُ مرتين، وفي ذلك تكثيرُ مخالفةِ الدليل. وإنما رددنا القولَ في دَلالة الحديث على الإباحة؛ لأن قولَها: "فما زلْنَا ننبذُ حتى صارَ شنًا"، إنما يدل على التقدم على الشهر إذا كان دالًا على كونه صار شنًا في حياة الرسول ﷺ ، وليس في اللفظ ما يدل عليه، فجاز أنْ يستمرُّوا على استعماله بعد وفاة الرسول ﷺ إلى أنْ يصيرَ شنًا، ويمكن لمُدَّعٍ (١) أنْ يدَّعيَ أن هذا خرج مَخرجَ الاستدلال، ولا دليلَ إلا في فعل الرسول أو قوله أو إقراره، فلو انتفى كلُّ ذلك لم يصحَّ الاستدلال، ويمكن أن يُنازَعَ في هذه الدعوى.

стр. 1071

وأما الوجه الرابع: وهو اللفظ الدال على تقدم الإباحة، وهو قوله ﷺ : "كُنْتُ رخَّصتُ لكم": فيتوقف على إثبات هذه اللفظة بعينها، وقد زعم بعضُ من ينسب إلى الحفظ من المتأخرين أنها بعيدةُ الثبوت، وكأن هذا كلامٌ لم يُحط به خُبْرًا، وهو حديث رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي من رواية أبي سعيد البصري (١)، من جهة الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكَيم قال: جاءنا كتابُ رسول الله ﷺ ، ونحن بأرض جُهَينة: "إنِّي كُنْتُ رخَّصتُ لكم في إهابِ الميتةِ وعصبِهَا، فلا تنتفعوا بعصبٍ ولا إهابٍ". وذكر ابن عدي، عن علي بن المديني أنه قال في أبي سعيد: كان ثقةً، وكان من أصحاب يونس، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح. قال علي: وقد كتبنا (٢) عن ابنه أحمد بن أبي سعيد. وقد ذكر ابن عدي: أنه حدث عنه ابنُ وهب بالمناكير (٣)، وقد ذكرت في كتاب "الإمام في أحاديث الأحكام": أن لقائل أن يقول: إذا ثبت توثيقه بقول علي بن المديني، فلْتُعَدَّ هذه تفردات ثقة؛ أعني: الأحاديث التي قيل: إنها منكرة، رواها عنه ابن وهب (٤).

стр. 1072

الطريق الثاني في الاعتذار: تأويل لفظ "طَهُر" على صلح وطاب ونظف، بناءً على إباحة استعمال الجلد بعد الدباغ، ويحمل "طهر" على مثل هذا، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، وهذا يرجع إلى القاعدة التي ذكرناها من وجوب حمل الألفاظ الشرعية على حقائقها الشرعية. وهذا التأويل إما أن يقال فيه: إنه حمل للفظ على حقيقته اللغوية، وهي أن الطهارة هي الوَضاءة والنظافة، وما أشبه هذا، أو على المجاز الشرعي. ومما يضعف هذا التأويل أن يقال: إن الحاجة إنما مسَّت إلى معرفة الطهارة الشرعية؛ لاعتقاد أن الموت ينافيها، والجواب كان على ذلك، ثم يحتاج إلى بيان عاضد مرجح لهذا التأويل على العمومِ، وقرينةِ الحال في أحاديث الطهارة، وفيه عسر. وممَّا يدل على أن السؤال كان عن الطهارة الشرعية، والجواب كان عن ذلك، الحديثُ الصحيح عن ابن وعلةَ السبأي قال: سألت ابنَ عباس، قلت: إنا نكون بأرض المغرب، ومعنا البربرُ والمجوسُ، نؤتى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحَهم، ونُؤتى بالسِّقاء يجعلون فيه الوَدَك، فقال ابنُ عباس: قد سألنا رسولَ الله ﷺ فقال: "دِبَاغُهُ طَهُورُه" (١).

стр. 1073

وكذلك قولُهم في حديث ميمونة بعد قوله ﷺ : "هلَّا أخذْتُم إهابَها فدَبغْتُموه، فانتفعْتُم به؟ " قالوا: إنها ميتة، قال: "إنَّما حَرُم أكلُها" (١). وكذلك قولهم: لما استسقى ﷺ من شَنٍّ معلقة، فقال: يا رسولَ الله! إنها ميتة، فقال ﷺ : "دِباغُ الأديمِ طَهُورُه" (٢). السابعة والعشرون: الذين قالوا بطهارة الجلد بالدباغ يحتاجون إلى الجواب عن حديث عبد الله بن عُكَيم، والذي يقال فيه وجوه: الأول: التعليل باضطراب الإسناد، قال الترمذيُّ: سمعت أحمدَ بن الحسين يقول: كان أحمدُ بن حنبل يذهب إلى حديث عبد الله بن عُكَيم لما ذكر فيه: "قبل وفاته بشهرين"، وكان يقول: هذا آخر أمرِ النبيِّ ﷺ ، ثم ترك أحمدُ هذا الحديث لمَّا اضطربوا في إسناده، حيث يروي بعضُهم: قال عبد الله بن عُكَيم عن أشياخ من جُهَينة (٣). وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي (٤)

стр. 1074

شيخ شيوخنا: وقد اعتمد الأصحاب على حديث عبد الله بن عُكَيم، ثم ذكره، قال: وهو ضعيف في إسناده، قابل للتأويل في مراده. وأقول: قولُه: وهو ضعيفٌ في إسناده، لا يُحمل على الطعن في الرجال، فإنهم ثقاتٌ إلى عبد الله بن عكَيم، وإنما ينبغي أن يحملَ على الضعف بسبب الاضطراب، كما ذكرنا عن أحمد بن حنبل ﵀ (١). وأبو حاتم ابن حبان قد أخرجه في "صحيحه" (٢). الوجه الثاني: القول بموجبه بناء على أن الإهابَ اسم للجلد قبل الدباغ، وقد تقدم الخلافُ فيه بين نَقَلة اللغة، وأن بعض أهل اللغة يجعل الإهابَ اسمًا للجلد من غير تقييد، وهو قول الهُنائي في "مجرده" (٣)، والزُّبيدي في "مختصره" (٤)، والأزهري في "تهذيبه" (٥)،

стр. 1075

وقال الأزهري في "غريب كتاب المزني": وكل جلد عند العرب إهاب (١). وعلى قول هؤلاء لا يتمُّ القولُ بالموجب. الوجه الثالث: التخصيص، وهو مبنيٌّ على أن الإهاب اسم للجلد مطلقًا، فإذا كان كذلك، فهو عامٌّ فيما قبلَ الدباغ وبعدَه، فنخصه بما قبل الدباغ، وهذا يُحوِج إلى قاعدتين قدمناهما؛ إحداهما: أن لا يُقدَّم المؤرَّخ. والثانية: حكمُ العام مع الخاص إذا جُهل التاريخ. الوجه الرابع: الترجيح، وهذا مذكور عن الشافعي ﵀ في المناظرة التي ذكرها أبو الشيخ الحافظ، قال: إن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعيَّ وأحمدَ بن حنبل (٢) في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغُها طهورُها، فقال له إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث االزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أن النبي ﷺ قال: "هلَّا انتفعْتُم بإهابِهَا". فقال له إسحاق: حديث ابن عُكَيم: كتب إلينا النبيُّ ﷺ قبلَ موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإِهابٍ ولا عَصَبٍ، فهذا يشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبلَ موتِه بشهر.

стр. 1076

فقال الشافعيُّ ﵁: هذا كتاب، وذاك سماع. فقال إسحاق: إنَّ النبيَّ ﷺ كتب إلى كسرى وقيصرَ فكانت حجةً عليهم عند الله. فسكت الشافعيُّ، فلما سمع ذلك أحمدُ ذهب إلى حديث ابن عُكَيم، وأفتى به، ورجع إسحاقُ إلى حديث الشافعي (١). قلت: وكان والدي ﵀ يحكي عن شيخه الحافظ أبي الحسنن علي المقدسي، وكان من مشاهير من ينسب إلى مذهب مالك: أنه كان يرى أن حجةَ الشافعي باقيةٌ، يريد: لأن الكلامَ في الترجيح بالسماع والكتاب، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب. هذا معنى ما احتج به الشيخ، أو ما يقاربُه، والله أعلم. الثامنة والعشرون: اختلفوا في نجاسة الآدمي بالموت، وإذا قيل بنجاسته، فهل يطهر جلدُه بالدباغ؟ على وجهين للشافعية، وقيل: أظهرُهما: نعم؛ لعموم الخبر، والثاني: لا يطْهُر؛ لما فيه من الامتِهان (٢). قلت: لا شك في تناول العموم له؛ فإما أنْ يخصَّ عنه بالعادة الفعلية كما أشرنا إليه في بعض الأعذار عن استثناء جلد الكلب، وقد

стр. 1077

قدَّمنا الجوازَ عنه، على أن هذه المرتبةَ أقربُ من مرتبة استثناء جلد الكلب عن العموم، وإلى الإخراج عنه، وإما أن يخصَّ بما ذُكِر من الامتهان، وربما قيل: لأنه معصية، إلا أن هذه المعصيةَ مجانبةٌ لمقصود الدباغ، لا تعود بخَلَل ولا نقص فيه، فيمكن أن يُردَّ إلى أنَّ الرخصَ لا تُناطُ بالمعاصي، بعد تقرير أنَّ تطهيرَ الدباغ للجلد رخصةٌ، والله أعلم. التاسعة والعشرون: ويمكن من يقول بتنجيس الآدمي بالموت أن يستدل بالحديث، فيقول: إن كان يطهر جلدُه بالدباغ فقد نجس بالموت، والملزومُ ثابتٌ؛ لقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغ" فاللازم ثابت، وهو النجاسة بالموت. وبيان الملازمة: أن التطهيرَ بالدباغ يقتضي عدمَ الطهارة قبل الدباغ، وعدمُها بحصول النجاسة. الثلاثون: اختلفوا في طهارة ما لا يؤكل لحمُه بالذكاة، ومذهب الشافعي: عدم الطهارة (١)، وعن أبي حنيفة: ثبوتُها (٢)، واستدلَّ لعدم الطهارة بقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، وطريق الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن الحديث يقتضي ترتبَ حكم الطهارة على الدباغ

стр. 1078

عمومًا في كل جلد، وذلك يقتضي عدمَ الطهارة في المسألة المذكورة؛ لأنه يدخل تحت العموم جلدُ ما لا يؤكل لحمُه إذا ذُكِّي، فتكون الطهارةُ فيه مترتبةً على الدباغ، وعلى تقدير تأثير الذكاة في الطهارة لا تكون الطهارةُ مترتبة على الدباغ؛ لحصولها قبلَه بالذبح. وثانيهما: أن الحكم بطهارته بالدباغ يقتضي نجاستَه قبلَه، فلا يكون طاهرًا. الحادية والثلاثون: هل يقع الاتِّفاق على تخصيص هذا العموم، أم لا؟ وأما على ما حكيناه في هذه المسألة السابقة: أن قوله: "فقد طَهُر" يقتضي أن يطهرَ بالدباغ، فالتخصيص ظاهر؛ لأن جلد ما ذكي من المأكول طاهر لا تتوقف طهارتُه على الدباغ، فيخرج عن هذا العموم. ويحتمل أن يكونَ المرادُ: أيُّما إهاب نجس دبغ فقد طهر، ويدل على ذلك أن الطهارةَ تكتسب لتقدم النجاسة، ويكون من باب حذف الصفة، فعلى هذا لا يلزم التخصيصُ فيما دلَّ عليه الحديثُ بالاتفاق؛ لذهاب بعض العلماء إلى أن كلَّ جلد نجس يطْهُر بالدباغ. وهذا يقال فيه: إنه من أمثلة تعارض المجاز والتخصيص؛ لأنَّا إذا قدرنا: كل إهاب نجس، ففيه مجاز الحذف، وإذا لم نقدر ذلك لزم التخصيصُ على ما قررناه، وهو وإن كان قد قُرِّر في الأصول تقديمُ التخصيص على المجاز، إلا أنَّ الأغلبَ على الظنِّ - والله أعلم -

стр. 1079

أنَّ المقصودَ تعميمُ الطهارة فيما يدبغ من الأُهُب النجسة، وليس يمتنع أن يتقدمَ المرجوح، لا من حيث هو، بل بقرائنَ خارجةٍ عن ذاته تقتضي غلبةَ الظن بترجيحه، والقرينة هاهنا: أن المقصود بيانُ الطهارة، وإن ما يُتخيَّلُ راجحًا، [و] هو النجاسة بالموت، فهو زائل بالدباغ، وأما ما تقررت طهارتُه، فغنيٌّ عن البيان لطهارته. الثانية والثلاثون: قد قدمنا في بعض وجوه الترجيح بين الحديثين اللذين أحدهما: قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر"، والثاني: نهيه ﷺ عن افتراش جلود السباع، أنا قلنا: نهيه ﷺ عن افتراش جلود السباع مخصوص بالاتفاق، وقوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طَهُر" غير مخصوص بالاتفاق، فترجح العمل به على مُعارِضِهِ، وهذا البحث الَّذي ذكرناه في المسألة قبلها يقتضي دخولَ التخصيص أيضًا في قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر"، وهو التخصيص فيما ذكي، وقد ذكرنا ما يحتمل أن يُورَدَ عليه، فإن تَمَّ الجوابُ عنه بما ذكرناه، تمَّ ذلك الترجيحُ، وإن لم يتمَّ فطريقُ الترجيح أن يقال: ما ذكرتموه من التخصيص بما ذُكر مشتركٌ بيننا وبينكم، وتَنْفَرِدُون بتخصيص آخر، وهو إخراج جلد الكلب والخنزير، فما ذكرتموه فيه زيادةُ مخالفةٍ للدليل، وما ذكرناه فيه تعليلُ ذلك، فكان ما ذكرناه أولى. الثالثة والثلاثون: قوله ﷺ "إذا دُبغَ" يقتضي فعل فاعل للدِّباغة، والفقهاءُ لا يوقفون الطهارة بالدباغ على فعل فاعل، فلو

стр. 1080

أطارت الريحُ الجلدَ فألقته في المَدْبَغة فاندبغ، طَهُر، والسبب فيه ما فهم من أنَّ الموجبَ للتطهير بالدباغ ما يحدثُهُ الدباغ في الجلد من الطِّيب، وينقله عن حاله من الخَبَث، وأن هذا الموجب لا تفاوتَ فيه بين القصد وعدم القصد، وصار هذا كما عُلم أن الماء مطهر للنجاسة، وأن ما يحصل من التطهير به حاصلٌ وإن لم يُقصد، حتى لو انجرَّ السيلُ ومرّ على نجاسة بالأرض فأزالها، طهرت الأرض، وهذا من المعاني القوية التي يقوى في النفس تقدُّمُها على الظاهر البعيد. الرابعة والثلاثون: إذا دبغَ الجلدَ غيرُ مالكه طَهُر؛ لأنه مندرجٌ تحت اللفظ؛ أي: تحت قوله ﷺ : "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طَهُر"، وهذا إهاب دبغ فطهر. وأما اختلاف الشافعية في أن الغاصب الدابغ؛ هل يملك الجلد، أو يكون للمالك، أو يُفرَّق بين زوال يد المالك قبل دبغه، أو إزالتها بفعل الدابغ (١)؟ فمما لا يتعلق بهذا اللفظ، وليس يبعد من الظاهري أن يقول: لا يطهر هذا الجلد بالدباغ من غير المالك؛ لقوله ﷺ : "مَنْ أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ" (٢)؛ أي: مردود، وهذا الدباغ ليس من أمره ﷺ ؛ لأنه معصية،

стр. 1081

فيكون مردودًا، وردُّه بفساده، وترتب حكمه عليه (١). الخامسة والثلاثون: لمَّا كان الحكم متعلقًا بالدباغ، وجب أن يُعلمَ ما يحصلُ به مسمَّى الدباغ؛ لترتبِ الحكم عليه، وقد ذكر أقضى القضاة الماوردي الشافعي في كتابه "الحاوي": أنه جاء الخبر بالنص على الشَّبِّ والقَرَظ (٢)، قال: واختلف الفقهاء، فذهب أهل الكوفة إلى

стр. 1082

أن حكم الدباغ مقصورٌ عليه، وأنه لا يصح إلا به؛ لأن الدباغةَ رخصةٌ، فاقتضى أن يكونَ حكمُها مقصورًا على النص، وقال أبو حنيفة: المعنى في الشَّبِّ والقَرَظ أنه منشِّفٌ مجفِّفٌ، وكلُّ شيء كان قيه تنشيفُ الجلد وتجفيفُه جاز به الدباغُ حتى بالشمس والنار. قال: ومذهبُ الشافعي أنَّ المعنى في الشَّبِّ والقَرَظ أن يحدثَ في الجلد أربعة أوصاف: أحدها: تنشيفُ فضوله الظاهرة ورطوباتِه الباطنة. الثاني: تطييبه، وإزالة ما طرأ عليه من سُهوكة (١) ونتن. الثالث: نقل اسمه من الإهاب إلى الأديم، والسبت، والدَّارِش. الرابع: بقاؤه على هذه الأحوال بعد الاستعمال. فكلُّ شيء أثر في الجلد هذه الأوصاف الأربعة من الخشب

стр. 1083

وقشور الرمان والعفص جاز به الدباغ؛ لأنه في معنى الشَّبِّ والقَرَظ، وصحح ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما أثر الشَّبُّ والقَرَظ هذه الأوصافَ الأربعةَ، لم يكن اعتبارُ بعضِها في الدباغة بأولى من بعض، فصار جميعُها معتبرًا، ولم يكن حكمها في الشَّبِّ والقَرَظ مقصورًا؛ لأنها في غيرها موجودةٌ. والثاني: أن للدباغة عرفًا في العرف، ولم تكن في عرفهم مقصورة على الشَّبّ والقَرَظ كما قال أهل الظاهر؛ لاختلاف عادتهم في البلاد، ولا اقتصروا فيها على مجرد التجفيف بالشمس، كما قال أبو حنيفة، فصار كلا المذهبين مدفوعًا بعرف الكافة، ومعهود الجميع. فثبت بهذين جوازُ الدباغة بما سوى الشَّبِّ والقَرَظ، إذا أحدث في الجلد ما ذكرناه من الأوصاف الأربعة (١). قلت: ما ذكره الماوردي عن الظاهرية ذُكر وجهًا عند الشافعية؛ أعني: اختصاص الدباغ بالشَّبِّ والقرظ، وشُبِّه باختصاص ولوغ الكلب بالتراب على الأظهر. وحكي عند الشافعية وجهٌ آخر: أن التجميد بالإلقاء في التراب والشمس يكفي (٢). وكلام الماوردي ﵀، للنظر فيه مجال.

стр. 1084

السادسة والثلاثون: اختلفت الشافعيةُ في وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ على وجهين، رُجِّح منهما عدمُ الوجوب، واستدلَّ بقوله ﷺ : "أيُّما إهابِ دبغَ فقد طهرَ" (١). فإن كان الدباغ يتأتَّى بدون استعمال الماء فيه، فالحكم صحيح، والاستدلال ظاهر. وإن كان لا يتأتى في العادة إلا باستعمال الماء فيه، فإن كان اسم الدباغ ينطلق عليه، وإن لم يستعمل، فهو راجع إلى تخصيص العموم بالعادة الفعلية، وإن كان لا يستعمله (٢) إلا بذلك يُخصَّص به. السابعة والثلاثون: إذا وقع الدباغ بشيء طاهر، فهل يجب إفاضة الماء على ظاهره؟ فيه اختلافٌ عند الشافعية، رُجِّح منه الوجوب؛ لإزالة الأجزاء التي تنجست بملاقاة الجلد (٣). والحديث بظاهره يدل على عدم الوجوب؛ لترتب الطهارة على مسمى الدباغ، وقد حصل، إلا أنَّ وجوبَ الإفاضة عليه مبنيٌّ على قاعدتين قويتين: إحداهما: أن الأجزاء قد نجُست بالملاقاة للنجاسة، وهذا مقطوع به.

стр. 1085

والثاني: أن الماءَ متعيِّنٌ لإزالة النجاسات، وهذا منشأ عليه الحكمُ (١) المذكور عند القائلين به. فلقوةِ القاعدتين قد يترجح العملُ بهما على مجرد الظاهر من حيث يُعتقد: أن المقصود إنما هو تعريفُ تأثيرِ الدباغ في طهارة الجلد. الثامنة والثلاثون: الجديد من مذهب الشافعي أنه يطهر ظاهرُ الجلد وباطنُه (٢). ودليله الحديث، وهو ظاهر؛ لأن الطهارة أضيفت إلى الإهاب، وهو حقيقة في الجملةِ ظاهرِها وباطنِها. وللشافعي قولٌ قديمٌ أنه يطهر ظاهرُه دون باطنِه، ووجهه: الجمع بين حديث المنع، وأحاديث الانتفاع، بحمل الأول على الباطن، والثاني على الظاهر (٣). وهو ضعيف. التاسعة والثلاثون: في قاعدة يبنى عليها غيرُها: إذا كان السبب حاصلًا ترتَّبَ عليه وجودُ المسبَّبِ ظاهرًا إلا لمانع، وإذا ارتفع مانع لم يترتب عليه ثبوت الحكم، إلا إذا انحصر المانع في المرتفع، وقد يشتبه ارتفاعُ المانع بوجود السبب من حيثُ إنَّ الحكم قد يثبتُ عَقيب كلِّ واحد منهما.

стр. 1086

الأربعون: اختلفوا في جواز بيع الجلد المدبوغ، فقيل بالجواز، واستُدِلَّ عليه بأنه طاهرٌ، فجازَ بيعُه كغيره. واعتُرِض: بأن الطهارة لا يلزم منها جوازُ البيع بدليل أم الولد، فإن كان المُستدِلُّ اعتقد بأن الطهارة سببٌ لجواز البع، فيثبت الجواز عملًا بالسببية، فالسؤالُ واردٌ عليه. وإن اعتقد أن النجاسة [هي] (١) المانعُ من جواز البيع فيه دون غيرها؛ لفرضه وجودَ بقية الشرائط، فاستدلاله صحيح، والاعتراض عليه لا يصح؛ لأن المقتضي عنده للطهارة هو زوالُ المانع المتعين، وفي مسألة أمِّ الولد النجاسة ليست مانعةً أصلًا، ولا مدخل لها في المانعيَّة، وإنما المانع تعلُّقُ حقِّ الحرية. الحادية والأربعون: الدالُّ على وجود الملزوم، دالٌّ على وجود لازمه، من لوازم حصول الطهارة جوازُ الصلاة به وعليه، وقد حصلت بدلالة الحديث، فتجوز الصلاةُ عليه. الثانية والأربعون: ومن لوازمها: جواز استعماله في اليابسات والمائعات. الثالثة والأربعون: اختلفوا في جواز أكل جلود الميتة بعد الدباغ على وجوه عند الشافعية:

стр. 1087

ثالثها (١): الفرق بين جلد ما كان مأكولًا فيجوز، وبين ما لم يكن مأكولًا فلا يجوز، والمنقول عن جديد قولي الشافعي: الجواز فيما كان مأكول اللحم، وعن القديم منعُه، واستدل للأول (٢) بقوله ﷺ : "إنَّما حَرُم أكلُها" (٣). الرابعة والأربعون: اختلفوا في نجاسة الشعور من الميتة، فظاهرُ مذهب الشافعي التنجيس (٤)، ومذهب مالك الطهارة (٥). فإذا قيل بالنجاسة، فدُبِغَ جلدٌ وعليه شعرُهُ، فهل يَطْهُر الشعر، أم لا؟ اختلف فيه عند الشافعية، وعُلِّل المنعُ بأن الدباغ لا يؤثر فيه (٦). ويمكن أن يُستدلَّ للجواز بالحديث، لأن اسم الإهاب ينطلق على الجلد بشعره، فيقال: هذا إهاب الميتة، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابُها وشعرُها، وإذا انطلق الاسم عليه حصلت الطهارة، ومما يؤيده حديثُ أبي الخير قال: رأيت على ابن وَعْلَةَ فَروًا، فمسستُه، فقال: قد سألت عبد الله بن عباس، قلت: إنَّا نكون بأرض المغرب، ومعنا

стр. 1088

البربرُ والمجوسُ، نُؤتَى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحَهم، ونؤتى بالسِّقاء يجعلون فيه الوَدَك، فقال ابن عباس: قد سألنا النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: "دِباغُهُ طَهورُهُ" (١). وقد ذكرنا في "الإمام" (٢) من حديث إبراهيم بن عبد الله العبسي، حدثنا عبيد الله، ثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البُنَاني قال: كنت سابعَ سبعة (٣) مع عبد الرحمن بن أبي ليلى في المسجد، فأتى شيخ ذو ظَفِيرتين، فقال: يا أبا عيسى! حدثني حديثَ أبيك. فقال: حدثني أبي قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنا لنصلِّي في الفراء. قال: "فأينَ الدَّبغُ"؟ قال (٤): فلما ولَّى قلت: من هذا؟ قال: سُويد بن غَفَلة (٥). الخامسة والأربعون: يمكن أن يستدلَّ على عدم نجاسة الشعور بالحديث بأن يُجعل دليلًا على مقدمة في الدليل.

стр. 1089

وطريقه أن يقال: لو نجَسَ الشعرُ بالموت، لما كان طاهرًا بعد الدباغ، لكن كان طاهرًا بعد الدباغ، فلا تتحقق نجاستُه بالموت. بيان الملازمة: أن الدباغ إنما يفيد الطهارةَ فيما له فيه أثر، ولا أثرَ للدباغ في الشعر، فلا يفيد الطهارة، وبيان أنه طاهر بعد الدباغ: أن اسم الإهاب ينطلق عليه بالشعر المتصل به، فيقال: هذا إِهابُ الشاةِ مثلًا، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابها وشعرها، فدل ذلك على إطلاق اسم الإهاب على الجلد بشعره، فإذا انطلق عليه وجب أن يُطَهر؛ لقوله ﵇: "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ". الاعتراضُ عليه يمنع الملازمةَ، وقوله في تقريرها: إن الدباغ إنما يفيد الطهارة فيما له فيه أثر، قصدًا أو تبعًا، الأول: مسلّم، ونحن لا نقول بأنه يفيدُها في الشعر قصدًا، وإنما يفيدها تبعًا للجلد بدلالة الحديث، وانطلاق لفظ الإهاب على الجميع. السادسة والأربعون: ويمكن أن يستدل به على العكس، وهو أنه ينجس الشعر بالموت، وطريقُه أن يقال: لو لم ينجس بالموت لما طَهُر بالدباغ، لكن طَهُر بالدباغ فنجس بالموت. وبيان الملازمة: أنه لو لم ينجس بالموت لكان طاهرًا، ولو كان طاهرًا لم يطهر بالدباغ؛ لأن تطهير الطاهر محال، وبيان طهارته بالدباغ قولُه ﵇: "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ"، بناءً على ما تقدم أن الإهاب ينطلق على الجلد مع شعره المتصل به.

стр. 1090

والاعتراض عليه: أن الإهاب حمل على الجلد وحده دون الشعر، فلا دلالة للحديث على طهارة الشعر بالدباغ، وأن قلنا بتناول اسم الإهاب له وللشعر تبعًا، فالحكم للطهارة بالدباغ للمجموع، والله أعلم. السابعة والأربعون: يقال للشيء: إنه نجس بمعنى نجاسة ذاته، كما يقال: المَيْتة نجسةٌ، ويقال: نجس بمعنى أنه اتصل بالنجاسة، كما يقال في الثوب إنه نجس إذا أصابه البولُ مثلًا، وذلك شائع في الاستعمال الفقهي. وكما يقال ذلك في النجس، يقال في الحكم بكونه طاهرًا، فيقال لِمَا انقلبت عينُه من النجاسة إلى الطهارة: قد طَهُر، كالخمر منقلبةً خَلاًّ، ويقال لِمَا أُزيلت عنه النجاسة المتصلة به: قد طهر، فعلى هذا قولَّه ﵇: "فقد طهرَ" يحتملُ أن يريد به طهارته؛ أي: طهارة الذات بالانقلاب، ويحتمل أن يريد به الطهارة بإزالة ما لحقه من النجاسة. فإذا استدل على كونِ الجلد نجسَ الذات بقوله ﵇: "فقد طهر"، فذلك للحمل لكلمة "طهر" على الذات، ويلزم منه نجاستُها قبل الدباغ، فيقال عليه: إن ذلك محمول على طهارته، بمعنى إزالة الفضلات النجسة عنه، كما يقال: إذا غُسل الثوب فقد طهر، فلا يتم ما قال الأول، إلا إذا كانت (١) لفظةُ "طهر" حقيقةً في الذات، ولعله الأقرب؛ لأن الضمير عائد إلى الإهاب، وهو الذات.
следующие страницы →