الأربعون: اختلفوا في جواز بيع الجلد المدبوغ، فقيل بالجواز، واستُدِلَّ عليه بأنه طاهرٌ، فجازَ بيعُه كغيره.
واعتُرِض: بأن الطهارة لا يلزم منها جوازُ البيع بدليل أم الولد، فإن كان المُستدِلُّ اعتقد بأن الطهارة سببٌ لجواز البع، فيثبت الجواز عملًا بالسببية، فالسؤالُ واردٌ عليه.
وإن اعتقد أن النجاسة [هي] (١) المانعُ من جواز البيع فيه دون غيرها؛ لفرضه وجودَ بقية الشرائط، فاستدلاله صحيح، والاعتراض عليه لا يصح؛ لأن المقتضي عنده للطهارة هو زوالُ المانع المتعين، وفي مسألة أمِّ الولد النجاسة ليست مانعةً أصلًا، ولا مدخل لها في المانعيَّة، وإنما المانع تعلُّقُ حقِّ الحرية.
الحادية والأربعون: الدالُّ على وجود الملزوم، دالٌّ على وجود لازمه، من لوازم حصول الطهارة جوازُ الصلاة به وعليه، وقد حصلت بدلالة الحديث، فتجوز الصلاةُ عليه.
الثانية والأربعون: ومن لوازمها: جواز استعماله في اليابسات والمائعات.
الثالثة والأربعون: اختلفوا في جواز أكل جلود الميتة بعد الدباغ على وجوه عند الشافعية:
стр. 1087
ثالثها (١): الفرق بين جلد ما كان مأكولًا فيجوز، وبين ما لم يكن مأكولًا فلا يجوز، والمنقول عن جديد قولي الشافعي: الجواز فيما كان مأكول اللحم، وعن القديم منعُه، واستدل للأول (٢) بقوله ﷺ : "إنَّما حَرُم أكلُها" (٣).
الرابعة والأربعون: اختلفوا في نجاسة الشعور من الميتة، فظاهرُ مذهب الشافعي التنجيس (٤)، ومذهب مالك الطهارة (٥).
فإذا قيل بالنجاسة، فدُبِغَ جلدٌ وعليه شعرُهُ، فهل يَطْهُر الشعر، أم لا؟
اختلف فيه عند الشافعية، وعُلِّل المنعُ بأن الدباغ لا يؤثر فيه (٦).
ويمكن أن يُستدلَّ للجواز بالحديث، لأن اسم الإهاب ينطلق على الجلد بشعره، فيقال: هذا إهاب الميتة، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابُها وشعرُها، وإذا انطلق الاسم عليه حصلت الطهارة، ومما يؤيده حديثُ أبي الخير قال: رأيت على ابن وَعْلَةَ فَروًا، فمسستُه، فقال: قد سألت عبد الله بن عباس، قلت: إنَّا نكون بأرض المغرب، ومعنا
стр. 1088
البربرُ والمجوسُ، نُؤتَى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحَهم، ونؤتى بالسِّقاء يجعلون فيه الوَدَك، فقال ابن عباس: قد سألنا النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: "دِباغُهُ طَهورُهُ" (١).
وقد ذكرنا في "الإمام" (٢) من حديث إبراهيم بن عبد الله العبسي، حدثنا عبيد الله، ثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البُنَاني قال: كنت سابعَ سبعة (٣) مع عبد الرحمن بن أبي ليلى في المسجد، فأتى شيخ ذو ظَفِيرتين، فقال: يا أبا عيسى! حدثني حديثَ أبيك.
فقال: حدثني أبي قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنا لنصلِّي في الفراء. قال: "فأينَ الدَّبغُ"؟
قال (٤): فلما ولَّى قلت: من هذا؟ قال: سُويد بن غَفَلة (٥).
الخامسة والأربعون: يمكن أن يستدلَّ على عدم نجاسة الشعور بالحديث بأن يُجعل دليلًا على مقدمة في الدليل.
стр. 1089
وطريقه أن يقال: لو نجَسَ الشعرُ بالموت، لما كان طاهرًا بعد الدباغ، لكن كان طاهرًا بعد الدباغ، فلا تتحقق نجاستُه بالموت.
بيان الملازمة: أن الدباغ إنما يفيد الطهارةَ فيما له فيه أثر، ولا أثرَ للدباغ في الشعر، فلا يفيد الطهارة، وبيان أنه طاهر بعد الدباغ: أن اسم الإهاب ينطلق عليه بالشعر المتصل به، فيقال: هذا إِهابُ الشاةِ مثلًا، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابها وشعرها، فدل ذلك على إطلاق اسم الإهاب على الجلد بشعره، فإذا انطلق عليه وجب أن يُطَهر؛ لقوله ﵇: "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ".
الاعتراضُ عليه يمنع الملازمةَ، وقوله في تقريرها: إن الدباغ إنما يفيد الطهارة فيما له فيه أثر، قصدًا أو تبعًا، الأول: مسلّم، ونحن لا نقول بأنه يفيدُها في الشعر قصدًا، وإنما يفيدها تبعًا للجلد بدلالة الحديث، وانطلاق لفظ الإهاب على الجميع.
السادسة والأربعون: ويمكن أن يستدل به على العكس، وهو أنه ينجس الشعر بالموت، وطريقُه أن يقال: لو لم ينجس بالموت لما طَهُر بالدباغ، لكن طَهُر بالدباغ فنجس بالموت.
وبيان الملازمة: أنه لو لم ينجس بالموت لكان طاهرًا، ولو كان طاهرًا لم يطهر بالدباغ؛ لأن تطهير الطاهر محال، وبيان طهارته بالدباغ قولُه ﵇: "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ"، بناءً على ما تقدم أن الإهاب ينطلق على الجلد مع شعره المتصل به.
стр. 1090
والاعتراض عليه: أن الإهاب حمل على الجلد وحده دون الشعر، فلا دلالة للحديث على طهارة الشعر بالدباغ، وأن قلنا بتناول اسم الإهاب له وللشعر تبعًا، فالحكم للطهارة بالدباغ للمجموع، والله أعلم.
السابعة والأربعون: يقال للشيء: إنه نجس بمعنى نجاسة ذاته، كما يقال: المَيْتة نجسةٌ، ويقال: نجس بمعنى أنه اتصل بالنجاسة، كما يقال في الثوب إنه نجس إذا أصابه البولُ مثلًا، وذلك شائع في الاستعمال الفقهي.
وكما يقال ذلك في النجس، يقال في الحكم بكونه طاهرًا، فيقال لِمَا انقلبت عينُه من النجاسة إلى الطهارة: قد طَهُر، كالخمر منقلبةً خَلاًّ، ويقال لِمَا أُزيلت عنه النجاسة المتصلة به: قد طهر، فعلى هذا قولَّه ﵇: "فقد طهرَ" يحتملُ أن يريد به طهارته؛ أي: طهارة الذات بالانقلاب، ويحتمل أن يريد به الطهارة بإزالة ما لحقه من النجاسة.
فإذا استدل على كونِ الجلد نجسَ الذات بقوله ﵇: "فقد طهر"، فذلك للحمل لكلمة "طهر" على الذات، ويلزم منه نجاستُها قبل الدباغ، فيقال عليه: إن ذلك محمول على طهارته، بمعنى إزالة الفضلات النجسة عنه، كما يقال: إذا غُسل الثوب فقد طهر، فلا يتم ما قال الأول، إلا إذا كانت (١) لفظةُ "طهر" حقيقةً في الذات، ولعله الأقرب؛ لأن الضمير عائد إلى الإهاب، وهو الذات.
стр. 1091
ولولا كثرة الاستعمال للفظة "طهر" على ما أُزيلت عنه النجاسة، لكان حملُه على طهارة الذات راجحًا رجحانًا قويًا.
الثامنة والأربعون: [ قول] الذين اختلفوا في أن المدبوغ إحالة أم إزالة، راجعٌ إلى هذا البحث الذي قدمناه.
فمن قال: إنه إحالة، فهو قائلٌ بنجاسة عينِ الإهاب، ومن قال: إنه إزالة، فهو قائل بأن الإهاب في نفسه طاهر، لكن لحقته الفضلاتُ المعفِّنةُ المُفْسِدة فتنجَّس بها، فإذا أزيلت بقي على أصله في الطهارة.
التاسعة والأربعون: النجاسة إذا استحالت أعراضُها هل تطهر؟
قسم الأمر فيه على أقسام:
أحدها: أن تكون الاستحالةُ قويةً؛ كاستحالة الدم في البيضة حيوانًا، فهذا يفيد الطهارة.
وثانيها: أن تكون الاستحالة ضعيفة؛ كتغير بعض صفات النجاسة فقط، فهذا لا يؤثر في التطهير.
وثالثها: أن تكون دون المرتبة الأولى، وفوق الثانية؛ كالميتة إذا أحرقت وصارت رمادًا، وغير ذلك.
فيمكن أن يُجعل الحديث طريقًا في هذه المرتبة المتوسطة، وطريقه أن يقال: إن كان زوال الأوصاف المستقذرة الموجبة للتنجيس موجبًا للطهارة، فالطهارة ثابتة في هذه الصورة، وإن كان
стр. 1092
زوال الأوصاف المستقذرة الموجبة للتنجيس ليس موجبًا للطهارة، فالنجاسة ثابتة، ولكنَّ انتفاءَها ثابتٌ؛ لقوله ﵇: "أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ".
الخمسون: ظُنَّ بابن سُريج ﵀ أنه يقول باشتراط النية في إزالة النجاسة (١)، فإن كان الظنُّ صحيحًا، وثبت قول باشتراط النية فيها، فيمكن أن يستدلَّ بهذا الحديث، ووجهه: أن الطهارة معلقةٌ بأن يدبغَ الجلدُ، وقد قدمنا أن لفظة "دبغ" تقتضي فعلًا من فاعل، فيكون الحكمُ بالطهارة مقيَّدًا بالصفة، فإذا قيل بالمفهوم في مثل هذا اقتضى أن لا يطهر الجلد إلا بدباغة دابغ، ولا يطهر بمجرد حصول الدباغ، فإذا ثبت هذا ثبت في باقي المسائل؛ لعدم القائل بالعرف، إلا أنه ضعيف؛ لقوة المعنى وظهور المقصود بتأثير الدباغ في الطهارة، بسبب انتزاع الفضلات المستقذرة، ولا فرق في هذا بين القصد وعدمه.
ووجه آخر: وهو أن التقييد بالصفة إذا خرج على الغالب لا يدل
стр. 1093
على انتفاء الحكم عما عدا محلِّ التقييد على ما قرروه، والغالب في الدباغ الفعلُ والقصد، ووقوعُ الإهاب في المدبغة، ولُبْثُهُ فيها حتى يحصلَ مقصودُ الدباغ نادرٌ، والله أعلم.
* * *
стр. 1094
الحديث الرابع
عَنْ أبي ثَعْلَبْةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قال: أَتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! إنَّا بأَرضِ أَهْل الكتَابِ، فَنَأْكُلُ في آنيتِهمْ، وبأَرْضِ صَيْدٍ أَصيْدُ بقَوسِي، وَأَصِيْدُ بكَلْبِيَ المُعَلَّمِ، وبِكَلْبِيَ الذي ليسَ بِمُعَلَّمٍ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "أمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكُم بأرْضِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلا تَأْكُلُوا في آنيتِهِمْ، إلَّا أَنْ لا تَجِدُوا بُدًّا، فإنْ لم تجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوا وكُلُوا، وأمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكَم (١) بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللهِ وكُلْ، وما صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسمَ اللهِ [وكُلْ]، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الذي ليسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْهُ"، أخرجَهُ البُخاريُّ (٢).
стр. 1095
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه:
فنقول: أبو ثَعلبة الخُشَني: ممن اشتُهر بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور فيه: جُرثوم بن نَاشِب، وقيل: جُرْهم بن ناشب، وقيل: ابن الأشب، وقيل: عمرو بن جُرثوم، وقيل: الأشَر ابن جُرهم، وقيل: ابن جُرْثومة.
قال الحافظ أبو عمر: ولم يختلفوا في صحبته ونسبته إلى خُشَين، وهو ابن وائل بن النَّمِر بن وَبْرة بن ثعلبة بن خلدة بن عمرو (١) ابن الحاف بن قُضَاعة، وكان ممن غلبت عليه كنيتُه، وكان ممن بايع تحتَ الشجرةِ، ثم نزل الشامَ، ومات في خلافة معاوية. وقد قيل: إنه توفي في سنة خمس وسبعين، في خلافة عبد الملك بن مروان.
وقال ابنُ الكَلْبي: أبو ثعلبة الأَشَر، بايعَ رسولَ الله ﷺ بيعةَ الرضوان، وضرَبَ له بسهم يوم حنين، وأرسله رسول الله ﷺ إلى قومه
стр. 1096
فأسلموا، وأخوه عمرو بن حزم أسلم على عهد النبيِّ ﷺ ، وهما من ولد لبوانِ (١) بن مُرِّ بن خُشَين بن النجم بن وَبْرة، ثم نسبه كما ذكرناه (٢).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وهو حديث متَّفقٌ عليه من حديث حَيوة بن شُريح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة، أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من هذا الوجه.
* * *
* الوجه الثالث:
الموجب لإدخال هذا الحديث هاهنا: حكم استعمال أواني المشركين، واختير هذا الحديث لكثرة الأحكام المذكورة فيه، والله أعلم.
стр. 1097
* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: قال الراغب: الصَّيدُ: مصدر صاد، وهو تناول ما يُظْفَر به مما كان ممتنعًا، وفي الشرع: تناولُ الحيوانات الممتنعةِ مما لم يكن مملوكًا، والمُتناوَل منه ما كان حلالًا، وقد يسمَّى المصيدُ صيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ أي: مصيد البحر، وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، فإن الصيد في هذه المواضع مختصٌّ بما يؤكل لحمه - فيما قال الفقهاء - بدلالة ما رُوي: "خمسةٌ يقتلُهُنَّ المحرمُ في الحلِّ والحرم: الحيةُ، والعقربُ، والفأرةُ، والكلبُ العقورُ، والذئبُ" (١).
قلت: الصيد كما قال: يكون مصدرًا، وهو الفعل الصادر من الصائد، ويُطلق على المَصِيد.
стр. 1098
وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] محمولٌ على المصيد متعينٌ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] يَحتمل الأمرين معًا، وحمله على المصدر أولى من جهة عدم الحاجة إلى الإضمار، فإن الأفعالَ لا يتعلَّق بها التحريمُ لأنفسها.
الثانية: قال أبو عبد الله بن خالَوَيْهِ في كتاب "ليس في كلام العرب": الصيد من غير حيوان، إلا في ثلاثة أشياء: صِدتُ الصيدَ، وصدتُ بيضَه، وصدت كَمَاه.
وقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]؛ يعني: بيض النعامة والوحش (١).
قلت: لا يتعين حملُ ما تناوله الأيدي على بيض النَّعام من حيث اللفظ.
الثالثة: قال بعضُ الفقهاء في حد الاصطياد: إماتة الصيد، وهو كلُّ جرح مقصود حصل الموتُ به (٢).
الرابعة: ذكر الجوهري: أن التذكية: الذبح (٣).
وقال ابن سيده في "المحكم": والذكاة الذبح؛ عن ثعلب.
стр. 1099
وقال ابن سِيْدَه: وذكى الحيوان: ذبحه؛ ومنه قوله: يذكيها الأسد، وجلد ذكي: ذبيح (١).
* * *
* الوجه الخامس:
الإضافة تكسب الاسمَ معنى الصفة؛ لأنها توجب نسبةً بين المضاف والمضاف إليه، وتلك النسبة أمر زائد على الذات، يعود بوصفٍ لها عليه.
وقد نصَّ النحويون في تعبيرات الاسم في النسب: أنه كان اسمًا فصار صفة، والنسب إضافة، وبهذا التعبير يعبِّر سيبويه، فيوقع اسم الإضافة على النسب (٢)، وليس الاصطلاح أن يوقع اسم النسب على الإضافة؛ لأن النسبَ إضافةٌ خاصة، وستأتي فائدة هذا الكلام في قسم الفوائد، والله أعلم.
الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: سؤالُ أبي ثعلبة ﵁ يَحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام عليه، وقد ذكر بعضُهم: أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، أو ما يقرب من هذا (٣).
стр. 1100
ويحتمل أن يكون عَلِمَ أصلَ الإباحة، وسأل عن أمور اقتضت عنده الشكَّ في بعض الصور، أو قيام مانعٍ من الإباحة التي علم أصلها، وهذا أقرب؛ لأن كل ما سأل عنه، فالمانع فيه ظاهر، يجوز أن يُمنع الفعل بسببه، فاستعمال أواني المشركين في الخمر والخنزير مانع ظاهر، بعد العلم بتحريم الميتة (١)، فلما احتمل أن يكون ذلك مانعًا سأل عنه.
الثانية: سأل عن الصيد بالقوس مطلقًا، وعن الصيد بالكلب المُعلَّم، فلعلَّ سببَه: أن الاصطياد كان بالكلب معلومًا عنده، والسؤال عن طلب الفرق بين المُعلَّم وغيره، وهل يفترق الحكم فيهما، أم لا؟
وأما الصيد بالقوس فلم يكن معلومًا عنده، فاحتاج إلى معرفة أصل حكمه، أو يكون السؤال عن كيفية الصيد به، وما يشترط فيه من الشروط.
الثالثة: ثياب المشركين وأوانيهم على أقسام:
منها ما عُلمت طهارتُهُ، مثل الثوب يشتريه قبل أن يلبسَه، والإناء قبل أن يستعملَه، فهذا ظاهر.
ومنها ما علمت نجاسته، فهو نجس حتى يغسل.
ومنها ما جُهِل حالُه، وهو ما لبسوه من ثيابهم، واستعملوه من
стр. 1101
أوانيهم، فهذا مختلَف فيه:
ففي "مختصر المزني" (١)، قال الشافعي: لا بأس بالوضوء من مَزَادة مشرك، وبفضل وضوئه ما لم تتحققْ نجاسة، توضأ عمر ﵁ من جرِّ نصرانية (٢).
وقال الشيخ أبو حامد من أتباعه في هذا القسم: إن الأصل عند الشافعي الطهارة حتى تتحققَ النجاسة، سواء كانوا يتدينون باستعمال النجاسة؛ كالمجوس الذين يعتقدون تعظيمَ الماء عن أن يُغسلَ به نجاسة، أو لا يتدينون به.
قال حَرْمَلَة: وسواء في ذلك عبدة الأوثان وغيرهم، وأهل الكتاب، فإن استعمال أوانيهم جا [ئـ]ـز، ولكن يُكره ذلك.
وقال في القديم: أكره استعمالَ أوانيهم إلا ما كان للماء، وأكره
стр. 1102
لبس ثيابهم، وأنا للبس السراويلات أشدُّ كراهةً؛ لأنها تجاوِرُ محلَّ النجاسات.
قال الشيخ أبو حامد: هذا مذهبه في كل المشركين، وهذا كما يقوله في معاملة مَنْ أكثرُ ماله من ربا أو حرام: إن علم أنه حلال؛ كالميراث ونحوه، فهو حلال، وإن علم أنه حرام؛ كالضريبة والمصادرة، فهو حرام، وإن أشكل ذلك حلَّ أخذه، ولكنه مكروه، كذلك هاهنا.
وقال أبو إسحاق: إن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة فهي نجسة؛ لأن الأصل النجاسة، وإن كانوا لا يتدينون بذلك؛ فالأصل الطهارة؛ على ما قال الشافعية (١).
وأما المالكية: فعندهم في سؤر الكافر وما أدخل يدَه فيه خلافٌ (٢).
وأما الحنابلة: ففرَّقوا بين أهل الكتاب وغيرهم، فأما أهل الكتاب، فأباحوا الأكلَ في أوانيهم ما لم تتحقق نجاسة، قال ابن عَقِيل منهم: لا تختلف الرواية في أنه يجوز (٣) استعمالُ أوانيهم.
قالوا: وهل يكره له استعمالُ أوانيهم؟ على روايتين.
стр. 1103
وأما غير أهل الكتاب، كالمجوس وعبدة الأوثان، فاختلفوا في أوانيهم: فقال القاضي منهم: لا يستعملُ ما يستعملوه من أوانيهم؛ لأن أوانيهم لا تخلوا من أطعمتهم، وذبائحُهم ميتة، فآنيتهم نجسة من وضعهـ[ـا]، فيها.
وقال أبو الخطاب: حكمُهم حكمُ أهل الكتاب، وثيابهم وأوانيهم طاهرةٌ مباحةُ الاستعمالِ ما لم تتيقن نجاسة.
قال بعضُهم: وظاهر كلامه ﵀ مثل قول القاضي، فإنه قال في المجوس: لايؤكل من طعامهم إلا مثلُ الفاكهة (١).
وأما الظاهرية: فقال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المغلِّس (٢) - وهو من كبار الظاهرية - في ديوانه الذي تكلم فيه على مسائل "المختصر" لأبي إبراهيم المزني على مذهب داود وأصحابه: وجاز الوضوء من أواني أهل الشرك، وبفضلِ وضوئِهم إذا لم تظهر في ذلك نجاسةٌ تمنع من استعماله، لأنَّ اللهَ لم يحظر استعمال ذلك، ولا رسولَه ﷺ ، ولا اتَّفق الجميعُ عليه (٣).
الرابعة والخامسة والسادسة: إذا جَرينا على مقتضى لفظ
стр. 1104
الحديث، فالنهيُ يدلُّ على التحريم، فيقتضي أن يحرَّم الأكلُ في آنيتهم إذا وجدنا منها بدًا، ولو غسلت، وأن يجب غسلها إذا لم نجد بدًا؛ لأن الأمر على الوجوب.
السابعة: استدل بحديث أبي ثعلبة في مسألة استعمال أواني الكفار من جانب المنع على الكراهة أو التحريم، ووجه الدليل منه ظاهر.
والذين قالوا بجوازِ استعمال آنية المشركين، والبناءِ فيها على الطهارة، مخالفون لظاهر هذا الحديث على الجملة، والاعتذار بالمعارضة بما يدل على جواز أكل طعامهم واستعمال آنيتهم، ثم بالتأويل بعد بيان المعارضة.
الثامنة: أقاموا الدليلَ على جواز الاستعمال من الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وأما السنة: فدل على هذا حديثُ عبد الله بن المُغفَّل، قال: دُلِّيَ جِرَابٌ من شحمٍ، فالْتزمتُهُ وقلت: واللهِ لا أعطي أحدًا منهُ شيئًا، فالتفتُ فإذا رسولُ الله ﷺ يتبسمُ (١).
стр. 1105
والشاةُ المسمومة التي أَكَلَ منها رسولُ الله ﷺ بخيبر (١).
وروي: أن النبيَّ ﷺ أضافه يهوديٌّ بخبزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، وهو في "المسند" عن أحمد، وفي كتاب "الزهد" له (٢).
وبالحديث الذي يأتي بعد هذا في توضُّؤِ النبيِّ ﷺ من مَزَادة مُشركةٍ.
وتوضَّأَ عمرُ من جر نصرانية (٣).
التاسعة: وإذا أقام المعارض المبيح، فالتأويل من وجهين:
أحدهما: حمل النهي على الكراهة دون التحريم.
والثاني: الحمل على آنية استعملوا فيها الخمر أو الخنزير، وحينئذٍ يكون الحديث في غير محل الخلاف، فإن محل الخلاف - كما ذكرناه - ما لم يتيقن طهارته، ولا نجاسته.
وعند أبي داود: إنَّا نُجاوِرُ أهلَ الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1106
"إنْ وجدتُمْ غيرَهَا فكلُوا منها واشربُوا، وإنْ لَمْ تجدُوا غيرَها، فارْحَضُوها (١) بالماء، وكلُوا واشربُوا" (٢).
قال بعضُ الشارحين: المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود (٣).
قلت: حملُه على الكراهة مع كونه على خلاف الظاهر يقتضي أنه يكره استعمالها بعد غسلها، والغسل للنجاسة، وإذا زالت النجاسة بالغسل، فكيف ثبتت الكراهة؟
أجاب بعضهم: بأنه إنَّما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل للاستقذار، وكونها معدة للنجاسة، كما يكره الأكلُ في المِحْجَمة المغسولة.
قال: وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملةً للنجاسات، فهذه يكره استعمالها قبل غسلها، فإذا غسلت فلا كراهة فيها؛ لأنها (٤) طاهرة، وليس (٥) فيها استقذار، ولم يريدوا نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات (٦).
стр. 1107
قلت: الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وكراهةُ الأكل من المِحْجَمة المغسولة أو الحديدة، إن أراد به كراهيةً طبيعية فمسلَّم، إلا أنها مبنية على قوة وهمية، صحبت الوهم لكثرة ملازمتها ذلك، وهذه الكراهة الوهمية إن أُثبت بها الكراهةُ الشرعية فتحتاج إلى دليل شرعي، ونظيرُ ذلك من مسألة الأواني أن تكون الآنيةُ التي استعمل فيها لحم الخنزير والنجاسات آنيةً مخصوصة بذلك، يصحب الوهم فيها ملازمتها للنجاسات.
وأما حملُ الحديث على الآنية التي استعمل فيها لحم الخنزير والخمر، وقولُه: كما صرَّح به في رواية أبي داود، ليس كما قال في دعوى الصراحة بالنسبة إلى ما حمل عليه الحديث، فإن السؤال وقع عن الأكل في آنيتهم غيرَ مقيَّدٍ بما عُلِم أنهم استعملوا فيه لحم الخنزير والخمر.
وقوله: "وهم يطبخون في قدورهم الخنزيرَ، ويشربون الخمر" قد يُحمل على أن المراد به: أن من شأنهم ذلك، وعادتهم فعله، وحينئذٍ يكون السؤالُ واقعا على محل الإشكال الذي اختلف فيه الفقهاء، ولا يتعيَّن أن يكون المراد السؤال عن آنية استعمل فيها ذلك بعينها، فليس إذنْ بصريحٍ فيما ادَّعاه.
العاشرة: الاستدلالُ بالآية على هذه المسألة استدلالٌ بالعموم في الطعام، فيدخل تحته محلُّ النزاع، وهو الطعام الذي في آنيتهم، ويعترض عليه بأمرين:
стр. 1108
أحدهما: أن يحمل الطعامُ على الذبائح، وهذا - وإن كان فيه تخصيص، وهو على خلاف الأصل - إلا أن فيه وفاءً بفائدة تخصيص أهل الكتاب بالذكر؛ لأنا إذا حملناه على الذبائح، دلَّ المفهوم على منع أكل ذبائح غير أهل الكتاب، فكان في التخصيص بهم فائدة.
وإذا حملناه على الطعام، فالمبيحون لاستعمال أواني المشركين لا تخصُّ جماعة منهم ذلك بأهل الكتاب؛ كما هو مذهب الشافعي؛ كما قدمنا حكايتَه عن الشيخ أبي حامد، فلا فرق بين أهل الكتاب وبين غير أهل الكتاب، فلا يبقى في التخصيص بذكرهم فائدةٌ.
واعلم بأن القولَ بأن المرادَ بالطعام الذبائحُ منقولٌ عن غير واحد من السلف.
روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب "أحكام القرآن" (١) قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال: الذبائح.
قال: حدثنا يحيى، ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن القاسم بن نافع، عن مجاهد قال: ذبائحهم.
стр. 1109
قال: حدثنا يعقوب بن الدَّورقي، ثنا ابن إدريس، عن كثير، عن مجاهد: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال: الذبائح (١).
حدثنا محمد بن أبي بكر، ثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن كعب، عن مجاهد وسفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم وأشعث، عن الحسن: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]،، قالوا: الذبائح (٢).
عن سعيد بن جبير، وعكرمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال: الذبائح (٣).
حدثنا محمود، أنبأ هشيم، عن يونس، عن الحسن والمغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] قالا: ذبائحهم.
فهذه روايات ساقها القاضي عن إبراهيم، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة في حمل طعامهم على ذبائحهم، ولم يذكر حملَها على مطلق الطعام عن أحد فيما رأيت في كتابه، وفي هذا قوةٌ للحمل على ذلك.
الوجه الثاني: أن يقال: المقصود من الكلام الحكمُ على
стр. 1110
طعامهم - من حيث هو - بالحل، وامتناعُ أكله؛ لأجل غلبة النجاسة من قَبيل الموانع التي لا يُقصد التعرضُ لها؛ لِمَا (١) عُلِمت نجاستُه من أوانيهم، وهذا ليس بالشديد القوة؛ لإمكان المنازعة في هذه الدعوى، والتمسك بالعموم الذي يزعمه، والله أعلم.
الحادية عشرة: الاستدلالُ بأكل النبيِّ ﷺ أهدته له اليهوديةُ في القول بالطهارة، وفي معارضته حديث أبي ثعلبة، إلا أنه استدلالٌ بفعل في واقعة خاصة لا عمومَ لها، وحديث أبي ثعلبة استدلالٌ بلفظ عام، فتكون معارضةُ الخصوصِ العمومَ في محل التخصيص فقط، فمن منع الاستعمالَ فيمكنه أن يقول: هذه واقعةُ حال لا عمومَ لها، فأَحمِلُها على صورة العلم بالطهارة لاحتمالها، وأنا لا أمنع الاستعمال في هذه الصورة، وهذا وإن كان متجهًا في المناظرة إلا أنه لا يقوى في النفس أن الواقع هو تلك الصورة؛ أعني: تيقن الطهارة، وقد تكون القرائنُ دليلًا على ما ذكرناه.
أما من أراد الاستدلال به على جواز استعمال أواني الكفار، فإما أن يكون ممن يبيحُ ذلك مطلقًا، وإما أن يكون ممن يفرِّق بين من يتديَّن باستعمال النجاسة، أو لا.
فإن كان من الأولين فقد بيَّنا أنه لا عمومَ فيه، وإذا لم يكن عموم، فالحكم مستفاد في غير محل النص بالقياس فقط، وشرط
стр. 1111
القياس مساواةُ الفرع للأصل في المعنى الموجب للحكم، أو زيادتُه عليه، وهذا الشرط مفقودٌ هاهنا؛ لأن اليهود لهم تحذُّر من النجاسات على ما جاء في الحديث: مِنْ قَرْضِ بني إسرائيل ما أصاب الثوبَ بالمقراض (١)، وعلى ما صحَّ من مجانبتهم الحائضَ، وعدم مؤاكلتها، ومشاربتها، ومجامعتها في البيوت (٢)، ومحل النزاع عليه النجاسة على ما جُهِلَ حالُه.
وإذا أردنا أن نقيسَ استعمالَ أواني النصارى في الجواز على استعمال أواني اليهود، مع كون النصارى لا احتراز لهم عن شيء من النجاسات، فلا يصح؛ لأن أبوالَهم في ثيابهم وأبدانهم من غير كلفة، والرهبان منهم يتدينون بإبقاء النجاسة، ويروْنَ أن ذلك من باب الترفُّهِ الداخل تركُه في الزهد في الدنيا، والعلةُ، وهي غلبة النجاسة في الفرع، وهو (٣) آنية النصارى والمشركين، قاصرةٌ عن محل النص، وهو استعمال أواني اليهود، فكيف يصِحُّ القياس؟!
وأما الذين يفرِّقون بين من يتدين باستعمال النجاسات، ومن
стр. 1112
لا يتدين باستعمالها، فإذا قال: إن اليهود ليسوا ممن يتدين باستعمال النجاسة، فجواز استعمالِ آنيتهم خارجٌ عن محل النزاع عندي، فلا يكون الحديثُ حجةً عليَّ، وهذا ظاهر.
الثانية عشرة: إدارة حكم المنع على التدين باستعمال النجاسة ليس بالقوي عندي؛ لأن العلةَ غلبةُ النجاسة على ما جهل حاله من أوانيهم، وهذا يكفي فيه عدمُ التدين بتجنب النجاسة، لا التدين باستعمال النجاسة، وبين المعنيين فرق ظاهر.
وإنما قلنا: إنه يكفي في ذلك عدمُ التدين بتجنب النجاسة، فإن من لا يفرق بين البول والماء في ملابسة ثيابه وبدنه، فالظنُّ القوي حاصلٌ بنجاسة ما يحاوله، ولا نزاعَ في أن التدينَ باستعمالها أقوى في غلبة الظن من عدم التدين بتجنبها، لكن يحتاج إلى دليل اعتبار ذلك القيد الزائد وإلغاء القدر الحاصل، والظن بعدم التدين باجتنابها مع مناسبة الاعتبار يعُمُّ.
إن كان هاهنا نصٌّ على منع استعمال أواني من يتدين بالنجاسة، فأردنا أن نلحق به من لا يتدين بها، لم يستقم ذلك؛ لأنَّ فيه إلغاءَ القدر الزائد الوارد في محل النص مع إمكان اعتباره شرعًا، إذ الأصلُ ترتُّب الحكم على أوصاف محل النص، إلا إذا عُلم إلغاءُ بعضها، فالفرق بين أن يردَ ما يقتضي اعتبار القدر الزائد، ويريد إلغاءَه، وبين أن يكون المقتضى لاعتبارٍ مطلقٍ غلبَةُ الظن الحاصل، يريد إلغاءه
стр. 1113
وتعليقَ الحكم بوصف زائد ظاهر؛ لأن في الأول إلغاء ما يمكن أن يكون معتبرًا، والمقتضي لاعتباره موجودٌ، وهو ورود النص في محله من غير دليل على إلغائه.
وأما الثاني: ففيه إلغاء ما اقتضى الدليلُ اعتبارَه من تعليق الحكم بغلبة الظن بنجاسة الآنية، وطلب وصف زائد على ذلك، وهذا يفتقر إلى دليل يقتضي التعبُّدَ بالقدر الزائد من الظن.
الثالثة عشرة: إن قلت: فقد ورد في هذا الحديث النهيُ عن استعمال أواني أهل الكتاب إذا وُجِد غيرُها، والأمرُ بالغسل إذا لم يُوجد غيرها، هل يُحقق ذلك ورودُ النص ممن يتدين باستعمال النجاسة حتى يمتنعَ قياسُ من لا يتدين باجتنابها عليه، على ما قرَّرتَ أولًا؟
قلت: في كلام بعض الفقهاء تمثيلُ من لا يتدين باستعمال النجاسة باليهود والنصارى، وهذا لا يصح في النصارى؛ لأن ما يسمُّونه قُربانًا لا بد فيه من استعمالهم الخمر، فقد صار لهم تدينٌ باستعمال الخمر، وهي نَجِسة عند الجمهور، ومنهم الذي مثَّل باليهود والنصارى.
أما اليهود فقد تبين من الحديث تشديدُهم في البول، وفي ملابستهم الحائض، ولا علم لنا هل يتعلق لهم تعبدٌ باستعمال نجاسة أخرى، أم لا؟
стр. 1114
فإن ثبت تعبُّدُهم في شيء بالاستعمال وتنجيسه كالنصارى، فقد ورد النصُّ على هذا التقدير في المتدينين باستعمال النجاسة، فلا يلحق به من لا يتدين باجتنابها على ما قررناه.
وإن لم يثبت ذلك في حقهم، أو ثبت أن لا تدينَ لهم بذلك، لم يجُزْ أن يعلَّلَ الحكمُ بالامتناع بالتدين باستعمال النجاسة؛ لأن اللفظَ واحدٌ يقتضي حكمًا واحدًا يتناول الفريقين، فلا يجوز أن تكون العلةُ مخصوصةً بأحدهما؛ لأن الحكم لا يثبت لعلة مع انتفائها في المحل.
وعلى هذا التقدير: يكون الحديثُ دليلًا على إلغاء التعليل بالتدين باستعمال النجاسة؛ لأنه إذا تعذَّرَ التعليلُ بما به الافتراقُ، تعيَّنَ التعليلُ بما به الاشتراكُ.
الرابعة عشرة: أقام الفقهاء قاعدة يدخل تحتها استعمال أواني المشركين، وغير ذلك، وهي ما إذا تعارض الأصل والظاهر، فأيُّهما يُقدم؟
ورجَّحَ مصنفو الشافعية - أو من قال منهم - الأصلَ (١)، ولا يخفى أن الظنَّ المستفادَ من العِلّيَّة أقوى من الظن المستفاد من الأصل، يعرف هذا بالرجوع إلى العوائد والنظر إلى ما يحدث في النفس من اعتبارها، بل ربما انتهى ذلك إلى قريبٍ من درجة القطع، وإذا ترجَّح الظنُّ المستفادُ من العِلِّيَّة، وجب بناءُ الحكمِ عليه؛ لأن العملَ بأرجح
стр. 1115
الظنين واجبٌ، وحديث أبي ثعلبةَ هذا: فيه الأمر بالغسل قبل استعمالها، والنهي عن استعمالها إذا وجد غيرها، وهما يدلَّانِ على ذلك؛ أعني: اعتبارَ العِلِّيَّة.
الخامسة عشرة: هذا الذي ذكرناه وهو بالنسبة إلى الظنين من حيث هما هما، وقد حكمنا بأن الراجح: الظن المستفاد من الغلبة، ولكن قد يقوم مانعٌ معارضٌ لاعتبار هذا الظن الراجح بالعليَّة؛ كالمشقة وعُسر الاحتراز مثلًا، ولا بِدْعَ في ترجيح المانع الراجح على المقتضى، ودرجات هذا المانع مختلفة، فما قوي منها ولزم منه الحرجُ والمشقة العامة، فاعتبارُه ظاهر، وما كان دون ذلك، فهو محلُّ نظرٍ.
فإذا نظرت إلى العوام وأرباب الحِرَف والمِهَن، ومن لا يصلي منهم، ومباشرتهم النجاسات في حوانيتهم ومهنِهم وأشغالِهم، وطَرَآن (١) النجاسات الخارجة عنهم على حوانيتهم ومواضع أشغالهم، علمت غلبة النجاسة على كثير - أو على أكثر - ما هم فيه، لا سيما في بعض الحِرَف، فالقول بالتزام مجانبتهم ومُلابَستِهم في كل شيء يُفْضي إلى حَرجٍ ومشقة عامة، يعسُر اعتبارُها، فيقوى المانع من اعتبار الظن المستفاد من الغالب عمومًا، ويتأيَّد ذلك في بعض الصور بعمل السلف الصالح، ويمكن أن يكون ما في حديث أبي ثعلبة هذا من
стр. 1116
الفرق بين أن يجدوا غيرها، أو لا، مراعاةً (١) لهذا المعنى؛ لأن الظنَّ لما كان غالبًا بنجاسة ما يستعملونه فحيث لا ضرورةَ في تركه؛ لوجود غيره، أَعملَ غلبةَ الظن؛ لرجحانها مع عدم المعارض، وهو (٢) الضرورة في استعمالها، وحيث لا يوجد غيرُها قد تدعو الضرورة إلى الاستعمال، فيكون هاهنا مانع من إعمال غلبة الظن، فأُجيز الاستعمالُ، إلا ما يقتضيه الحديثُ من الأمر بالاجتناب مطلقًا عند عدم غيرها، وإن غُسِلَت، والأمر بغسلها إذا لم يوجد غيرها يبقى محلًا للنظر، زائدًا على ما ذكرناه.
السادسة عشرة: هاهنا مانعٌ آخرُ من اعتبار الظن الناشئ من الغلبة، اعتبره بعضُ المالكية، وهو إتلاف المالية.
وذلك أنَّ عندهم في سؤر ما عادته استعمال النجاسة، ولا يعسر الاحتراز عنه؛ كالسباع، والدجاج المُخَلَّاة؛ أي: غير المقصورة، أقوالًا: المنع، والإباحة، والفرق بين الماء والطعام، فيُطرح الماء ويؤكل الطعام.
وسؤرُ الكافر وما أدخل يدَه فيه، جارٍ مجرى هذا القسم عندهم (٣).
стр. 1117
إلا أن هذا المانعَ ضعيفٌ يحتاج إلى دليل شرعي يدل على اعتباره بعد قيام المقتضي للتنجيس.
والذي يُستدلُّ به على هذا من نهيه ﵇ عن إضاعة المال (١)، يردُّ عليه منعُ كونه مالًا بعد قيام الدليل على نجاسته.
فلو قوِيَ هذا المانعُ كان ذلك عذرًا آخرَ عن أكل النبيِّ ﷺ طعامَ اليهوديَّةِ، غير ما ذكرناه متقدمًا.
السابعة عشرة: أمر ﵇ بغسل الآنية، والأكل فيها بعد غسلها، وهذا مطلقٌ يكفي في امتثال الأمر به غسلةٌ واحدة، فيدل على جواز الاكتفاء في فضل العامة بغسلة واحدة.
الثامنة عشرة: يمكن أن يستدلَّ به على الاكتفاء بغسلة واحدة في نجاسة الخنزير؛ لأنه قد ذكر في الحديث: أنهم يطبخون في قدورهم الخنزير، فهذا الأمر إما أن يكون على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاحتياط والندب، وأيًّا ما كان، فلا بدَّ أن تفيدَ فائدةً في التطهير، وإلا كان الإناءُ باقيًا على ما كان عليه قبل الغسل، فإذا اكتفى بالمرة الواحدة في تحصيل المقصود، إما بإزالة النجاسة بالتطهير، أو بحصول مقصود الاحتياط بالتطهير، دلَّ على ما ذكرناه.
التاسعة عشرة: فيه دليل على جواز الصيد في الجملة، مع تظافر الأدلة من الكتاب والأحاديث والإجماع.
стр. 1118
العشرون: فيه دليل على جواز الصيد بالقوس، ولكنه أتى مُعرَّفًا بالإضافة إليه في سؤاله، وفي لفظ النبيِّ ﷺ ، والعرب إنما تَعرِفُ الرميَ بقوس يُرمى عنه بالسهام (١)، ولا يكاد يُعلم أن العرب ترمي بقوس يُرمى عنه بالطين اليابس المسمى في زماننا بالبُندق، وإن كان - على بُعدٍ - فالغلبة الكبرى لقوس السهام، ولا عمومَ في السؤال - ولا في الجواب - بالنسبة إلى ما ينطلق عليه اسم القوس، فينصرف إلى المتعيِّن عنده، والغالب عليه، ولا يدخل فيه قوسُ البندق.
الحادية والعشرون: المنقول عن بعضِ مصنِّفي الشافعية منعُ الاصطياد بالقوس المعروف عندنا بالبُندق؛ إما تحريمًا، أو كراهة. وعن بعضر المتأخرين: جوازه (٢).
ويمكن أن يستدلَّ على ذلك بأن يقال: لو امتنع لكان لتعريضِ (٣) الحيوان للموت من غير مَأْكَلة، ولا يمتنع لذلك، فلا يمتنع؛ أما بيان الملازمة، فبالمناسبة وبمقتضى تعليل المانع بذلك.
وأما بيان انتفاء اللازم، فلأنَّ الشارعَ قد أَلغى هذا المانع، ولم يعتبرْه؛ لما سيأتي من بيان جواز الاصطياد بالكلب غير المعلَّم، مع أنه
стр. 1119
متعرضٌ لأنْ يموتَ قبلَ إدراكِ ذكاته، فيتعرض لوقوع المانع، مع أنه لم يعتبر.
ونهيه ﵇ عن الخذف إن كان يدخل تحته هذا القوسُ، فيتعلق به النهيُ، وفي دخوله تحتَه نظرٌ.
الثانية والعشرون: استدل بعضُ المتأخرين على جواز الرمي بهذا القوس بحديث عبد الله بن المغفل، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الخذف، وقال: "إنَّه لا يَنْكَأُ العدوَ، ولا يقتلُ الصيدَ، ولكن يفقأُ العينَ، ويكسِرُ السنَّ" (١).
قال: فمقتضى هذا الحديث إباحة الصيد بالبندق (٢)، والله أعلم.
وكأنَّه أَخذ هذا من أنَّ العلةَ في النهي على مقتضى لفظ الحديث، أنه لا ينكأُ العدو، ولا يقتل الصيد، فبمقتضى هذا إنما ينكأ العدو،
стр. 1120
ويقتل الصيد، لا نهيَ فيه؛ لزوال علة النهي.
وهذا هو الذي أشرنا إليه بقولنا: إن كان يدخل تحته هذا القوس، فيتعلق به النهي، والذي قاله هذا القائل دلالةُ مفهوم.
الثالثة والعشرون: قد ذكرنا الاستدلال بجواز الصيد بالكلب غير المعلَّم، على جواز الاصطياد بهذا القوس؛ من حيث إن في كل واحد منهما تعريضَ الحيوان للموت من غير مَأْكلة، وقد ألغيَ هذا المعنى في الكلب، فليُلغَ في هذا القوس.
ولعلَّ قائلًا يقول: حديث الصيد بالمعراضِ يدل على هذا أيضًا؛ أعني: جواز الصيد بالبندق، ولأن فيه أيضًا تعريضًا لموت الحيوان من غير مأكلة إذا أصاب بعرضه.
فنقول على ذلك: الذي استدللنا به من جواز الصيد بالكلب غير المعلم أولى من هذا؛ لأن في الصيد بالمِعْراض ثلاثة أحوال:
اثنان منها يُباح بهما الأكل، وهما: إذا أصاب بحده، ولم تدرك ذكاتُه، أو أصاب بعرضه وأُدرِكت ذكاتُه.
وحالةٌ لا يباح، وهو ما إذا أصاب بِعَرْضه، ولم تدرك ذكاته.
والصيد بهذا القوس ليس فيه إلا حالتان:
إحداهما: للإباحة، وهي إدراك ذكاته.
والثانية: للمنع، وهو عدم إدراك ذكاته، إذ لا مُحدَّد فيه.
ووقوع واحد من ثلاثة، أخرب من وقوع واحد من اثنين، فكان
стр. 1121
صيد المِعْراض أولى بالجواز من الصيد بالقوس المذكور، فلا يُلحق به الصيدُ بالقوس، والله أعلم.
وإنما قلنا: إنَّ وقوعَ واحد من ثلاثة أقربُ من وقوع واحد من اثنين؛ لأن عدمَ وقوعِ واحد من ثلاثة موقوفٌ على أكثر المقدمات؛ لأنه موقوف على عدم كل واحد منهما، وعدم وقوع واحد من اثنين موقوف على عدم واحد (١) من الاثنين، والموقوف على أكثر المقدمات أبعد وقوعًا من الموقوف على الأقل، وإذا كان العدم أبعد، فالوجود أقرب.
الرابعة والعشرون: يدل على جواز الاصطياد بالكلب؛ أعني: مطلق الكلب؛ لأنه دل على جواز الاصطياد بالكلب المعلَّم، والدال على المقيد دال على المطلق، والاصطياد بغيره من جوارح الطيور والسِّباع، يكون مأخوذًا من القياس، أو من نصٍّ آخرَ، كما ورد في البازي، أو من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، إن لم يكن قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يقتضي تقييدَها بالكلاب.
الخامسة والعشرون: فيه دليل على جواز الاصطياد بالكلب المعلَّم، مع ما دل عليه الكتاب العزيز من ذلك.
السادسة والعشرون: وفيه دليل على جواز الاصطياد بغير المعلَّم أيضًا.
стр. 1122
السابعة والعشرون: فيه البناء على الأصل، أو الغالب؛ لأنه لمَّا أُبيح الصيدُ بغير المعلَّم، وكان من المحتمل أن لا تدرك ذكاتُهُ، فيكون الصيدُ ميتةً، فيكون الاصطياد بغير المعلم تعرضًا لإتلاف الحيوان لغير مَأْكلة، دل ذلك على عدم اعتبار هذا الاحتمال؛ إما لأن الأصلَ بقاءُ حياتِه إلى حين إدراك ذكاته، أو لأن الصائد بالكلب يتبعه ويقرب إدراكه للصيد من أخذ الكلب له؛ فيكون الغالبُ إدراكَ ذكاته.
الثامنة والعشرون: هو عام بالنسبة إلى كل كلب له معلَّم، فيدخل تحته أنواعُ الكلاب.
ويروى عن أحمد: أنه استثنى الكلب الأسود، وقال: لا يجوز الاصطياد به (١)، ونحوه عن الحسن البصري، والنخعي، وقتادة (٢)، ويُحكى عن الفارسي من أتباع الشافعي موافقتُه (٣).
التاسعة والعشرون: علَّقَ الشارعُ حكمًا على صيد الكلب المُعلَّم، وحكما آخرَ على صيد غير المعلَّم، ولم يبينْ هاهنا التعليمَ المعتبرَ؛ لكونه معلومًا بالعادة عند المُخَاطب، وما كان معلومًا بالعادة وعُلِّق به حكم، رُجِع فيه إلى العادة؛ كما في القبض، والحِرْز،
стр. 1123
وغيرِهما، أو يكونُ قد بيُّن للمخاطب التعليم المعتبر، ولم يذكره الراوي؛ لأنه لولا أحدُ هذين الأمرين، لزم تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة.
والأول أقرب، وهو أن يكون معلومًا بالعادة، فأُحيل عليها، [وهذا لأن] (١) أبا ثعلبة ذكر في سؤاله الكلب المعلَّم، وذلك يدل على معرفته بما يكون به هو عنده معلَّمًا.
الثلاثون: الفقهاء ذكروا أوصافًا فيما يُعرف فيه كون الكلب معلَّمًا، والذي يقتضيه لفظ (المعلَّم) أن يكون له حالة حصلت بالتعليم، ومن لوازم هذا أن تكون تلك الحالةُ مخالفةً لما يقتضيه طبعُه، وما يقتضيه تعليمُه من هيئات التعليم؛ لأنه لو لم يكن مخالفًا لما يقتضيه تعليمُه، لكان معلَّمًا في حال تعليمه، وهو باطل، فعلى هذا كل ما يكون طبيعيًا لا اعتبار به، فانطلاقه من غير إطلاقِ صاحبِه طبيعيٌّ، فإذا لم يخرج عن هذه العادة فليس بمُعلَّم، وخروجه عن ذلك بأن ينزجرَ عند زجره عندما يقتضي الطبعُ خروجَه، وسيأتي الكلام فيه، ويدل على هذا أيضًا من الحديث رواية همَّام بن الحارث، عن عَدِي بن حاتم قال: "وإنْ قتلْنَ ما لم يَشْرَكْهَا كلبٌ ليسَ معها" (٢)، فمجرد هذا يشير إلى اعتبار إرساله؛ لأنه ﵇ لم يعلقِ
стр. 1124
الحكمَ بعدم تعليمها، بل بأنه ليس معها؛ أي: فلا يكون مرسلًا من جهتك.
الحادية والثلاثون: اعتبر في التعليم أن يسترسلَ بإرسال صاحبِه وإشارتِه؛ أي: إذا أُغريَ بالصيد هاج (١).
الثانية والثلاثون: اعتبر أن ينزجر بزجره، هكذا أُطلق، وعن إمام الحرمين: يعتبر ذلك في ابتداء الأمر، وأما إذا أُطلق واشتد عَدْوه وجَرْيُه، ففي اعتباره وجهان، قيل: والأشبه الاعتبار، فإن التأديب به يظهر (٢). ووجهُ المنعِ استبعادُ أن يلتفتَ (٣) حينئذ.
الثالثة والثلاثون: اختير في التعليم عدم الأكل من الفريسة، وفيه خلافٌ سيأتي - إن شاء الله تعالى - في غير هذا الموضع.
الرابعة والثلاثون: علق حل الأكل على أمرين:
أحدهما: تعليم الكلب.
والثاني: ذكر اسم الله تعالى.
فينتفي الحكمُ عند انتفاء المجموع، وانتفاؤه بانتفائهما معًا، أو
стр. 1125
بانتفاء أحدِهما، فيمتنع الأكل عند عدم التعليم، وعند عدم التسمية، فالحكم في الإثبات واحدٌ يتعلق بأمرين، وفي النفي بثلاثة أمور.
الخامسة والثلاثون: اشتراطُ التعليم في حل مَصِيد الكلب، يدل على نفي الحل عن مصيد غير المُعلَّم من الكلاب بطريق المفهوم، ولا يدلُّ على نفيه عن غير المعلم من غير الكلاب؛ كالفهد والنمر وما أشبهه، وإنما يؤخذ من دليلٍ آخرَ على ما نبَّهنا عليه.
السادسة والثلاثون: قوله ﵇: "فَمَا صِدْتَ بقوسِكَ فاذكرِ اسمَ اللهِ وكُلْ، وما صِدْتَ بكلبِكَ المعلمِ، فاذكرِ اسمَ اللهِ وكُلْ" يدلُّ على اشتراط التسمية في الحل؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، وسيأتي الاستقصاء في المسألة إن شاء الله تعالى.
السابعة والثلاثون: يقتضي إباحةَ ما صِيْدَ بسهمه، سواء صنعه أو بَرَاه وَثَنِيٌّ، أو غيرُه.
الثامنة والثلاثون: يقتضي إباحةَ أكلِ ما قتله كلبُه المُعلَّمُ، سواء علَّمه من تُباح تذكيتُه، أو لا.
وذكر ابنُ حزم في "المُحلَّى" قال: وقال قوم: لا يؤكل صيدٌ جارحٌ علَّمه مَن لا يحِلُّ أكلُ ما ذكَّى.
قال: روينا من طريق وكيع، ثنا جرير بن حازم، عن عيسى (١) بن عاصم، عن علي بن أبي طالب: أنه كره صيدَ بازي المجوسي