قلت: إذا انطلق عليه اسم اللباس، أو الاستعمال، أو اندرجَ تحت لفظ النهي عنه؛ فلا اعتبار بالتعليل الَّذي ذكره في جوازه، وأنَّهْ باطن، فإن ذلك مرتب (١) على اعتبار معنى الخيلاء، وهو معنىً أُخذ من مجرد المناسبة، واتباعُ اللفظ أولى، ثم البطانة ممنوعةٌ وليست بظاهرة.
السادسة والتسعون بعد الثلاث مئة: لباس الحرير في الحرب اختلفت عباراتُهم فيه، قال القاضي: واختُلف في لباسه في الغزو، إذ لا يقصد به الخيلاء الممنوعة (٢).
وأطلق الغزالي في موضع القول بأنه يجوز للغازي لُبس الحرير، فقيَّده الرافعيّ وقال: ليس الغزو عذرًا على الإطلاق (٣).
السابعة والتسعون بعد الثلاث مئة: أجاز الشافعية ﵏ لُبسَه عند مفاجأة القتال إذا لم يجدْ غيرَه، وذلك في حكم الضرورة.
الثامنة والتسعون بعد الثلاث مئة: قال الرافعي الشافعي - رحمهم الله تعالى - بعد ذكر جواز لبسه لمفاجأة القتال: وكذلك لُبس ما فيه جُنَّة للقتال، كالديباج الصَّفيق الَّذي لا يقوم غيرُه مقامه،
стр. 982
وجوز القاضي ابن كَجٍّ اتخاذَ القَباء ونحوه مما يصلح في الحرب [من الحرير] (١)، ولُبسَه فيها على الإطلاق؛ لما فيه من حسن الهيبة (٢) وزينة الإسلام، فينكسر (٣) قلبُ الكفار منه؛ كتحلية السيف ونحوِه.
قال الرافعي: والمشهور الأول (٤).
قلت: تخصيص العمومات والنصوص بمثل هذا المعنى لا يقوى، واتِّباع النص أولى.
التاسعة والتسعون بعد الثلاث مئة: افتراشُ الحرير للنساء، فيه اختلاف عند الشافعية على وجهين (٥)، ومَنْ يمنعه يمكنه (٦) أن يُدرجَهُ تحت (٧) العموم في النهي عن الجلوس على الحرير، أو العموم في النهي عن لباس الحرير، إذا كان الافتراش لُبسًا، ويخرج عنه ما عداه من أنواع اللبس، فيبقى الافتراشُ، وهو ضعيف، ويعارضه العمومُ الَّذي جاء في
стр. 983
جواز لُبس الحرير للنساء، وقد قدمنا الكلامَ في تلك الرواية (١)، فعليك باعتبار تعارضِ العمومين إن أردت التمسك به (٢) في هذه المسألة.
وذكر الرافعي ﵀ الوجهين في تحريم افتراشِ الحرير للنساء، قال: وأظهرهما - ولم يورِد في "التهذيب" سواه -: نعم، كاستعمال الأواني للسَّرف والخيلاء بخلاف اللبس، فإنه للزينة، فصار كالحُلِي (٣).
المُوفية أربع مئة: اختلفوا في جواز إلباس الصبيان الحريرَ، وللشافعية وجوه: ثالثها (٤): الفرقُ بين أن يكون دون سبعِ سنين فلا يُمنع، وبين أن يكون له سبعُ سنين فصاعدًا فيُمنع منه؛ كيلا يعتادَه (٥).
وإنْ (٦) أراد مستدركٌ أنْ يقولَ: اللباسُ مصدر يتناول لباسَ الإنسانِ وإلباسَه لغيره، فيخرج عنه ما يخرج؛ إما بالإجماع أو غيره من النصوص، ويبقى ما عداه، لكانَ ضعيفًا؛ فإن العرف يقتضي سَبقَ
стр. 984
الذهن إلى لباسِ (١) الإنسان لنفسه، ولو قيل: إنه لا يتناول الإلباسَ أصلًا؛ لكان كما قالته المالكيةُ في مسألة الاستنابة في الحج: إن الآية إنما تدل على الحجِّ لا على الإحجاج، وحَجُّ البيتِ: مصدر حَجَّ يَحُجُّ، وإحجاجُه: مصدُر أَحَجَّ يُحِجُّ، فالآية تقتضي الحجَّ بنفسه لا الإحجاج، إلا أن غايةَ هذا: أن الآيةَ لا تدل على الإحجاج، وذلك لا يمنع من أخذه من الحديث.
الأولى بعد الأربع مئة: قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتاب "سراج المريدين" (٢) في أثناء الكلام على لباس المرأة: وهاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أن المرأة لها لباسُها وفراشها من الحرير والذهب، وإذا (٣) جاءها زوجُها جَالَسها عليه وضَاجَعَها فيه، وإن دعاها إلى فراشه جاءت إلى إزاره وكسائه، ولا يلزمها إذا أراد الإتيانَ إليها أن تخرجَ [له] (٤) من بيتها إلى بيتِ فراشه الصوف، كما لا يلزمها أن تتجرَّدَ له إلى مِدْرعته الصوف، ولا خلافَ بين الأُمَّة أن يخالطَها وعليها ثوب الذهب، فيكون ثوبُها لهما لِفاعًا واحدًا.
ثم قال بعد ذلك: وروى محمد بن أحمد بن حماد، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن
стр. 985
كُرَيب، عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبيِّ ﷺ في إبل أعطاه إياها من الصدقة، فلما أتاه -[وكانت ليلةَ ميمونة]، وكانت ميمونة خالته (١) قال: فأتى النبيُّ ﷺ المسجدَ، وصلَّى العشاء، ثم جاء وطرح ثوبَه، ودخل مع امرأته في ثيابها (٢).
ثم قال بعد ما ذكره من ألفاظ الحديث، إلى قوله: فدخل على (٣) امرأته في ثيابها، فهو فقه الحديث الَّذي قصدنا منه أن الزوجَ يأتي امرأتَه فيدخل في ثيابها الحرير والذهب من لباسها.
قلت: أدلةُ تحريم الذهب والحرير على الرجال عامَّةٌ تتناول هذه الصورةَ التي ذكرها، وإخراجُها عن تلك الدلائل العامة تخصيصٌ يحتاج إلى دليل شرعي يدل عليه، وكأن ما ذكره يلتفت إلى قاعدة التبعية وإعطاءِ التابع حكمَ المتبوع، إلا أنها قاعدةٌ مضطربةٌ لا تجري على قانون واحد، وهي ذَاهِبةٌ إلى طريق الاستحسان، أو شبيهٍ بها (٤).
وما ذكره من أنه يخالطها وعليها ثوب الذهب، فيكون ثوبُها لهما لَفَاعًا واحدًا، وأنه لا خلاف فيه، فإن (٥) أراد أن يَمَسَّ (٦) ثيابها عند
стр. 986
المخالطة وهي عليها، فمسُّ الذهب والحرير ليس بحرام.
وإن أراد أن يخالِطَها بحيث يكون ثوبُ الحريرِ والذهب مشتملًا عليه اشتمالًا يحرم على الرجل (١) استعماله لو كان منفردًا عن المرأة، فهذه هي المسألة بعينها، فلا يستشهد بها [عليها] (٢)، وحينئذ يمنع وقوعُ الاتفاق على جواز هذا.
وأما ما ذكره في آخر الحديث: فدخل مع امرأته في ثيابها، وَأنه فقهُ الحديث، فهي واقعةُ حال لا عمومَ لها، ولا لفظَ عمومٍ، ولا دليلَ بوجه من الوجوه على كونِ تلك الثياب محرمةً على الرجال، وإذا لم تكن واقعةُ الحال دالة على خصوص المدَّعى، ولا اللفظُ متناولًا لها (٣) بعمومه، فلا دَلالة على المُدَّعى، والله أعلم.
الثانية بعد الأربع مئة: قد تقدمت الإشارةُ إلى تَكرار لفظ القَسِّي والحرير والإستبرق والديباج، وأنه قد يُورَدُ أنَّ لفظَ الحرير يتناول الجميع، فما السبب في التكرار؟
فأمّا إذا جعلنا القَسِّي ليس خالصًّا، فلا تكرار من جهته.
وإن جعلناه خالصَّا، ففي الجواب وجهان:
أحدهما: ما تقدَّم من الفرق بين الجمع في الخَبَر، و [في] (٤)
стр. 987
المُخْبَرِ عنه، وأنه لا يلزم من الجمع في الخبر الجمعُ في المخبَر عنه، فيجوز أن يكونَ النهيُ من النبي ﷺ وقَعَ عن هذه الأشياء متفرقًا، وجَمَعَ الراوي بينها في خبوه، إلا أن هذا لا يتمُّ في جميع ما ذكر هاهنا، فإنه قد صحَّ: "لا تَلْبسوا الحريرَ والديباجَ" (١) من لفظ الرسول ﷺ .
والوجه الثاني: أنَّ اختلافَ الصور والهيئات قد يُوْهِم اختلافًا في الحكم، إذ يمكن أن يكون بعض تلك الأوصاف مُعتبرًا، ألا ترى أن الإستبرق ما غلُظ، فقد يُوهِم أن غِلَظَه يُخرجِه من الاعتبار في معنى التحريم؛ لأنَّ وصفَ اللِّين (٢) أقربُ إلى الرفاهية، ألا ترى إلى قولهم: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، هذه البطائن فكيف الظهائر؟ (٣)، أو كما قيل.
وإذا كان اختلافُ الهيئات مما يُورث وهمًا، فذكرُ الأنواع المتعددة مفيدٌ في نفي اعتبار كلّ وصفٍ مخصوص من الأوصاف المذكورة، ويبين تعلَّقَ (٤) الحكم العام بالعام.
стр. 988
ولما قال الشيخُ أبو إسحاق الشيرازيُّ: ويَحرُم على الرجال استعمالُ الديباج والحرير في اللبس وغيره (١)، قال بعضُ المتكلِّمين على كلامه: أراد بالحرير هاهنا ما لا نقشَ فيه، والديباجُ ما فيه نقش.
وهذا إن كان إشارة إلى ما ذكرناه، فقد بسطنا القولَ فيه وفي تعليلِهِ، والله أعلم.
* * *
стр. 989
الحديث الثاني مِنْ هذا البَاب
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيْلَى: أنهم كانوا عند حُذَيفةَ فاستسقى، فسقاهُ مَجُوسِيٌّ، فلما وضعَ القَدَحَ في يده رمى به (١)، وقال: لولا أنِّي نهيتُهُ غيرَ مرةٍ ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعلْ هذا، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تَلْبسوا الحَرِيرَ، ولا الدِّيباجَ، ولا تَشْربُوا في آنيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، ولا تأكلُوا في صِحَافِها، فإنَّها لَهُمْ في الدُّنيا، ولكُمْ في الآخِرَةِ"، متَّفق عليه، واللفظُ للبخاري (٢)(٣).
стр. 990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 991
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر:
أما حذيفة ﵁: فهو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، واسمه حُسَيل - بضم الحاء المهملة، وفتح السين المهملة أيضًا - ويقال: حِسْل - بغير تصغير - (١) ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بنِ جُروة بن الحارث ابن مازن بن قُطَيعة بن عَبْسٍ العَبْسيِّ القُطعي، واليَمانُ (٢) لقبٌ.
قال أبو عمر: وشهدَ حذيفةُ، وأبوه حُسيل، وأخوه صفوان أُحُدًا، وقَتَلَ أباه يومئذٍ بعضُ المسلمين، وهو يحسَبُه من المشركين.
قال أبو عمر: وكان حذيفةُ من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو الَّذي بَعَثه رسولُ الله ﷺ يومَ الخندق ينظر إلى قريش فأتاه بخبرٍ مِنْ عندِهم، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأله، وهو معروفٌ في الصحابة بصاحبِ سرِّ رسول الله ﷺ ، وكان عمر ﵁ يَنظر عند [موت] (٣) مَنْ مات منهم، فإن لم يشهدْ جنازتَه حذيفة لم يشهدْها (٤)، وكان حذيفة ﵁ يقول: خيَّرني رسولُ ﷺ بين الهجرة والنُّصرة،
стр. 992
فاخترتُ النصرة (١).
وهو حليف الأنصار لبني عبد الأَشْهل، وشهد حذيفة نهاوَنْد، فلما قُتل النعمان بن مُقَرِّن، أخذ الرايةَ، وكان فتحُ همذان والرِّي والدِّيْنَوَر على يد حذيفة ﵁، وكانت فتوحُه سنةَ اثنين وعشرين.
ومات حذيفة ﵁ سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان ﵁ في أول خلافة علي ﵁، وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين، والأول أصحُّ، وكان موتُه بعد أن أتى نَعْيُ عثمان إلى الكوفة، ولم يُدْرِك الجمل (٢).
стр. 993
وأما عبد الرحمن بن أبي ليلى: فالمشهورُ [أنه] (١) ابن يسار، وقيل: داودُ بن بلال، كنية عبد الرحمن أبو عيسى، وهو أنصاري، إمّا بالنسب (٢) أو بالولاء، قال البخاريُّ: وكان بعضُهم يقول: هو من أنفسهم، وكان عثمانُ بن أبي شيبةَ يقول: هو مولى، وممن نسبه في الأنصار ابنُ سعدٍ كاتبُ الواقديِّ فقال: ابن أبي ليلى بن أصحبة قال: هو أحد بني جَحْجَبا، وكذلك (٣) رأيته منسوبًا في مسند يعقوب بن شيبة إلى بني جَحْجَبا في نسبٍ (٤) ذكره.
وابن أبي ليلى أحدُ كبار التابعين، وأبوه له صحبة، ذكر يعقوب ابن شيبة عنه أنه قال: أدركتُ عشرين ومئةً (٥) من أصحاب النبيِّ ﷺ ، ويقال: إنه وُلِدَ لستِّ سنين من خلافة عمر ﵁.
قال يعقوب: وروى عبد الرحمن عن عمر، وعلي، وعبدِ الله، وأبيِّ بن كعب، وسهلِ بن حنيف، وخوَّات بن جُبير، والبراءِ ابن عازب، وأبي ذرٍّ، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد، وزيد بن أرقم ﵁، وكلُّ هؤلاء من الصحابة.
стр. 994
قال [يعقوب] (١): وكان يحيى بنُ مَعين فيما حدثني عنه عباس (٢) يُنكر سماعَه منه، ويصحح له السماعَ من علي، فعلى مذهب يحيى أنه لم يسمعْ أيضًا من معاذ بن جبل.
قلت: ذكروا وفاةَ عبدِ الرحمن بن أبي ليلى سنةَ ثلاث وثمانين، يقال: مات غريقًا بنهر (٣) البصرة الَّذي يقال له دُجَيْل (٤).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وقد اتفق الشيخان على إخراجه في "الصحيحين" من حديث مُجاهد، والحَكَم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهذا الَّذي ذكرناه رواية (٥) سيف (٦) بن أبي سليمان، عن مجاهد، عن البخاري.
стр. 995
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: استسقى: استفعل من السَّقي، وهو بمعنى طَلَبَ منه السَّقْيَ، وذلك أحد ما تدل عليه هذه الصيغة، ويجيء لمعان أُخَرَ، لا مدخل لها هاهنا (١).
الثانية: المجوسيُّ: يحتمل أن يكون نسبة إلى أب، كما تنسب القبائل إلى أبيها، فيقال: تميمي وهاشمي مثلًا، ويحتمل أن يكون نسبة إلى مذهب أو (٢) دين، وقد أنشد سيبويه (٣) [من الوافر]:
كَنَارِ مَجُوسَ تستعرُ اسْتِعَارا (٤)
الثالثة: هذا المجوسيُّ قد ورد ذكرُه بأعمَّ من هذا الوصف وبأخصَّ منه، ففي رواية: [شهدتُ] (٥) حذيفةَ استسقى بالمدائن، فأتاه
стр. 996
فأتاه إنسانٌ بإناء من فضة (١)، وفي رواية عبد الله بن عُكَيم: فجاءه دُهْقان بشراب في إناء من فضة (٢).
والذُهقان - بكسر الدال وضمها -: الزعيم في القرية من الفرس.
قال القاضي: ويَحتمل أن يكون سُمِّي بِهِ من جَمعِ الماء (٣) وصَبَّه (٤) ومِلءِ الأوعية به، يقال: أدْهَقْتُ الماء إدهاقًا، ودَهَقْتُهُ، وأَدْهَقُه: إذا أفرغتُه إفراغًا، ودَهَقَ لي دَهْقَةً من المال: إذا أعطانيه، وأَدْهَقْتُ الإناءَ: ملأْتُهُ.
قال الشاعر [من المنسرح]:
دِهْقَانةٌ تَسْجُدُ الملوكُ لها ... يُجبَى إليها الخَرَاجُ في الحَربِ (٥)(٦)
стр. 997
أو يكون من اللين، والدّهْقَنَة: لِيْنُ الطعام، والدَّهاقين؛ لأنهم يُلَيِّنون طعامَهم وعيشهم لِسَعَةِ مالِهم (١)، أو يكونُ دَهْقَنَةَ الطعام ولينَهُ مستفادٌ (٢) من اسمهم، إذ هي عادتهم، والله أعلم، وقيل معناه: الحِذْقُ والدَّهاء والنُّهَى (٣)(٤).
الرابعة: في هذه الرواية: [فرمى به] (٥)، وفي رواية عبد الله بن عُكَيْم: فرماه، وفي رواية عن ابن أبي ليلى: فرماه به.
فأما رواية: رمى به، فالضميرُ للقدح، والفعلُ يتعدى (٦) بالباء، يقال: رميتَ الشيء، ورميت به: إذا طرحتَه من يدك، هذا هو الظاهر.
وأما رواية: رَمَاه به، ففيها زيادةُ ضمير المفعول في رماه، وهو المجوسيّ.
وأما رواية: رماه، فيحتمل أن يكون الضمير للمجوسيّ، ويحتمل أن يكون للإناء، وينبغي أن يكون المعنى على رواية: رماه به؛ لدلالتها على ما دلَّ عليه الروايتان الأخريان وزيادة.
стр. 998
الخامسة: في قاعدة حروف الجرّ: يسميها الكُوفيون صفاتٍ؛ لنيابتها عن الصفات، ويترجم على هذا: باب (١) دخول بعض الصفات على بعض؛ أي: كون معنى هذا الحرف بمعنى هذا.
قال أبو محمد بن السِّيْد الأندلسيُّ - رحمه الله تعالى -: هذا الباب أجازَه قومٌ من النحويين أكثرُهم كوفيون، ومنع منه آخرون أكثرُهم بصريون، وفي القولين جميعًا نظر؛ لأن من أجازه دون شرط وتقييد لزمه أن يُجيز: سرت إلى زيد، وهو يريد: مع زيد، قياسًا على قولهم: إن فلانًا لظريف عاقل إلى حسب ثاقب، أي مع حسب ثاقب، قال: ويلزمه أن يجيز: في زيد ثوب؛ أي: عليه، قياسًا على قول عنترة (٢) [من الكامل]:
بَطَلٌ كأنَّ ثيابَهُ في سَرْحَةٍ (٣)
وهذه المسائل لا يُجيزها مَنْ أجازَ إبدال الحروف.
ومن مَنع ذلك على الإطلاق لزمه أن يتعسَّف في التأويل [التعسُّفَ] (٤) الكثيرَ، [وأورد] (٥) في هذا الباب أشياء كثيرةً يبعد تأويلُها
стр. 999
على غير وجه البدل (١)، كقوله [من الطويل]:
إذا [ما] امرؤٌ ولَّى عليَّ بِوُدِّه (٢)
وقوله [من الوافر]:
إذا رضيتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ (٣)
ولا يمكن المنكر لهذا أن يقول: هذا من ضرورة الشعر؛ لأنَّ هذا النوع قد كثُر وشاع، ولم يخصَّ الشعر دون الكلام، فإذا لم يصح إثكار المُنْكِر له، وكان المجيزون لا يجيزونه في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع، غيرُ جائزٍ القياس عليه، ووجب أن يُطلب له وجهٌ من التأويل يزيل (٤) الشناعة عنه، ويُعرفَ كيف المأخذ فيما يُورَد
стр. 1000
منه، ولم يأتِ فيه (١) للبصريين تأويلٌ أحسن من قولٍ ذكره ابن جني في كتاب "الخصائص" (٢)، وأنا أورده في هذا الموضع، وأَعضُده بما يشاكله من الاحتجاج المقنع، إن شاء الله.
قلت: ثم ذكر أشياءَ كثيرةً، حاصلُها يرجع إلى المعنى الَّذي يُسمَّى التضمينَ، وهو تضمينُ لفظٍ (٣) معنىً آخر؛ ليفيد المعنيين، ومما اشتُهر فيه قوله [من الرجز]:
قَدْ قَتَل اللهُ زيادًا عنِّي (٤)
قيلَ: ضمّن (قتلَ) معنى صرفَ؛ ليفيد الصَّرْف بالقتلِ، وأنه وَقَعَ به لا بغيره.
وذكر ابن السِّيْد فيه وجهًا آخر فقال: وقد يجوز أن يكون بمنزلة قولهم: حَجَجْتُ البيتَ عن زيدٍ، أي نِبْتُ في ذلك منابَه، وفعلتُ في
стр. 1001
ذلك مرادَه، فيكون معنى: قَد قتل الله زيادًا عني؛ أي: فعل به ما كُنْتُ أفعلُ أنا به لو قَدِرْتُ عليه.
وهذا يتعلق بهذا المثال الخاص، والأمثلة كثيرة في التضمين: ومنه: [قائدها السِّيادة] (١).
إذا [ما] امرؤٌ ولَّى عليَّ بودّه
قيل: إنَّما عُدِّي فيه "ولى" بـ "على"، وكان القياس أن يعدِّيهَا (٢) بـ "عن"؛ لأنَّه إذا ولى عنه بودِّه، فقد ضنَّ عليه به وبخل، فأجرى التولِّيَ بالودِّ مجرى الضَّنانة، والبخلَ بودِّه مجرى السُّخط؛ لأنّه تولية عنه [بودِّه] (٣)، [والتولي] (٤) لا يكون إلا عَنْ سُخْطٍ عليه، ومنه ما تقدَّم [من الوافر]:
إذا رضيتْ عليَّ بنو قُشيرٍ
قيل: إنما عُدِّي فيه "رضي" بـ "على"؛ لأنَّ الرضى بمعنى الإقبال (٥).
قلتُ: المانِعون لهذا الباب (٦) إمَّا أن يمنعوا الاستعمالَ على
стр. 1002
سبيل الحقيقة والمجاز معًا، أو على سبيل الحقيقة فقط، ويجيزونه على سبيل المجاز.
والقائلون بالجواز إمَّا أن يدَّعوا في الاستعمال الحقيقة، أو يقولوا بالمجاز فيه.
فإن ادَّعى المانعون العمومَ بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز، لم يصحَّ لهم ذلك، لأنهم إذا ردُّوا على المجيزين، جعلوا مدلولَ اللفظ حقيقة معنى من المعاني، ثم ردُّوا الاستعمالاتِ التي يذكرها المجوِّزون بالتأويل إلى ذلك المعنى، وهذا التصرف هو تقريرُ المجاز وبيانُ وجهه؛ لأنَّ اللفظ المستعمَلَ في ذلك المعنى ليس موضوعًا له، واستعمالُ اللفظ في غير ما وُضِعَ له مجازٌ، مثاله: إذا ضمَّنَّا (قتل) معنى (صرف)، فقد استعملنا لفظة (قتل) في غير ما وضعت له، وكذلك إذا ضمنّا (رضيَ) معنى (أقبل)، فلم توضع لفظة (رضي) لمعنى (أقبل)، فهي مجاز فيه، وكذلك تضمينَ (ولَّى) معنى (ضَنَّ) و (بَخِل).
وكذلك إذا قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]: إنه يعود إلى معنى الظرفية؛ لاستقرارِ المصلوب على الجذع استقرارَ الشيء في ظرفه فهو مجاز وبيان لوجه (١) علاقته.
فإذا كان الأمر على هذا، وسلَّم الكوفيون أنَّ الاستعمالَ في
стр. 1003
المعاني التي يوردونها مجاز، وكان تصرُّف البصريين آيلًا إلى المجاز، فهذا ينبغي أن يكونَ الخلافُ [فيه] (١) في ترجيح أحدِ المجازين على الآخر، لا في المنع من الاستعمال، [والحمل] (٢) أو الجواز فيهما.
وإن كان الكوفيون يروْنَ الاستعمالَ في هذه المعاني التي يوردونها حقيقةً، والبصريون يقولون هي مجاز، فقد تقررَ في علم الأصول أنَّ المجاز خيرٌ من الاشتراك، والاشتراكُ لازم على هذا القول؛ لأن الفريقين يتفقون على استعمال اللفظ في معنى حقيقته، والكوفيون على هذا التقدير يرون استعمالَه في معانٍ حقيقةً، فيلزم الاشتراك على هذا التقدير جزمًا، ولست أذكر التصريح من مذهب المجوِّزين بأنه حقيقة، وإنما المشهور قولُهم: ويكون كذا بمعنى كذا، وليس في هذا دليل على أنه حقيقة فيه.
السادسة: المجاز يحتاج (٣) إلى العلاقة والقرينة، والعلاقةُ (٤) هي المجوِّزة للاستعمال، والقرينة هي الموجبة للحمل، فإن كان الواقع ما قدَّمناه من رجوع الخلاف إلى ترجيح أحد المجازَين على
стр. 1004
الآخر، فهذا المقام قد يقع الترجيح فيه (١) بسبب العلاقة، وقد يقع بسبب القرينة.
أما بسبب العلاقة: فأن (٢) يكون أظهرَ للذهن، وأحصر عند الفهم (٣)، كما في مجاز الملازمة مثلًا، فإنَّ رُتَبَ التلازمِ متفاوتةٌ، ويكون بعضُها أقربَ (٤) من بعض.
وأما بسبب القرينة: فالقرائن لا تُحصى رُتبها، فقد تختلف بالكثرة والقلة، وبالظهور والخفاء، وغير ذلك، على هذا التقدير يُحتاج إلى النظر الجزئي بالنسبة إلى مواقع الاستعمال في (٥) علاقته وقرينتِهِ، والذي يدل على ما قلناه من رجوع المعنى إلى ترجيح مجاز على مجاز: أنه إذا قلنا: إنَّ (في) للظرفية، نحوَ: المال في الكيس، وزيد في الدار، فإذا (٦) قال بعضهم: إنها تكون بمعنى (على)، واستدل عليه بقوله : ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وبقول الشاعر (٧) [من الكامل]:
стр. 1005
بطلٌ كأنَّ ثيابَهُ في سَرْحَةٍ
فقال خصمُه: لا حجةَ في ذلك؛ لأن الجذوعَ صارت لهم بمنزلة المكان؛ لاستقرارهم فيها، وكذلك السَّرْحةُ بمنزلة المكان؛ لاستقرار الثياب فيها.
فيقال له: هاهنا هيئةٌ للمصلوب بالنسبة إلى الجذع، هي المدلول عليها بالكلام المذكور، فهذه الهيئة المعينة، هل حقيقة الظرفية والوعاء موجودة فيها، كما في قولنا: المال في الكيس، وزيد في الدار، أم لا؟
فإن لم تكن موجودة فقد استعملت في التي موضوعها الظرفية والوعاء فيما ليمس كذلك، فهي مجاز، وإن ادَّعيت أنها موجودة فهي خلاف ما ذكر من الظرفية في قولك: [المال في الكيس، وكفى دليلًا على أنها مجاز قولك: إن الجذوع] (١) صارت لهم بمنزلة المكان لاستقرارهم فيها، فإن الشيء لا يكون بمنزلة نفسه، فهي إذن غيرُه.
ثم يقول: إن (على) للاستعلاء، فهذه الهيئة المعيَّنة هل وجدت هذه الحقيقة فيها، أو لا؟
فمان وجدت فاللفظ الموضوع لهذه الهيئة هو (على) وهي (٢) معناها، ولم يستعمل فيها، واستعمل فيها (في)، فقد استعملت
стр. 1006
[في] (١) حيث يكون المعنى معنى (على)، ولا نعني بقولنا: إنها بمعنى (على) إلا أنها استعملت حيث يكون المعنى لـ (على)، فعلى كل حالٍ فالمجاز لازمٌ، والاختلاف في طريقه وتعيينه، وكذلك نقول في سائر ما يُدَّعى أنه لا حجةَ فيه، ونعتذر عنه بالتضمين أو بالحذف، فالتضمين والحذف مجازان، كما اعتذر عن استدلال من قال إن (على) تكون بمعنى الباء بقول (٢) الشاعر (٣) [من الكامل]:
فكأَنَهُنَّ رِبَابةٌ وكأَنَّهُ ... يَسَرٌ يُفِيضُ على القِدَاحِ وَيصْدَعُ
ويصدع مفسَّر بأنه يتكلم بالحق والعدل، فيبلغ ذلك أسماعَهم فيشقها [به] (٤)، من قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أي: فشُقَّ بها أسماعَهم.
فقيل في الجواب: إنه لا حجة فيه؛ لأنه قد تضمن (يفيض) معنى يَحمل (٥)، كأنه قال: يحمل (٦) على القداح، والتضمين مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير ما هو موضوع (٧) له، وكذلك أجيب عن
стр. 1007
الاستدلال بقوله: اركب على اسم الله؛ أي: بسم الله، فقيل: لا حجة في ذلك؛ لأن (على) تحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف، ويكون المجرور في موضع الحال، فكأنه قال: اركب متكلًا على اسم الله، فهذا من مجاز الحذف، ويقال أيضًا: إنَّ (على) حقيقة في الاستعلاء (١) كما ذكرتم، فهذه الحقيقة موجودة (٢) في محل الاستعمال على بابها، أو لا؟
الأول (٣): باطل قطعًا، والثاني: يوجب أن يكون استعملت في غير موضوعها، فهي مجاز.
وأما ما ذكره أبو محمد بن السِّيْد - رحمه الله تعالى - من أن مُجوِّز (٤) ذلك من غير شرط وتقييد يلزمه أن يجيز (٥): سرت إلى زيد، وهو يريد: مع زيد، قياسًا على قولهم: إن فلانًا ظريف عاقل إلى حسب ثاقب؛ أي: مع حسبٍ ثاقب.
فنقول فيه: إن حملْتَ كلامَهم على عدم اشتراط شيء أصلًا، وأنهم يحملون اللفظ المشترك على أحد معنييه حملًا بلا قرينة، تعيَّنَ
стр. 1008
المراد، و (١) يحملون اللفظ على المعنى المجازي من غير شرطي المجاز، وهما (٢) العلاقة والقرينة، فما ذكرت لازم على هذا التقدير، ولكنه لا نسلم أن دعواهم كذلك؛ لأنّ المواضع التي يستشهدون بها، والاستعمالات التي يوردونها، لم تعرَ من العلاقة والقرينة إذا (٣) ادُّعِيِ المجاز، أو من القرينة في الحمل إذا (٤) ادُّعِي الاشتراك، وأما امتناع سرت إلى زيد، بمعنى: مع زيد، فإما أن يُفرض انتفاءُ قرينة تدل على معنى (مع)، أو لا يفرض، فان فُرِضَ انتفاءُ القرينة (٥)، فهو ممتنعٌ لانتفاء شرط الحمل على المجاز إذا جعلنا الاستعمالَ مجازيًا، وليس امتناعُ الحمل على المجاز مع عدم شرط المجاز مما يوجب امتناعَ الحمل حيث يوجد شرط المجاز في الاستعمالات التي يدَّعونها، وإن منعت استعمالها في هذا الموضع (٦) مع وجود القرينةُ الدالة على أنها بمعنى (مع) فلا نسلِّم امتناعَه، ولو قامت القرينةُ على أنه أراد بقوله: سرت إلى زيد، [مع زيد] (٧) بكلام تقدم، أو بحالة
стр. 1009
مُشاهَدَةٍ (١) تدلُّ على المراد، لجاز ذلك، والله أعلم.
السابعة: قول ابن السّيْد - رحمه الله تعالى -: وإذا لم يصح إنكار المنكر له، وكان المجيزون لا يجيزونه في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع غيرُ جائز القياس عليه.
فهذا كلام يحتاج النظر فيه إلى قاعدة أصولية، وهي أنَّ المجاز هل يتوقف على السمع، ويشترط فيه الوضعُ، أم لا؟ وتحقيق القول في ذلك، فنذكر هذه القاعدة.
الثامنة: فرض الأصوليون مسألةً في [أن] (٢) المجاز هل يتوقف على السمع؟ وذكروا الدليل من الجانبين.
قال بعضهم: القائلون بأن المجاز يفتقر إلى الوضع خصَّصوا ذلك بالأنواع دون جزئيات المجاز الشخصية (٣)، فيقولون: لابد أن تضعَ العربُ نوعَ التجويز (٤) بالكل إلى الجزء، وبالسبب إلى المسبب، وغيرهما من الأنواع.
وأما وضعها للتعبير بهذا الكلِّ المعين عن هذا الجزء المعين، أو التجوز بهذا السبب المعين إلى هذا السبب المعين، فلا يشترطه أحد اتفاقًا (٥).
стр. 1010
ولم يزل الأدباءُ في الأعصار والأمصار يكتفون بمجرد العلاقة من غير فحص عن الوضع (١).
فأقول: إن أراد (٢) ابن السِّيْد قَصْرَه على السماع في الجزئيات، فالذي حكيناه آنفًا يمنع من ذلك، وإن أراد قصرَه على السَّماع في الأنواع، ففيه ما ذكرنا من الخلاف، ويرجع إذًا الخلاف هاهنا (٣) إلى أنه هل يثبت السماع في هذا النوع، أم لا؟
التاسعة: في وجه تعلُّقِ الحديث بما ذكرنا من القاعدة وما بعدها بعضُ من (٤) يرى استعمالَ حرف بمعنى آخر، قال: إن (في) تكون بمعنى (من) وأنشد فيه، قال الشاعر [من الطويل]:
ثلاثون شهرًا في ثلاثة أحوال (٥)
стр. 1011
وقال: المعنى من ثلاثة أحوال.
ولفظة (في) هاهنا مستعملة حيث يقول ﷺ : "ولا تأكلُوا في صِحَافها"، فانظر هاهنا في أنَّ كلمةَ (في) محمولةٌ على الظَّرفية، أو بمعنى (من) على مذهب من يرى ذلك، والحكم الشرعي في التحريم يتعلق بذلك.
العاشرة: الَّذي يمنع من حمله (١) على الظرفية أنه لو كان قوله ﷺ : "لا تشربوا في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافها" محمولًا على الظرفية والوعاء الَّذي مُثِّل بقولهم (٢): زيد في الدار، والمال في الكيس، لما كان اللفظ متناولًا إلا لتحريم الأكل والشرب، بحيث يكون الإناءُ ظرفًا لهما، وذلك بعيد و (٣) ممتنع.
أما أولًا: فإنه حمل اللفظ على صورةٍ مخالفة للعادة لا تقع إلا نادرًا، وحينئذ يحرم.
وأما ثانيًا: فلأنه لا يكونُ تحريمُ (٤) الصورة المعتادة بطريق اللفظ، وهذا إن صحَّ فيه القياسُ لم نَرَ أحدًا فَعَلَهُ، وليس صحة القياس فيه بالظاهر (٥)، وأعني يالصورة المعتادة: أن يأخذَ المأكولَ من الإناء
стр. 1012
ويرفعه إلى فيه ويأكله.
وأما ثالثًا (١): فلأن أهلَ العرف يطلقون على من فعل هذا أنه أكل في صِحَاف الذهب والفضة، وإذا كان كذلك (٢) على معنى (من) فيتناول حيحئذ الصورةَ المعتادةَ، ولا تنافي بين معنى (من) الَّذي هو لابتداء غاية الأكل، وبين معنى الظرفية، فيكون حينئذ اللفظُ متناولًا لهما معًا، إلا أنه يُعَدُّ حملُ اللفظ على مجازه بسبب تعذُّرِ حملِهِ على حقيقته، أو يُعدُّ حملُه على حقيقته (٣)، فالذين يمنعون من كون (في) بمعنى (من): إن ردُّوه إلى معنى الظرفية بطريق التأويل فهو مجاز، ويتعين ترجيح أحد المجازين [على الآخر] (٤)، وإن قصروه على معنى الظرف، فعليهم الجواب عما ذكرناه مما يبعُد حملُه على ذلك، وليس يبعد (٥) أن ينازِعَ منازعُ منهم في معنى الظرفية، وأنها لا تقتضي الاقتصارَ على الصورة التي استبعدناها، وهو أن يكون الإناء ظرفًا للفم عند تعاطي الأكل والشرب، لكنه مقتضى تمثيلهم (٦) بقولهم: المال في
стр. 1013
الكيس، وزيد في الدار، وقد قال: سعيد بن الدَّهان النحوي في كتاب "الغُرَّة" (١): المفهوم من معنى (في) هو اشتمال مقرِّ الشيء أو محله (٢) على ما يلاقيه، كقشر البيضة والمُحِّ (٣)، نقول: زيد في الدار، والمال في الكيس.
الحادية عشرة: قوله (٤): "فإنَّها لهُمْ في الدُّنيا، ولكُم في الآخرة"، وفي رواية عن عبد الله بن عُكَيم: "لا تشربوا في آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ، ولا تَلبسوا الدِّيباجَ والحريرَ، فإنَّه لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٥)، فأمّا على هذه الرواية في تذكير الضمير في قوله ﷺ (فإنه) (وهو)، فينبغي أن يعودَ على المذكور أولًا من إناء الذهب والفضة والحرير والديباج على تقدير، فإن ذلك (٦) كما ذكر عن رؤبة في قوله
стр. 1014
[من الرجز]:
فيها خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأنَّه في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ
وإنه قيل له: لمَ لا تقول (١) (كأنها) فتحمله على المخطوط، أو (كأنهما) فتحمله على السواد والبَلَق؟! فغضب، وقال: ذلك - ويلك - الَّذي بها توليعُ البهق (٢).
وأما على رواية تأنيث الضمير: "فإنها لهُم في الدُّنيا، وهي لكم في الآخِرَةِ"، فيحتمل أن يعودَ على الآنيةِ والصِّحاف، ويحتمل أن يعودَ على الجميع على معنى: فإن تلك المذكوراتِ، وما يقرُب منه.
* * *
* الوجه الرابع: [في الفوائد] (٣)، وفيه مسائل:
الأولى: فيه الشرب من آنية المجوس، وسيأتي الشُّرب من آنية الكفار.
الثانية: حذيفة ﵁ كان على المدائن، فيؤُخذ منه أن مثل هذا
стр. 1015
مما يُسامِحُ به الحاكمُ والمتولِّي، ولا يكون داخلًا تحت هدايا العمال.
فإن قلتَ: هذا يحتاج إلى أمرين؛ أحدهما: أن يكون الماء للدِّهقان، والثاني: أن يكون في حال ولاية حذيفة.
قلت: نعم، وكلا الأمرين هو الظاهر؛ أما الأول، فلوجهين:
أحدهما: ثبوت يدِه عليه مع عدم الدليل على خلافه بوجه من الوجوه:
والثاني: أنه علَّل الإنكار بكونه آنيةَ فضةٍ أو ذهب، فيكون هو منشأَ الإنكار، ولو كان الماء لغيره لزاحم العلةَ التي ذكرها (١)، وظاهر التعليلِ يقتضي الاستقلالَ.
وأما الثاني: فلأنه إنما يحتمل خلافَه بتقديراتٍ لا دليل [له] (٢) عليها أصلًا، وليس فيها إلا مجردُ التجويز.
الثالثة: فيه حسن التأديب على مخالفة الأمر، فإنه جعله منشأَ العُذرِ.
الرابعة: فيه أنه ينبغي تقديم الإنذار على التَّأديب؛ لاحتمال كون الجهل عذرًا، وبعد الإنذار ينبغي الإعذار.
الخامسة: فيه الاعتذار عما (٣) يبدُرُ من الإنسان مِمَّا قد يُنْكَر عليه
стр. 1016
فعلُه، والله أعلم (١).
السادسة والسابعة والثامنة: فيه النهي عن لبس الحرير والديباج، والشرب في آنية الفضة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبلَه.
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر هذا هاهنا بعد تقدمه؟
قلت: لو كان المقصودُ بيانَ الحكم كما في الكتب الفقهية لكان تكرارًا من غير فائدة، وإنما المقصود بيان ما في الحديث من الفوائد، وما يُستَنتج منه من الأحكام، وثبوت الحكم بحديث لا ينفي ثبوته بآخر، واستفادته من حديث ليس هي استفادته من آخر، وبهذا تحصل الفائدة في إعادة الذكر بحسب إعادة الأحاديث، وتتكرَّرُ الأدلةُ وتتعاضد.
التاسعة: في هذا الحديث النهيُّ عن الشرب في آنية الذهب،
стр. 1017
وهو زيادةٌ على ما دل عليه الحديثُ من النهي عن الشرب في آنية الفضة، وذلك بالنسبة إلى رعاية المعاني من باب الأولى، ولكن بالتنصيصِ عليه يندفعُ الشَّغبُ الظاهري، والأوهام البعيدة، والله أعلم.
العاشرة: فيه زيادة النهي عن الأكل، فينضاف إلى النهي عن الشرب المذكور في غير هذا الحديث.
الحادية عشرة: من المتبين أنَّ مأخذَ الظاهرية من النصوص مقصورٌ على مدلولات الألفاظ، والقياسيُّون معهم في ذلك، لكن لا على سبيل الحصر، بل يعتبرون المعاني، فقد يؤدي ذلك إلى تعميمه بالنسبة إلى مدلول اللفظ وتخصيصه.
وهذا الحديث الَّذي نحن في الكلام عليه يرجع إلى ما يستنبط منه إلى هاتين القاعدتين، والألفاظ التي (١) ينظر فيها بالنسبة إلى هذا الحديث، هي ما تدلُّ على الفعل المنهي عنه كالشرب والأكل، وما يدلُّ على كيفية ذلك الفعل؛ أي: كيفية الأكل والشرب، وإنما جاء النظر في هذا من جهة كلمة "في"، وأن المراد: هل هو الظرفية الحقيقية، أو هي بمعنى "مِن"، فإنَّ الأحكامَ تختلف بحسب ذلك.
الثانية عشرة: قد عُلم أنَّ اعتبارَ حقيقة الظرفية، بمعنى أن يكون الإناءُ ظرفًا للأكل والشرب متعذرٌ أو بعيد؛ لأن تلك الهيئة غيرُ معتادة في حق بني آدم، وهم المخاطبون، وتنزيلُ اللفظ عليها، تنزيلٌ له على
стр. 1018
أمر نادر مع كونه وردَ في تأسيسِ قاعدةٍ كليةٍ.
وإذا حملت كلمة "في" على معنى "مِن" تناولت الظرفية وغيرَها؛ لأن الظرفية في الأكل والشرب لا تنافي معنى ابتداء الغاية على ما عُرف، فعلى هذا لو وَضَع فَمَه في الإناء يَكْرَعُ فيه شربًا أو أكلًا، لكان مرتكبًا للنهي جزمًا، اعتُبِرت الحقيقة في كلمة "في"، أو لم تُعتبر.
الثالثة عشرة: إذا تعذَّرت الحقيقة، وتعدَّدت وجوهُ المجاز، وكان بعضُها أقربَ إلى الحقيقة تعيَّن الحملُ عليه، وهذا ظاهرٌ مشهور إذا كان المجازان بينهما تنافٍ في الحمل.
يبقى النظر فيما إذا كان المجازُ المحمول عليه عند تعذُّرِ الحقيقة مجازًا واحدًا يتناول محلَّين لا مانع من الحمل عليهما معًا، وأحدُهما أقربُ إلى الحقيقة من الآخر، فهل يتعين الحملُ على الأقرب من الاحتمالين، أو يُحمل عليهما معًا؛ لتناول ذلك الوجه العام لهما، وعدم التنافي؟
فقد يُحمل على الأقرب إلى الحقيقة، وقد يقال ذلك إذا تعددت وجوهُ المجاز عند تعذُّر الحقيقة، وكان في الحمل بينهما تنافٍ.
أما إذا اتَّحد المجازُ المحمولُ عليه، ولم يتنافَ الحملُ على وجهته، فليُحملْ عليهما؛ لأن في الحمل على الأقرب محذورَ التخصيص مع إمكان التعميم، بخلاف ما إذا تعددت وجوهُ المجاز، ووقع التنافي في الحمل، فإنه ليس فيه هذا المحذور.
стр. 1019
ومثال ما إذا تعذر الحمل على الحقيقة، وتعددت وجوهُ المجاز مع التنافي: ما إذا دخل النفي على الحقيقة اللغوية، وتعذر الحملُ عليها، كما في: (لا عملَ إلا بنيَّةٍ) مثلًا، فإن الحقيقة متعذرة، واحتمل أن يقدَّر: لا صحةَ عمل، واحتمل أن يقدَّر: لا كمالَ عمل.
فهذان وجهان من المجاز، وفي الحمل على أحدهما منافاةٌ للحمل على الآخر، لأنَّا إذا [قلنا]: لا صحة، لزم انتفاء الكمال، وإذا قلنا: لا كمال، لم يلزم انتفاء الصحة، بل قد يشعر بوجودها، والحملُ على نفي الصحة أقربُ إلى انتفاء الحقيقة من الحمل علي نفي الكمال.
وأما مثال القسم الثاني: فسيأتي في المسألة التي تلي هذه المسألة، إن شاء الله تعالى، ويتبين تنزيلُ الأمرِ فيها على ما أشرنا إليه من التخصيص وعدمِه.
الرابعة عشرة: قد ذكرنا تعذُّرَ الحمل على حقيقة الظرفية في كلمة "في" من قوله: ﷺ : "ولا تأكلوا في صحافها"، فإذا حملناها على معنى "من" مجازًا كانت لابتداء الغاية، وابتداءُ الغاية يتناول الشربَ مع مباشرة الإناء بالفم، والشرب من غير مباشرته، كما إذا صبَّ من الإناء في فِيْهِ من غير ملاقاته الإناءَ، والشرب منه لا مع مباشرته، ويمكن حملُه عليهما معًا، وليس أحدهما أولى من الآخر بالنسبة إلى ابتداء الغاية، ولكنَّ الأقربَ إلى حقيقة الظرفية الشربُ مع مباشرة الإناء، ومتى حملناه على المباشرة أخرجنا عنه الشربَ منه من
стр. 1020
غير مباشرةٍ مع تناول ابتداء الغاية له، وأنه ليست إحدى (١) الصفتين أولى - فيُحمل عليه اللفظُ وهو ابتداء الغاية - من الأُخرى، وهذا تخصيصٌ لبعض مدلول اللفظ بعد الحمل على ابتداء الغاية، فهذا هو المثال الَّذي قصدنا ذكره في المسألة قبلَها.
الخامسة عشرة: هذه الصورة التي فرضناها، وهي أن يرفع الإناء، ثم يصبُّ في فمه من غير مُماسَّة، ظاهرةٌ في التحريم؛ لأنه إذا أدرنا الحكمَ على الاستعمال فهو مستعملٌ، وإن أدرناه على مسمَّى الشرب من الإناء فهو حاصل، إذ يسمى شاربًا منه في الإطلاق العرفي.
وهاهنا تظهر فائدةُ البحث الَّذي قدمناه من النظر في قرب هذه الصورة من الحقيقة، وهل لذلك أثرٌ في تعيُّن الحمل عليها، أو لا؟
فإن لم يكن فظاهر، وإن كان اقتضى ذلك أنْ تخرجَ هذه الصورةُ من دلالة اللفظ، وأنْ يؤخذَ ذلك من دليلٍ آخرَ، فهو بعيدٌ.
السادسة عشرة: في قاعدة ينبني عليها غيرُها، المتقدمون من الأصوليين يقسمون الأحكام إلى وضعية وتكليفية، وبعض المتأخرين يردُّ الكلَّ إلى حكم التكليف.
ومن الأحكام الوضعية نصب الأسباب، والأصلُ فيها ترتُّبُ مسبَّبِها عليها من غير اعتبارِ شرطٍ في إعمال السبب.
وأما الأحكام التكليفية فاعتبار القصد فيها مناسب؛ لأن غايتَها