← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى مِن إِصْدَارَاتِ وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة مِنْ إِصْدَارَاتِ دَارُ النَّوَادِرِ ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م دَارُ النَّوَادِرِ لصاحبها ومديرها العام نُورِ الدِّين طَالِب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦ لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 107

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخُ الإِمام العالم العامل العلامة الزاهد العابد الورع الحافظ الضَّابطُ، فريدُ دهره، ووحيدُ عصره، محيي السنُّة، مُميتُ البِدعة، تقيُّ الدين أبو الفتح محمدُ بن أبي الحسن علي ابن وهبٍ القُشَيري ﵁ وأرضاه: الحمد لله شارحِ حرجِ الصدور بلطفه، وفاتحِ مُرْتَج الأمور بعطفه، نحمده على نِعَمٍ لم تغرُبْ عنَّا طوالعُها, ولم تَنْضب لدينا مَشارعُها، ونشهدُ أن لا إله إلا الله، شهادةً يَفيضُ على الأسرار نورُها، ويَستفيض على الأقطار ظهورُها، ونشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، الذي به سَبَغَت نعمةُ الهداية أكملَ سُبوغ، وجعل له سلطانا نصيراً أفضى إلى دَرْك غاية الظَّفَر والبلوغ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاةً يَبْلُغُ بها أرفعَ المراتبِ مَنْ أقرَّ به. وبعد: فإنَّ التفقُّهَ في الدين منزلةٌ لا يخفى شرفُها وعلاها, ولا تَحتجِبُ عن العقل طوالعُها وأضواها، وأرفعُها بعدَ [فهم] كتابِ الله المنزَّلِ، البحثُ عن معاني حديثِ نبيِّهِ المرسلِ، إذ بذلك تثبتُ القواعدُ ويستقر

стр. 108

الأساس، وعنه يصدر الإجماعُ ويقوم القياس، وما تقدَّم شرعًا تعيَّنَ تقديمُهُ شروعًا، وما كان محمولاً على الرأس لا يَحسُن أن يجعلَ موضوعًا، لكنَّ شرطَ ذلك عندنا أن يحفظَ هذا النظامُ، ويُجعلَ الرأيُّ هو المؤتمُّ والنصُّ هو الإِمام، وتُردُّ المذاهبُ إليه، وتضمُّ الآراء المنتشرةُ حتى تقفَ بين يديه، وأما أن يُجعلَ الفرعُ أصلًا، بردِّ النص إليه بالتكلُّف والتحيُّل، ويُحملَ على أبعدَ المحاملِ بلطافة الوهم وسَعَةِ التخيُّل، ويُركبَ في تقرير الآراء الصعبُ والذَّلولُ، ويعملَ من التأويلات ما تنفرُ عنه النفوسُ وتستنكره العقولُ، فذلك عندنا من أردأ مذهبٍ وأسوأ طريقة، ولا يُعتقَدُ أنه تَحصُلُ معه النصيحةُ للدين على الحقيقة، وكيف يقع أمرٌ مع رجحان مُنافيه، وأنَّى يصحُّ الوزن بميزانٍ مَالَ أحدُ الجانبين فيه؟ ومتى يُنصف حاكمٌ مَلَكَتْهُ عصبيةٌ العصبيةَ؟ وأين يقع الحقُّ من خاطر أخذته العزَّةُ بالحميَّة؟ وأنَّى يُحكَمُ بالعدلْ عند تعادل الطرفين؟ ويظهرُ الجَور عند تَقايُل المُتحرِّفَين (١)؟! هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام"، وكان وضعُه مقتضيًا للاتساع، ومقصودُه موجبًا لامتداد الباع، عَدَل قومٌ عن استحسان إطابته، إلى استخشان إطالته، ونظروا إلى المعنى الحامل عليه، فلم يُفضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذتُ في الإعراض عنهم بالرأي الأحزم، وقلتُ عند سماع قولهم:

стр. 109

شِنْشِنة أعرفُها مِنْ أَخْزَمِ (١) ولم يكن ذلك مانعًا لي من وصل ماضيه بالمستقبل، ولا موجبًا لأَنْ أقطعَ ما أمر الله به أنْ يُوصل: فَمَا الكَرَجُ الدُّنيا ولا النَّاسُ قَاسِمُ (٢) والأرضُ لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمةُ الشريفة لابدَّ فيها من سالك إلى الحق على واضح المحَجَّة، إلى أن يأتيَ أمرُ الله في أشراط الساعة الكُبرى، ويتتابع بعدَه ما لا يبقى معه إلا قدومُ الأخرى، غير أنَّ ذلك الكتابَ كتابُ مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه، لا كتابَ

стр. 110

حفظ ودرس يُعتكف في التكرار عليه، فصنفت مختصراً لتحفـ[يـ]ـظِ الدارسين، وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين، وسميته بـ: "الإلمام بأحاديث الأحكام" وهذا التعليق الذي نشرعُ فيه الآن بعون الله، فنشرح ما فيه من السنن على وجوهٍ نقصدها، ومقاصدَ نعتمدها: الأول: التعريف بمن ذُكِر من رواة الحديث والمخرِّجين له، والتكلم فيما يتعلق به على وجه الاختصار. الثاني: التعريف بوجه صحته، إما على جهة الاتفاق أو الاختلاف، على وجه الإيجاز أيضًا. الثالث: الإشارة أحياناً إلى بعض المقاصد في الاختيار لِمَ الاختيار عليه؟ الرابع: الكلام على تفسير شيء من مفردات ألفاظه إذا تعلق بذلك فائدة، إما لغرابتهِ عن الاستعمال العادي، أو لفائدةٍ لا تظهر عند أكثر المُستعملين. الخامس: إيراد شيء من علم الإعراب إذا احتيج إليه أحيانًا. السادس: في علم البيان في بعض الأماكن. السابعِ: الكلام على المعاني التركيبية والفوائد المستنبطة والأحكام المُستَخرجة، وهذا هو المقصود الأعظم. الثامن: اعتمادُ ما تقدمت الإشارةُ إليه من عدم الميل والتعصُّب في

стр. 111

ذلك لمذهب معيَّن على سبيل العسف، فنذكر ما بلغنا مما استدل به أصحابُ المذاهب لمذاهبهم، أو يمكن أن يُستدلَّ به لهم، فإن كان وجه الدليل ظاهراً، وإلا بدأنا ببيانه، ثم نتُبع ذلك بما عساه يُذكَر في الاعتذار عن مخالفة ظاهره لمن خالفه إن تيسَّر ذلك. التاسع: الإعراضُ عمَّا فعله كثيرٌ من الشارحين من إيراد مسائلَ لا تُستنبَط من ألفاظ الحديث، كمن يأتي إلى حديث يدلُّ على جواز المسح على الخفين، أو الاستنشاق، أو الظِّهار، أو الإيلاء مثلًا، فيأتي بمسائل ذلك الباب من غير أن تكون مستنبطةً من الحديث الذي يتكلم عليه، وإن أمكن فَبِطريق مُستبعَد. العاشر: تركُ ما فعله قومٌ من أبناء الزمان، ومن يُعَدُّ فيهم من الأعيان، فأكثروا من ذكر الوجوه في مَعْرضِ الاستنباط، واسترسلوا في ذلك استرسال غيرَ مُتحرِّزٍ ولا محتاط، فتخيَّلوا وتحيَّلوا، وأطالوا وما تطوَّلوا، وأبدوا وجوهًا ليس في صفحاتها نور، وذكروا أوهامًا لا تميل إليها العقول الراجحة ولا تَصُور، حتى نُقِل عن بعضهم أنه ادعّى الاستدلالَ على جميع مسائل مذهبه الذي تقلده من الكتاب العزيز. الحادي عشر: تهذيبُ كثير مما ذكر الشارحون للحديث وتلخيصُه والتحقيق فيه، والمؤاخذة فيما عساه يُؤخَذ على قائلِهِ. الثاني عشر: جلبُ الفوائد المتبدّدة من كتب الأحكام التي تقع مجموعةً في كلام الشارحين للأحاديث فيما علمناه على حسب ما تيسَّر.

стр. 112

إلى غير هذه الوجوه من أمور تَعرض، وفوائد تتصدَّى للفكر فتعترِض ولا تعرض، والله تعالى يحسن العون في إتمامه، ويوفقنا لنية صالحة فيه تُعلي منازلَنا في دار الكرامة. * * *

стр. 113

الكلام على خطبة الأصل " الحمد لله منزِّلِ الشرائع والأحكام، ومفصِّلِ الحلال والحرام، والهادي مَن اتَّبع رضوانه سُبَلَ السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله توحيداً هو في التحرير (١) مُحْكمُ النظام، وفي الإخلاص وافرُ الأقسام، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله الذي أرسله رحمة للأنام، فعليه منه أفضلُ صلاةٍ وأكملُ سلام، ثم على آله الطيبين الكرام، وأصحابِه نجومِ الهدى الأعلام". " الحمد": هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، وقد تكلموا في العموم والخصوص بينهما، مع أن المدح قد يعمّهما معًا، والذي يتحرر: أن الشكر يُطْلَق على الفعل والقول جميعًا، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] وقال ﷺ لما قام حتى تفطرت قدماه، وقيل: [لم] (٢) تفعلُ هذا وقد غُفِر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:

стр. 114

"أفلا أكونُ عبدًا شَكوراً" (١). والحمدُ يخصُّ القول، فإذا نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصةً كان الحمد أعمَّ في هذا المحل, لأنه يحمدُ على صفاته الجميلة وعلى الإحسان الصادر منه، يقال: حمدته على الشجاعة وعلى الإحسان, والشكر محلُّه الإحسان (٢). وقوله: "منزل الشرائع والأحكام": استفتاح خطبة الكتاب بما يناسبُ مقصوده، ويدلّ على غرضه؛ إذ هو كتاب أحكام، وفيه أيضًا إشارةٌ إلى أن الأحكام الواردة من الرسول ﷺ منزلة، لكون

стр. 115

المقصود الأحكام الحديثية. فإن قلنا: إنَّ الرسل ﵈ لا يجتهدون في الأحكام، فالكلامُ على حقيقته وظاهره. وإن قلنا: إنهم ﵈ يجتهدون، فالأحكامُ منزلة بواسطة إنزال ما يقتضي الحكم بالاجتهاد (١)، كما ذكر عبد الله بن مسعود: أنّ لعنه الواصلة والمستوصلة في كتاب الله تعالى، فلما أُنكِر ذلك أحال على قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] مع لعنةِ الرسول ﵇ الواصلة والمستوصلة (٢)، فجعل ذلك في الكتاب بواسطة الأمر بأخذ ما آتاه الرسول. وقوله: "ومفصل الحلال والحرام": اختار لفظ التنزيلِ للأحكام، والتفصيلِ لتمييز الحلال من الحرام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ﴾ [النساء: ١٠٥] ولقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩].

стр. 116

وقوله: "توحيداً هو في التحرير محكم النظام، وفي الإخلاص وافر الأقسام": إحكام النظام يناسب التحريرَ فقُرِنَ به، ومراتبُ الاعتقادات والحكم الذهني متفاوتةٌ، فاختير للإخلاص توفرُ الأقسام. وقوله: "أرسله رحمة للأنام": إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقوله: "فعليه منه أفضل صلاة وأكمل سلام": فيه بحثان: أحدهما: الصيغة صيغة خبر، والمقصودُ بهذه الصيغة الطلبُ ليكونَ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] , وعلى حمل الصيغة على الإخبار قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وبين الإنشاء والإخبار تضادٌّ، وهل يُحتاجُ في امتثال الأمر إلى إنشاء قصد، واستحضار النية للطلبِ وإخراجِ الكلام عن حقيقته من الخبر؟! إن كان اللفظ المستعمل قد كَثُرَ حتى صار كالمنقول في عُرفِ الاستعمال، لم يُحتجْ إليه؛ لأنَّ المغلَّبَ عرفُ الاستعمال على الحقيقة اللغوية، وإن استعمِل لفظ لم ينتهِ في العرف إلى ذلك، فالأقربُ الحاجةُ إليه. البحث الثاني: الصلاةُ من الله تعالى مفسَّرةٌ بالرحمة، ويقتضي هذا أنْ يقال: اللهمَّ ارحم محمدًا؛ لأنَّ المترادِفَين إذا استويا في الدَّلالة قام كلُّ واحد منهما مقامَ الآخر، ويشهد لهذا تقريرُهُ عليه السلام

стр. 117

الأعرابيَّ على قوله: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا (١). وأبى ذلك بعضُ العلماء، لدلالة لفظ الصلاة على معنى من التعظيم لا يُشعَرُ به من لفظ الرحمة، فلهذا قال الفقهاء: إنه لا يُصَلَّى على غير الأنبياء إلا تبعًا، أو من قاله منهم (٢)، وكذلك - أيضًا - لفظُ

стр. 118

الرحمة، إشعارُه ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلافَ في إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف. ويمكن أن يقال: إن تفسيرَ الصلاة بتبيين معنى أصل موضوع الكلمة غيرُ مأخوذٍ فيه ما اختصت به إحداهما, ولا يطلق عليهما ترادفٌ حقيقي بهذا الاعتبار، وإن كان ما اختصت به إحداهما داخلًا تحت مدلول اللفظ وضعاً. وقوله: "ثم على آله الطيبين الكرام، وأصحابه (١) نجوم الهدى الأعلام": اختلف الناس في الذين يدخلون في الصلاة، والمرادُ ها هنا أهلُه الأدْنَون (٢)، واختير لهم لفظةُ الطيبين إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] , وهذا جارٍ على أحد قولي المفسرين. والكرام: جمع كريم، ويجمَعُ - أيضًا - على كُرماء، وقد حكى قوم: كَرَم، كما يقال: أَدِيم وأَدَم (٣)، والكَرَمُ في العرف الشائع يستعمل بمعنى الجود والسخاء، ويستعمل في اللغة بمعنى الفضل والرفعة، وإذا قالوا: كريم، فإنما يريدون به رفيعاً فاضلاً، والله

стр. 119

الكريم؛ أي: الفاضل الرفيع (١). وقال ابن سِيْدَه: الكَرَمُ نقيض اللؤم يكون في الرجل بنفسه، وإن لم يكنْ له آباء، ويستعمل في الخيل والإبل والشجر وغيرها من الجواهر إذا عنوا العِتْق، وأصفه في الناس، قال ابن الأعرابي: كَرَمُ الفرس: أن يَرِقَ جلدُه ويَلينَ شعرُه وتطيبَ رائحته، وقد كَرُم الرجل وغيره، كرمًا وكرامة، فهو كريم وكريمة وكِرْمَة ومَكْرَم ومَكْرَمَة وكُرَّام وكُرّامة، وجمعُ الكريم كُرماء وكِرام، وجمع الكُرَّام كُرَّامون، قال سيبويه: لا يُكسَّر كُرَّام، استغنوا عن تكسيره بالواو والنون (٢). وإنه لكريم من كرائم قومه، على غير قياس، حكى ذلك أبو زيد، وإنه لكريمة من كرائم قومه، وهذا على القياس، ورجل كَرَمٌ: كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث؛ لأنه وصف بالمصدر، وقال (٣): لقدْ زادَ الحياةَ إلَيَّ حُبًّا ... بَنَاتِي، أَنّهنَّ مِن الضّعافِ

стр. 120

مخافةَ أَنْ يَرَيْنَ البؤسَ بَعْدِي ... وأَنْ يَشْربْنَ رَنْقًا (١) بعدَ صَافِ وأنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كُسِيَ الجَوارِي ... فَتَنْبُو العينُ عن كَرَيم عِجَافِ (٢) واختار: "الصَّحابة نجوم الهدى الأعلام": إشارة إلى ما جاء في الحديث: "أصحابي كالنُّجومِ بأيِّهم اقتديتُمْ اهتديتُمْ" (٣)، ولصحة

стр. 121

المعنى فيهم ﵁، لانتشار الشريعة من جهتهم إلى الأمة. وقوله: "وبعدُ: فهذا مختصرٌ في علم الحديث، تأملتُ مقصودَه تأمُّلاً": إنَّ الواجب لمن شَرَع في أمر أن ينظرَ في المقصود

стр. 122

منه، ويجعل فضلَ العناية به، فإن كان مقصودُه البيانَ والبسطَ اعتنى بذلك، وأوضح ومال إلى الإسهاب بحيثُ لا يخرجه إلى الهذَرَ، وإن كان مقصودُه الاختصارَ لَمَح هذا المعنى واعتنى به، وترك ما يمكنه تركُه، واستغنى بما يذكره عن غيره إذا كان الذي يذكره يغني عنه، إلى ما يناسب هذا. ولما وقع في جمع بعض المخُتصِرين ما ينافي هذا المقصود أشار إلى تنبيهه لذلك، واعتبار مقصود الاختصار، فربما ترك الأحاديث التي يكفي في الاستدلال على حكمها كتابُ الله تعالى أو إجماع الأمة، وإن وقع من هذا شيء فيكون المقصود أمرًا آخر يتعلق بدلالة الحديث، وتنجر الدلالة إلى الحكم المجمع عليه انجرارًا غيرَ مقصود بالوضع وحدَهُ، كما في قوله ﵇: "لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُمْ إذا أحدَثَ حتىَّ يتوضأ" (١)، فإنه استدلَّ به على وجوب طهارة الحدث، وهو أمر مجمع عليه، وليس هو المقصودُ بإيراد الحديث وحده، وإنما استدلَّ به على أنَّ سبقَ الحدث مُبطِلٌ للصلاة، مانعٌ من البناء. ومن المقاصد - أيضًا -: ألا يذكرَ أحاديثَ متعددة للدَّلالة على حكم واحد إلا لمعُارِضٍ.

стр. 123

ومنها: الاكتفاءُ بأتمّ الحديثين وأكثرهما فائدةً عن أقلهما؛ أو لدخول مدلوله تحت الأعم فائدة، وقد يقوم في مثل هذا معارض، وهو أن يكونَ الحديثُ الأقلُّ فائدةً هو الحديث المشهور أو المُخرَّج في "الصحيحين" فَيُذكر لذلك، ويُتبَع بالحديث الذي فيه الزيادة، فإن إهمالَ ما في "الصحيحين" وما اشتهر بين العلماءِ الاستدلال به غيرُ مستحسن، وربما أوقع إهمالُهُ وذكرُ غيره من الكتب الخارجة عيباً في الاختيار عندَ مَنْ لم يفهم المقصود، وربما اكتفى بالزائد لمعارض آخر. ومنها: أنَّ الحديثَ الذي يستدلُّ به قد يكون مطولاً في الصحاح أو في الكتب المشهورة، ويكون موضعُ الاحتجاج مُقتصَراً عليه، مختصرا في غير ذلك من الكتب، فيقتصرُ على المختصر، ويترك التخريجَ من الصحاح؛ لأنه أليقُ بالكتاب، ولأنه إن ذكر ما في الصحاح مطولاً خرج عن المقصود الذي لأجله أخرج الحديث، وإن اقتصر على مقصوده منه، كان ذلك داخلًا في باب اختصار الحديث الذي لا يختاره قوم من المتوزعين، إلى غير ذلك من المقاصد التي أبهمها. وعلى الجملة فالمقصودُ من هذا الكلام أنه مُراعٍ لوضع الكتاب في الجملة غيْرُ مُسترسلٍ استرسالاً، وترجيحُ بعض المقاصد على بعض يكون بحسب حديثٍ حديثٍ، ومحلٍ محلٍ. قوله: "ولم أدع الأحاديث إليه الجَفَلَى": يقال: دعا فلان

стр. 124

الجَفَلَى - بالجيم المفتوحة والفاء المفتوحة أيضًا مقصور الألف -: إذا عمّ بدعوته ولم يخصَّ قومًا دون قوم (١). قال الشاعر (٢) [من الرمل]: نحنُ في المَشْتاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فينا يَنْتَقِرْ والآدِبُ - ممدود الهمزة مكسور الدال -: هو صانع المأدُبة، والمأدُبةُ - بفتح الدال وضمها -: وهو كلُّ طعام صنع لدعوة (٣). قال ابن سِيدَه: والأُدْبة والمأدُبة والمأدَبة: كلُّ طعام صُنِعَ لدعوةٍ أو عُرْس. قال سيبويه: قالوا: المأدَبة كما قالوا: المدعاة (٤). وقيل: المأدَبة من الأدب، وفي الحديث: "إنَّ هذا القرآنَ

стр. 125

مأدَبةُ الله" (١)، والمأدُبة الطعامُ، فُرق بينهما. وقد أَدَبَ يأدِبُ أَدْباً، وآدَبَ: عمل مأدبة، والأَدْب: العَجَبُ (٢). قال الجوهري: والأدْب: مصدر أدَبَ القومَ يأدِبهم - بالكسر -: إذا دعاهم إلى طعامه، والآدِبُ: الداعي إليه. قال طَرَفة [من الرمل]: نحنُ في المَشْتاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فينا يَنْتَقِرْ

стр. 126

ويقال: - أيضا -: آدَبَ القومَ إلى طعامه يؤدِبهم إيداباً، حكاهما أبو زيد. واسم الطعام: المأدُبة والمأدَبة، قال الشاعر (١) [من الطويل]: كَأَنَّ قلوبَ الطَّيرِ في قَعْرِ عُشِّها ... نَوَى القَسْبِ مُلقىً عِنْدَ بعضِ المَآدِبِ (٢) وأراد استعارة هذا الكلام لعدمِ التساهل فيما يُجلَبُ من الأحاديث. قوله: "ولا ألوْتُ في وضعه مُحرِّراً": ألوْتُ: مقصورُ الهمزة مفتوحُ اللام ساكنُ الواو، وهو ها هنا بمعنى قَصَّرْتُ، يقال: ما ألوت فلانا في نصحه، أي: ما قصرت في نصحه، وما ألوت في حاجتك، أي: ما قصرت فيها، يقال منه: آلُو - ممدودَ الهمزة مضموم اللام - ألوًّا - مضمومَ الهمزة المقصورة واللام بعدَها مشدَّدَة -؛ الواو، وأُلِيًّا - مقصور الهمزة مكسورَ اللام بعدَها ياء مشددة -؛ مثل عتو وعُتِيٍّ، ولهذيلٍ في هذه اللفظة استعمالٌ ليسَ هو المقصود ها هنا، يقولون: لا يألوا فلان على كذا، أي: لا يقدِر، ويقولون: ما ألوت على الصوم؛ أي: ما قدِرت، وبه فسَّرَ بعضُهم قولهم: لا دَرَيتَ ولا ائتَلَيْتَ، أي: افتعلت، من ألوت أي استطعت، وقيل: هو من ألوت: إذا قصَّرت، فيكون المعنى ثَمَّ: لا يدري ولا يقصر (٣).

стр. 127

وقوله: "ولا أبرزتُهُ كيفَ اتَّفقَ تهوُّراً": تأكيد المعنى السابق، قال الجوهري: التهوّرُ: الوقوعُ بقلَّة مبالاةٍ، يقال: فلان مُتَهَوِّر (١). وقوله: "فمن فهم معناه شدَّ عليه يدَ الضَّنانة": يقال: ضَنَّ - بالضاد الساقطة المفتوحة - يَضِنُّ - بكسرها - ويَضَنُّ أيضًا - بفتحها - ضِنًا وضَنًا - بكسرها وفتحها - وضِنَّة ومضَنَة - بفتح الضاد وكسرها - وضَنانةً - بفتح الضاد -: بخل. قال ابن سِيدَه - بعدَ حكايته ما ذكرناه -: الأخيرةُ عن سيبويه (٢). ويزيده عِلْق مضِنَّة ومضَنَّة - بكسر الضاد وفتحها -، والضِّنُّ - بكسرها -: الشيء المضنون [به]؛ عن الزَّجَّاجي. ورجل ضَنين: بخيل، وقوم أُضْنًا، وضننتَ بالمنزل ضنًا وضنانة: إذا لم تبرح، وكأن هذا عندي من مجاز التشبيه، أو مجاز اللزوم، فإنَّ البخيلَ بالشيء مقيم عليه، والإقامةُ على الشيء ولزوم الحال فيه من لوازم البخل، وقولهم: رجل ضَنَن: - مفتوح الضاد والنون، أي: شجاع. قال الشاعر [من البسيط]: إنِّي إذا ضَنَنٌ يَمشِي إلى ضَنَنٍ ... أَيْقَنْتُ أنَّ الفَتىَ مُودٍ به المَوتُ (٣) يحتمِلُ عندي أنْ يكونَ لبخله بنفسه عن أن يُنسَبَ إلى الجبن.

стр. 128

وقوله: (وأنزله من قلبه وتعظيمه الأعزَّين مكانًا ومكانةً": ردَّ المكانَ إلى القلب؛ لمناسبته له من حيثُ إنَّه حرم ومحل، وردَّ المكانةَ إلى التعظيم؛ للمناسبة أيضًا، وقد رجع الأول إلى الأول والثاني إلى الثاني، وهو من محاسن الكلام كما تَقَرَّرَ في فنِّهِ. وقوله: "وسميته بكتاب: الإلمام بأحاديث الأحكام": سمَّى بهذه التسميةِ بالنسبة إلى الكتاب الكبير الذي قصد فيه التوسع وتكثير الأحاديث وجلبها من حيث كانت على حسب القدرة، فهو بالنسبة إليه إلمام، لا بمعنى قصوره في نفسه وضَعفه بالنسبة إلى أحاديث الأحكام، أي: نذكرُ بعضَها ونترك ما هو كثير منه مما يُحتاج إليه ولا داعٍ إلى تركه من وجهٍ مُعتبر. وقوله: "وشرطي فيه ألَّا أوردَ إلا حديثَ من وثَّقه إمامٌ من مُزكّي رواة الأخبار، وكان صحيحًا على طريقةِ بعض أهل الحديث الحفَّاظ، أو بعض أئمة الفقهاء النُّظَّار (١) ": اعتبرَ هذا الشرطَ، ولم يشترط الاتفاق من الطائفتين؛ لأنَّ ذلك الاشتراط يضيق به الحال جدًّا، ويوجبُ تعذُّرَ الاحتجاج بكثير مما ذكره الفقهاء؛ لعسر الاتفاق على وجود الشروط المتفق عليها؛ ولأنَّ الفقهاءَ قد اعتادوا أنْ يحتجوا بما هو نازلٌ عن هذه الدرجة، فرجوعهم إلى هذه الدرجة ارتفاعٌ عما قد يعتادونه، فهو أولى بالذكر، ولأنَّ كثيرًا مما اختُلِفَ فيه من ذلك

стр. 129

يرجعُ إلى أنه قد لا يقدَحُ عند التأمل في حقِّ كثير من المجتهدين، فالاقتصارُ على ما أُجْمعَ عليه تضييعٌ لكثير مما تقوم به الحجةُ عند جمعٍ من العلماء، وذلك مفسدة، ولأنه بعدَ أن يُوثَّقَ الراوي من جهة بعض المزكِّين قد يكون الجَرحُ مُبهماً فيه غيرُ مُفسَّر، ومقتضى قواعد الأصول عند أهله أن لا يُقبَلَ الجرح إلا مفسَّراً، فترك حديثِ مَنْ هو كذلك تضييعٌ أيضا، ولأنه إذا وُثِّقَ قد يكون القدحُ فيه من غير الموثِّقِ بأمر اجتهاديٍّ، فلا يساعده عليه غيرُه. وقوله: "فإنَّ لكلٍّ منهم مَغزىً قصدَه [وسلكَه] (١)، وطريقًا أعرضَ عنه وتركه": يريدُ أنَّ لكل من أئمة الحديث والفقه طريقًا غيرَ طريق الآخر، فإن الذي يتَبيَّنُ وتقتضيه قواعدُ الأصول والفقه: أنَّ العمدةَ في تصحيح الحديث عدالةُ الراوي وجزمُهُ بالرواية, ونظرُهُم يميل إلى اعتبارِ التجويزِ الذي يمكن معه صدقُ الراوي وعدم غلطه، فمتى حصل ذلك وجاز أن لا يكونَ غلطًا وأمكنَ الجمعُ بين روايته ورواية مَنْ خالفه بوجهٍ من الوجوه الجائزة، لم يُترَكْ حديثه. وأمَّا أهلُ الحديث: فإنهم قد يرو [و] ن الحديثَ من رواية الثقاتِ العدول، ثم تقوم لهم عللٌ فيه تمنعهم من الحكم بصحته؛ كمخالفة جمعٍ كثير له، أو مَنْ هو أحفظُ منه، أو قيامِ قرينة تؤثر في أنفسهم غلبةَ الظنِّ بغلطه، ولم يجرِ ذلك على قانون واحد يُستعمَلُ في جميع الأحاديث. ولهذا أقول: إنَّ مَنْ حكى عن أهل الحديث - أو أكثرِهِم -: أنه

стр. 130

إذا تعارضَ روايةُ مُرسِلٍ ومُسنِد، أو واقفٍ ورافع، أو ناقصٍ وزائد: أنَّ الحكمَ للزائد، فلم نجدْ في هذا (١) الإطلاقَ، فإنَّ ذلك ليسَ قانوناً مطَّرداً، ومراجعة أحكامهم الجزئيةِ تُعَرفُ صوابَ ما نقول، وأقربُ الناس إلى اطِّرادِ هذه القواعد بعضُ أهل الظاهر (٢). وفي قوله: "وفي كلٍّ خير": ينبغي [حملُ] قوله: "وفي كل" على كل واحد من الفريقين، أعني أهلَ الفقه وأهل الحديث، وهو أولى مِنْ حملِهِ على كل واحد من الطريقين؛ لأنهما قد يتناقضان، والحقُّ لا يكونُ في طرفي النقيض معاً، اللهم إلا أنْ يرادَ أنه قد يكونُ الصواب في بعض المواضع ما قاله هؤلاء، وفي بعضها ما قاله أولئك، فهذا يُصحِّحه التنكيرُ الذي في "خير"، مع العمل على الطريقين، ولستُ أنكرُ أنْ تكونَ بعضُ القرائن دالَّةً (٣) على تصحيح ما خالفَ القاعدةَ المطَّردةَ في بعض الأماكن المخصوصة، وإنما الخوف الأكبر اختلاطُ درجة الظن مع درجة الوهم (٤) في هذا. وقوله: "والله تعالى ينفع به دنيا وديناً، ويجعله نوراً يسعى بين أيدينا": استعمالٌ لما أرشد إليه لفظُ الكتاب العزيز من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى

стр. 131

الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وقد استعملَ بعضَ أنواع التجنيس المعروفة عند أهل تلك الصنعة. وقوله: "دنيا" ينبغي أن يُحَملَ على أن يحصل له في الدنيا الكرامهّ المرتبة على العلم عند الله تعالى وملائكته، كما ورد في الحديث: "إنَّ العالِم يستغفرُ له حتَّى الطيرَ في الهواءِ والسمكَ في الماء" (١)، فإنَّ هذه منافعُ حاصلة في الدنيا، ويُحَمل "دينًا": على أن يكونَ دالا ومرشداً أو سببًا للعلم، بمقتضى ما دلَّ من أحكام الدين، فيَصْلُحُ به الدين، ولا يجوز أن يُحَملَ "دنياه على أن يتوسلَ به إلى مناصبها وشهواتها الجسدانية العاجلة. وقوله: "ويفتح فيه لدارسيه حِفظًا وفَهماً (٢)، ويبلغنا وإيَّاهم به (٣) منزلةً من كرامته عُظمى، إنه الفتَّاحُ العليمُ الغنيُّ الكريم": انتقالٌ بعدَ الدعاء المطلق للواضع والدارس إلى ما يَخصُّ الدارس، وإلى الجمع

стр. 132

بين الرواية والدراية، وهو المقصودُ الأعظم في هذا الفن، والإخلالُ بأحدهما نقصٌ. "فيه": جَمعٌ بين الاثنين في الدعاء، أعني الحفظَ والفهمَ، ولما استعمل في أولِ الدعاء لفظَ الفتح، عقَّبه بالاسم المُعظَّم المناسبِ له، وهو الفتَّاح، وقرنه بما قرنه الله تعالى به، وهو العليم، وكذلك الاسمان المذكوران بعدَ ذلك مناسبان للمطلوب أولًا، وهو الغنىَ الدالُّ على سَعَة القدرة في إيصال ما يُوصِل مِن المنافع، والكَرَم الدالُّ على سعة العطاء، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] إشارةٌ بصفة العلم إلى الإحاطةِ بأحوالنا وأحوالكم، وما نحنُ عليه من الحقِّ وأنتم عليه من الباطل، وإذا كانَ عالمًا بذلك فسيقعُ منه القضاءُ علينا وعليكم بما يعلمه مِنَّا ومنكم، فإذا اعتبرتَ هذا المعنى فَلَكَ أن تقتصرَ في جلب هذين الاسمين المُكْرَمين ها هنا على اتباع لفظ الكتاب العزيز، ولك أن تطلبَ مناسبةً بالنسبة إلى هذا المكان المعيَّن في ذكر العلم، كما ناسب ذكرُ الفتح؛ فإما أن يكونَ راجعاً إلى العلم بالحاجة والافتقار إلى ما طُلب، وإما أن يكون تعريضا بصحةِ القصد والنية في درسه، ليكون باعثًا لدارسيه على تصحيحِ النية، وتجريدِ القصد عن الشوائب، والله أعلم. * * *

стр. 133

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

стр. 134

كتاب الطهارة مادةُ "كتب" على هذا الترتيب دالةٌ على الجمع والضم، ومنه: الكتيبة والكتابة والكتب، واستعملوا ذلك فيما يَجمَعُ أشياء من الأبوابِ والفصولِ أو المسائلِ؛ لحصول معنى الجمع والضم فيه، ثم قد يَحتمِلُ أن يكونَ حقيقةً إذا جنحت بالضم إلى المكتوب من الحروف بالنسبة إلى محلها، ويَحتمِلُ أن يكون مجازًا بالنسبة إلى المعاني المدلول عليها بالألفاظ المذكورة، فإن الجمعَ والضمَّ حقيقةٌ في الأجسام (١). و"الطَّهارة" - مفتوح الطاء -: التَّنقي من الأدناسِ حِسيّةً كالأنجاس، أو معنويةً كالعيوب والذنوب، قال (٢) [من الطويل]: ثِيابُ بَني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ (٣)

стр. 135

والاستعمالُ الثاني مجاز، أو يمكن على طريقة المتأخرين أن يكونَ حقيقةً في القدر المشترك بين الأمرين، فيسلَمُ عن المجاز والاشتراك، إلاّ أنَّ الأولَ هو الصوابُ عندنا، فإن المجازَ - وإن كان على خلاف الأصل - فقد تقوم الدَّلالة عليه، فيجبُ المصيرُ إليه كسبق الذهن إلى فهم أحدِ المعنيين من اللفظ عندَ العالم بالوضع، وافتقارِ المعنى الآخر إلى القرينة الحاملة عليه. وأما الطُّهارة - بضم الطاء -: فهي بقية الماء المُتطَّهر به (١). * * *

стр. 136

الحديث الأول عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نركَبُ في الْبَحْرِ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ المَاءَ، فَإِنْ تَوَضَّأناَ بِهِ عَطِشْنَا، أفنَتَوَضَّأُ بمَاءِ (١) الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ الطهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". أخرجه الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الترمذي، وأخرجه ابنُ خزيمةَ في "صحيحه"، ورجحَ ابنُ مَنْده - أيضًا - صحتَهُ (٢).

стр. 137

الكلامُ عليه من وجوهٍ: * الأول: في التعريف بمن ذُكِرَ فيه: أمَّا أبو هريرة ﵁: فقد اختُلِفَ في اسمِهِ واسم أبيه اختلافاً كثيرًا، والذي عندَ أكثرِ أصحابِ الحديث المتأخرين في الاستعمال أنَّ اسمَهُ في الإِسلام عبدُ الرحمن بن صخر. قال أبو أحمدَ الحاكم (١): أصحُّ ما عندنا في اسم أبي هريرة عبدُ الرحمنِ، وهو دَوْسي النسب، نسَبُهُ إلى - دَوْسٍ - بفتح الدال، وسكون الواو، وآخرُهُ سينٌ مهملة - وهي قبيلةٌ في الأَسْد، وهو دَوْس بن عُدْثا [ن]- بضم العين، وسكون الدال المهملة (٢)، بعدَها ثاءٌ مثلثة - ابن عبد الرحمن بن زهران بن كعب بن عبد الله بن مالك بن

стр. 138

نضر بن الأزد. هكذا نسبُهُ. وأمَّا اتصال نسبه بدوس، فقال خليفةُ بن خيَّاط: أبو هريرةَ هو عميرٌ بن عامر بن عبيد (١) ذي الشَّرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعبة (٢) بن منبِّه (٣) بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس (٤). وذكر إبنُ إسحاقَ قال: حدثني بعض أصحابنا، عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبدَ شمس، فسُميّتُ في الإِسلام عبدَ الرحمن، وإنما كنيتُ بأبي هريرة؛ لأني وجدت هرَّةً فحملتها في كُمِّي، فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرةٌ، فقيل: "فأنت أبو هريرة" (٥).

стр. 139

قال أبو عمر: وقد روينا عنه قال: كنتُ أحمل هرةً يومًا في كُمِّي، فرآني رسولُ الله ﷺ فقال: "مَا هذهِ؟ "، فقلت: هرةٌ، فقال: "يا أبا هُرَيْرَةَ". قال أبو عمر: وهذا أشبهُ عندي أن يكون النبي ﷺ كنّاه بذلك، والله أعلم. قال أبو عمر: أسلمَ أبو هريرة عامَ خيبر (١)، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، ثم لزمه وواظبَ رغبةً في العلم، راضياً بِشِبَع بطنه، كانت يدُهُ مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيثما دار (٢)، وكان

стр. 140

مِنْ أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد شهد له رسولُ الله ﷺ بأنَّهُ حريصٌ على العلم والحديث (١)، وقال له: يا رسولَ الله ﷺ : إني سمعتُ منك حديثا كثيرًا، وإني أخشى أن أنساه، فقال: "ابسُطْ رداءَكَ" فبسطتُهُ، فغرف بيده فيه ثم قال: "ضُمَّهُ"، فضممتُه، فما نسيتُ شيئًا بعدُ (٢). وقال البخاري: روى عنه أكثرُ من ثمانِ مئة رجلٍ من بين صاحب وتابع. وممن روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس، وواثلة بن الأسقع. استعمله عمرُ ﵁ على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل فأبى، ولم يزلْ يسكن المدينة، وبها كانت وفاتُهُ. قال خليفة بن خيَّاط: توفي أبو هريرة سنةَ سبعٍ وخمسين (٣)، وقال الهيثمُ بن عدي: توفي أبو هريرة سنة ثمانٍ وخمسين، وقال الواقِديُّ: سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وكذا قال

стр. 141

ابن نمير: توفي سنة تسع وخمسين، وقال غيرُهُ: مات بالعقيق وصلَّى عليه الوليدُ بن عتبةَ بن أبي سفيان، وكان أميراً يومئذٍ على المدينة، ومروانُ معزول (١). وأما أبو داودَ: فهو سليمانُ بن الأشعث بن بشر بن شداد بن عمر ابن عمران الأزدي السّجِسْتاني الحافظُ، أحدُ أئمةِ هذا الشأن، والعلماء المرجوع إليهم، المسؤولين عن أحوال الرجال، ولأبي عُبيد الآجري سؤالات مفيدة مسألة عنها في هذا الفن (٢)، وكان له حظٌّ من علوِّ الإسناد بعدَ أبي عبد الله البخاري، وقد شاركه في جماعة لم يشاركه

стр. 142

في الرواية عنهم غيرُه من أصحاب الكتب الستة، أعني في الرواية عنهم بدون واسطة، كأبي أيوب سليمان بن حرب الواشِحي القاضي، وأبي عمر حفص بن عمر بن الحارث بن سَخْبَرة النمرى البصري المعروف بالحوضي، وأبي العباس حَيْوَة بن شُريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، وأبي عثمان سعيد بن سليمان بن نشَيط الواسطي سَعْدَويه (١)، وأبي سلمة موسى بن إسماعيل المِنْقَري، ونحوهم ممن مات بعدَ العشرين - يعني ومائتين - وما يَقْرُب من ذلك. وروى عنه من أصحاب الكتب الستة: أبو عيسى محمدُ بن عيسى التِّرمذي، وأبو عبد الرحمن أحمدُ بن شعيب النَّسائي، وقد انفرد بالرواية عن جماعة دونَ بقيةِ الستة منهم: أبو جعفر محمَّد بن يحيى بن أبي سَمِينة البغدادي التَّمَّار. وذكر محمَّد بن عبد الواحد - صاحب ثعلب - قال: قال إبراهيم

стр. 143

الحربي - لما صنَّفَ أبو داود هذا الكتاب -: أُلينَ لأبي داودَ الحديثُ كما أُلِينَ لداودَ ﵇ الحديدُ (١). ونحوُهُ عن محمدِ بن إسحاق الصَّغَاني أنه قال: أُلِينَ لأبي داودَ السجستانيِّ الحديثُ كما ألين لداود ﵇ الحديدُ (٢). وروى الحافظُ أبو القاسم عليُّ بن الحسن الدمشقي بإسناده إلى الصُّولي، قال: سمعتُ أبا يحيى زكريا بن يحيى السَّاجي يقول: كتابُ الله أصلُ الإِسلام، وكتابُ "السنن" لأبي داودَ عهدُ الإسلام (٣). وروى - أيضًا - من حديث أبي بكر بن دَاسَةَ قال: سمعتُ أبا داودَ يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمسَ مِئةِ ألفِ حديثٍ، انتخبتُ منها هذا الكتاب - يعني كتابَ السنن - جمعتُ أربعةَ آلافٍ وثمانَ مئةِ

стр. 144

حديث، ذكرتُ الصحيحَ وما يُشبهُهُ ويقاربهُ، ويكفي الإنسانَ لدينهِ من ذلك أربعةُ أحاديثَ: أحدُها: قوله ﷺ : "الأَعْمَالُ بالنياتِ" (١). والثاني: قوله: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ" (٢).

стр. 145

والثالث: قوله: "لا يكونُ المرءُ مؤمناً حتَّى يرضَى لأخيهِ ما يرضَى لنفسِهِ" (١). والرابع: قوله: "الحلالُ بيِّنٌ والحرَامُ بيِّنٌ، وَبَيْنَ ذلك أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ. . " الحديث (٢). وقال الخطابي: اعلموا - رحمكم الله - أنَّ كتابَ "السنن" لأبي داودَ كتابٌ مرتَّبٌ (٣) لم يُصَنَّفْ في حكمِ (٤) الدين كتابٌ مثلُهُ، وقد رُزِقَ القَبولَ من كافة النَّاس (٥)، فصار حَكَماً بين فِرَق العلماء وطبقات
следующие страницы →