← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

صيد المِعْراض أولى بالجواز من الصيد بالقوس المذكور، فلا يُلحق به الصيدُ بالقوس، والله أعلم. وإنما قلنا: إنَّ وقوعَ واحد من ثلاثة أقربُ من وقوع واحد من اثنين؛ لأن عدمَ وقوعِ واحد من ثلاثة موقوفٌ على أكثر المقدمات؛ لأنه موقوف على عدم كل واحد منهما، وعدم وقوع واحد من اثنين موقوف على عدم واحد (١) من الاثنين، والموقوف على أكثر المقدمات أبعد وقوعًا من الموقوف على الأقل، وإذا كان العدم أبعد، فالوجود أقرب. الرابعة والعشرون: يدل على جواز الاصطياد بالكلب؛ أعني: مطلق الكلب؛ لأنه دل على جواز الاصطياد بالكلب المعلَّم، والدال على المقيد دال على المطلق، والاصطياد بغيره من جوارح الطيور والسِّباع، يكون مأخوذًا من القياس، أو من نصٍّ آخرَ، كما ورد في البازي، أو من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، إن لم يكن قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يقتضي تقييدَها بالكلاب. الخامسة والعشرون: فيه دليل على جواز الاصطياد بالكلب المعلَّم، مع ما دل عليه الكتاب العزيز من ذلك. السادسة والعشرون: وفيه دليل على جواز الاصطياد بغير المعلَّم أيضًا.

стр. 1122

السابعة والعشرون: فيه البناء على الأصل، أو الغالب؛ لأنه لمَّا أُبيح الصيدُ بغير المعلَّم، وكان من المحتمل أن لا تدرك ذكاتُهُ، فيكون الصيدُ ميتةً، فيكون الاصطياد بغير المعلم تعرضًا لإتلاف الحيوان لغير مَأْكلة، دل ذلك على عدم اعتبار هذا الاحتمال؛ إما لأن الأصلَ بقاءُ حياتِه إلى حين إدراك ذكاته، أو لأن الصائد بالكلب يتبعه ويقرب إدراكه للصيد من أخذ الكلب له؛ فيكون الغالبُ إدراكَ ذكاته. الثامنة والعشرون: هو عام بالنسبة إلى كل كلب له معلَّم، فيدخل تحته أنواعُ الكلاب. ويروى عن أحمد: أنه استثنى الكلب الأسود، وقال: لا يجوز الاصطياد به (١)، ونحوه عن الحسن البصري، والنخعي، وقتادة (٢)، ويُحكى عن الفارسي من أتباع الشافعي موافقتُه (٣). التاسعة والعشرون: علَّقَ الشارعُ حكمًا على صيد الكلب المُعلَّم، وحكما آخرَ على صيد غير المعلَّم، ولم يبينْ هاهنا التعليمَ المعتبرَ؛ لكونه معلومًا بالعادة عند المُخَاطب، وما كان معلومًا بالعادة وعُلِّق به حكم، رُجِع فيه إلى العادة؛ كما في القبض، والحِرْز،

стр. 1123

وغيرِهما، أو يكونُ قد بيُّن للمخاطب التعليم المعتبر، ولم يذكره الراوي؛ لأنه لولا أحدُ هذين الأمرين، لزم تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. والأول أقرب، وهو أن يكون معلومًا بالعادة، فأُحيل عليها، [وهذا لأن] (١) أبا ثعلبة ذكر في سؤاله الكلب المعلَّم، وذلك يدل على معرفته بما يكون به هو عنده معلَّمًا. الثلاثون: الفقهاء ذكروا أوصافًا فيما يُعرف فيه كون الكلب معلَّمًا، والذي يقتضيه لفظ (المعلَّم) أن يكون له حالة حصلت بالتعليم، ومن لوازم هذا أن تكون تلك الحالةُ مخالفةً لما يقتضيه طبعُه، وما يقتضيه تعليمُه من هيئات التعليم؛ لأنه لو لم يكن مخالفًا لما يقتضيه تعليمُه، لكان معلَّمًا في حال تعليمه، وهو باطل، فعلى هذا كل ما يكون طبيعيًا لا اعتبار به، فانطلاقه من غير إطلاقِ صاحبِه طبيعيٌّ، فإذا لم يخرج عن هذه العادة فليس بمُعلَّم، وخروجه عن ذلك بأن ينزجرَ عند زجره عندما يقتضي الطبعُ خروجَه، وسيأتي الكلام فيه، ويدل على هذا أيضًا من الحديث رواية همَّام بن الحارث، عن عَدِي بن حاتم قال: "وإنْ قتلْنَ ما لم يَشْرَكْهَا كلبٌ ليسَ معها" (٢)، فمجرد هذا يشير إلى اعتبار إرساله؛ لأنه ﵇ لم يعلقِ

стр. 1124

الحكمَ بعدم تعليمها، بل بأنه ليس معها؛ أي: فلا يكون مرسلًا من جهتك. الحادية والثلاثون: اعتبر في التعليم أن يسترسلَ بإرسال صاحبِه وإشارتِه؛ أي: إذا أُغريَ بالصيد هاج (١). الثانية والثلاثون: اعتبر أن ينزجر بزجره، هكذا أُطلق، وعن إمام الحرمين: يعتبر ذلك في ابتداء الأمر، وأما إذا أُطلق واشتد عَدْوه وجَرْيُه، ففي اعتباره وجهان، قيل: والأشبه الاعتبار، فإن التأديب به يظهر (٢). ووجهُ المنعِ استبعادُ أن يلتفتَ (٣) حينئذ. الثالثة والثلاثون: اختير في التعليم عدم الأكل من الفريسة، وفيه خلافٌ سيأتي - إن شاء الله تعالى - في غير هذا الموضع. الرابعة والثلاثون: علق حل الأكل على أمرين: أحدهما: تعليم الكلب. والثاني: ذكر اسم الله تعالى. فينتفي الحكمُ عند انتفاء المجموع، وانتفاؤه بانتفائهما معًا، أو

стр. 1125

بانتفاء أحدِهما، فيمتنع الأكل عند عدم التعليم، وعند عدم التسمية، فالحكم في الإثبات واحدٌ يتعلق بأمرين، وفي النفي بثلاثة أمور. الخامسة والثلاثون: اشتراطُ التعليم في حل مَصِيد الكلب، يدل على نفي الحل عن مصيد غير المُعلَّم من الكلاب بطريق المفهوم، ولا يدلُّ على نفيه عن غير المعلم من غير الكلاب؛ كالفهد والنمر وما أشبهه، وإنما يؤخذ من دليلٍ آخرَ على ما نبَّهنا عليه. السادسة والثلاثون: قوله ﵇: "فَمَا صِدْتَ بقوسِكَ فاذكرِ اسمَ اللهِ وكُلْ، وما صِدْتَ بكلبِكَ المعلمِ، فاذكرِ اسمَ اللهِ وكُلْ" يدلُّ على اشتراط التسمية في الحل؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، وسيأتي الاستقصاء في المسألة إن شاء الله تعالى. السابعة والثلاثون: يقتضي إباحةَ ما صِيْدَ بسهمه، سواء صنعه أو بَرَاه وَثَنِيٌّ، أو غيرُه. الثامنة والثلاثون: يقتضي إباحةَ أكلِ ما قتله كلبُه المُعلَّمُ، سواء علَّمه من تُباح تذكيتُه، أو لا. وذكر ابنُ حزم في "المُحلَّى" قال: وقال قوم: لا يؤكل صيدٌ جارحٌ علَّمه مَن لا يحِلُّ أكلُ ما ذكَّى. قال: روينا من طريق وكيع، ثنا جرير بن حازم، عن عيسى (١) بن عاصم، عن علي بن أبي طالب: أنه كره صيدَ بازي المجوسي

стр. 1126

وصقرِه (١)، وصيدُ المجوسي [للسمك] كرهه أيضًا (٢). قال: ومن طريق عبد الرزاق، عن حُميد بن رُومان، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لا يُؤْكَلُ صيدُ كلب المجوسي، ولا ما أصاب سهمُه (٣). قال: وروينا هذا أيضًا من طريق سعيد بن منصور، ثنا عتَّاب بن بشير، أنبأ خُصَيف قال: قال ابن عباس: لا تأكل ما صدتَ بكلب المجوسي وإن سمَّيت، فإنه من تعليم المجوس، قال الله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] (٤). وجاء هذا القول عن عطاء، ومجاهد، والنخعي، ومحمد بن علي، وهو قول سفيان الثوري. قال: واحتج أهل هذه المقالة بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، قالوا (٥): فجعل التعليم لنا.

стр. 1127

قال: ولا حجةَ لهم في هذا؛ لأن خطابَ اللهِ تعالى بأحكام الإسلام لازمٌ لكل أحد، وبالله التوفيق. قال: وهذا مما خالفوا فيه الرواية، لا يُعرفُ لهم في الصحابة ﵃ مخالفٌ (١). التاسعة والثلاثون: لما قسم النبيُّ ﷺ الكلبَ إلى معلَّم وغيرِ معلَّم، وحكم بأكل ما صِيد بالمعلَّم، وبأكل ما أُدركت ذكاتُه من غير المعلَّم، دلَّ ذلك دلالةً ظاهرة على أن المعلَّم لا يُشترط في حِلِّ صيدِه وقوعُ الذكاة، إذا لم تُدرَك، وأنه يُباحُ أكلُ ما قتله إذا لم تدرك ذكاته مهما انطلق عليه أنه صَادَه. الأربعون: فيه إباحة الاصطياد بالكلب غير المعلم من جهة إباحة أكل ما صِيد به إذا أُدركت ذكاته، وذلك فرع الاصطياد به، فلو كان ممنوعًا لنهى عنه، وهذا أبلغُ في الدلالة على الإباحة من التقرير على الاصطياد به - لو رآه يصطاد به - على أنه قد ذَكر السائلُ أنه يصيد بغير المعلم، ولم يُنكِرْ عليه. الحادية والأربعون: قد يوجد (٢) من إطلاقه إباحةُ كل ما صاده بالكلب المعلم، وإن أكل منه، وقد اختلفوا في المسألة، وقديمُ قولي

стр. 1128

الشافعي الإباحةُ، وجديدُهما المنعُ (١)، إلا أنَّ المنعَ من أكله بعد أكل الكلب منه يقتضي اشتراطَ شرطٍ آخرَ، يجب إضافته إلى هذا الإطلاق، وفي الباب أحاديثُ أُخرُ تدل على الأكل منه وإن أكل، وسيأتي ذكرُ المسألة - إن شاء الله تعالى - في الصيد، ونبين الصحيح من تلك الأحاديث، وما عُلِّل منها، أو ضُعِّف، غير أنَّ المقصودَ أن هذا الإطلاق قد يَستدِلُّ به من يرى الجواز، وقيامُ المعارض لا يمنع الدلالة، والله أعلم. الثانية والأربعون: ومن هذا القبيل استرسالُ الكلب إذا حصل به الصيد، فقد مُنع من أكل صيده على هذا الوجه. واستُدِلَّ بقوله ﵇: "إذا أرسلْتَ كلبَكَ المعلمَ" على اشتراط الإرسال، ولا يوجد من حديث أبي ثعلبة الجواز في هذه المسألة؛ إما لأن مقتضى اللفظ الحل للصائد، وذلك يقتضي فعلًا ينسب إليه، وإذا لم يرسل الكلب لم ينسب إليه الصيد، فلا يكون صائدًا، وإما لأنه، وإن كان صائدًا، فالحديث الذي استدل به على جواز (٢) اشتراط الإرسال، يقتضي زيادةً على هذا الإطلاق، والله أعلم.

стр. 1129

الثالثة والأربعون: قوله ﵇: "ما صدتَ" - كما قدمناه - يقتضي نسبةَ الفعل إليه، فلو وقع السهمُ اتفاقًا من يده، فجرح صيدًا ومات بجرحه، لم يكن صائدًا له، فلا يحلُّ؛ لتوقف الحل على حقيقة كونه صائدًا، وانتفاء ذلك بسقوط الآلة اتفاقًا. وعن أبي إسحاق من الشافعية: أن السكين إذا وقعت من يده على حلق شاة وقتلتها: أنه يحل، والصيدُ مثله (١). الرابعة والأربعون: في مرتبة أخرى أقربُ إلى الجواز مما قبلها: قَصَدَ إلى الفعل، فأرسل سهمًا، ولم يقصِدْ إلى الاصطياد، ولا خَطَر بباله الصيدُ. عن أبي إسحاق من الشافعية حلُّه (٢)، والمشهور عدم الحل؛ لأنه لم يقصد الصيد لا معيَّنًا ولا مبهمًا (٣)، وهذا بناء على أن نسبة الفعل إلى الفاعل يقتضي قصدَه إليه، فإذا لم يقصد الصيد، فليس بصائد، والحل مرتَّبٌ على كونه صائدًا؛ لقوله ﵇: "إذا صدتَ بقوسِكَ". الخامسة والأربعون: في مرتبة أخرى: أرسل كلبًا حيث لا صيدَ، فاعترض صيدًا فأخذه: لم يحلَّ على المشهور عند الشافعية، وقيل:

стр. 1130

هو كالسهم فيجري فيه الخلاف (١). وهذه المرتبة أقربُ إلى المنع من مسألة السهم المُرسَل؛ لأنه إذا اعتُبر الانتسابُ إلى الفاعل، فالانتساب في باب السهم أقوى من الانتساب في إرسال الكلب؛ لأن الإصابة بالسهم متولدةٌ عن فعله، فهو أقرب إلى الانتساب مما يفعله الكلبُ. السادسة والأربعون: تكلم بعضُ الفقهاء فيما يقع اسم الاصطياد عليه، فذُكر أنه يقع على العقر المزهق في الوحشي، ويقع على ما هو أعمُّ منه، وهو إثبات اليد عليه، وإبطال امتناعه. السابعة والأربعون: أكثر الفقهاءُ التفريعَ على اعتبار القصد، وذكروا مسائلَ كثيرةً، فذكرنا بعضها، فإن كان مأخذ ذلك أن القصدَ معتبرٌ في تسمية الشخص صائدًا، فاللفظ الذي في الحديث يدل على كثير من تلك المسائل، وإن كان اسم الصائد له حاصلًا دونَ قصدٍ، فهذا يَحتاج في اعتبار القصد إلى دليل خارج. وعلى الأول - وهو أن يكون كونه قاصدًا لا بد منه في تسميته صائدًا -: يبقى النظر في مراتب القصد، وما هو معتبر منها وما لا يعتبر. والذي يقتضيه الحالُ: أن يُنظَرَ في مقتضى اللفظ لغة، فما انطلق عليه أنه صائدٌ به دخل تحت اللفظ، ومتى اشتُرط شرطٌ آخر، فيحتاج

стр. 1131

إلى دليل خارج، وما لا ينطلق عليه به أنه صائد، لا يدخل تحت اللفظ، فلا يؤخذ من الحديث. وللقصد مراتب: القصد إلى الفعل، والقصد إلى الصيد، والقصد إلى المصيد؛ إما عمومًا أو خصوصًا، وقد بينا الكلام على القصد إلى الفعل واعتباره في اسم الصائد، فإن من وقع منه سهم اتفاقًا فذبحت، لا يسمى صائدًا، وبعدَه القصدُ إلى مطلق الصيد، وقد بيناه، والله أعلم. الثامنة والأربعون: وبعدَهُ القصدُ إلى جنس المصيد؛ كما إذا رأى سِربًا، فأرسل إليه سهمه، أو كلبه، فأصاب منه بعضه، فهو حلال، وإن لم يقصد عينه؛ لأن اسم الصائد ينطلق عليه، ولا يُخْرِج الناسُ فاعلَ هذا عن كونه صائدًا؛ لكثرة ما يقع من الصائدين، وقلة قصدهم إلى شيء بعينه من السرب. التاسعة والأربعون: القصد إلى عين المصيد، قد قدمنا أنه لا يشترط، ولكنه لو وقع فرمى إلى ظَبية فأصاب غيرَها من جنسها، فهل يكون هذا القصد مانعًا حتى لا يحل؟ أقوال: أحدها: وهو الأصح عند الشافعية، والمروي عن أبي حنيفة: الحل؛ لوجود القصد (١). والثاني: المنع؛ لعدم القصد إلى العين.

стр. 1132

والثالث: أنه إن كان يرى الصيد الثاني حالةَ الرمي، حلَّ أكلُ المُصَاب، وإن كان لا يراه حينئذٍ لم يحل؛ كما لو رمى سهمًا، وهو لا يرى صيدًا، فأصاب صيدًا (١). الخمسون: رمى بسهم، فعدل عن الجهة التي قصدها إلى غيرها، فأصاب: قالوا بالحِل، وهو مندرج تحت لفظ الحديث، فإنه صائدٌ بسهمه. الحادية والخمسون: إذا أرسل كلبًا إلى جهة صيد، فعدل عن الجهة إلى أخرى، وأصاب صيدًا: ففيه اختلاف، ورجَّح بعضُ الشافعية الحِلَّ، قالوا: لأنه أرسله على الصيد، وأخذ الصيد، وتكليفُه أن لا يعدلَ من جهة إلى جهة، بعيد (٢). ووجه التحريم: أنه مضى في تلك الجهة باختياره، فهو كما لو استرسل بنفسه. والقول بالحلِّ مندرجٌ تحت إطلاق قوله ﵇: "وما صدتَ بكلبِك المعلَّمِ فكُلْ"، لكنه ليس الأخذ به بالقوي من حيث اللفظ؛ لأن العدول والاختيار من قَبيل المانع، وهو هاهنا فيه قوةٌ بدليل اعتباره في المانعية في ابتداء الحال، إلا أنه يعارضه ما تقدمت الإشارة إليه من عسر تكليف الكلب عدمُ العدول إلى جهة أخرى، وإذا كان

стр. 1133

عَسِرًا في التعليم ألا يتكلف، قَرُب أن لا يعتبر، فإذا تعادل الأمران - أعني: هذين المعنيين - في نظر المجتهد، فالجري على الإطلاق حينئذٍ قوي، وإن لم يكنْ قبل فرض التعادل بالقوي (١). الثانية والثالثة والخمسون: لفظ هذا الحديث ليس عامًا بالنسبة إلى كل صائد، وإنما هو خطاب لإنسان معين، ذي أوصاف، فكل وصف له يجب إلغاؤه في هذا الحكم أُلغي، وما اعتُبر شَارَكَهُ فيه مَنْ يُشارِكه في الوصف، بالدليل الدال على عموم الأحكام للمكلفين، والله أعلم. الرابعة والخمسون: لفظ الصيد يقتضي أخذَ المُتوحِّش المَعجوزِ عنه، والاستيلاءَ عليه، إذ لا يسمى آخذ المستأنس المظفور به صائدًا، فيقتضي عدم حل المستأنس بأخذه بآلة الصيد؛ كالسهم والجارح. الخامسة والخمسون: ويلزم منه أيضًا أن ما استأنس من المتوحشات يزول عنه اسم الصيد، فلا يؤكل بما يؤكل به الصيد. السادسة والخمسون: أما ما استوحش من المستأنسات، فقد اختلف العلماء فيه، والمتبع الاسم؛ أعني: كونه صائدًا؛ لقوله ﵇: "إذا صدتَ"، فإن سمي صيدًا اندرج تحت اللفظ، وإلا فَمَنْ منع فله أن يستدل بالمفهوم، ومن أجاز فبدليل خارجٍ عن هذا اللفظ.

стр. 1134

السابعة والخمسون: هذه الإضافة التي في قوله ﵇ "بكلبِكَ"، كما ذكرنا وأشرنا إليه، تجري مجرى الصفة، فالتقييدُ بها على مقتضى القول بالمفهوم يقتضي نفيَ الحكم عما عداها، فيقتضي أنه إذا لم يَصِد بكلبه لم يحصل الحل، فيدخل تحته - أعني: عدم الحل - كلبُه إذا استرسل، وكلبُ غيره إذا أرسله غيرُ مالكِه. الثامنة والخمسون: قد اختلفوا فيما إذا غصب كلبًا واصطاد به، هل يكون المصيد للمالك، أو الغاصب؟ فقد يستدل به من يقول: إن الصيد للغاصب، إذ لم يَصِد بكلبه، إلا أنه يدخل تحته ما يكون المصيد فيه للصائد، وليس ما يصيده بكلبه؛ كالمُعار. فإما أنْ يُقال: إن الإضافة يكفي فيها أدنى مُلابَسة، فيكون كونه تحت يده مُصحِّحًا لكونه كلبه مع تأيُّد ذلك بأنه ليس المقصود ظاهرًا الملك للكلب. فإن احتج بذلك على مسألة غصب الكلب، ويقال: ما خرج عنه بالدليل، أو بالإجماع يستثنى، ويبقى حجة في الباقي إن أمكن ذلك؛ لكنه عندنا يجري مجرى الجَدَليَّات الذي يَقصِدُ المجتهدُ المحققُ غيرَها. فإن قلت: الخلاف في مسألة الصيد راجع إلى أن المستحق للصيد هو المالك، أو الغاصب، لا إلى أنَّ المَصِيدَ هل هو ميتة، أم

стр. 1135

لا؟ وليس المقصودُ من الحديث بيانَ مَنْ المالك، فلا يصح التمسك به فيما يقصد بالحديث، وهو ما يكون مصيدًا شرعًا، أم لا؟ قلت: من اعتبر المقاصدَ من الكلام فقد يتجه هذا السؤال عليه، ويمكن أن يقال: الحديث دل على إباحة الأكل لقوله: "فكُله"، وإباحة الأكل يستدعي الملك، وينافيها الغصب لو كان الملك لغيره، وهذا يناسب مذهبَ الظاهرية ومن يرى أن المقصودَ من الحديث إباحةُ الأكل من جهة الاصطياد، لا من كل جهة. التاسعة والخمسون: قد يستدل به من يقول: إن الكلب يُملك باعتبار الإضافة، ويدعي أن كلبَه حقيقةٌ فيما يملكه، وقد عرف من مذهب الشافعية ﵏: أنه إذا حلف لا يدخل دار فلان وأطلق: أنه يحمل على ما يملكه (١). وهذا يقتضي أن الإضافةَ حقيقةٌ في الملك؛ لأن اللفظ إنما يُحمل عند الإطلاق على ما تقتضيه حقيقتُه. الستون: قوله ﵇: "فأدركْتَ ذكاتَهُ فكُلْ" يُحمل الإدراكُ هاهنا على فعل الذكاة وإيقاعِها، فيدل على أن صيد غير المعلم لا يحل إلا بالذكاة، وقد فارق صيد المعلم؛ لأن ذلك يحل من غير فعل الذكاة؛ كما لو قتله قبل مجيء صائده. يبقى هنا ما لا يسمى ذكاة، ما حكمُه؟

стр. 1136

الحادية والستون: قد يتعلَّقُ به من لا يشترط التسميةَ في الحل، فإنه مطلق فيما إذا أدركت ذكاة المصيد بغير المعلم، فيدخل تحته ما لم يحصل فيه التسمية. وهو ضعيف؛ لأن الدلائل التي دلت على اشتراط التسمية في الصيد قوية، ومُعارِضها ضعيف، وذلك يوجب إلحاقَ شرط زائد على ما دل عليه الإطلاقُ، وتُلحق صورةُ عدمِ التسمية بقيام المانع الذي لا يقصد عند الإطلاق، كما تقول: الصيد مباح بالإجماع، ولو أدى في بعض الصور إلى ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها يحرم، ولم يمنع ذلك من إطلاق القول بإباحته؛ كما أن هذا عارضٌ مانعٌ لا يمنع من الإطلاق، فكذا هاهنا. ومن طريق البحث يقال: لا يسلم أنه أُدركت ذكاته؛ لأن الذكاة الشرعية ما يكون معها التسمية. الثانية والستون: قد يستدل به في مسألة تردِّي البهيمة في مَهْواة يُعجز معها عن ذبحها في الحلق واللُّبة عند الإطلاق العرفي، وإذا لم تدرك ذكاته وجب أن لا يحل؛ لدلالة الحديث على اشتراط الذكاة، والمعلقُ بالشرط عدمٌ عند عدمه، كما قُرِّر في الأصول، وإذا لم يؤكل في هذه الصورة في بقية الصور ضرورةً إذ لا قائلَ بالفرق، وهو أيضًا ضعيف إن صح الدليلُ على الاكتفاء في تلك الصورة بغير الذبح،

стр. 1137

وقويت دَلالتُه على دلالة هذا الإطلاق؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها. الثالثة والستون: إذا عُلِّق الحكمُ بوصفين، وفرَّعنا على القول بالمفهوم، وأنه ينتفي الحكم عمَّا عدا المنطوق، اقتضى ذلك انتفاءَ الحكم بانتفاء مجموع الوصفين، وبانتفاء كل واحد منهما؛ كما إذا قال: إذا جاءك فقيه زاهد فأكرمْهُ، فإذا انتفى الوصفان معًا، وهو أن يأتيَ غيرُ فقيه ولا زاهد فلا إكرامَ، وإذا انتفى وصفُ الفقه فقط بأن يجيء غيرُ فقيهٍ زاهد فلا إكرام. وكذلك لو قيل: في سائمة الغنم الكبرى زكاة، لانتفى وجوبُ الزكاة بانتفاء الوصفين معًا، وهي أن تكون الغنم معلوفًة صغرى، وبانتفاء السَّوْم فقط بأن تكون معلوفةً كبرى، وبانتفاء وصف الكبر فقط، وهي أن تكون سائمةً صغرى. الرابعة والستون: فإذا تقرر هذا، فَلِسائل أن يسألَ ويقولَ: قد عُلِّق الحلُّ على صيد غير المعلم وإدراك الذكاة، فإذا جرينا على هذه القاعدة جاءت لنا ثلاث صور: انتفاء الوصفين معًا: وهو أن يكونَ معلَّمًا لم تدرك ذكاتُه. وانتفاء الوصف الأول: وهو أن يكونَ معلَّما أدركت ذكاتُه. وانتفاء الوصف الثاني: وهو أن يكونَ غيرَ معلَّم لم تدرك ذكاتُه. فأما أداء القسم الأخير، فظاهر أنه لا يؤكل، وجرى الأمر

стр. 1138

فيه على القاعدة. وأما القسمان الأوَّلان، فلم يجرِ الأمرُ فيهما على القاعدة؛ لأن المعلَّمَ الذي لم تدرك ذكاتُه مأكول، وصيد المعلم الذي أدركت ذكاته مأكول أيضًا. والجواب من وجهين: أحدهما: أن ما يذكر من الأوصاف التي يقيد بها الحكم، منها ما يمكن أن يكون وصفاً معتبراً فيه، وعدم التعليم ليس وصفاً معتبراً في حل الصيد ولا يناسب الاعتبار، فلا يكون الحكم مرتباً إلا على التذكية في غير المعلم؛ لأنه الوصف المعتبر في الحل على ما نطق به الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وإذا كان مرتباً على وصف واحد، وهو التذكية في غير المعلم، دلَّ على انتفاء الحكم عما عداه، وهو عدم التذكية في غير المعلم، لا غير. والوجه الثاني: أن محلَّ السكوت إذا كان الحكم فيه ثابتاً بطريق الأَولى، وجب الحكمُ به فيه، ولا يجوز أن يقالَ فيه بالمخالفة، وهو الذي يسمى بمفهوم الموافقة. والصورتان الأُوليان إحداهما من هذا القَبيل، فإنه إذا حل أكل ما ذكى من صيدِ غيرِ المعلم، فلأَنْ يحِلَّ كلُ ما ذكى من صيد المعلم أولى؛ لأن وصف التعليم لا يكون مانعاً قطعاً، فخرج

стр. 1139

الجواب عن هذه الصورة. وأما الصورة الأخرى: وهو المعلم الذي لم تدرك ذكاته، وأنه يلزم فيها عدم الحل، فالجواب عن ذلك: أن الشارع لما قسَّم الكلابَ إلى قسمين؛ معلمِ وغيرِ معلمِ، وأفرد غيرَ المعلم باشتراط الذكاة، عُلم أن المعلم بخلافه؛ لأنه الحكم الذي قصد فيه بيانَ الفرق بينهما، وهذا في غاية الظهور، حتى يكاد يكون كالصريح فيه، ودلالة ذلك على إباحة أكل ما لم تدرك ذكاته من صيد المعلم أقوى من دلالة هذا المفهوم الذي ذُكر على تحريمه، والعمل بأقوى الدليلين واجب، وهذا الذي ذكرناه ليس من مجرد المفهوم، بل من أمر زائد، وهو التقسيم إلى نوعين خُص أحدُهما بحكم معين لا غير، وهو أمر زائد علي مجرد المفهوم، إذ لو لم يفترقا في ذلك لبطلت فائدة التقسيم. الخامسة والستون: صيغة الأمر بالأكل في الحديث للإباحة فقط، فتخرج عن حقيقتها في الوجوب بالقرينة، فاذا اقتضى المفهومُ انتفاءَ الحكم عند انتفاء الوصف، فالمنتفي هو الإباحة. السادسة والستون: إذا دل مفهومُ المذكور في الحديث على انتفاء الحكم عما عدا المذكور، انضما إليه هاهنا دليل آخر، وهو أن الأصلَ تحريمُ أكلِ الميتة، فاذا قُيَّد الحِل بوصف، استند في عدم الحل عند انتفاء الوصف إلى أصل التحريم للميتةّ، فيتظافر دليلان.

стр. 1140

وكذلك في كل ما هو من هذا القبيل مما يقتضي الأصلُ الشرعي تحريمَه، فيَخرج عنه شيء يشترط، فيُستند فيه إلى دليلين؛ المفهوم والأصل، وله نظائر، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 1141

الحديث الخامس وثبثَ من حديث عمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: كُنَّا فِيْ سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وفِيهِ: ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فتَوَضَّأ، وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفتلَ مِنْ صَلاَتِهِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلّ مَعَ الْقوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلاَنُ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تصَلِّيَ مَعَ الْقوْمِ" (١)؟ فَالَ: أَصَابتي جَنَابَة ولا وَلاَ مَاءَ، قالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتكَى النَّاسُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلاَناً - كَانَ يُسَمِّيهِ أبو رَجَاءٍ فَنَسِيَهُ عَوْف - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: "اذْهَبَاِ ابْغيَا (٢) الْمَاءَ". فَانْطَلَقَا، فَلَقيَا (٣) امْرَأة بَيْنَ مَزَادتيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى

стр. 1142

بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالاَ لَهَا [أينَ الماءُ؟ فقالت: عَهْدِي بِالمَاءَ أَمسِ هذه الساعةَ، ونَفَرُنَا خُلُوف، قالا لَهَا:] (١): انْطَلِقِي إِذنْ. وفيه: وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بإنَاء، فَأفْرغَ فِيهِ مِنْ أفوَاهِ الْمَزَادتيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكَأ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: أَنِ اسْقُوا واسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ سَقَى، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ: أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "اذْهَبْ، فأفْرِغهُ عَلَيْكَ"، متَّفق عليه (٢).

стр. 1143

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف بمن ذكر: أما عِمْرانُ بن حُصَين ﵄: قال ابن الأثير في كتاب "معرفة الصحابة" المسمى "أُسد الغابة": عمران بن حصين بن عُبيد (١) بن خَلَف بن عبد نُهم بن حذيفة بن جَهْمة بن غَاضِرة بن حبشية ابن كعب بن عمرو الخُزاعي، قاله ابنُ مَنده وأبو نعيم. وقال أبو عمر: عَبْدُ نُهم بن سالم بن غاضرة. وقال الكلبي: عبد نُهم بن جُرَيْبة بن جهمة. واتفقوا في الباقي. يكنى أبا نُجيد، بابنه نُجيد، أسلم عامَ خيبر، وغزا مع النبي ﷺ غزوات. بعثه عمرُ بن الخطاب إلى البصرة ليفقِّه أهلَها، وكان من فضلاء الصحابة، واستقضاه عبدُ الله بن عامر على البصرة، فأقام قاضياً يسيراً، ثم استَعفى، فأعفاه. قال محمدُ بن سيرين: لم نرَ في البصرة أحداً من أصحاب النبي ﷺ يفضُل على عمران بن حصين. وكان مجابَ الدعوة، ولم يشهد الفتنة.

стр. 1144

روى عن النبي ﷺ ، روى عنه الحسنُ، وابنُ سيرين، وغيرُهما. ثم قال: وكان في مرضه تُسلّم عليه الملائكةُ، فاكتوى، ففقد التسليم، ثم عاد إليه، وكان به استسقاء، وطالَ به سنينَ كثيرة، وهو صابر عليه، وشق بطنه، وأخذ منه شحم، ونقب له سرير، فبقي عليه ثلاثين سنة. ودخل عليه رجل فقال: يا [أ] با نُجيد! والله إنه ليمنعني من عيادتك ما أرى بك، فقال: بايعني فلا تبخس، فواللُّه إن أَحبَّ ذلك إليَّ أحبَّه إلى الله . وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وكان أبيض الرأسِ واللحية، وبقي له عَقِب بالبصرة (١). وأما أبو رجاء: فهو عمران بن عبد الله، ويقال: ابن تَيْم، ويقال: ابن مِلْحان العُطَاردي البصري، أدرك زمانَ النبيّ ﷺ ، روى عن أبي حفص عمرَ بنِ الخطاب العدوي، وأبي العباس عبد اللُّه بن

стр. 1145

العباس الهاشمي، وأبي نُجيد عمرانَ بنِ حصين الخُزَاعي. وروى عنه أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، وأبو عَون عبد الله بن عون المزني، وأبو خالد قُرَّة بن خالد السَّدُوسي. والقول بأنَّه عمرانُ بن تَيم: هو قول يحيى بن معين في رواية عباس الدُّوري (١). والقول بأنَّ اسمَه عمران بن ملحان: هو قول البخاري، قال: عمران بن مِلْحان أبو رجاء العطاردي. قال أحمد: اسمه عمران بن عبد الله. والمروي عن ابن نمير محمد بن عبد الله: أبو رجاء عمران بن مِلْحان. قال أبو عمر بن عبد البر: أدرك الجاهليةَ، ولم يرَ النبيَّ ﷺ ، ولم يسمع منه، واختلف هل كان إسلامه في حياة النبي، وقيل: إنه أسلم يومَ الفتح، والصحيح: أنه أسلم بعد المبعث. وروى أبو عمر بإسناده عن أبي عمرو بن العلاء، قال: قلت لأبي رجاء العطاردي: ما تذكر؟ قال: قَتْلُ بِسْطام بن قيس، قال الأصمعي: قتل بسطام بن قيس قبل الإسلام بقليل، قال أبو عمرو بن العلاء: وأنشد أبو رجاء العطاردي [من الوافر]:

стр. 1146

وخَرَّ على الأَلاءَة (١) لم يوسَّدْ ... كأنَ جبينَهُ سيفٌ صقيلُ (٢) قال أبو عمرو: هذا البيت من شعر [ابن] عَنَمة في بسطام بن قيس، ومن ذلك قوله فيه [من الوافر]: لكَ المِرْباع منها والصَّفَايا ... وحُكْمُك والنَّشِيطةُ والفضولُ أماتته بنو زيدِ بنِ عمروٍ ... ولا يُوفي ببسطامٍ قتيلُ وخرَّ على الألاءةِ لم يوسَّدْ ... كأنَّ جبينَهُ سيفٌ صقيلُ (٣) قلت: النَّشِيطَة - مفتوح النون مكسور الشين المعجمة، وبعد الياء طاء مهملة -: ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل البلوغ إلى الموضع الذي قصدوه (٤) (٥). قال أبو عمر: وقد قيل: إن قتل بسطام يومَ مبعث النبي ﷺ ، يُعدُّ في كبار التابعين، ومعظم روايته عن عمر، وعلي، وابن عباس،

стр. 1147

وسمرة، وكان ثقة، روى عنه أيوب السختياني وجماعة. قال أبو عمر: وكان أبو رجاء يقول: بُعثَ النبيُّ ﷺ وأنا أرعى الإبلَ على أهلي، وأر [يـ]ـش وأبري، فلما سمعنا بخروجه لحقنا بمسيلمة. قال: كان رجاء رجلاً فيه غفْلة، وكانت له عيال، وعُمِّر عمرًا طويلاً أزيدَ من مئة وعشرين سنة، مات سنة خمس ومئة في أول خلافة هشام بن عبد الملك (١). وأما عوف: فهو ابن أبي جمِيلة، بفتح الجيم وكسر الميم، قيل: اسمه بَنْدويه، وقيل: رزينة، ويعرف عوف بالأعرابي، وليس بأعرابي الأصل. يكنى أبا سهل، ويقال: أبو عبد الله، يُعدُّ في البصريين. سمع أبا رجاء العطاردي، والحسن وسعيداً ابني الحسن

стр. 1148

البصري، ومحمد بن سيرين، وسيار بن سلاَمة، والنضر بن شميل. قال أبو طاهر: قال يحيى بن سعيد القطان وأبو نعيم: مات سنة ست وأربعين ومئة، وقال: اتفق الشيخان على إخراج حديثه في "الصحيحين"، واتفقا على روايته عن أبي رجاء، وانفردَ مسلمٌ بروايته عن النضر، وانفرد البخاري بباقي من سميناه، والله أعلم (١). * * * * الوجه الثاني: قد ذكرنا أنه متفقٌ عليه، أخرجه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، وقد اتفقا على إخراجه بين تطويل واختصار من حديث عوفٍ، وهو الأعرابي، وسَلْم بن زَرِير، كلاهما عن أبي رجاء، وهو عمران. وسَلْم هذا ثقة، وهو - بفتح السين المهملة، وسكون اللام - وزَرِير والده، بفتح الزاي المعجمة، وبعدها راء مهملة مكسورة، ثم

стр. 1149

ياء آخر الحروف، ثم راء مهملة. وأخرجه البخاريُّ مطولاً في الطهارة عن مسدد، عن يحيى القطان، عن عوف (١)، ومختصراً عن عبدان، عن ابن المبارك، عن عوف (٢). وأخرجه في علامات النبوة بطوله عن أبيه، عن سلم بن زَرير (٣). وأخرجه مسلم في الصلاة عن أحمد بن سعيد، عن عبيد الله الحنفي، عن سَلْم بن زَرير (٤)، [وأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم] (٥) وهو ابن راهويه، عن النضر بن شميل، عن عوف، كلاهما عن أبي رجاء (٦). * * * * الوجه الثالث: في إيراد الحديث على الوجه بكماله من بعض الروايات (٧): عَنْ أِبيْ رَجَاءٍ العُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ

стр. 1150

النَّبِيِّ ﷺ ، وإنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى إِذَا كُنا فِي آخِرِ الليْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةَ، وَلاَ وَقْعَةَ عِنْدَ الْمُسَافِرِ أَحْلَى مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ بِلاَل ثُمَّ فُلاَن ثُمَّ فُلاَن - يُسَمِّيهِمْ أبَو رَجَاءِ فَنَسِيَ عوف (١) - ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابع، وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ نُوقظْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ؛ لأنَّا مَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيقظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيداً، كَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتكبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتكبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوتهِ النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيقظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ: "لاَ ضَيْرَ أَوْ لاَ يضِيرُ، ارْتَحِلُو". فَارْتَحَلَ، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدِ، ثُمَ نزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوء فتوَضَّأ، وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلِ مُعْتَزِلِ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ"؟ قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَة وَلاَ مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاشْتكَى النَّاسُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلاَناً - كَانَ يُسَمِّيهِ أبو رَجَاءِ وَنسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِياً فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْغِيَا الْمَاءَ".

стр. 1151

فَانْطَلَقَا، فَلَقِيَا امْرَأة بَيْنَ مَزَادتيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِير لَهَا، فَقَالاَ لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوف، فَقَالاَ لَهَا: انْطَلِقِي إِذاً، قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالاَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قَالاَ: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاءَا بِهَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِي ﷺ بإنَاءٍ، فأفَرغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادتيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكَأ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: أَنِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاء مِنْ مَاء، فَقَالَ: "اذْهَبْ، فَأفْرِغْهُ عَلَيْكَ". وَهْيَ قَائِمَة تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وإنه لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَد مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "اجْمَعُوا لَهَا"، فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَة وَدقيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَاماً، فَجَعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ، مَا رَزَأْنَاكِ مِنْ مَائِكِ شَيْئاً، وَلَكِن اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَقَاناً. فَأتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنة؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ، لَقيَنِي رَجُلاَنِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا [الذي يقالُ لَهُ]

стр. 1152

الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ، إِنه لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذه وَهَذه - وَقَالَتْ بِإِصْبَعِيهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، تَرَفَعَهُمَا إِلَى السَّمَاء؛ تَعْنِي: السمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُغِيرُونَ بَعْدُ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ صِرْمَهَا الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْماً لِقَوْمِها: مَا أُرَى إلأَ أَنَّ هَؤُلاَء الْقَوْمَ يَدَعُونكُمْ عَمْداً، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلاَمِ؟ فَأطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإسْلاَمِ. * * * * الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: قال الجوهري: وسَرَيت سُرىَ ومَسرْىَ وأَسريْتُ بمعنى، إذا سرتَ ليلاً، وبالألف لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بهما جميعاً. قال حسان بن ثابت ﵁[من الكامل]: حَيِّ النضيرةَ رَبَّةَ الخِدْرِ ... أَسْرَتْ إليك ولم تكن تُسْري (١) ويقال: سَرَينا سَرْيةَ واحدة، والاسم: السُّرْية، بالضم، والسرى. وأَسْراه وأَسْرَى به: مثل أخذ الخِطَام، وأخذ بالخِطَام، وإنما قال

стр. 1153

تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وإن كان السُّري لايكون باللبل للتأكيد، كقولهم: سِرْتُ أمسِ نهاراً، والبارحة ليلاً. والسّراية سُرى الليل، وهو مصدر، ويقلُّ في المصادر أن تجيءَ على هذا البناء؛ لأنه من أبنية الجمع، يدلُّ على صحة ذلك أنَّ بعضَ العرب يؤنّث السرى والهُدى، وهم بنو أسدٍ، توهما أنهما سُرْية وهُدْية (١). قلت: النَّضيرة في شعر حسان: بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، بعدها آخر الحروف، ثم راء مهملة. وقول الجوهري السِّراية: سُرى الليل، هو بكسر السين. وقوله: سَرينا سَرْية واحدة، هو بفتح السين. وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": السُّرى: سيرُ اللَّيلِ عامتِه، وقيل: سيرُ الليلِ كلّه، يذكَّر ويؤنث، ولم يعرف اللَّحياني إلا التأنيث، ثم قال: وقد سرى سُرىَ وسَرية وسُرية، فهو سارِ. قال [من الوافر]: أتَوْا نارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ؟ قالوا ... سَراةُ الجِنِّ، قلت: عِمُوا ظَلامَا (٢)

стр. 1154

وفي المثل "ذهبوا إسْراءَ قُنْفُذَةٍ، وذلك أن القُنْفُذَ يسري [ليلَه] كلَّه لا ينام. قال حسان: أَسْرَتْ إليكَ ولم تكُن تُسْري واسْتَرى: كأسرى. قال الهذلي [من الطويل]: وخَفُّوا فأمَّا الجاملُ الجونُ فاسْتَرى ... بليلٍ وأمَّا الحيُّ بعدُ فأصبحُوا وأَنشد ابنُ الأَعرابي قولَ كُثير [من الطويل]: أَرُوحُ وأَغْدُو من هَواكِ وأَسْتَرِي ... وفي النَّفْسِ مما قَدْ عَلِمْتِ عَلاقِمُ وقد سرى به، وأسرى به، وأسراه (١). الثانية: " وكان رجلاً جليداً": مأخوذ من الجَلاَدة، وهي الصَّلابة، يقال: جلُد - بالضم - فهو جليد وجَلْد.

стр. 1155

قال ابن سِيْده: ورجل جَلد وجليد من قوم أجْلاد، وجُلداء وجُلَّاد وجُلُد، وقد جَلُد جَلادة وجُلودة، والاسم الجَلدُ والجلود، وتجلَّد: أظهر الجلد، وقوله [من الوافر]: وكيفَ تَجَلُّدُ الأقوامِ عنه ... ولم يُقتَلْ به الثَّأر المُنِيمُ (١) عدَّاه بعن؛ لأن فيه معنى تصبَّر. وأرض جلد: صلبة مستوية المتن غليظة، والجمع: أجلاد. قال أبو حنيفة: أرض جَلَد: بفتح اللام، وجَلْدة: بتسكين اللام (٢). قلت: قوله: رجل جلْد، هو على مثال عبد، وجليد على مثال عبيد، وقوم أجلاد على مثال أبرار، وجُلَداء على مثال شهداء، وجُلاد على مثال عُبَّاد، وجُلُد على مثال عُنُق، وقد جَلُد على مثال ظَرُف، جَلادة على مثال طَلاقة، وجُلُودة على مثال رُطُوبة، والاسم الجَلَد على مثال البَلَد، والجُلود على مثال القُعود، وتجلَّد على مثال تعبَّد. وقال أبو حنيفة: أرض جَلَد - بفتح اللام - على مثال بَلَد، وجَلْدة: على مثال قَعْدة. فهذا ضبطناه بالأمثلة حذراً من تصحيفه لعدم ضبط ناقله.

стр. 1156

الثالثة: قال الجوهري: ضاره يَضِيرُه ويضُورُه ضَوْراً وضَيْراً؛ أي: ضرَّهُ. قال الكسائي: سمعتُ بعضَهم يقول: لا يَنْفَعُني ذلك ولا يَضُورُني (١)؛ أي: لا يضر. وفسره بعضهم فقال: يقال: ضاره يَضِيره ضيراً: ضره، ويقال أيضاً: يضوره (٢). وقوله ﵇: "لا تُضَارُونَ في رُؤْتيه" (٣) من هذا؛ أي: لا يضير بعضُكم بعضاً. ووقع في "المستخرج" للحافظ أبي نعيم في هذا الحديث: لا يسوء ولا يضير (٤). الرابعة: قوله: "فاذهبا فابغيا الماء"، الألف موصولة، يقال: بَغَيتُ الشيءَ: طلبتُه، وبغيتُكَ الشيء: طلبتُه لك، وأبغيتُكَه: أعنتك على طلبه.

стр. 1157

قال الجوهري: والبُغية: الحاجة، يقال: لي في بني فلان بِغية، وبُغية؛ أي: حاجة، فالبِغية مثل الجِلسة: التي تبغيها، والبُغية: [الحاجة] نفسها، عن الأصمعي. وبغى ضالته، وكذلك كل طِلبة، بُغاءً - بالضم، والمد -، وبُغاية أيضاً. يقال: فرِّقوا لهذه الإبل بُغياناً يُضِبون لها؛ أي: يتفرقون في طلبها (١). قلت: يُضْبون: مضموم آخر الحروف، وبعده ضاد معجمة مكسورة، بعدها (٢) ثاني الحروف، وبعد الباء المشددة نون. وذكر ابن سيده: بغى الشيء ما كان خيراً أو شراً يَبغيه بُغىً وبغاء، الأخيرة عن اللَّحياني، والأول أعرف. وأنشد غيره [من الطويل]: فلا أحْبِسَنْكم (٣) عن بُغى الخيرِ إنني ... سقطتُ علي ضِرغامةٍ، وهوَ آكلِي (٤) وابتغاه، وتَبَغَّاه، واستبغاه، كل ذلك: طلبه.

стр. 1158

ثم قال: والاسم: البُغية، [والبِغية]. وقال ثعلب: بغى الخير يبغيه [بُغيةً وبِغيةً]، فجعلهما مصدرين. والبُغية: الحاجة (١). الخامسة: المَزَادة: بفتح الميم، قال الجوهري: والمزادة: الراوية، قال أبو عُبيد: ولا تكون إلا من جلدين تُفْأَم بجلد ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السطيحة والشعيب، والجمع المزاد والمزائد (٢). قلت: الشعيب: أوله شين معجمة، وبعد العين المهملة ياء، وآخره باء موحدة. السادسة: النفَر: بفتح النون والفاء، قال الجوهري فيه: عدةُ رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة (٣). وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": والنفر ما دون العشرة من الرجال، والجمع أنفار. قال سيبويه: والنسب إليه: نَفَرِيٌّ. وقيل: النفر: الناس كلهم؛ عن كُراع. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]؛ قال الزجاج:

стр. 1159

النفير جمع نفر؛ كالعبيد والكليب. وقيل معناه: وجعلناكم أكثر منهم نُصَّاراً (١). السابعة: قول المرأة: "ونفرُنا خُلُوف": بضم الخاء المعجمة واللام المخففة معاً. قال الجوهري: وحيّ خُلوفٌ، أي غُيَّبُ. قال أبو زُبيد [من الخفيف]: أصبحَ البيتُ بيتُ آلِ إياس ... مُقْشَعِرًّا والحيُّ حيُّ خُلُوفُ (٢) أي: لم يبق منهم أحد. قال: والخلوفُ أيضاً: الحضورُ المُتَخَلّفونَ (٣)، وهو من الأضداد (٤). وكذا قال ابن سيده: والخلوف: "الحضر والغيب، ضدٌّ (٥). قلت: الذي في البيت آل إياس، قال بعضهم: وقع في الأصل:

стр. 1160

بيان (١)، والصواب ما في النسخة؛ لأن أبا زبيد رثى بهذه القصيدة فروة ابن أبي إياس بن قبيصة، انتهى (٢). وقال ابن فارس: الخالف: المستقي، والخَلْف: الاستقاء (٣). قلت: الخَلْف: بفتح الخاء وسكون اللام، وعن الخطابي: الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء والأثقال (٤). يقال: خلف الرجل واستخلف: إذا استقى، وحكى: الخلوف الذين غابوا وخلفوا أثقالهم، وخرجوا في رعي أو سقي. الثامنة: قال الجوهري: صبَأْتُ على القوم أَصْبَأ صَبْأً وصُبُوءاً، إذا طلَعْتُ عليهم. وصبأ نابُ البعير صُبوءاً: طَلَعَ حَدُّهُ. وصبَأَتْ ثَنِيَّةُ الغلام: طَلَعَتْ. وأصْبَأَ النجمُ؛ أي: طَلَعَت الثريَّا. قال الشاعر يصف قحطا [من البسيط]: وأَصْبَأ النجمُ في غبراءَ مُظْلِمَةٍ ... كأنه بائسٌ مُجْتَابُ أخلاقِ (٥)
следующие страницы →