ابن نمير: توفي سنة تسع وخمسين، وقال غيرُهُ: مات بالعقيق وصلَّى عليه الوليدُ بن عتبةَ بن أبي سفيان، وكان أميراً يومئذٍ على المدينة، ومروانُ معزول (١).
وأما أبو داودَ: فهو سليمانُ بن الأشعث بن بشر بن شداد بن عمر ابن عمران الأزدي السّجِسْتاني الحافظُ، أحدُ أئمةِ هذا الشأن، والعلماء المرجوع إليهم، المسؤولين عن أحوال الرجال، ولأبي عُبيد الآجري سؤالات مفيدة مسألة عنها في هذا الفن (٢)، وكان له حظٌّ من علوِّ الإسناد بعدَ أبي عبد الله البخاري، وقد شاركه في جماعة لم يشاركه
стр. 142
في الرواية عنهم غيرُه من أصحاب الكتب الستة، أعني في الرواية عنهم بدون واسطة، كأبي أيوب سليمان بن حرب الواشِحي القاضي، وأبي عمر حفص بن عمر بن الحارث بن سَخْبَرة النمرى البصري المعروف بالحوضي، وأبي العباس حَيْوَة بن شُريح بن يزيد الحضرمي الحمصي، وأبي عثمان سعيد بن سليمان بن نشَيط الواسطي سَعْدَويه (١)، وأبي سلمة موسى بن إسماعيل المِنْقَري، ونحوهم ممن مات بعدَ العشرين - يعني ومائتين - وما يَقْرُب من ذلك.
وروى عنه من أصحاب الكتب الستة: أبو عيسى محمدُ بن عيسى التِّرمذي، وأبو عبد الرحمن أحمدُ بن شعيب النَّسائي، وقد انفرد بالرواية عن جماعة دونَ بقيةِ الستة منهم: أبو جعفر محمَّد بن يحيى بن أبي سَمِينة البغدادي التَّمَّار.
وذكر محمَّد بن عبد الواحد - صاحب ثعلب - قال: قال إبراهيم
стр. 143
الحربي - لما صنَّفَ أبو داود هذا الكتاب -: أُلينَ لأبي داودَ الحديثُ كما أُلِينَ لداودَ ﵇ الحديدُ (١).
ونحوُهُ عن محمدِ بن إسحاق الصَّغَاني أنه قال: أُلِينَ لأبي داودَ السجستانيِّ الحديثُ كما ألين لداود ﵇ الحديدُ (٢).
وروى الحافظُ أبو القاسم عليُّ بن الحسن الدمشقي بإسناده إلى الصُّولي، قال: سمعتُ أبا يحيى زكريا بن يحيى السَّاجي يقول: كتابُ الله أصلُ الإِسلام، وكتابُ "السنن" لأبي داودَ عهدُ الإسلام (٣).
وروى - أيضًا - من حديث أبي بكر بن دَاسَةَ قال: سمعتُ أبا داودَ يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمسَ مِئةِ ألفِ حديثٍ، انتخبتُ منها هذا الكتاب - يعني كتابَ السنن - جمعتُ أربعةَ آلافٍ وثمانَ مئةِ
стр. 144
حديث، ذكرتُ الصحيحَ وما يُشبهُهُ ويقاربهُ، ويكفي الإنسانَ لدينهِ من ذلك أربعةُ أحاديثَ:
أحدُها: قوله ﷺ : "الأَعْمَالُ بالنياتِ" (١).
والثاني: قوله: "مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ" (٢).
стр. 145
والثالث: قوله: "لا يكونُ المرءُ مؤمناً حتَّى يرضَى لأخيهِ ما يرضَى لنفسِهِ" (١).
والرابع: قوله: "الحلالُ بيِّنٌ والحرَامُ بيِّنٌ، وَبَيْنَ ذلك أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ. . " الحديث (٢).
وقال الخطابي: اعلموا - رحمكم الله - أنَّ كتابَ "السنن" لأبي داودَ كتابٌ مرتَّبٌ (٣) لم يُصَنَّفْ في حكمِ (٤) الدين كتابٌ مثلُهُ، وقد رُزِقَ القَبولَ من كافة النَّاس (٥)، فصار حَكَماً بين فِرَق العلماء وطبقات
стр. 146
الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، ولكل فيه وِردٌ، ومنه مشروبُ (١)، وعليه معوَّلُ أهلِ العراق وأهل مصرَ وبلاد الغرب وكثيرٍ من مدن أقطار الأرض، فأما أهلُ خراسان فقد أُولع أكثرُهم بكتاب محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج، ومن يجري نحوَهما ممن جمع الصحيحَ على شرطهما في السَّبك والانتقاد، إلَّا أن كتاب أبي داود أحسنُ وضعاً (٢)، وأكثو فقهاً، وكتاب أبي عيسى - أيضًا - كتابٌ حسن (٣).
وقال الخطابي: سمعتُ ابنَ الأعرابي يقول، ونحن نسمع منه: هذا الكتاب - يعني كتاب "السنن"، فأشار إلى النسخة، وهي بين يديه -: لو أنَّ رجلًا لم يكنْ عنده من العلم إلَّا المصحفَ الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بَتَّة (٤).
وسِجِسْتانُ، قال الرَّشَاطي: سجستان بلد جليل، وله من الذكر مثلُ ما لخراسان وأكثرُ، غيرَ أنها منقطعةٌ متصلةٌ ببلاد السند والهند، وكانت تُضاهي خراسانَ وتوازيها، وهي تتاخم مُكْران من بلاد السند، قال ذلك اليعقوبي (٥).
стр. 147
قال الرَّشاطي: يُنسَب إليها جماعةٌ منهم: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسماعيل بن بشير بن شداد بن عامر الأنصاري السجستاني، صاحب كتاب "السنن"، تُوفي بالبصرة في النصف من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (١).
وهذا الذي قاله الرشاطيُّ هو الذي لا يَسبِق إلى الأذهان غيرُهُ، وقال بعضُ أصحابنا (٢) - فيما ذُكِر لنا -: أبو داود السجستاني ليس من سجستانَ خراسان، بل هي قرية من قرى البصرة اسمها سجستان، قال: حدّثنا بهذه الفائدة شيخُنا - وسمَّى شيخاً -، وكتبها لي بخطه، ودخل منزلي فحدثنا بها.
قلتُ: وما أظن هذا ممَّا يُرجَعُ إليه، والله أعلم (٣).
стр. 148
وأما التِّرمذيَّ: فهو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى بن الضَّحاك السُّلمي التِّرمذي الحافظ.
ذكر أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ المؤرخ فقال: محمد بن عيسى بن سورة التِّرمذيُّ الحافظ الضَّرير، أحد الأئمة الذين يُقتدَى بهم في علم الحديث، صنَّف كتاب "الجامع" و"التواريخ" و "العلل" تصنيفَ رجل عالم متقن، يُضرَب به المثلُ في الحفظ (١).
قال الإدريسي: [سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن الحارث المروزي الفقيه يقول: سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله بن داود المروزي يقول] (٢): سمعتُ أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنتُ في طريق مكّة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخٍ، فمرَّ بنا ذلك الشَّيخ، فسألت عنه فقالوا: فلانًا، فذهبت إليه، وأنا أظن أن
стр. 149
الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين، كنت ظننت أنهما الجزآان اللَّذان له، فلما ظَفِرت به وسألته فأجابني إلى ذلك، أخذت الجزأين، وإذا هما بياض، فتحيَّرت، فجعل الشيخُ يقرأ عليَّ من لفظه، ثم ينظر إليَّ، فرأى ورق البياض في يدي، فقال: أما تستحي مني؟! قلت: لا، وقصصتُ عليه القصة، وقلت: أحفظه كلَّه، فقال: أقرأ، فقرأت جميع ما قرأ عليّ على الوَلاء أولاً، فلم يصدِّقنْي وقال: استظهرتَ قبلَ أن تجيءَ! فقلت: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثاً من غرائب حديثه، فقال: هاتِ اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، فما أخطأتُ في حرف منه، فقال لي: ما رأيت مثلَك (١).
وذكره الحافظُ أبو عبد الله محمدُ بن أحمدَ البُخاريّ الغنجار المؤرخ لبُخارى (٢)، فقال: توفي أبو عيسى محمد بن عيسى التِّرمذيُّ بالترمذ، ليلةَ الإثنين لثلاثَ عشرةَ ليلة مضت من رجب، سنةَ تسع وسبعين ومائتين.
стр. 150
وكذلك ذكر الأمير أبو نصر في وفاته (١)، وهذا هو الصوابُ، وما قاله بعض الحفَّاظ (٢): أنه توفي بعدَ الثمانين، ليسَ بشيء، والله أعلم.
وَتِرْمِذُ: [التي] (٣) يُنسَب إليها: المعروفُ فيها كسر التاء، وهو المستفيضُ على ألسنة النَّاس حتَّى يكونَ كالتواتر (٤)، وروى السِّلَفي ﵀: سمعتُ أبا نصر المؤتمن بن أحمد بن عليّ السَّاجي ببغداد يقول: سمعتُ عبد الله بن محمد الأنصاري بِهَراةَ يقول: أبو عيسى التُّرمذي بضم التاء، وكذا كان يقرأ ويُملي في أماليه، يعني النسبة إلى ترمذ (٥).
стр. 151
وقال الحافظ يوسف بن أحمد بن إبراهيم البغدادي: شاهدتُ بخطِّ بعض الحفَّاظ يقول: قال أبو عليّ منصور بن عبد الله الخالدي ﵀: قال أبو عيسى ﵀: صنفتُ هذا الكتاب - يعني المسندَ الصحيح - فعرضتُهُ على علماء أهل الحجاز فرضُوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومَنْ كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلم (١).
وقال أيضًا - أعني يوسف بن أحمد -: قرأتُ على أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر في كتابه الموسوم بـ "مذاهب الأئمة في تصحيح الحديث"، قال: وأمَّا أبو عيسى ﵀ فكتابه على أربعة أقسام:
قسمٌ صحيحٌ مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاريَّ ومسلماً.
وقسم على شرط أبي داود [و] النَّسائي كما بينا.
وقسم أخرجه الصدر (٢)، وأبانَ عن علته.
وقسم رابع أبان عنه فقال: ما أخرجتُ في كتابي هذا إلَّا حديثاً
стр. 152
قد عمل به بعضُ الفقهاء (١). وهذا شرطٌ واسع، فإن على هذا الأصل: كلُّ حديث احتج به محتج، أو عمل به عامل [أخرجه]، سواء صحَّ طريقُه، أو لم يصحَّ طريقه.
وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنّه شفى في تصنيفه لكتابه، وتكلم على كل حديث بما فيه، وظاهرُ طريقتِه: أن يترجمَ الباب الذي فيه حديثٌ مشهور عن صحابي قد صحَّ الطريق إليه، وأُخرِج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب [ذلك الحكم] من حديث صحابي [آخر] لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول، لأنَّ (٢) الحكمَ صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعدُّ جماعة منهم الصحابي والأكثر الذي أخرجا ذلك الحكم من حديثه، وقلَّ ما يسلك هذه الطريقةَ إلَّا في أبواب معدودة (٣).
قال يوسف بن أحمد: لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن موسى بن الضَّحَّاك السلمي التِّرمذي، الضَّرير، الحافظ، فضائلُ تُجمَع، وتُروى وتُسمع، وكتابه من الكتب الخمسة التي اتفق أهل
стр. 153
العقد والحل والفضل والفقه من العلماء والفقهاء، وأهل الحديث النبهاء، على قبولها والحكم بصحة أصولها، وما ورد في أبوابها وفصولها، وقد شارك البخاريَّ ومسلماً في عدد كثير من مشايخهما، رحمة الله عليه وعليهما، وهذا الموضع يضيق عن ذكرهم وإحصائهم وعددهم، ورُزِقَ الروايةَ عن أتباع الأتباع، متصلًا بالسماع.
ثم قال بعدَ كلام: وكتبَ عنه إمامُ أهل الصنعة محمد بن إسماعيل البخاريُّ، وحسبُهُ بذلك فخراً (١).
قلتُ: أما ما ذكرَهُ من روايته عن أتباع الأتباع، فيقضي ذلك أن يكون الحديث ثلاثياً، ولا نعلمُ له ذلك إلَّا في حديث واحد (٢).
وأما ما ذكره من كتابة البُخاريّ عنه: فهو حديثه عن عليّ بن المنذر، عن محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطيَّةَ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لعليٍّ: "لا يحلُّ لأحدٍ يجنبُ
стр. 154
في هذا المسجدِ غيري وغيرُكَ".
قال ابن المنذر: قلت لضِرار بن صُردَ: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرِقه جنباً غيري وغيرك.
وقال التِّرمذي: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث (١).
وقد تقدم ذكر تصانيفه "الجامع"، و "التاريخ"، و"العلل"، و"الزهد"، و"الشَّمائل"، ومسندُهُ المعروف ب "الجامع": اشتهرت روايتُهُ عنه من جهةِ أبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل التاجر المَرْوَزِي، وممن ذُكِرَ أنه رواه عنه - أيضًا - الهيثمُ بن كلـ[ـيـ]ـب الشَّاشي، وأبو عليّ محمد بن محمد بن يَحْيَى القَرَّاب، ورواية القَرَّاب هذه غريبة (٢).
стр. 155
وأما النَّسائي: فهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعيب بن عليّ بن بَحر بن سِنان الخراساني.
ذكر حمزة بن يوسف السَّهمي قال: سمعتُ أبا أحمد بن عدي يقول: سمعتُ منصور [اً] الفقيه، وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النَّسائيّ إمام من أئمة المسلمين (١).
وقال - أيضًا - أبو أحمد بن عدي: سمعتُ أحمد بن محمد بن سعيد البارودي قال: ذكرتُ للقاسم (٢) المُطَرِّز أبا عبد الرحمن النَّسائي، فقال: هو إمامٌ، و (٣) يستحق أن يكونَ إمامًا، أو كما قال (٤).
وقال الحاكمُ أبو عبد الله: سمعتُ أبا عليّ الحافظ (٥) غير مرةٍ
стр. 156
يذكرُ أربعةً من أئمة الحديث (١)، فيبدأ بأبي عبد الرحمن النَّسائي (٢).
وقال: سمعتُ عليَّ بن عمر الحافظ (٣) غير مرَّة يقول: أبو عبد الرحمن مُقَدَّمٌ على كل مَنْ يُذكَر بهذا العلم من أهل عصره (٤).
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي الصُّوفي: سألت أبا الحسن عليَّ ابن عمر الدَّارقُطني الحافظ فقلت: إذا وجدتَ (٥) محمدَ بن إسحاق بن خُزيمة، وأحمدَ بن شُعيب النَّسائيّ حديثَ (٦) مَنْ تُقدِّم منهما؟ قال: النَّسائيّ؛ لأنَّه أسند، على أني لا أقدمُ على النَّسائيّ أحدًا، وإن كان
стр. 157
ابنُ خزيمةَ إمامًا ثبتاً معدومَ النظير (١).
وقال الدَّارقطنيُّ: سمعتُ أبا طالب الحافظ (٢) يقول: مَنْ يصبرُ على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النَّسائيّ؟ كان عنده حديثُ ابن لهيعةَ ترجمةً ترجمةً فما حدَّث بها، فكان لا يَرى أن يحدثَ بحديث ابن لهيعة (٣).
وذكر الحاكم أبو عبد الله قال: سمعتُ أبا الحسن أحمد بن محبوب البَرمكي (٤) بمكة يقول: سمعتُ أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسائيّ يقول: لما عزمتُ على جمع كتاب "السنن"، استخرتُ الله تعالى في الرواية عن شيوخٍ كان في القلب منهم بعضُ الشيء، فوقَعَت الخِيرَةُ على تركهم، فتركتُ جملةً من الحديث كنت أعلو فيها (٥) عنهم (٦).
стр. 158
وقال محمدُ بن طاهر: سألتُ الإمامَ أبا القاسم سعد بن عليّ الزَّنجاني عن حال رجلٍ من الرواة فوثَّقه، فقلت: إنَّ أبا عبد الرحمن النَّسائيّ ضعَّفه، فقال: لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطٌ أشدُّ من شرط البُخاريّ ومسلم (١).
وروى الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بسنده إلى أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سمعتُ أبا على الحسن بن خضر السُّيوطي يقول: رأيت النبيَّ ﷺ في النوم، وبين يديه كتبٌ كثيرة منها كتاب "السنن" لأبي عبد الرحمن، فقال ليَ النَّبيُّ ﷺ : "إلى مَتَى، وإلى كَمْ هذا يكفي؟ " وأخذ بيده الجزءَ الأول من كتاب الطهارة من "السنن" لأبي عبد الرحمن، فوقعَ في رُوعي أنه يعني أن كتابَ "السنن" لأبي عبد الرحمن أحبُّ إليه (٢).
وحكى أبو القاسم الزَّيدوني، عن الشيخِ أبي الحسن عليِّ بن أبي بكر بن محمد بن خلف المُعافريِّ الفقيه المالكي أنه قال: وإذا التفتَّ إلى ما يخرجه أهلُ الحديث، فما خرَّجه النسائيُّ أقربُ إلى الصحيح ممَّا خرَّجه غيرهُ، بل من النَّاس من يَعُدّه من أهل الصحيح، لأنَّه بيَّنَ عن علل الأسانيد وإن أدخلها في كتابه، وقد حُدِّثنا عنه أنه قال: لم أخرِّجْ في كتابي "السنن" مَنْ يُتَّفق على تركه. فإن أخرجَ منه أحدًا بيَّنَه، وهذه رتبةٌ في العلم شريفة.
стр. 159
ثم ذكر البخاريَّ ومسلماً وأبا داودَ فقال بعد كلام له: وهؤلاء عمدةُ الحديث.
والنَّسائي في نسبه قال الرَّشاطي: النَّسويُّ نسبةً إلى (نسا) كُوْرة (١) من كَوْر نيسابورَ، وكذا قال اليعقوبي (٢).
قال المسعودي: (نسا) من أرض فارس، وقال عبد الغني بن سعيد:
(نسا) موضع بخراسان (٣)، وهذا موافق لقول اليعقوبي، ثم قال الرشاطي بعدَ كلام: النَّسائي نسبةٌ - أيضًا - إلى (نسا)، والقياس النَّسوي.
وكانت وفاة النَّسائيّ في سنة ثلاث وثلاث مئة (٤).
стр. 160
وأمَّا ابنُ مَاجَه: فذكره الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله في كتاب "قزوين" فقال: أبو عبد الله محمدُ بن يزيدَ، يُعرَف بابن ماجه (١)، مولى ربيعة (٢)، له سننٌ وتفسير وتاريخ، وكان عارفًا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقينِ؛ البصرةِ والكوفةِ، وبغدادَ ومكةَ والشامِ ومصرَ والرِّيِّ لِكَتْبِ الحديث، ماتَ سنة ثلاثةٍ وسبعين ومائتين (٣).
قال محمدُ بن طاهر المقدسي: رأيتُ على ظهر جزء قديم [بالرِّي] حكايةً، كتبها أبو حاتم المعروفُ بخاموشَ (٤)، قال أبو زُرعة
стр. 161
الرازي: طالعتُ كتاب أبي عبد الله ابن ماجه، فلم أجد فيها (١) إلَّا قدراً يسيراً ممَّا فيه شيء، وذكر قدر (٢) بضعةَ عشرَ، أو كلاماً هذا معناه (٣).
قلت: وهذا كلامٌ لابد من تأويله، وإخراجه عن (٤) ظاهره، وحملِهِ على وجهٍ يصح، نعم، الكتابُ كتابٌ حسن، كثيرُ الفائدة، له إعانةٌ على معرفة أحاديث الأبواب لمن يقصدها.
وقال الحافظ أبو العباس بن عساكر: قرأتُ بخطِّ أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن مَالَوَيْهِ الرازي - شابٌّ كان يسمع معنا الحديث بالرّي سنة تسع وعشرين وخمس مئة -: قال أبو عبد الله ابن ماجه: عرضتُ هذه النسخةَ على أبي زُرعة فنظر فيها (٥) وقال: أظنُّ إنْ وقع هذا في يديِّ النَّاس تعطلت هذه الجوامعُ كلُّها - أو قال: أكثرُها -، ثم قال: لعلَّه لا يكون فيه تمامُ ثلاثين حديثاً ممَّا في إسناده ضعفٌ، أو قال: عشرين، أو نحوٌ من هذا الكلام.
стр. 162
وقال: حُكِيَ أنه نظر في جزء من أجزائه، وكان عنده في خمسة أجزاء (١).
قلت: وهذا - أيضًا - لا بدَّ من تأويله جزمًا، ولعل ذلك الجزءَ الذي نظر فيه أو غيره ممَّا يصح.
وقَزْوينُ المنسوبُ هو إليها: ذكرها أبو عُبيد البكري في كتاب "معجم ما استعجم" فقال: قَزوين - بفتح أوله، وإسكان ثانيه، بعدَه واوٌ مكسورة، وياء ونون - معروفةٌ ببلاد الدَّيلم، وأنشد أبياتاً. . . . (٢) وقال الرَّشاطي عن ابن خُرْدَاذْبَه (٣) أنه قال: بين قزوينَ والرّي سبعة وعشرون فرسخاً، وقزوينُ ثغرُ الدَّيلم (٤)، قال: وقال اليعقوبي:
стр. 163
قزوينُ عادلةٌ عن وسطِ (١) الطريق، وهي في سفحِ جبل يُتاخم الديلمَ، ولها واديان يقال لأحدهما: الوادي الكبير، والآخر: الوادي شُبْرُم (٢)، يجري فيهما الماء في أيام الشتاء، وينقطع في أيام الصيف، وأهلها أخلاط من العرب والعجم، وبها آثارُ المعجم وبيوتُ نيران (٣).
وأما ابنُ خزيمةَ: فهو أبو بكر محمدُ بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، أحدُ الأكابر الذين جمعوا بين الفقه ومعرفة صنعة الحديث، لقيَ أبا إبراهيم المُزني، والربيعَ بن سليمان، صاحبي الشافعي ﵏، وعَظُم قدرُه، وانتشر صيتُه حتَّى لقِّبَ بإمام الأئمة، وشارك الشيخين وبقيةَ الجماعة في عدد من شيوخهم، كإسحاق بن راهَويه، وأحمد بن مَنِيع، وأحمد بن عبدة الضَّبي، ومحمد بن بشَّار بُندار، وأبي موسى محمد بن المثني الزَّمِن، ويحيى ابن حبيب بن عربي، وعُتبة بن عبد الله اليُحْمِدِي، وعلي بن حُجْر، ونَصر بن عليّ، وغيرهم.
стр. 164
روى عنه الأكابر: أحمد بن إسحاق الصِّبْغِي، والحسن بن سفيان الفَسَوي، وأبو حامد بن الشَّرقي، وغيرُهم، ويقال: آخرُ من حدَّث عنه ابنُ ابنِهِ أبو بكر بن محمد الفضل (١) بن محمد بن إسحاق.
كانت وفاتُهُ سنة إحدى عشرة وثلاث مئة بنيسابور.
وصنَّف "الصحيح"، وله فيه طريقةٌ يذهب إليها في الرجال (٢).
وذكره الحافظ الحاكم أبو عبد الله في كتاب "علوم الحديث" وقال: سمعتُ أبا بكر محمد بن عليّ الفقيه الشَّاشي يقول: سمعتُ أبا بكر الصَّيرفي يقول: سمعتُ أبا العباس بن سُريج يقول - وذَكَر أبا بكر محمد بن إسحاق - فقال: يُخرِجُ النكتَ من حديث رسول الله ﷺ بالمِنقاش (٣).
стр. 165
قلتُ: وفي تراجمه في كتابه أشياءُ حسنة، ومعانٍ طريفةٌ تؤيِّد ما قاله القاضي أبو العباس.
وقال الحاكم: وسمعتُ أبا أحمد الحافظَ يقول: سمعتُ أبا الحسن السَّنجاني يقول: نظرت في مسألة الحج لمحمد بن إسحاق بن خزيمة فعلمتُ (١) أنه عِلْمٌ لا نُحسنه نحن (٢).
قال الحاكم: وسمعتُ أبا زكريا العَنبري يقول: سمعتُ محمد ابن إسحاق يقول: ليس لأحدٍ مع النَّبيُّ ﷺ قولٌ إذا صحَّ الخبرُ عنه.
ثم قال ابنُ خزيمةَ: سمعتُ أبا هاشم الرفاعي يقول: سمعتُ يَحْيَى بن آدم يقول: لا يُحتاجُ مع قول النَّبيُّ ﷺ إلى قول أحد، وإنما كان يقال سنةُ النَّبيُّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ ﵄؛ لِيعلَمَ أنَّ النَّبيُّ ﷺ ماتَ وهو عليها (٣).
قال الحاكم: فضائلُ هذا الإمام - يعني ابن خزيمةَ - مجموعةٌ عندي في أوراق كثيرة، وهي أشهرُ وأكثر من أن يحملها هذا الموضع، ومصنفاتُهُ تزيد على مئة وأربعين كتاباً سوى المسائلِ، والمسائلُ المصنفة أكثرُ من مئة جزء ما بين فقه وحديث، وحديثُ بريرةَ ثلاثةُ أجزاء، ومسألةُ الحج خمسةُ أجزاء (٤).
стр. 166
وذكره الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله قال: سمعت أحمد ابن عبد الله المُعدِّل يقول: سمعتُ عبد الله بن خالد الأصفهاني يقول: سُئِل عبدُ الرحمن بن أبي حاتم، عن أبي بكر بن خزيمةَ فقال: ويحك هو يُسأَل عنا، ولا نُسأل عنه، وهو إمام يُقتدى به (١).
قال الخليل: وحدثني بعضُهم عن أبي أحمدَ الحافظِ قال: سمعتُ مَنْ سمع الربيعَ بن سليمان يقول: استفدنا من هذا الفتى الشعرانيِّ أكثرَ ممَّا استفاد منا، يعني: ابن خزيمة (٢).
وقد قدمنا قولَ الحافظ الجليل أبي الحسن الدارقطني فيه وهو قوله: وإن كان ابنُ خزيمة إمامًا ثبتاً معدومَ النظير (٣).
وذكره الشَّيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب "طبقات الفقهاء"، فزاد في نسبه بعدَ خزيمة: المغيرة، قال: السلمي مولاهم (٤).
وذكر عنه أنه قال: حضرتُ المزنيَّ، وسأله سائلٌ من العراقيين عن شبهِ العمد، فذكر المزني الخبرَ الذي رواه الشافعي: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد" (٥)، فقال له السائل: أتحتجُّ بعلي بن زيد بن
стр. 167
جدعان؟ فسكت المزني، فقلتُ للسائل: وروى الخبر غير عليّ بن زيد، فقال: مَنْ رواه؟ قلت: أيوبُ السَّختياني، وخالدٌ الحذاء، فقال: ومن عقبةُ بن أوسٍ الذي يرويه عن عبد الله بن عمر؟ فقلت: عقبة رجل من أهل البصرة، وقد روى عنه محمد بن سيرين في جلالته، فقال الرجل للمزني: أنت تناظر أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديثُ فهو يناظر؛ لأنَّه أعلمُ بالحديث مني، وأنا أتكلم (١).
وحكى عنه أبو بكر النَّقاش أنه قال: ما قلَّدت أحدًا في مسألة منذ بلغتُ لستَ عَشْر [ة] سنة (٢).
أَذِنَ لنا غيرُ واحد عن الحافظ أبي طاهر السِّلَفي - ومن خطِّه استفدتُه - منهم: أبو محمد عبد الوهاب بن رواج قال: كتب إلي أبو ثابت يُنْجِير بن منصور الصُّوفي من هَمَذَان، وأخبرني عنه خادمُه أبو عليّ الحسنُ بن إبراهيم بها قال: سمعتُ أبا محمدٍ جعفرَ بن محمد بن
стр. 168
الحسين الأَبْهَري قال: سمعتُ أبا سهل بن زَيرك يقول: سمعتُ أبا سعيد الحسين بن محمد بن الهيثم البَسطامي يقول: سمعتُ أبا إسحاقَ إبراهيم بن محمد المُضَارب يقول: رأيتُ ابنَ خزيمةَ في المنام فقلت: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فقال: كذا قال لي جبريلُ في السماء (١).
وأما ابن مَنْدَهْ (٢): فهو أبو عبدِ الله محمدُ بن إسحاق بن محمد بن يَحْيَى بن منده العبدي الأصفهاني الحافظ، أحد أكابر هذه الصنعة، ممن جابَ رجال، ولقيَ الأعلام والرجال، وشرَّق وغرَّب، وبعَّد وقرَّب.
قال الحافظ أبو الحسن عليّ بن المقدسي: واسم منده فيما قيل: إبراهيم (٣).
стр. 169
وكان نبيهـ[ـاً] ثبتـ[ـاً] جليلـ[ـاً] في الجمعِ بين الرواية والدراية، وسعةِ الرحلة وكثرة المشايخ، والسماعاتِ والتآليفِ، والتخاريجِ والكلام على الأحاديث، روَى عن أبيه، عن جده، وروى عنه أولادُه، وعن أولاده أحفادُه، واتصلت رواية بعضهم عن بعض، ولم يتفِقْ مثلُ ذلك إلَّا في أبياتٍ قليلةٍ، سمع في أصبهانَ من جماعة كبيرة، ثم رحل فسمع بالحجاز، وخراسان، ومدن العراق، والشام، ومصر.
قال المقدسي: وكثيراً ما كنت أسمع شيخَنا الحافظ أبا طاهر السِّلَفي يقول: كان أبو عبد الله بن منده يقول: طُفتُ الشرقَ والغرب مرتين (١)، فما رأيت مثل القاضي أبي أحمد العسَّال في الإتقان.
قال السِّلَفي: وإنما انتهت رحلته إلى مصر، فجعلها في المغرب.
قلت: وشيوخُ ابن مَنْده هذا في الكَثرة بحيثُ يتعذَّر حصرُهم، ومن أعلامهم: أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني الأخرم الحافظ، وأبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأَصم، وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي، وأبو القاسم حمزة ابن محمد بن عليّ الحافظ المصري، وأبو عليّ إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الصَّفَّار، وأبو الطَّاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني، وخيثمة بن سليمان الطَّرابُلُسي، وعبد الرحمن بن يَحْيَى بن مَنْدَه،
стр. 170
وأحمد بن إسحاق بن أيوب، وخلقٌ كثير سواهم (١).
قال المقدسي: وكفاه أنه قال: كتبتُ عن أربعةِ من مشايخي (٢) أربعةَ آلاف جزء (٣).
وقال محمد بن طاهر المقدسي - فيما رواه عنه السِّلَفي -: سألتُ الإمام أبا القاسم سعد بن عليّ الزَّنجانيَّ الحافظَ بمكةَ - وما رأيتُ مثلَه - قلت: أربعةٌ من الحفَّاظ تعاصروا، أيُّهم أحفظُ؟ فقال: مَنْ؟ قلت: الدارقُطني ببغدادَ، وعبد الغني بمصرَ، وأبو عبد الله بن مَنْده بأصبهانَ، وأبو عبد الله الحاكم بنيسابورَ، فسكت، فألححتُ عليه، فقال: أمَّا الدارقطنيُّ فأعلمُهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما [أبو] عبد الله بن منده فأكثرهم حديثاً مع معرفةٍ تامة، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفاً (٤).
وروى الحافظ السلفي - رحمة الله عليه - قال: سمعتُ أبا الرجاء
стр. 171
بشار بن أحمد بن محمد القصَّار وآخرين بأصبهانَ قالوا: سمعنا أبا حفصِ عمرَ بن أحمد بن عمر السِّمسار الشيخَ الثقةَ يقول: سمعتُ أبا نعيم الحافظ، وسُئِل عن أبي عبد الله بن منده الحافظ، فقال: جبلٌ من الجبال (١).
قال الحافظ السِّلَفي: وابن منده من الحفَّاظ الذين كَتَبَ عنهم أبو نعيم بأصبهانَ.
قال الحافظ أبو الحسن المقدسي: بلغني أنَّ أبا عبد الله بن منده قال: لما دخلتُ مصرَ لقيتُ حمزةَ بن محمد الحافظ فأكرمني، وخرجتُ من عنده فأمرَ لي بركوب دابته، فركبتها وسِرتُ بها في مصر، فجعل النَّاس ينظرون إليَّ ويقولون: هذا ركبَ دابة حمزة، وصار وجوهُهم يقصدونني بالزيارة، ويستعظمون هذا الأمر (٢).
قال: وقد طلبتُ هذه الحكايةَ لأخرجها بإسنادها فلم أجدها، فعلقتها من حفظي على المعنى بغير إسناد.
وذكره الحافظ أبو نعيم في "تاريخه"، فقال: توفي في سَلخ ذي
стр. 172
القعدة سنةَ خمس وتسعين وثلاث مئة، وقال: حافظٌ من أولاد المحدثين كتب بالشام ومصر وخراسان (١).
قلتُ: وبلغني أن مولده سنة عشر أو إحدى عشرة، ولابن منده هذا صحيحٌ على الاتفاق والاختلاف، وأشار إليه ابنُهُ عبد الرحمن، وحصل لنا بعضُه، وكتب عليه الفقيه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ثناءً حسناً (٢)، والله أعلم.
* * *
الوجه الثَّاني من الكلام على الحديث: في تصحيحه:
وقد ذكرنا في الأصل عن التِّرمذي الحكمَ بصحته، وابنُ خزيمةَ أخرجه في صحيحه، وقولنا: "ورجَّح ابن منده - أيضاً - صحتَه"؛ لأنَّه قال: فاتفاقُ صفوانَ والجُلاح يوجب شهرةَ سعيد بن سلمة، واتفاق
стр. 173
يَحْيَى بن سعيد وسعيد بن سلمة على المغيرة بن أبي بردة، ما يوجب شهرةَ المغيرة، وصار الإسنادُ مشهوراً (١).
وهذا لفظٌ ليس فيه تصريحٌ بالتصحيح، فنجزم به في الحكاية عنه، وفيه ترجيح، فاخترنا لفظ الترجيح.
وذكر التِّرمذيُّ أنه سأل محمدَ بن إسماعيل - وهو البُخاريّ - عن هذا الحديث فقال: هو عندي صحيح (٢).
وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النَّمْري الحافظُ الأندلسيُّ: لا أدري ما هذا من البُخاريّ ﵀؟ ولو كان عنده صحيحاً لأخرجَهُ في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعلْ، لأنَّه لا يُعوِّل في الصحيح إلَّا على الإسناد، وهذا الحديث لم يحتجَّ أهلُ الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماءَ تلقَّوْه بالقَبول له والعمل به، ولا يخالف جملتَهُ أحدٌ من الفقهاء، وإنَّما الخلاف في بعض معانيه على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٣).
стр. 174
قلتُ: أما قولُ الحافظ أبي عمر: لو كان صحيحًا، لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، فهذا غيرُ لازم، لأنَّ صاحبي الصحيحين لم يلتزما إخراجَ كلِّ صحيح عندهما.
وأما قوله: وهذا الحديث لم يحتجَّ أهل الحديث بمثل إسناده، فقد ذكرنا في كتاب "الإمام" (١) وجوه التعليل التي يُعلَّل بها الحديث، وحاصلُها راجعٌ إلى الاضطراب في الإسناد، والاختلاف في بعض الرواة، ودعوى الجهالة في سعيد بن سلمة؛ لكونه لم يروِ عنه إلَّا صفوانٌ فيما زعم بعضُهم، وفي المغيرة بن أبي بردةَ أيضًا.
فمن العلل: الاختلاف في الإسناد، والإرسال، وتقديم الأحفظِ المُرسِل على المُسنِد الأقلِّ حفظاً، وهذا الأخيرُ - إذا ثبت عدالةُ المُسنِدِ - غيرُ قادح على المختار عندَ أهل الأصول.
وأما الجهالةُ المذكورة في سعيد بن سلمة: فقد قدمنا من كلام ابن منده ما يقتضي رواية الجُلاح عنه مع صفوان، وذلك على المشهور عند المحدثين يرفعُ الجهالة عن الراوي.
وأما المغيرةُ بن أبي بردة: فقد ذكرنا - أيضًا - من كلام ابن منده موافقةَ يَحْيَى بن سعيد لسعيد بن سلمة في الرواية عن المغيرة، وهو مشهورٌ - أيضًا - من غير طريق ابن منده، ووقع لنا ثالثٌ يروي عن
стр. 175
المغيرة هذا، وهو يزيد بن يَحْيَى القرشي (١)، هذا مع كونه معروفاً من غير الحديث في مواقف العدو في الحروب بالمغرب.
وأما الاختلافُ والاضطرابُ: فقد ذكرنا ما قيلَ في الجواب عنه في "الإمام" (٢).
وفي الجملة: فقد تلخَّصَ أنَّ من صححه فلهم فيه طريقان: طريق الإسناد، وطريق التلقي بالقَبول، وفي طريق الإسناد ما قدمناه.
والذي أقوله: إنَّ زوالَ الجهالة عن سعيد برواية اثنين عنه، وعن المغيرة برواية ثلاثة، يكتفي (٣) به مَنْ يَرى أنه لابدَّ من معرفة حال الراوي في العدالة بعدَ زوال الجهالة عنه، فإن كان المصحِّحون له قد علموها على جهة التفصيل فلا إشكالَ في ذلك، وإلا فلا يَبْعُدُ اعتمادُهم على تحري مالكِ وانتقائِه للرجال وتحرزِه في المشايخ، أو على الاكتفاء بالشهرة، والله أعلم بما ذهبوا إليه.
* * *
стр. 176
* الوجه الثالث:
ليس المقصودُ الأكبر بهذا الحديث الاستدلالَ على طهورية ماء البحر؛ لأنَّه كالمتفق عليه بين الفقهاء، فكان يكتفي بذلك، لأنَّ الكتابَ كتابُ اختصار، لكنْ لمَّا كان تتعلق به فوائدُ كثيرة، منها ما يخصُّ هذا الكتاب، ومنها ما يدخل في غيره، ويُستدَلُّ على ذلك الغير في المكان اللائق به، كان أكثرَ فائدةَ من الأحاديث التي تدلُّ على ما يتعلق بهذا الباب خاصةَ، وكان حديثُ القلتينِ أمسَّ بهذا الباب، وقد صحَّح بعضُهم إسنادَ بعض طرقه، وهو - أيضًا - عندنا صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنَّه وإن كان حديثاً مضطربَ الإسناد، مختلفاً فيه في بعض ألفاظه، وهي علة عند المحدثين، إلَّا أن يُجابَ عنها بجواب صحيح، فإنّه يمكنُ أن يُجمعَ بين الروايات، ويجابَ عن بعضها، وينسبَ إلى التصحيح بطريق قوي أصولي، ولكن تركتُه، لأنَّه لم يثبتْ عندنا الآنَ - بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعاً - تعيينٌ لمقدار القلتين، وقد نبهنا على ذلك في "الإمام" (١).
* * *
الوجه الرابع: في تفسير شيء من مفردات ألفاظه:
فمنها: البحر، وفيه نظران:
النظر الأول: في أنه هل يختصُّ بالملح، أم يعمُّ الملح والعَذْب؟
стр. 177
فنقول: قال أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقَزَّاز في كتاب "جامع اللغة" (١) بعدَ ذكره البحرَ: وإذا اجتمعَ الملح في الماء والعذب يعني: سمَّوه باسم الملح؛ أي: بحرين، قال: ومنه قولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] فجعل الماء العذب بحراً لمقارنة الملح.
وهذا الكلامُ يقتضي أنَّ الاسمَ في الأصل للملح، وأن العذب سُمِّي بذلك للتغليب عند المقارنة، كالعُمَرين والقَمرين.
وقال ابن سيده صاحب "المحكم" في "المحكم": البحرُ: الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وجمعُه: أبحُر وبُحُور وبِحَار، وقد غلب على الملح حتَّى قلَّ في العَذْب، وصَرَفُوه على معنى المُلُوحة، وقالوا: أبحرَ الماءُ، أي: صارَ مِلْحاً، وأنشد بيتَ نُصَيبٍ [من الطَّويل]:
وقدْ عادَ ماءُ الأرضِ بَحْراً فزَادني ... إلى مَرَضِي أَنْ أبحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ (٢)
стр. 178
وقال الأزهري: كلُّ نهر لا ينقطع ماؤُه مثلُ دجلةَ والنيلِ، وما أشبههما من الأنهار [العذبة] الكبارِ، فهي بحار، وأما البحر الكبير الذي هو مَغيضُ هذه الأنهارِ الكبارِ فلا يكون ماؤُه إلَّا مِلحاً أُجاجاً، ولا يكون ماؤه إلَّا راكداً، وأما هذه الأنهار العذبةُ فماؤُها جارٍ (١).
النظر الثَّاني: فيما ترجعُ إليه هذه اللفظةُ: والذي تلخَّصَ لنا من كلام أهلِ اللغة أصلان:
أحدهما: معنى السَّعة، والثاني: معنى الشَّق.
أما الأولُ: فقال محمد بن جعفر القزَّاز - بعدَ ذكر البحر -: سمِّي بذلك لسَعته من قولهم: تبحَّر الرجلُ في العلم بكذا: اتَّسع (٢)، وكذا تَبحَّرَ المال.
وفي هذا الكلام نظرٌ؛ لأنَّ الصوابَ أن التبحرَ في المال والعلم مأخوذٌ من البحر، لا أنَّ البحرَ مأخوذٌ منه.
وقال صاحبُ كتاب "السبب في حصر كلام العرب" (٣): سُمِّي به لسَعته.
وقال الليثُ - فيما حكاه الأزهري عنه -: سُمي البحرُ بحراً؛
стр. 179
لاستبْحارِه، و [هو] انبساطُه وسعتُه، يقال: استبحرَ فلانٌ في العلم، وتبحَّر الراعي في رَعيٍ كثيرٍ، وتبحَّر فلانٌ في المال، أي: كَثُر ماله (١).
وهذه المادة قد يخفَى وجهُها في مواردِ استعمال هذه اللفظة؛ كتسمية الرجل المسلول الجسم بالبحر، وفي قولهم: بُحِرَ الرجل: إذا بُهِتَ، وقولهم: الباحُر: الأحمقُ الذي إذا تكلَّم بقي كالمبهوت، وقيل: هو الذي لا يتمالك حُمقاً، وإن كان يمكن أن يردَ على هذا الأصلِ ولا يتعذَّرَ بتأويل.
وأما الثَّاني: وهو معنى الشَّق، فإنَّ الأزهريَّ قال - بعدَ ما حكيناه عنه، في كلِّ نهر لا ينقطع ماؤه -: سُمِّيت هذه الأنهارُ بجاراً؛ لأنها مشقوقةٌ في الأرض شقًّا (٢).
وقال أيضًا - بعدَ حكايته لكلام اللَّيث الذي قدَّمناه -: وقد قال غيره: سمي البحر بحرًا؛ لأنَّه شَقَّ في الأرض شقاً، وجَعَل الشقَّ لمائه قراراً. والبحر في كلام العرب: الشَّقُ، ومنه قيل للناقة التي تُشَقُّ (٣) في أذنها شقاً: بَحِيرة (٤).
стр. 180
وجعل القزازُ البحيرةَ من الأصل الأول، فإنّه قال: والبُحْران من هذا أخذه، وهو اتساع العلة، والبَحيرةُ من هذا: وهي الناقة التي تُنْتجُ عشرةَ أبطُن، وتُبْحَر في أذنها؛ أي: تُشَق وتُترَك ترعى، ولا يُنتفع بظهرها، ويحرم لحمُها على نسائهم، ثم قال - بعد كلام -: وكلُّ هذا مأخوذ من السَّعَة والشَّق، ولذلك سمي الفرجُ بحراً، ومنه حديث ابن عباس ﵄: أن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأةٌ من آل أنس، فسألت ابن عباس، فقال: "إذا رأتِ الدَّمَ البَحْرانيَّ فلتدعِ الصَّلاةَ، فإذا رأتِ الطُّهرَ ولو ساعةً من نهارٍ فلتغتسلْ ولتصلِّ" (١). قال: فالدم البحراني دم الحيض، وسماه بحرانياً؛ لغلظه وشدة حُمرته، ونسبَهُ إلى البحر، يريد عنق الرحم؛ لأنَّ كلَّ عنق أو شق: بحرٌ (٢).
وأقول: الأقربُ أن نجعلَ اللفظَ راجعاً إلى أصل السعة، ويُرَدُّ معنى الشق إليه؛ لأنَّه المعنى العامُ في موارد الاستعمال، فنجعلُـ[ـه]، حقيقة اللفظ على ما قرَّره المتأخرون من أهل النظر، فإنَّ في الشقَّ معنى السَّعة، إلَّا أن يُدَّعَى أن تسمية الماء الكثير بالبحر لملازمة الشق أو مجاورته، وهذا يلزمُ منه المجازُ بالنسبة إلى الوضع اللغوي، فإن