الثالثة: قال الجوهري: ضاره يَضِيرُه ويضُورُه ضَوْراً وضَيْراً؛ أي: ضرَّهُ.
قال الكسائي: سمعتُ بعضَهم يقول: لا يَنْفَعُني ذلك ولا يَضُورُني (١)؛ أي: لا يضر.
وفسره بعضهم فقال: يقال: ضاره يَضِيره ضيراً: ضره، ويقال أيضاً: يضوره (٢).
وقوله ﵇: "لا تُضَارُونَ في رُؤْتيه" (٣) من هذا؛ أي: لا يضير بعضُكم بعضاً.
ووقع في "المستخرج" للحافظ أبي نعيم في هذا الحديث: لا يسوء ولا يضير (٤).
الرابعة: قوله: "فاذهبا فابغيا الماء"، الألف موصولة، يقال: بَغَيتُ الشيءَ: طلبتُه، وبغيتُكَ الشيء: طلبتُه لك، وأبغيتُكَه: أعنتك على طلبه.
стр. 1157
قال الجوهري: والبُغية: الحاجة، يقال: لي في بني فلان بِغية، وبُغية؛ أي: حاجة، فالبِغية مثل الجِلسة: التي تبغيها، والبُغية: [الحاجة] نفسها، عن الأصمعي.
وبغى ضالته، وكذلك كل طِلبة، بُغاءً - بالضم، والمد -، وبُغاية أيضاً.
يقال: فرِّقوا لهذه الإبل بُغياناً يُضِبون لها؛ أي: يتفرقون في طلبها (١).
قلت: يُضْبون: مضموم آخر الحروف، وبعده ضاد معجمة مكسورة، بعدها (٢) ثاني الحروف، وبعد الباء المشددة نون.
وذكر ابن سيده: بغى الشيء ما كان خيراً أو شراً يَبغيه بُغىً وبغاء، الأخيرة عن اللَّحياني، والأول أعرف.
وأنشد غيره [من الطويل]:
فلا أحْبِسَنْكم (٣) عن بُغى الخيرِ إنني ... سقطتُ علي ضِرغامةٍ، وهوَ آكلِي (٤)
وابتغاه، وتَبَغَّاه، واستبغاه، كل ذلك: طلبه.
стр. 1158
ثم قال: والاسم: البُغية، [والبِغية].
وقال ثعلب: بغى الخير يبغيه [بُغيةً وبِغيةً]، فجعلهما مصدرين.
والبُغية: الحاجة (١).
الخامسة: المَزَادة: بفتح الميم، قال الجوهري: والمزادة: الراوية، قال أبو عُبيد: ولا تكون إلا من جلدين تُفْأَم بجلد ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السطيحة والشعيب، والجمع المزاد والمزائد (٢).
قلت: الشعيب: أوله شين معجمة، وبعد العين المهملة ياء، وآخره باء موحدة.
السادسة: النفَر: بفتح النون والفاء، قال الجوهري فيه: عدةُ رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة (٣).
وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": والنفر ما دون العشرة من الرجال، والجمع أنفار.
قال سيبويه: والنسب إليه: نَفَرِيٌّ.
وقيل: النفر: الناس كلهم؛ عن كُراع.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]؛ قال الزجاج:
стр. 1159
النفير جمع نفر؛ كالعبيد والكليب.
وقيل معناه: وجعلناكم أكثر منهم نُصَّاراً (١).
السابعة: قول المرأة: "ونفرُنا خُلُوف": بضم الخاء المعجمة واللام المخففة معاً.
قال الجوهري: وحيّ خُلوفٌ، أي غُيَّبُ. قال أبو زُبيد [من الخفيف]:
أصبحَ البيتُ بيتُ آلِ إياس ... مُقْشَعِرًّا والحيُّ حيُّ خُلُوفُ (٢)
أي: لم يبق منهم أحد.
قال: والخلوفُ أيضاً: الحضورُ المُتَخَلّفونَ (٣)، وهو من الأضداد (٤).
وكذا قال ابن سيده: والخلوف: "الحضر والغيب، ضدٌّ (٥).
قلت: الذي في البيت آل إياس، قال بعضهم: وقع في الأصل:
стр. 1160
بيان (١)، والصواب ما في النسخة؛ لأن أبا زبيد رثى بهذه القصيدة فروة ابن أبي إياس بن قبيصة، انتهى (٢).
وقال ابن فارس: الخالف: المستقي، والخَلْف: الاستقاء (٣).
قلت: الخَلْف: بفتح الخاء وسكون اللام، وعن الخطابي: الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء والأثقال (٤). يقال: خلف الرجل واستخلف: إذا استقى، وحكى: الخلوف الذين غابوا وخلفوا أثقالهم، وخرجوا في رعي أو سقي.
الثامنة: قال الجوهري: صبَأْتُ على القوم أَصْبَأ صَبْأً وصُبُوءاً، إذا طلَعْتُ عليهم. وصبأ نابُ البعير صُبوءاً: طَلَعَ حَدُّهُ. وصبَأَتْ ثَنِيَّةُ الغلام: طَلَعَتْ. وأصْبَأَ النجمُ؛ أي: طَلَعَت الثريَّا. قال الشاعر يصف قحطا [من البسيط]:
وأَصْبَأ النجمُ في غبراءَ مُظْلِمَةٍ ... كأنه بائسٌ مُجْتَابُ أخلاقِ (٥)
стр. 1161
وصَبَأ الرجل صُبوءًا، إذا خرج من دينٍ إلى دين.
قال أبو عبيد (١): صبأ من دينهِ إلى دينٍ آخرَ كما تَصْبَأُ النجوم؛ أي: تخرج من مطالعها (٢).
قلت: صبَأتُ على القوم أَصْبَأ صَبْأً: مثل ضَرْباً، وصُبوءاً: مثل: جُمُوح، وسمَّت العربُ المسلمَ الصابئَ؛ للخروج من دينه إلى الإسلام.
التاسعة: رَزَأناك: بفتح الزاي وكسرها يُرْوَيان؛ أي: ما أنقصناك.
يقال: ما رَزَأْتُه ماله، وما رَزِئتُه - بالكسر -؛ أي: ما نقَصتُه.
وارْتَزأ الشيء: انتقص.
قال الشاعر ابن مقبل [من المتقارب]:
كريمُ النجارِ حَمَى ظَهْرَه ... ولم يُرتزأ برُكوبٍ زِبالا (٣)
زِبَالا - بكسر الزاي، وبعدها ثاني الحروف - قيل: ما تحمله النملة (٤).
стр. 1162
العاشرة: العَزَالِي: جمع عزلاء، وهي عروة المزادة يخرج منها الماء بسعة.
وقال الجوهري: والعزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع العزالي بكسر اللام، وإن شئت فتحت؛ مثل الصحارَى والصحاري، والعذارَى والعذارِي.
قال الكُميت [من المتقارب]:
مَرَتْهُ الجَنُوبُ فَلَمَّا اكْفَهـ ... ـرَّ حَلَّتْ عَزَالِيَهُ الشمْاَلُ (١)
وعن الداوودي قال: العزالي: الجوانب الخارجة [لرجلي الزق] (٢) يرسل منها الماء (٣)، والله أعلم.
الحادية عشرة: قال الجوهري: وايمُنُ الله، وضع للقسم، هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألفُ وصلِ عند أكثر النحويين، ولم يجئ من الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء، تقول: لَيْمُنُ (٤) الله، فتذهب الألف في الوصل، قال
стр. 1163
الشاعر (١) [من الطويل]:
فقالَ فريقُ القومِ لمَّا نشدْتُهم (٢) ... نعم، وفريقٌ لَيْمُنُ اللهِ ما ندري
وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: ليمُن (٣) الله قسمي، وليمُن (٤) الله ما أقسم به، وإذا خاطبت قلت: ليمُنك (٥)، وفي حديث عروة بن الزبير أنه قال: لَيْمُنُك (٦) لئن كنتَ أبليت لقد عافيت، أو لئن كنت ابتليت لقد أبقيت (٧).
و [ربما] حذفوا منه النون، قالوا: وايْمُ الله، وايمُ الله - بكسر الهمزة -، وربما حذفوا منه الياء، قالوا: اِمُ الله، وربما أبقَوا الميم وحدها مضمومة، قالوا: مُ الله، ثم كسروها؛ لأنها [صارت حرفاً] (٨)
стр. 1164
واحداً، فيشبهونها بالباء فيقولون: مِ الله، وربما قالوا: مُنُ الله - بضم الميم والنون -، ومَنَ الله - بفتحهما -، ومِنِ الله، بكسرهما (١).
الثانية عشرة: قوله: "أشد مِلْئَة": مكسور الميم، ساكن اللام، وبعدها همزة مفتوحة، ثم تاء التأنيث، قال الجوهري: المَلْء بالفتح: المصدر، وملأت الإناء فهو مملوء، ودلوٌ مَلآى على فَعْلَى، والعامة تقول: ملأى ماء.
والمِلْء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ، يقال: أعطى مِلأه ومِلإَنهِ ومَلِيئه أملائِهِ (٢).
الثالثة عشرة: فجمعوا لها ما بين عجوة: قال الجوهري: والعجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلتها (٣) تسمَّى لِينَة (٤).
ودَقيقة وسَويقة: ذكر بعضهم: أن في دقيقة وسويقة روايتان - بالضم والفتح في الدال - (٥)، لم يزد على هذا، والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله ﷺ : "هو الذِي أسقانا"، يقال: سقى
стр. 1165
وأسقى، والاسم: السُّقيا، وقد جمعه لَبِيد في قوله [من الوافر]:
سَقَى قَومِي بني مَجدٍ وأسْقَى ... نمَيراً والقَبَائِلَ من هِلاَلِ (١)
الخامسة عشرة: الصِّرْم: بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء، وآخره ميم، قال الخطابي: النفر ينزلون بأهلهم على الماء (٢).
قال الجوهري: والصرم بالكسر: أبياتٌ من الناس مجتمعة، والجمع أَصْرامٌ وأصارِمُ (٣).
وقال غير الجوهري: والصواب: أصاريم؛ كما تقول أعراب وأعاريب، قال ذو الرُّمة (٤):
وانعَدَلَتْ (٥) عنهُ الأَصارِيم (٦)
ونحوه ما قاله الجوهري: فسره بعضُهم في الحديث، قال: يريد الأبيات التي حولها.
стр. 1166
قلت: هذه اللفظة من المثلث؛ أعني: الصِرم بالكسر، والصَّرم بالفتح، والصُرم بالضم، فأما بالكسر فقد ذكرناه، وأما بالفتح فمصدر صرمت الشيء صرماً إذا قطعته، وأيضا الجلد، قال الجوهري: معرَّبٌ، وأما بالضم فالقطعة (١)، الفتح للمصدر، والضم للاسم (٢).
* * *
* الوجه الخامس:
قوله: فأوكأ أفواههما: استعمال اللغة الكبرى، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قيل في علته: كراهة اجتماع تثنيتين، ولغة أخري بالتثنية وإبقاء اللفظ على أصله مثنى، وقد جمع اللغتين من قال [من الرجز]:
ظَهْراهُمَا مثلُ [ظهورِ] (٣) التُّرَسينْ (٤)
стр. 1167
واستعمل في اللغة الأخرى من قال [من الطويل]:
بما في فُؤادَيْنَا من الهم (١) كالهوَى (٢)
والأحسن أن يقال: أفئدتنا.
والإفراد أيضاً لغة، وعليها قول من قال [من البسيط]:
كأنه وجْهُ تُرْكيِيَّن قد غَضِبا (٣)
* * *
* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث ، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: وَإِنا أَسْرَيْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي آخِرِ الليْلِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الوَقْعَةِ: فيه دليل على خلاف من قال: السُّري: سيرُ الليل كلِّه (٤).
الثانية: قوله: فما أيقظنا إلا حر الشمس: تكلموا في الجمع بين
стр. 1168
حديث النوم إذا طلعت الشمس، وبين قوله ﵇: "إنَّ عينى تنامان، ولا ينامُ قلبي" (١)، وذكر أبو محمد عبد الواحد بن عمر ابن عبد الوهاب (٢) شارح البخاري فيه أقوالاً:
أحدها: قال السفاقسي أبو عبد الملك: يعني بذلك: أنه لا يخفى عليه حاله في انتقاض وضوئه، وإن كان نائماً، وتخفى عليه الأوقات والساعات.
وثانيها: قال: وقال أبو محمد عبد الحق: الحديثان متفقان، ومعناهما أن ما يدرك بالقلب لا ينام قلبه عنه، وما يدرك بالعين كرؤية الشمس تنام عينه عنه، فلا تدركه (٣).
وثالثها: قال: وقيل: إن ذلك غالب حاله: أنه لا ينام قلبه، وقد ينام نادراً لحديث الوادي هذا (٤).
ورابعها: قال: وقيل: إنه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه
стр. 1169
الحدث، ولا يشعر يه.
قلت: الوجه الأول: كأنه أراد التخصيص ليقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد (١).
وأما الثاني: فتقريره أن يقول: للقلب مُدْرَكات، وللحواس مدركات، فمدركات الحواس تمتنع، ومدركات القلب على قسمين:
أحدهما: ما تتبع إدراك الحواس وتتفرع عنه، فذلك يمتنع لمواقع إدراك الحواس؛ لتوقفها عليها.
والثاني: ما لا يتبع إدراك الحواس، ولا يتوصل القلب (٢) إلى إدراكها من جهة الحواس، فهذا لا يمنعه.
ولا شك أنَّ يقظةَ القلب هو بقاء إدراكه، ونومَه ذهاب إدراكه، وإدراكه على قسمين؛ كما ذكرنا، فلا يلزم الإشكالُ إلا إذا كان النوم حتى طلعت الشمس من مدركات القلب التي لا تتبع الحواس، فأين الدليل على ذلك حتى يلزم الإشكال؟
الثالثة: قوله ﵇: "إنَّ عيني تنامان، ولا ينامُ قلبي"، خرج جواباً عن قول عائشة ﵂ له: أتنام قبل أن توتر،
стр. 1170
وهذا كلام لا تعلُّقَ له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، والذي يظهر منه أن هذا الاستفهام سببُه أن يفوت الوترُ باستغراق النوم إلى الصباح.
ولو كان الأمر فيما يتعلق بانتقاض الطهارة، لكان الاستفهام إنما يكون للصلاة بعد النوم، فيقال: أتصلي بعدما نمت؟ فلو قيل عقب هذا: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، اقتضى الجواب حينئذٍ أن نومه ﷺ لا يوجب الطهارة؛ لأن قلبه لا ينام.
[و] إذا كان الجواب يتعلق بأمر فوات الوتر، لا بأمر انتقاض الطهارة، فيحمل نوم القلب على اطمئنان النفس بالنوم، وسكون القلب إلى استغراقه فيه، وعدم تعلقه بالاستيقاظ (١).
وتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وعدم سكونه ودخوله إلى الاستغراق في النوم.
ومن المعلوم بالعادة التفريقُ بين حالة من شرع في النوم مطمئنَ القلب، وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة، فإن الحالة الأولى تقتضي الاستغراق، والثانية لا تساويها فيه، وعلى هذا التقدير، فتكون يقظةُ قلبه ﷺ بالتفسير المذكور مقتضيًا للقيام للوتر، وكذلك الإخبار عن عدم نومه، ويكون الجواب منطبقاً على ما وقع عليه السؤال من النوم، لا على ما لم يقع عليه السؤال، وهو الصلاة بعد النوم من غير تجديد
стр. 1171
طهارة، وعلى هذا فلا تعارضَ ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس، ولا يقتضي ما ذكرناه أن النوم في ذلك الوقت إلى أن طلعت الشمس كان مع سكون النفس إلى الاستغراق؛ لأن ذلك يمكن حمله على ما أوجبه تَعَبُ السُّرى والسير، فلا يتعين حملُه على السكون إلى الاستغراق، أو يقال: سبب (١) السكونِ والطمأنينةِ الأمرُ بكِلائيةِ (٢) الفجر ممن وكّل بذلك؛ كما جاء في حديث الوادي وأَمْرِ بلال بذلك، فهذا ما وقع لنا هاهنا، فتأمله.
فإن قلت: هذا الذي ذكرته تخصيص بالسبب، والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيقظة القلب أعمُّ مما ذكرته من التفسير، فيدخل تحته، فيعود الإشكال.
قلت: لا نسلم أنه تخصيص بالسبب، بل هو استدلالٌ بسياق لفظي على بيان المراد، والسياق يرشد إلى تبيين المجمَلات وتعيين المحتملات.
الرابعة: قوله ﵇: "لا ضير": فيه تأنيسٌ وتطييب لقلوب أصحابه ﷺ ؛ لِمَا عساه يَعْرِض لهم من الأسف على فوات الصلاة في وقتها.
الخامسة: فيه دليل على سقوط هذا التكليف عن النائم مع قيام
стр. 1172
الدليل عليه من الحديث الآخر في: "رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ" (١)، وقيام الدليل العقلي على امتناع تكليفه.
السادسة: أمره ﵇ بالارتحال لأجل الخروج عن المكان؛ بسبب ما وقع فيه من النوم عن الصلاة، فجعل أصلاً في الخروج عن المكان الذي وقع للإنسان فيه ما لا يختاره فيما يتعلق بالدين، وقد عُبّر عن هذا بعبارة لم أرضها (٢).
السابعة: " فسار غير بعيد": يدل على أن هذا الارتحال ليس للمسير الذي يقتضيه عادةً السفرُ، وسبق مثله فيما قبله من الأيام.
الثامنة: فاذا لم يكن المقصود منه السفر المعتاد قبل ذلك، فقد
стр. 1173
اختلفوا في علة سببه، فقيل ما أشرنا إليه مما وقع فيه من النوم عن الصلاة، ويؤيده ما جاء في حديث الوادي: "إنَّ هذا واد فيهِ شيطانٌ " (١)، والحنفية - أو من شاء الله منهم - حملوه على ترك الصلاة في وقت الكراهة، وتأخيرها إلى أن يزول ذلك الوقت (٢).
التاسعة: قوله: "ونودي بالصلاة": يحتمل أن يراد به الأذان؛ لأنه كثيراً ما يطلق عليه ذلك، ومنه: "قمْ يا بلالُ فنادِ بالصلاةِ" (٣)؛ أي: أذنْ، [و] "إذا نوديَ بالصلاةِ أدبرَ الشيطانُ" (٤)، ويترجمُ على الأذان: النداء بالصلاة، ويحتمل أن يراد به الإقامة.
стр. 1174
وقال شارح البخاري عبد الواحد بن عمر: فيه أن ما فات وقتُه من الصلوات يؤذَّن لها، وليس هو مذهب مالك.
وهذا حَمْل منه النداء على الأذان، والله أعلم.
العاشرة: "يُصلِّي بالنَّاس": فيه الإقامة بالفوائت.
الحادية عشرة: فيه الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ؛ لأن هذا المنعزلَ عن الناس لأجل الجنابة مع احتمال الحال لوجوه عديدة، وتعيينُه لبعضها طريقُه الاجتهادُ، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعيةَ التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وأن التيمم للحدث الأصغر، كما نُقِل عن بعض الصحابة.
ثم إذا لم يتيمم كان كمن عَدِمَ الماءَ والصعيدَ، فاحتمل أن يصلي ويقضي؛ ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي ولا يقضي؛ كما اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم ما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، ويقع احتمالُه للأداء التيمم وعدمه، وتعيينُ المحتملاتِ طريقُه الاجتهادُ.
ولا يُحمل على كونه لم يكن التيمم مشروعاً، وأن ذلك قبل نزول الآية؛ لأن قوله ﵇: "عليكَ بالصعيدِ، فانَّه يكفيكَ" دليل على تقدّم مشروعية التيمم على هذا القول؛ لأن مشروعية التيمم على هذا القول لم تُعلم إلا بالآية، ونزولها والحكم بمقتضاها يقتضي تقدّمَها.
стр. 1175
الثانية عشرة: وأخص من هذا الاجتهاد بحضرة الرسول ﷺ مع إمكان مراجعته.
الثالثة عشرة: الذي ذكرناه إنما هو استدلالٌ على وقوع الاجتهاد منه؛ لأن فعلَه يتردَّدُ بين مَحامل؛ بعضها جائز وبعضها ممتنع، وإذا تردد بينها، فحمله على الجائز في حق الصحابة متعيِّن، أما أنه هل وُجِد دليل من الرسول ﷺ على تسويغ ذلك وإباحته؟ فيه بحث آخر.
الرابعة عشرة: يجعل أصلاً في أن العالِم إذا رأى ممن لا يعلم فعلاً محتملاً لما يسوغ ولما لا يسوغ، سأله ليتبين الحال فيه.
الخامسة عشرة: فيه أن انفرادَ المرء بترك الصلاة بحضرة المصلين أمر مَنعيٌّ (١) على صاحبه.
السادسة عشرة: حسنُ الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر، أو محتمل لما هو منكر، لإخراجه ﷺ كلامَه مخرجَ السؤال عن السبب المقتضي للترك، لا مخرجَ التغليظ، وهذا بخلاف الذي ترك الصلاة من الناس في الحضر؛ لأن حالة السفر حالة مشقة وأعذار، فهي أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر.
السابعة عشرة: فيه أمر الصلاة في الجماعة.
стр. 1176
الثامنة عشرة: فيه إبداء ذكر العذر لنفي اللَّوم.
التاسعة عشرة: قوله ﵇: "عليكَ بالصعيدِ"، يحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد، إذ هاهنا صعيدٌ معهودٌ، وهو المكان الذي هُم فيه، ويحتمل أن يكون للجنس، فاذا حمل على العهد دل على جواز التيمم بما هو صعيد حينئذ بذلك المكان، ولا دليل لنا على تعيين ذلك الصعيد، فما اختلف فيه من المسائل لا يمكن الاستدلال بهذا عليه، وإن حمل على الجنس رجع الحال إلى معرفة ما يُسمَّى صعيداً، ويكون الحديث كالآية سواء في أخذ حكم التيمم منه.
ولا شكَّ في تناول اللفظ لذلك الصعيد؛ إما بخصوصه، أو بعمومه.
العشرون: هذه اللفظة (١) قد تدل على أن الذي عرض للمعتزل هو اعتقاد أن التيمم ليس سائغاً للجنب؛ لأنه ﵇ أحاله على الصعيد من غير بيان للصعيد، وما يفعله فيه، وصفة تيممه به، ولم يزد على قوله: "عليك بالصعيد".
هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غيرَ عالم بكيفية التيمم من صفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمالُ بيانه من غير أن يُنقل البيان خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ اللفظ.
الحادية والعشرون: فيه الاكتفاء في البيان للأحكام الشرعية بما
стр. 1177
يحصل به المقصود من الإفهام دون تعيين ما هو صريح في البيان غير محتمل لشيء آخر، لقوله: "عليك بالصَّعيد".
الثانية والعشرون: فيه دليل على اعتبار ما دلَّت عليه القرائنُ من فهم المقصود من العام أو المطلق، إذا اقتضت القرائنُ تخصيصاً أو تقييداً، فانَّ قولَه ﵇: "عليكَ بالصَّعيدِ، فإنَّه يكْفِيكَ"، لا بد أن يُفهمَ منه: يكفيك في هذه الحالة، أو في مثل هذه الحالة، ولا يوجد منه إطلاقُ الكفاية، بل يتقيد بما يوجد فيه الشرط، أو الركن في التيمم.
الثالثة والعشرون: فيه تصريح بتيمم الجنب، وقد ذُكِر فيه خلاف قديم لبعض الصحابة، واختلف في النقل عنه (١)، وسيأتي ذلك في التيمم إن شاء الله.
стр. 1178
الرابعة والعشرون: في قوله: "يكفيك" دليل على أن المتيممَ في مثل هذه الحالة - أعني عدم الماء في السفر - لا يلزمه القضاء؛ لظاهر قوله ﵇: "يكفيك"، ودلالة الكفاية على عدم وجوب شيء آخر، وإن احتمل أنه يكفيه في حكم الأداء دون حكم القضاء، فهو تقييدٌ على خلاف ظاهر الإطلاق.
الخامسة والعشرون: فيه الجريان على سنة العادة التي أجراها الله تعالى على خلقه، وعدمُ التوقف لأجل انخِراقها، وأن ذلك غيرُ منعيِّ، ولا ناقصُ التوكُّلِ والتوحيد.
وهذا يحرِّكُ نظراً كثيراً في مسائلِ التوكلِ والانتصاب، وما ينافي التوكلَ في المباشرات للأسباب، وما لا ينافيه، وله موضع آخر، إلا أن الذي يحتاج إليه هاهنا هو أن مثلَ هذا السببِ غيرُ منافِ.
السادسة والعشرون: قد خلا الصحابيان بها في هذه المدة التي سألاها وأتيا بها، فهو دليل على جواز مثل هذا؛ إما مطلقاً، أو مقيداً إن قام دليلٌ على الامتناع في غير هذه الحالة.
السابعة والعشرون: نقل السفاقسي عن أبي عبد الملك أنه قال: أخُذَتْ كُرهاً؛ لأنها كانت حَرْباً، فَمَن النبى ﷺ ، وأطلَقها ببعيرها ومائها.
الثامنة والعشرون: فإذا حُمل على ذلك، توجه سؤال، وهو أن يقال: إن الاستيلاءَ بمجرده رِقُّ النساء والصبيان، وإذا كان الاستيلاء
стр. 1179
موجباً لذلك، فقد دخلت في الملك، ويسأل عن إطلاقها؛ إما من غير استئذأن من أخذها، وإما مطلقاً.
ويطلب الجواب عنه؛ فإما أن يقال: إن هذا الاستيلاء ليس الاستيلاء المتملك للنساء، أو يشترطُ في التملك قصدُه، أو غير ذلك مما ينظر فيه؛ للتصرف في مائها من غير إذن؛ إما لإباحته من حيث كونهُا حرباً على ما تقدم، أو من جهة أخرى أشرنا إليها، أو لعلم النبي ﷺ بما وقع وقوله: "ما رَزَأناك من مَائِكِ شيئاً"، أو لما نذكره في المسألة بعدها.
التاسعة والعشرون: عن بعضهم: أنه أُخِذَ منه جوازُ أخذِ أموال الناس عند الضرورة بثمن إن كان له ثمن.
فأما أخذها فلا بأس بما قيل فيه إن تبيَّن أن الماء مملوكاً للمرأة، وأنها معصومةُ المال، وانتفت تلك الاحتمالات التي قدمناها.
وأما قوله: بثمن إن كان له ثمن، فإن كان أخذه من إعطاء النبي ﷺ لها ما أعطاها، فيرد عليه أن الذي أعطاها مُتقوَّم، والفقهاء يقولون: إن ضمانَ المتقوَّم بالفَقد، وضمان المِثلي بالمِثل.
فإن عدَّ الماءَ مِثلياً، أو متقوماً، فيرِدُ الإشكالُ على ما قاله بعد تقرير القاعد ة التي يقولها الفقهاء من ضمان المثلي بالمثل والمتقوم بالتقويم (١)، [و] ينعكس الحال إلى ضد ما قال؛ وهو أن المأخوذ من
стр. 1180
المال للضرورة لا يجب العوض عنه (١)، إذ التعويض بما ليس بعوض ليس بتعويض، هذا بعد تقرير تصحيح أخذ الحكم من أخذه ﵇ للماء كما ذكره.
الثلاثون: فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ومعجزة من المعجزات له ﷺ بتكثير الماء القليل إلى حدٍّ لا تقتضيه العادةُ.
الحادية والثلاثون: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره من مصلحة الطهارة بالماء، من قوله: وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابةُ إناءً من ماء، فقال: "اذهب فأفرِغْهُ عليك".
وهذا أمر محقق؛ أعني: أنه يؤخذ منه أن هذه المصلحة مقدمة على تلك المصلحة، بسبب تقديم النبي ﷺ الاستقاء للإنسان والحيوان على إعطاء الجنب لطهارته.
وأما أنه يؤخذ منه جواز التيمم مع وجود الماء لحاجة العطش، ففيه نظرٌ يحتاج إلى تأمل.
الثانية والثلاثون: فيه جواز التوكيد بالإيمان لما يحتاج إليه في ذلك، وإن لم تَدع إليه الضرورةُ أو السؤال.
стр. 1181
الثالثة والثلاثون: قال السَّفاقسي: وقوله: وإنه ليخيَّل إلينا أنها أشد ملاءة: يريد أن فيها من الماء فيما يظهر لنا أكثر مما كان، وذلك أن الملاءةَ ما يأخذه [الإناء] إذا امتلأ.
الرابعة والثلاثون: إذا كان ما أعطاه النبي ﷺ ليس على سبيل العِوَض على نقيض قاعدة الفقهاء، فهو من باب الإفضال والإنعام، أو من باب مقابلة حبسِها عن أهلها بالإحسان الذي يقوم مقامَ ما فاتها من مقصودها ببلوغ أهلها على حسب ما كانت عليه من السرعة.
الخامسة والثلاثون: يقتضي إطلاقَ لفظِ الطعام على غير الحنطة؛ لأنه لم يذكر إلا عجوة ودقيقة وسَوِيقة، وقد وجد في الأحاديث ما يقتضي تخصيصَ لفظ الطعام بالحنطة، حتى اعتمد ذلك بعضُهم في بعض الأحكام.
وقال بعضُهم: إذا قيل أكره السؤال في سوق الطعام، فإنه لا يفهم منه إلا سوق الحنطة، أو كما قال (١).
ويحتمل أن يكون قوله: حتى جمعوا لها طعاماً؛ أي: انتهى جمعهم إلى أن جمعوا لها طعاماً؛ أي: حنطة، تنقُّلاً من الأدنى إلى الأعلى، والله أعلم.
السادسة والثلاثون: يمكن أن يجعل أصلاً في جواز الأخذ من الجماعة للفقراء، ولمن يقتضي حالُه الأعطاءَ بناءً على ظاهر الحال من
стр. 1182
رضا المطلوب منهم، لا سيما بأمر النبي ﷺ ، وأما إذا علم من حال المطلوب منهم الضِّنة والشُّح، فإنما يؤخذ منهم حيث يتعين ذلك، ويجب عليهم إعطاؤه، وليس هذا في هذه الصورة.
السابعة والثلاثون: وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الهيئات أو الاباحات من غير لفظ من المعطي والآخذ؛ لعدم ذكر شيء من ذلك في الحديث، مع أن الظاهرَ عدمُ وقوعِه، أخذًا مما يدل عليه اللفظ فقط.
الثامنة والثلاثون: قوله ﷺ : "ما رزأناكِ منْ مَائِكِ شيئًا"، إن أخذ على ظاهره، كان جميع ما أخذ مما زاده الله تعالى، وأوجده من غَيبه، لم يختلط به شيء من مائها، وذلك أبدع وأغرب في المعجزة؛ لاختلاط الماءين.
ويحتمل أن يكون المراد: ما رزأناك من مقدار مائك شيئاً، أو ما يقرُب من هذا.
التاسعة والثلاثون: قوله: "ولكنَّ اللهَ هو الذي سقَانا" يحتمل أن يكون معناه: جعل لنا سُقْيا، وذلك يطابِقُ قولَه ﵇: "تعلمينَ أنَّا لم نرزأكِ من مَائِكِ شيئاً، ولكنَّ اللهَ هو الذي أسقانا"؛ أي: لم يكن ماؤك من جهتك سقيا لنا، ولا جَعلتِ لنا سقيا، ولكنَّ اللهَ هو الذي جعل لنا السقيا، ويحتمل أن يكون ذلك إلى نفس السقي.
الأربعون: اللفظ الذي ذكرته لأهلها ليس لفظ إيمان، بل هو في
стр. 1183
نفسه كفر، وإنما حصل الإيمان بعد ذلك، فيكون تجنب الصحابة لصِرمها (١) ليس لأجل عصمتهم بالإيمان، ولعله لأجل الاستئلاف والترغيب فيه، وقد جزم به بعضُهم؛ أعني: أن قعودَهم عن قومها كان استئلافاً لهم.
الحادية والأربعون: المقتضى لأيراد هذا الحديث في باب الآنية، أنه استدلَّ بالوضوء من مَزَادة المشرك: على أن أواني المشركين محمولة على الأصل في الطهارة، وأنه يجوز استعمالها لها (٢)، ولما مرَّ في حديث أبي ثعلبة ما يقتضي الحكمَ بنجاستها ظاهراً، وهو الأمر بغسلها قيل الأكلِ فيها، أتبعه بما يتمسك به من يقول بخلاف هذا المذهب.
الثانية والأربعون: " وأَطلقَ العَزَالِي، وسقى من سقى، واستسقى من شاء": يحتمل أن يكون الاستسقاء من فم العزالي عندما يخرج منها الماء، ويحتمل أن يكون ذلك بعد اجتماع الماء في شيء آخر بعد خروجه من العزالي، إلا أن هذا الاحتمال الثاني لا دليلَ عليه، لا من جهة الدلالة، ولا من جهة القرينة، والأصل عدمه، فهو مرجوح في الاعتبار، وستأتي فائدةُ كلِّ واحدٍ من الاحتمالين، والله أعلم.
стр. 1184
الثالثة والأربعون: وَيرِدُ على الاستدلال بالحديث على طهارة إناء المشرك، أن يقال: يحتمل أن يكون هذا الماءُ كثيراً، لا تؤثر فيه نجاسةُ الإناء، فلا يعارضُ الحديثَ المتقدمَ الدالَّ على نجاسة أواني المشركين، وهذا الاختلاف بحسب اختلاف المذاهب في حد الكثرة والقلة، فَمَنْ حَدَّ الكثرةَ بالقُلتين، والقليلَ بما دونهَا، فيبعد على مذهبه أن يكون الماء كثيرًا؛ لأنه إذا حَدَّ القلتين بخمس مئة رطل مثلاً، اقتضى أن يكون البعير قد حمل ألف رطل مع المرأة والمَزَادتين.
وقد قالوا في تقدير القلتين: إنه مأخوذ من استقلال البعير، وأن بعير العرب يكون ضعيفا لا يحتمل أكثر من مئةٍ وستينَ مناً (١).
وانما قلنا: إنه يقتضي على هذا المذهب أن يكون البعير قد حمل ألف رطل؛ لأن هذا الاستقاء كما قدمنا يحتمل أن يكون من فم العَزْلاَء، ويحتمل أن يكون بعد خروجه عنها واجتماعه في إناء واحد، وقد ذكرنا أن هذا الاحتمال مرجوح لا دليل عليه، فيحتمل على الأول، وهو أن يكون الشرب والاستقاء من الماء النازل من كل واحدة واحدة (٢) من العزلاوين، فلا يكون كثيراً إلا إذا كان في كل مَزَادة خمسُ مئةِ رطل، ويلزم أن يكون البعير قد حَمَل ألفَ رطل مع
стр. 1185
المرأة والمَزَادتين، وذلك بعيد.
وأما من لا يرى تحديدَ الكثير بالمقدار المعين، ويعتقد فيما دونه أنه يكون كثيراً، فيجوز على هذا المذهب أن يكون الماء كثيراً، ولا يتم الاحتجاجُ على طهارة إناء المشركين.
الرابعة والأربعون: وقد ظهر لك من الاحتمالين أنه يتوقف الاستدلال أيضاً أن يكون الاستقاء من العزلاوين، لا من ما يجتمع بعد خروجه عنها؛ لأنه لو كان كذلك أمكن أن يكون المجتمع كثيراً، فلا يكون الحديثُ حينئذ دالاً على الوضوء من ماء قليل في إناء مشرك.
الخامسة والأربعون: ويتوقف الاستدلالُ بالحديث على طهارة إناء المشرك أيضاً، على أن الماء القليل ينجُس بايصال النجاسة؛ لأنه إن لم يثبت ذلك، لم تلزم من جواز استعمال الماء من آنيتهم طهارةُ الأناء؛ لجواز أن يكون الماءُ طاهراً، والإناءُ نجساً على هذا التقدير.
السادسة والأربعون: هذا الذي ذكرناه فيما تقدم من توقف الدلالة على قلة الماء؛ أعني: ماء المَزَادة، وتأثر الماء القليل بوقوع النجاسة فيه، وأن المزادة لم تبلغ قلتين، وأن كان الاستقاء من فم العزلاء، يقتضي إثباتَ كل واحد من هذه الأمور، وترجيحه على ما يعارضه من وجوه:
أحدها: أن القليل ما نقص عن القلتين.
وثانيها: أن القليل يتأثر بإيصال النجاسة به.
стр. 1186
وثالثها: أن المزادة كانت ناقصةً عن القلتين.
ورابعها: أن الاستقاء لم يكن بعد اجتماع قلتين.
فمتى ثبت كلُّ واحد من هذه الأمور، لزم طهارة إناء المشرك جزمًا؛ لأنه إذا ثبت أن القليل ما نقص عن القلتين، وثبت أن ذلك الماء ناقص عنهما بما ذكرناه من الاستبعاد، وثبت تنجُّسُ الماء القليل بايصال النجاسة به، وثبت أن الاستقاء قبل اجتماع قلتين، ثبت طهارة إناء المشرك جزماً؛ لأنه لو لم يكن طاهراً لثبت مجموع مركبٌ من نجاسة آنيتهم، وقلة الماء عن الحد المعتبر، وبتنجس القليل بإيصال النجاسة به، والوضوء به مع وصف القلة.
فلو ثبت نجاسة آنيتهم حينئذ لم يجُزِ الوضوءُ بماء المزادة قطعاً، لكن جاز بالحديث؛ أعني: حديث عمران بن الحصين هذا، فينتفي هذا المجموع، وانتفاؤه ليس بانتفاء أحد هذه الأمور الأُول، لأنا تتكلم علي تقدير ثبوتها، فانتفاؤه بانتفاء نجاسة آنيتهم، فتكون طاهرة.
فأما إثبات نقصان ماء المزادة عن القلتين، فقد ذكرنا ما فيه.
وأما إثبات أن القلتين هو القدرُ المعتبر في دفع النجاسة عن الماء، فبحديث القلتين.
وأما إثبات نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه، فبمفهوم حدايث القلتين، أو بغيره.
وأما إثبات الوضوء به قبل كثرته، فبما ذكرنا من مرجوحيّة ذلك
стр. 1187
الاحتمال؛ أعني: الاجتماع.
وكل واحد من هذه الأمور يحتمل المنازعةَ بما يُعارِضُها، فيحتاج إلى ترجيح ما يدَّعيه المستدل من إثبات كل واحد منها (١) على ما يعارضه.
السابعة والأربعون: فأما تحديد الكثير بالقلتين، وتحديد القلتين بالقدر المذكور فيهما، إما خمس مئة رطل، أو غيره، فطريق الاعتراض فيه أن يقول الخصم: لو كان ما ذكرتموه من المقدار في القلتين معتبراً لما جاز الوضوءُ بماء المَزَادة، لكن جاز، فلا يكون ما ذكرتموه من المقدار معتبراً.
بيان الملازمة: أنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان ماء هذه المزادة ماء قليلاً ملابِساً للنجاسة، ولو كان ماء قليلاً ملابِساً للنجاسة لم يَجز الوضوء منه، فلو كان ما ذكرتموه معتبراً، لما جاز الوضوء من ماء المزادة.
وانما قلنا: إنه لو كان ما ذكرتموه من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً لما قررتموه؛ ولأنه لا يتمُّ الاستدلالُ به على طهارة إناء المشرك، إلا إذا كان الماء قليلاً.
وأما أنه يكون ملابساً للنجاسة، فلأنه ملابس لآنية المشرك، وآنية المشرك نجسة لحديث أبي ثعلبة، فثبت أنه لو كان ما ذكرتموه
стр. 1188
من المقدار معتبراً، لكان ماء المزادة قليلاً ملابساً للنجاسة، لم يجز الوضوء به؛ إما إلزاماً للمُناظِر على مقتضى مذهبه، وإما بالدليل الدال على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه.
وحاصل هذا الوجه: إثباتُ تأثُّرِ الماء القليل بالنجاسة، وإثباتُ نجاسة إناء المشرك، وأن ماء المزادة لم يبلغ قلتين، ويلزمه ما ذكر من عدم التحديد بالقلتين.
وتقع المعارضة هاهنا بين الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك، والدليل الدال على تأثر الماء القليل بالنجاسة، والدليل الدال على قلة ذلك الماء، وأن الوضوء به كان مع قلته، وبين الدليل الدال على اعتبار القلتين.
الثامنة والأربعون: وأما من يرى أن الماء القليل لا ينجس باتصاله بالنجاسة، فالطريق فيه أن يقول: الوضوء جائزٌ بالماء القليل الموضوعِ في أوانيهم، والماءُ القليلُ الموضوعُ في أوانيهم متصلٌ بالنجاسة، والوضوء جائزٌ بالماءِ القليلِ المتصل بالنجاسة.
أما المقدمة، وهي: أن الوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في أوانيهم، فإنه جاز بماء المزادة لحديث عمران، وماءُ المَزَادة ماءٌ قليل لِمَا تقدَّم، وهو موضوع في آنيتهم، فالوضوء جائز بالماء القليل الموضوع في آنيتهم.
وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الماء القليل الموضوع في آنيتهم
стр. 1189
متصل بالنجاسة، فلأنَّ أوانيهم نجسةٌ بحديث أبي ثعلبة، والماء متصل بها، فالماء القليل الموضوع في أوانيهم متصل بالنجاسة.
وحاصل هذا: ترجيح الدليل الدال على نجاسة آنية المشرك مع إثبات قلة الماء، على الدليل الدال على تنجيس الماء القليل بإيصال النجاسة به.
واعلم أن هذا لا يتم الاستدلالُ به للمالكي الذي لا يرى تنجيسَ الماء القليل باتصاله بالنجاسة، وإن أمكن تقريرُه، فبطريق الإلزام لبعض المخالفين له.
أمَّا أنه لا يتأتَّى له الاستدلال بالحديث على ذلك، فلأنَّ الاستدلالَ به موقوفٌ على إثبات قلة ماء المزادة، ولا فرق بين القلة والكثرة بالنسبة إلى الحكم والنجاسة على مذهبه، إذ لا نجاسة لقليل الماء ولا لكثيره، فلا فائدة لتحديد القليل حينئذ.
اللهم إلا أن يثبُتَ له أن ماء المزادة انتهى إلى حد القلة، لا يُختلف في كونه قليلاً، ويحصل الاتفاق عليه، فيتم ذلك.
لكن هذا غير ممكن، فإن للمزادة حظًّا من الكثرة عند بعض الناس، وهم الذين يمثلون القليل بملء الإناء الصغير، فالمزادة تَسعُ ما هو أكثر من ذلك، فإذا رأوا أن ذلك المقدار ينجس، وأراد الاستدلال عليهم بحديث المزادة، أجابوه بأنه كثيرٌ عندنا.
وأما بطريق الإلزام فَبِأَنْ يلزمَ ذلك من يَحُدّ القليلَ بما دون
стр. 1190
القلتين، أو من يرى ما هو أكثر من ذلك قليلاً؛ كمن حدَّ ذلك بما يتحرك أحدُ طرفيه عند تحريك الطرف الآخر، وهذا - وإن وقع (١) وتم - فإلزامٌ لا طريقٌ لإثبات المذهب في نفس الأمر عند التحقيق، والله أعلم.
التاسعة والأربعون: القول بأن القليل محدودٌ بما دون القلتين، وأن آنية المشركين نجسة، وأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، يعسُر بعده الجواب عن حديث عمران بن الحصين هذا، ولا يتجه فيه إلا المنع لكون هذا الماء كان دون القلتين.
وارتكاب المعاندة فيما ذكرناه من الاستبعاد، أو يُدَّعى أن حديث أبي ثعلبة فى تنجيس آنية المشركين متأخر عن هذا الحديث، ويقول بامتناع الوضوء من مثل هذه الآنية أن يأتيَ له دليل على التأخر.
الخمسون: وأما من يرى أن الماء القليل ينجس بالنجاسة من غير تغيُّر، ولا يحد القليل بما دون القلتين، ويمثله بالإناء الصغير، فلا يتأتى أن يحتج عليه من هذا الحديث على أن الماء القليل لا ينجس بالنجاسة؛ لأنه يجوز أن يكون ماء المزادة كثيراً لا يتأثر بالنجاسة على مقتضى مذهبه؛ لأن الاستبعاد الذي ذكرناه في بلوغ ماء المزادة قلتين ينتفي على مقتضى مذهبه.
الحادية والخمسون: القائلون بالقلتين اختلفوا في مقدارهما، فيمكن الاستدلالُ به - بعد القول بالرجوع إلى القلتين - على إبطال
стр. 1191
بعض تلك المذاهب في التقدير بماء كثير يُجزمُ ببطلانه؛ كمن يقدرُهما بألف رطل، فيكون مجموعُ ما حملة البعير ألفي رطل مع المرأة، وذلك زائدٌ في البُعْد، وهذا كلُّه بعد القول بنجاسة إناء المشرك، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه:
فنقول: في الصحابة ممن يسمى جابر بن عبد الله ثلاثة:
أحدهم: جابر بن عبد الله بن رِئاب - بكسر الراء المهملة، وبعدها همزة، وبعد الألف باء موحدة - ابن سنان بن عبيد السَّلمَي، بفتح السين واللام، بدري المشهد مع غيره من المشاهد.
قال الحافظ أبو عمر: وهو أول من أسلمَ من الأنصار قبلَ العَقَبةِ الأولى بعام، وله حديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عنه في قول الله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (١)،
стр. 1195
لا أعلم له غيره (١).
وثانيهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله الرَّاسبي من بني راسب، قال أبو عمر: روى عنه أبو شداد (٢).
وثالثهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام - بفتح الحاء والراء المهملتين - الأنصاري السَّلَمي، بفتح السين واللام معاً.
قال أبو عمر: يُنسب جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سَلِمة، ويقال (٣): جابر بن عبد الله بن حرام بن ثعلبة ابن حرام بن كعب بن غنم (٤) بن كعب بن سلمة.
وأمه نُسيبة بنت عقبة بن علي بن سنان بن نابي بن يزيد (٥) بن