بعض تلك المذاهب في التقدير بماء كثير يُجزمُ ببطلانه؛ كمن يقدرُهما بألف رطل، فيكون مجموعُ ما حملة البعير ألفي رطل مع المرأة، وذلك زائدٌ في البُعْد، وهذا كلُّه بعد القول بنجاسة إناء المشرك، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف بمن ذكر فيه:
فنقول: في الصحابة ممن يسمى جابر بن عبد الله ثلاثة:
أحدهم: جابر بن عبد الله بن رِئاب - بكسر الراء المهملة، وبعدها همزة، وبعد الألف باء موحدة - ابن سنان بن عبيد السَّلمَي، بفتح السين واللام، بدري المشهد مع غيره من المشاهد.
قال الحافظ أبو عمر: وهو أول من أسلمَ من الأنصار قبلَ العَقَبةِ الأولى بعام، وله حديث عن الكلبي، عن أبي صالح، عنه في قول الله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (١)،
стр. 1195
لا أعلم له غيره (١).
وثانيهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن عبد الله الرَّاسبي من بني راسب، قال أبو عمر: روى عنه أبو شداد (٢).
وثالثهم: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام - بفتح الحاء والراء المهملتين - الأنصاري السَّلَمي، بفتح السين واللام معاً.
قال أبو عمر: يُنسب جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سَلِمة، ويقال (٣): جابر بن عبد الله بن حرام بن ثعلبة ابن حرام بن كعب بن غنم (٤) بن كعب بن سلمة.
وأمه نُسيبة بنت عقبة بن علي بن سنان بن نابي بن يزيد (٥) بن
стр. 1196
حرام بن كعب بن غنم.
اختُلف في كُنيته، فقيل: أبو عبد الرحمن، وأصحُّ ما قيل فيه: أبو عبد الله.
شهد العقبةَ الثانية مع أبيه وهو صغير، ولم يشهد الأولى.
ذكره بعضُهم في البدريين، ولا يصح؛ لأنه روي عنه أنه قال: لم أشهد بدراً، ولا أحداً منعني [أبي] (١).
وذكر البخاري أنه شهد بدراً، وكان ينقل لأصحابه الماءَ يومئذٍ، ثم شهد بعدَها مع النبيِّ ﷺ ثماني (٢) عشرة غزوةً، ذكر ذلك الحاكمُ أبو أحمد.
وقال ابن الكلبي: شهد أحداً، وشهد صِفِّينَ مع علي ﵁.
وروى أبو الزبير، عن جابر قال: غزا رسولُ الله ﷺ بنفسه إحدى وعشرين غزوة، شهدت معه منها تسع عشرة غزوة (٣).
وكان من المكثرين الحفاظ للسنن، وكُفَّ بصرُه في آخر عمره،
стр. 1197
وتوفي سنة أربع وسبعين (١)، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين بالمدينة، وصلى عليه أبانُ بن عثمان، وهو أميرها، وقيل: توفي وهو ابن أربع وتسعين (٢).
قلت: وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام من الصحابة أيضاً ممن شهد أحداً، ولذلك قلنا: ﵄؛ يعني: جابراً وأباه.
وكذلك الجادةُ فيمن يكون هو وأبوه صحابيين، وفيه من الفائدة الدلالة على صحابيَّة أبي الراوي، فقد يكون خفياً عن الجمهور ممن لا أنس له بالرجال.
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في
стр. 1198
"صحيحيهما" من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر.
* * *
* الوجه الثالث:
في الاختيار المقصود بايراد الحديث في هذا الباب، وتخمير الإناء (١).
واختيار هذه الرواية؛ لما فيها من الجمع بين أحكام عديدة يُستغنى به عن إيراد الدلائل المتعددة على كل حكم، ولأن في هذه الرواية ذكر اسم الله تعالى على هذه الأمور؛ أعني: التخمير، والإيكاءَ، وإغلاقَ الأبواب، وليس ذلك في رواية الليث، عن أبي الزبير، عن جابر (٢)، فإنَّ فيها الأمرَ بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وغلق الباب، وإطفاء السراج، لم يذكر فيها التسمية في هذه الأمور، وكذلك رواية عمرو بن دينار، عن جابر (٣).
* * *
стр. 1199
* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: قال في "الصحاح": جَنَحَ، أي مالَ، يَجْنَحُ جُنوحاً. واجْتَنَحَ مِثْلُهُ. وجُنوح الليل: إقْباله (١).
وقال ابن سِيْدَه: جَنَحَ الشيء عن وجهه جَنْحاً، وأجنحه: أماله، والجنح الأصل (٢).
الثانية: قال في "الصحاح": المساء خلاف الصباح، والإمساء: نقيض الإصباح، وأمسينا مُمْسَى، قال (٣) [من البسيط]:
الحمدُ لله مُمْسانا ومُصْبَحَنا ... بالخَيْرِ صَبَّحنا ربِّي ومَسَّانا (٤)
وهما مصدران وموضعان أيضاً، قال امرؤ القيس يصِفُ جاريةً [من الطويل]:
تُضيءُ الظَّلامَ بالعِشاءِ كأنَّها ... مَنارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ (٥)
يريد: صومعته حيث يُمسي فيها.
والاسم: المسْيُ (٦) والصبح، وقال (٧) [من المنسرح]:
стр. 1200
والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلاَحَ مَعَهْ
ويقال: أتيته لِمُسْي خامسةٍ، بالضم، والكسرُ لغة.
وأتيته مُسَيَّانًا، وهو تصغير مَساءٍ.
وأتيته أُصْبوحَةَ كلِّ يوم، وأُمْسِيَّةَ كلِّ يوم.
وأتيته مُسْيَ أَمْسِ؛ أي: أَمْسِ عند المَساءِ (١).
وقال ابن سيده: المساء: نقيضُ الصَّباح، قال سيبويه، قالوا: الصباح والمساء؛ كما قالوا البياض والسَّواد، ولقيته صباحَ مساءَ، مبنيٌّ، وصباحَ مساءٍ مضافٌ؛ حكاه سيبويه، والجمع: أَمْسِيَة، عن ابن الأعرابي.
وقال اللَّحياني: تقول العرب إذا تطيَّروا من الإنسان أو غيره: مساءُ اللهِ لامساؤك.
وقال عثمان (٢) بن جِنِّي: أصل أمسى أمسَيَ، وأصل رمى رَمَيَ،
стр. 1201
وأصل غزا غزَوَ (١).
قلت: ليس فيما ذكره الجوهري وابن سيده تعيين الوقت الذي يطلق عليه المساء من الزمان.
الثالثة: قال الجوهري: الشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الجن والإنس، والدواب شيطان، قال جرير [من البسيط]:
أيامَ يدعُونني الشَيْطانَ من غَزَلٍ ... وهُنَّ يَهْوَيْنَنِي إذْ كُنتُ شَيْطانا (٢)
والعرب تسمي الحيةَ شيطاناً (٣).
قلت: ذكر الجوهري ما يطلق عليه في لغة العرب شيطاناً من غير تمييز بين حقيقته ومجازه، والذي يظهر: أنه حقيقةٌ فيما هو من الجن، مجازٌ في الإنس المتمرد الذي يكون فيه.
وأما الحية فيحتمل أن يكون مجازاً، ويحتمل أن يكون حقيقة مشتركاً.
وقال ابن سِيْدَه: الشيطان: حية له عُرْف، والشيطان: من سِمَات الإبل، وَسْمٌ (٤) يكون في أعلى الإبل منتصباً (٥) على الفخذ إلى
стр. 1202
العُرقوب ملتوياً؛ عن ابن حبيب من "تذكرة أبي علي" (١).
قلت: والأقرب في هذا الاشتراك.
الرابعة: قال الجوهري: الوِكاء الذي يُشَدُّ به رأسُ القِربة، وفي الحديث: "احفظْ عِفَاصَهَا ووِكَاءَهَا" (٢)، ويقال: أوكى على ما في سقائِهِ: إذا شَدَّه، بالوِكاء، وإن فلاناً لَوِكَاء (٣). ما يَبِضُّ بشيء، وسألناهُ فأَوكى علينا؛ أي: بَخِل.
وفي الحديث أنه: كان يُوكي بين الصفا والمروة (٤)؛ أي: يملأ ما بينهما سعياً، كما يُوكَى السِّقاء بعد الملء، ويقال معناه: أنه كان يسكت فلا يتكلم، كأنه يوكي فمَه، وهو من قولهم: أوكِ حلقَك؛ أي: اسكت.
أبو زيد: اسْتَوْكَت الناقة: إذا امتلأت شحماً (٥).
стр. 1203
قلت: الحقيقة من ذلك وِكَاء السقاء، وما ينصرف منه، وقولهم: إنَّ فلاناً أوكأ، وأوكأ علينا؛ أي: بخل، مجاز تشبيه، شبَّه عدمَ خروج شيء منه من الجود، بعدم خروج ماء السقاء الموكى، وشبَّه ربطَه على ما في يده وحفظَه، بربط الوِكاء وحفظِه لما في السقاء.
وكذلك السكوت مجاز على ما ذكرناه، وكذلك معنى الملء والامتلاء.
وقال ابن سِيْدَه: الوِكاء: رباط القِربة وغيرها، وقد وكأها وأوكأها، وأوكى عليها، وفي الحديث: "إن العينَ وِكاء السَّهِ، فإذا نامَ أحدُكُم فليتوضَّأْ" (١)، جعل اليقظةَ لها وكاء، وفي حديث آخر: "إذا نامتِ العينُ استُطلقَ الوكاءُ" (٢)، وكله على
стр. 1204
الملء (١)، وكل ما شد رأسه [من] (٢) وِعاءٍ ونحوِه، وكأته (٣)، ونحوه قول الحسن: يا ابن آدم جَمْعاً في وعاء، وشدًّا في وِكَاء (٤)، الوكاء هاهنا كالجِراب، وأوكأ فمه سَدَّه، وفلان يُوكِئ فلاناً: يأمره أن يسدَّ فاه ولسكت.
ووَكى الفرس الميدان شَدًّا: ملأه، وأصله من ذلك.
وروى الزبير: كان يُوكِي بين الصفا والمروة؛ أي: يملأ [ما بينهما سعياً] (٥).
وقيل: هو من إمساك الكلام (٦)، والله أعلم.
الخامسة: التخمير: التغطية، يقال: خمَّر وجهه، وخمر إناءه، ومادة اللفظ تدل على السِّتر، و [ما] في معناه. والخمار سُترة الرأس،
стр. 1205
والخمر: الشجر الملتفِّ لستره ما يدخل تحته، والخمر لتغطيتها على العقل.
وقال ابن سِيْدَه: خمَّر الشيء يخمره خمراً، وأخمره: ستره، وخمَّر شهادته، وأخمرها كتمها.
ثم قال: وكلُّ شيء مغطَّى مُخمَّر (١).
قلت: خمر الشهادة: مجاز من تشبيه المعنى بما يُحَسُّ، والله أعلم.
السادسة: عَرَض العُودَ على الإناء، والسيفَ على فخذه: يَعرِضُه، وَيعْرُضُه، قال الجوهري: فهذه وحدَها بالضم (٢).
وقال ابن سِيْدَه: عَرَض العُودَ على الإناء، والسيفَ على فخذه: يَعرِضُه عرضاً، وعرضَ الرمح يعرُضه عَرْضًا [وعرضه]، قال النابغة [من الطويل]:
لهُنَّ عَلَيهم عَادةٌ قد عَرَفْنَها ... إذا عرَّضوا (٣) الخَطِيَّ فوقَ الكَواثِبِ (٤)
стр. 1206
وعرضَ الشيءُ يعرِض، واعترض: انتصب كالخشبة (١).
* * *
* الوجه الخامس: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى: (أفعل) في أمسى للدخول في الشيء؛ كما في أصبح، وأتهم، وأَنْجد، وهو أحد محامل (أفعل).
الثانية: أصل أَمسى، أَمسَيَ، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفاً على القاعدة؛ كما في رمى، أصله رمَيَ، ونظائرها.
أصل أمسيتم: أمسييتم بيائين؛ أولاهما متحركة، والثانية ساكنة، فقُلبت الأولى ألفاً على القاعدة، فالتقت ساكنة مع الياء الساكنة فحذفت.
قال الجوهريُّ: والشيطان نونُه أصلية، قال أُميَّة [من الخفيف]:
أَيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ... ثم يُلْقى في السِّجنِ والأَغْلالِ (٢)
قال: ويقال أيضاً: إنها زائدة، فإن [جعلتَه] فَيْعالاً من قولهم: تشيطن الرجلُ، صرفْتَه، وإن جعلته من شيَّط (٣) لم تصرفه؛ لأنه فَعلان (٤).
стр. 1207
وقال ابن سِيْدَه: والشاطن: الخبيث، والشيطان: فَيْعال من ذلك، فيمن جعل النون أصلية، وقولهم: والشياطين دليل على ذلك، وفي التنز [يل]: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، وقرأ الحسن: وما تنزلت به الشياطون (١)، قال ثَعلب: هو غلط فيه (٢).
وتشيطنَ الرجلُ: فَعَلَ فِعْلَ الشياطين (٣).
* * *
* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: فيه الأمر بكفِّ الصبيان في أول الليل؛ أي: كفُّهم عن الانتشار والتصرف؛ للمصلحة المذكورة في الحديث.
الثانية: الفاء في قوله ﵇: "فإنَّ الشياطينَ تنتشرُ حينئذٍ" يقتضي التعليل؛ أعني: تعليل الأمر بكف الصبيان بانتشار الشياطين على ما تقرر في علم الأصول من اقتضاء مثل هذه الفاء ذلك (٤).
الثالثة: لا بدَّ من مناسبة العلة للحكم، والسبب فيه: أن انتشارَ
стр. 1208
الشياطين حينئذٍ مما يقتضي اختلاطَ الصبيان بهم بوصف الكثرة والاجتماع، فإن المنتشرَ بعد الانقباض يقتضي انتشارَه الاجتماعَ في أوله (١)، كما هو المُعتَادُ في الجمع، واختلاط الصبيان بهم لا يُؤْمَن معه من حصول الضرر ولحوقِه بالصبيان، إما بما ينالُهم منهم على حسب المقدور، وإما برؤية بعضِهم فيختلُّ العقل.
الرابعة: تعليق الأمر بذلك بالصبيان مناسبٌ لما فيه مِنْ ضعفِ عقولهم، وكون ذلك أقربَ إلى حصول الضرر، وما يخاف من المحذور.
الخامسة: فيه الشفقة من النبيِّ ﷺ بتعريفه لأمته ما يخفى عنهم من احتمال المكروه اللاحق بهم، وهو من المغيَّبات التي لا يُطَّلع عليها إلا من جهة الأخبار النبوية، وأن ذلك عن أمر خاصٍّ من الله تعالى، ففيه الرحمة من الله تعالى بأمر الرسول ﷺ به، وهذا القول في غير هذا من الأوامر التي في الحديثِ.
السادسة: انتشارُ الشياطين حينئذ لِما يحصل بالليل، ودخول ظلمته من الوحشة، وانفصال أُنسِ النهار، وقد يقال: الليل أنسُ المستوحشين، ووحشة المتأنسين، ولما كانت الشياطينُ والجنُّ مائلةً إلى الوحدة وما يخالف الأنس؛ كالبراري والقفار، كان انتشارُهم حينئذ مناسباً لحالهم، والله أعلم.
стр. 1209
السابعة: الأمر بتخلية الصبيان بعد ساعة؛ لما تقدمت الاشارة إليه من أن الجمع المُنحبس إذا خرج اقتضى الاجتماع في ابتداء (١) خروجِه، ثم بعد ذلك يحصل الافتراق بالانتشار، فلا يبقى ما كان أولاً من قرب وقوع المحذور بالكثرة.
الثامنة: فيه من مسائل الأصول، وقواعد الأيمان؛ إثبات الشياطين والجن، وهو أمر مقطوعٌ به من الشريعة، لا يحتمل التأويل، ولا يجامع إنكاره الإيمان، والعقلُ يدلٌ على الجواز، وإذا انضاف السمعُ بالوقوع وجبَ الاعترافُ به.
أما أن العقلَ يدل على الجواز؛ فلأن الجائزَ ما لا يلزم من فرض وقوعه محالٌ لعينه، ووجود الجن والشياطين كذلك، فوجودُهم جائزٌ.
وأما أن السماع دل على الوقوع، فبالتواتر الذي يفيد العلمَ عن الشريعة به، والشُّبهةُ التي تُورَد من جهة منكري الجن ركيكةٌ ضعيفة (٢).
стр. 1210
التاسعة والعاشرة: ويدل أيضاً على حركتهم وتنقلهم في الأماكن، وتَتْبَعُ ذلك دِلالَتُهُ على جسميَّتهم؛ لأن الحركة والانتقال من غير تّبعيَّةٍ من صفات الأجسام.
الحادية عشرة: الأمر بإغلاق الأبواب لما فيه من المصالح الدينية والدُّنيوية.
أما الدُّنيوية: فمنها الحفظ، والحراسة للأنفس والأموال من أهل العَيْثِ والفساد.
وأما الدينية: فلِمَا دلَّ عليه الحديثُ من كون الشياطين لا تفتح باباً مغلقاً، فيكون ذلك سبباً لامتناعه من مخالطة الإنسان، وامتناعُه من المخالطة من المصالح الدينية؛ لما في مخالطته من التعرض لإفساده بالوسوسة، وبما (١) يُلْقِيه في القلوب والنفوس.
стр. 1211
الثانية عشرة: الفاء في قوله ﵇: "فإن الشياطين لا تفتح باباً مغلقاً دالَّةٌ على الـ[ت]ـعليل؛ كما قلناه فيما تقدم، فيحتمل أن يكون الأمر بإغلاق الأبواب قُصِد به مصلحة إبعاد الشياطين عن الاختلاط بالإنسان بمجردها، فعلّل بأنه لا يفتح باباً مغلقاً، ويحتمل أن يُرادَ به جميع مصالح إغلاق الأبواب، [ونبَّه بهذا] (١) التعليل على ما يخفى على الإنسان مما لا يمكنه الاطلاع عليه إلا من جهة النبوة، لا لتخصيص الأمر بذلك المقصود.
الثالثة عشرة: الألف واللام في "الشياطين" للجنس؛ لأنه ليس المراد فرداً واحداً من أفراد الشياطين، واستعمال الاسم المفرد المحلَّى بالألف واللام للعموم (٢).
الرابعة عشرة: وإذا كان للعموم فيحتمل أن يكون على حقيقته في تناول كل فرد، ويحتمل أن يكون مخصوصاً.
الخامسة عشرة: يحتمل أنْ يؤخذَ قولُه ﵇: "فإن الشياطينَ لا تفتحُ باباً مغلقاً" على عمومه في الأبواب، وهو ظاهره، ويحتمل أن يُؤخذَ على معنى أنه لا يَفتحُ باباً مغلقاً ذُكِر اسمُ الله تعالى عند إغلاقه؛
стр. 1212
لأجل تقدم الأمر بالتسمية عند الإغلاق.
السادسة عشرة: فيه دليل على أن إغلاقَ الباب يمنع من دخول الشياطين، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل أمر يتعلق بجسمه وبِنْيته، ويحتمل أن تكون لا تمنع بِنيتُه ذلك، ويكون له مانع من الله تعالى بأمر خارج عن بنيته، وأن بنيتَه وجسمَه لا يمتنع عليه ذلك بسببها.
السابعة عشرة: يقتضي منعَ دخول الشياطين الخارجة عن البيت بعد إغلاق الباب، لا خروجَ الشيطان يكون بالبيت قبل إغلاقه، فيحتمل أن يكون هذا من باب الأمر بتقليل المفاسد لا رفعِها بالكلية، وتقليلُ المفاسد مطلوبٌ؛ كما أن رفعَها مطلوبٌ، ويحتمل أن تكون التسمية عند الإغلاق مما يوجب خروج من في البيت من الشياطين.
الثامنة عشرة: فعلى هذا ينبغي أن تكون التسمية قبلَ تَمامِ الإغلاق.
التاسعة عشرة: الظاهر من الأبواب هو السابق إلى الفهم من أبواب البيوت، وهو الذي يجب حملُ اللفظ عليه قطعاً، وعلى ذهني أن بعضَهم حمله على المجاز في بعض تصرُّفات كلامه، وربما يأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وأظنُّه استعمله في الأمر بكظم المثاوبة ما استطاع لمنع دخول الشيطان؛ أنه لا يفتح باباً مغلقاً.
العشرون: فيه الأمر بالتسمية عند إغلاق الأبواب، والله أعلم.
الحادية والعشرون: فيه الأمر بإيكاء السِّقاء، وذكرُ اسمِ الله عليه.
стр. 1213
الثانية والعشرون: نقول في إيكاء السقاء، كما قلنا في غلق الأبواب، وأنه تتعلق به مصالحُ دنيوية ظاهرة؛ كمنع الهَوَامِّ وذوات السُّموم من الدخول في السِّقاء والشرب منه، وتتعلق به مصالح دينية؛ وهو منع مخا [لـ]ـطة الشياطين لما فيها.
وقد ورد التعليل بأن الشيطان لا يَحُلُّ سقاء في "الصحيح" من رواية أبي الزُّبير، عن جابر: "غَطُّوا الإناءَ، وأوكُوا السِّقاء، وأغلقُوا البابَ، وأطفِئُوا المصباحَ، فإنَّ الشيطانَ [لا] يَحُلُّ سِقاءً، ولا يفتحُ باباً، ولا يكشفُ إناء" (١)، وإذا كان التعليل بذلك، فالكلام فيه كما قدَّمنا في التعليل بكونه لا يفتح باباً، وأنه يحتمل أن يكون الأمر بإيكاء السقاء لمصلحة منعِ الشياطين بخصوصها عملاً بظاهر التعليل، ويحتمل أن يكونَ لجميع المصالح، ونبَّه بالتعليل على ما لا يعرفهُ الإنسانُ إلا بأخبار النُّبوة.
الثالثة والعشرون: فليُجعَلْ أصلاً لما في معناه؛ أعني: إيكاء القرب؛ كصِمامة (٢) مخرج الإناء من الإبريق، والله أعلم.
стр. 1214
الرابعة والعشرون: فيه الأمر بتخمير الإناء، وهو تغطيته، وقد ذكرنا أن اللفظةَ تدل على معنى الستر، وقد ورد مصرَّحاً بلفظ التغطية في رواية أبي الزبير: "غَطُّوا الإناء"، وكذلك في حديث القعقاع بن حكيم، عن (١) جابو: "غطوا الإناء" (٢).
الخامسة والعشرون: يظهر أن المرادَ من تخمير الإناء أن فيه شيئاً، ويشهد له روايةُ همَّام وعطاء، عن جابر في حديث ذكره: "خمِّروا الطعامَ والشرابَ"، قال همَّام: وأحسَبُه: "ولو بعود"، أخرجه البخاري (٣).
ويليق بالظاهرية أن يخصُّوه بذلك، إذ ليس في لفظ هذا الحديث لتخصيصٌ بإناءٍ فيه شيء، وليس هذا - ولا بدَّ - من مُشَنَّعات الظاهرية، فإنه سيأتي التعليلُ بنزول وَباءٍ في ليلة في السنة، وأنه لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه من ذلك الوَباء، فإذا كان هذا هو العلة فلا يختص ذلك بإناء فيه شيء، فقد يكون نزولُ الوباء في الإناء الفارغ مُضِرًّا عند استعمال شيء، فيكون بعد ذلك فيه.
ومما يقوّي هذا أن في رواية مالك ﵀ عن أبي الزبير، عن جابر: "أكفؤا الإناء" (٤)، وهذا إنما هو في إناء فارغ؛ لأن إكفاءه
стр. 1215
قلبُه، ولو كان فيه شيء لتلِف عند قلبه، فيقتضي ذلك أن إكفاء الإناء أيضاً مطلوب كتغطية الإناء المشغول.
ولولا أن الحديث واحد، والاختلاف في اللفظ على راوٍ وهو أبو (١) الزبير، وقال مالك: "أكفؤا الإناء"، وقال الليث: "غطوا الإناء"، لقوي ما قدمناه من عموم الحكم للإناء الفارغ والمشغول؛ أعني: التغطيةَ وما يقومُ مقامَها من الإكفاء، ويُنَزَّل ذلك على اختلاف حالين: ففي الإناء المشغول التغطيةُ، وفي الإناء الفارغ الإكفاءُ.
السادسة والعشرون: تغطية الإناء المشغول بشيء مطلق في هذه الرواية من غير تعليل، ويمكن تعليله عند هذا الإطلاق بأمرين: أحدهما: صيانته من وقوع المُفسِدات لطهوريته، أو لطهارته.
والثاني: صيانته عن المُضِرَّات البدنية.
والتعليل الوارد في حديث الليث يُشْعِر بالثاني، فإنه عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهَاد اللَّيثي، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن القعقاع بن الحكيم، عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "غطُّوا الإناءَ، [وأوكوا السِّقاء]، فإنَّ في السنةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ، ولا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو
стр. 1216
سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلَّا نَزلَ فيه من ذلك الوباءِ"، أخرجه مسلم (١).
وفي رواية: "فإن في السنةِ يوماً ينزلُ فيه وباءٌ"، وفيه قال الليث: فالأعاجم (٢) عندنا يتقون ذلك في كانون الأول (٣).
وهذا يقتضي التعليلَ بما ذُكر في الحديث على ما تقرر في مثله فيما تقدم.
السابعة والعشرون: فيه الأمرُ بتسمية الله تعالى عند تغطية الإناء.
الثامنة والعشرون: ليس في هذه الرواية تعليلُ وِكاء السقاء، وقد ذكر ذلك في التي سقناها في حديث القعقاع عن جابر، وفي رواية أبي الزبير، عن جابر أيضاً: "وأوْكِئُوا السقاءَ".
وفيه: أن الشيطان لا يحل سقاءً، فيأتي من مجموع الحديث علتان.
التاسعة والعشرون: قوله ﵇ في هذه الرواية: "ولو أنْ تَعْرِضُوا عليه شيئاً" في لفظ الشيء عموم، وقد ورد ما هو أخص منه، وهو العُود؛ كما يأتي ذكرُه في حديث الليث، عن أبي الزبير، وروايته هذه أبلغُ من الرواية التي ذكرتُها في طلب التغطية؛ لأن الشيء يحتملُ ما هو أبلغُ في التغطية من العود.
стр. 1217
الثلاثون: قوله ﵇: "ولو أن تَعْرِضوا عليه شيئاً" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن لا يكونَ على حقيقةِ الطلب بتعريض العود، فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصاً بحالة عدم غيره، ويحتمل أن يكون مخصوصاً بحالة العجز؛ للمبالغة في طلب التغطية.
واللفظ يحتمل الأمرين، ولعل فيه إشارة إلى حالة العدم، وقد ورد التصريحُ بذلك في رواية الليث، عن أبي الزبير، وهو: "فإن لم يجدْ أحدُكم إلا أن يَعْرِضَ على إنائِهِ عوداً، أو يذكر اسمَ اللهِ فليفعلْ" (١).
الحادية والثلاثون: فإن حملناه على الطلب حقيقة التغطيةَ بالعود، فقد ذكرنا أن في تغطيته صيانةً مما يفسده، ويخرجه عن الطهورية، أو الطهارة، والثاني: صيانته مما ينزل فيه من الوَباءِ المُضِرِّ، فعلى الأمر الأول أن يكون ذلك من باب تقليل الفاسد على حسب الإمكان؛ لأن الواقعَ يختلف بالكِبَر والصِّغَر، وقد يكون من الصغر بحيث يمنعه الشيء المعروض، فكل معروض يَمنع بحسب ما تقتضيه صورتُه ومقدارُه.
وعلى الأمر الثاني يحتمل أن يكون كذلك، ويكون العود المعروض مما يمنع نزولَ ذلك الوباء على تقديرِ مضادٍ فيه، له دافع
стр. 1218
للمفسدة على تقدير ممكن، فليُفعَل.
ويحتمل أن يكون العُود المعروضُ مانعاً من وقوع ذلك الوَباء في الإناء مطلقاً؛ لأن هذه الأمور والأسرار الغيبية لا تَنْقَاس بالإمكان والأوهام، ولا يُطَّلع على مقتضياتها وموانعها بصور الفكر والعقل، والله أعلم.
الثانية والثلاثون: يجعل أصلاً في الاحتراز والاحتياط للأمور الدينية والمصالح البدنية على حسب العلتين، فإن كان لأجل صيانة الماء عن مُفْسِداته الشرعية، فهو احتياط للأمور الدينية، وإن كان الاحتراز عن الوباء؛ كما دلَّ عليه الحديثُ الآخر، فهو احتياط للأمور البدنية وصيانتها من المُضِرَّات.
الثالثة والثلاثون: لأهل الطب أقوالٌ في حفظ الصحة، والاحتراز من الأمراض وأسبابها، فيمكن أن يجعل هذا أصلاً في ذلك، إلا أن يقومَ مانعٌ خاصٌّ بعض ما يقولونه، كما سيأتي في ذم الإفراط في هذه الأمور، فلا يتم ما ذكروه فيه، والله أعلم.
الرابعة والثلاثون: كل واحد من الاحترازين؛ أعني: الديني والدنيوي، المحمودُ منه مقدارٌ معلوم، متى جاوزه الإنسانُ خرج في حيِّز الذم، فالاحتراز في الطهارات يُحْمَد منه الورعُ، والإفراط في ذلك يخرج إلى حد الوسوسة والغلوِّ في الدين، وكذلك الاحتراز عن المؤذِيات الدنيوية يُخرِجُ إفراطُه إلى ضعف التَّوكُّل وشدةِ الإغراق
стр. 1219
في التعلُّق بالأسبابِ، وهو مذموم، و ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
والفرق بين الموضعين دقيق عسِرُ العلم، وله طريق ونظر طويل يتعلق بباب التوكل، والذي يحتاج إليه هاهنا أن يُعلم أن هذا المقدارَ من الاحتراز؛ أعني: على الطهارة بتغطية الإناء وصَوْنه عن النجاسات والمفسدات، ليس من باب الوسواس والتنطُّع، إن كان ما ذكر من هذا المعنى داخلاً في هذا التعليل.
وكذلك يؤخذ منه إن كان هذا الاحترازُ وقدره من المؤذي وأسبابه لا يُذمُّ.
الخامسة والثلاثون: في مقدمة لغيرها؛ قال الرسول ﷺ : "إذا سمعتُمْ بهِ بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليهِ، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتمْ بها فلا تخرجُوا فِراراً منه" (١)، فقيل فيه: إن الوباء مرض عام، فإذا وقع بأرض والإنسان فيها فالظاهرُ مداخلةُ سببهِ له، فلا يفيد الفرار منه بعد دخول سببه في جسده، وإذا لم يكن بأرض فالظاهر سلامتُه، فإقدامه عليه تعرُّضٌ للضَّرر.
стр. 1220
والذي يترجَّح فيه عندي - والله أعلم -: أن الإقدام عليه يعرِّض النفسَ للبلاء، وما لعلها لا تصبِر عليه، وربما كان فيه ضربٌ من الدَّعوى لمقام الصبر والتوكُّل، فلا ينبغي ذلك؛ لاحتمال اغترار النفس، ودعواها ما لا يثبت عند الحقيقة، فإذا كان بأرض ووقع بها، فالفِرار منها قد يكون داخلاً في باب التوغُّل في الأسباب، وتصوراً بصورة الفارِّ مما لعله يُقضى عليه به، فالتكلُّف في الأول في القدوم، والتكلف في الثاني في الفرار، فأمرَ بترك التكلف فيهما، وقد لمحَ الصحابيُّ ما ذكرناه بقوله: أفراراً من قدر الله؟! غير أنه استعمله في القدوم عليه، وهو الذي يشير إليه قولُه ﷺ : "لا تتمنَّوا لقاءَ العدوِ، وإذا لقِيتُمُوهُمْ فاصبرُوا" (١)، فالنهي عن التمني؛ لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف الاغترارِ من النفس وخَورِها عند الحقيقة (٢).
السادسة والثلاثون: فإذا تقرَّر هذا، فأمرُه ﵇ بتغطية الإناء لدفعِ متوقَّعٍ لسبب البلاء، منعٌ لوقوع المسبَّب المُؤذي بالإنسان، وهو نظيرُ المنعِ مَنْ قدومُه على أرضٍ وقع فيها الوباء؛ لما يشتركان
стр. 1221
فيه من عدم التعرض لسبب الأذى البدني، والتسبب هاهنا [لا] يدفعه، بل هاهنا أولى؛ لأن ذلك قد يَرْجِع إلى التَّرك، وهذا راجعٌ إلى الفعل.
السابعة والثلاثون: قد يؤخذ منه الاِحتراز بالحِمْية عما يؤذي البدن، وأنه غيرُ مذموم، ولا داخلٌ في باب التوغُّل في الأسباب، وبل أولى؛ لما ذكرناه، وهذا فرد من أفراد ما ذكرناه في المسألة الثانية والثلاثين، وإنما أفردناه لِخصوصيته بدفع الضرر عن البدن من جهة الأمراض والأَعْلال.
الثامنة والثلاثون: الأمر بإطفاء المصابيح في هذه الرواية مطلقٌ، وهو محمولٌ على إطفائها عند إرادة النوم، وقد جاء ذلك مبيَّناً مصرَّحاً به في روايةٍ عن عطاء، عن جابر في حديث ذكره: "أطفِئُوا المصابيحَ بالليلِ إذا رقدْتُم"، أخرجه البخاري (١).
التاسعة والثلاثون: قد ورد تعليلُ إطفاء السراج، فأخرج البخاري من حديث كثير، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمِّرُوا الآنيةَ، وأطفئوا المصابيحَ، فإنَّ الفُوَيسِقةَ ربما جَرَّتِ الفتيلةَ فأحرقَتْ أهلَ البيتِ" (٢).
стр. 1222
الأربعون: روى أبو بردة، عن أبي موسى قال: احترق بيتٌ على أهله بالمدينة، فلما حُدِّثَ رسولُ الله ﷺ بشأنهم قال: "إنَّ هذهِ النارَ إنما هي عدوٌّ لكم، فاذا نمتُمْ فأطفئوها عنكم" (١)، وهذا داخلٌ في أسباب الحديث، فذكر منه شيئاً يسيراً، وهو فنٌّ غريب يضاف إلى الكتاب العزيز، ولو تُتبِّعَ لحصل فوائد (٢).
الحادية والأربعون: إذا كانت العلةُ في إطفاء السِّراج الحذَرَ من
стр. 1223
الفويسقة وجرِّها الفتيلة، فمقتضاه أنه إذا كان السِّراجُ على هيئةٍ لا تَصِل إليها الفويسقة أن لا يُمنَعَ إبقاؤه، أمّا إذا كان على مَنَارة من نحاس أملس لا يمكن الفويسقةَ الصعودُ إليه، وأُبعِد عن المواضع التي يتأتَّى لها الوصولُ منها إلى أعلى المنارة التي يوضع فيها السراج، وإنما كان هذا مقتضاه أَنْ يزولَ الحكمُ بزوال علته.
الثانية والأربعون: هذا وإن كان مقتضى التعليل باطفاء المصابيح، إلا أنه قد ورد الأمر بإطفاء النار عند النوم مطلقاً، ففي حديث سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "لا تتركُوا النارَ في بيوتكُمْ حينَ تنامُون" (١)، وفي حديث أبي بردة، عن (٢) أبي موسى: "إن هذه النارَ هي عدوٌ لكم، فإذا نمتم فأطفئُوها عنكم" (٣)، والحديثان خُرِّجا في "الصحيحين".
وإذا أُمِرَ بإطفاء النار مطلقاً، فهو أعمُّ من نار السراج، فالأمر المعلق بإطفاء المصابيح لأجل العلة المذكورة، وهي جَرُّ الفتيلة، إذا أُمِنَت المفسدة لما ذكرناه، وانتفت تلك العلة، يبقى بعده الأمرُ بإطفاء النار متناولاً للمصباح المتوقد المأمون معه جرهُ الفتيلةَ، وقد تتطرق بذلك مفسدةٌ أخرى غيرُ جرِّ الفتيلة؛ كسقوط شيء من السراج على
стр. 1224
بعض متاع البيت، فإذا أمن ذلك أيضاً وانحسرت موادُ الفساد، فلا يبعُد العمل بمقتضى زوال العلة، وهو زوال المنع.
الثالثة والأربعون: إذا استُوثق من النار بحيث يؤمن معها الإحراقُ، فمقتضى زوال العلة جواز إبقائها؛ كما ذكرناه في السراج، وقد سمعت من يقول ذلك، أو معناه؛ أعني: الجواز عند الاستيثاق والأمن من المفاسد.
الرابعة والأربعون: لعلك تقول: قد ذكرْتَ في إطفاء المصابيح أنه محمولٌ على إرادة النوم، واستشهدت بالرواية الأخرى، وهو قوله ﵇: "أطفئوا المصابيحَ بالليلِ إذا رقَدتُم، وقصَرْتَ الأمرَ على هذا الحال، فهلَّا قيل بالعموم فيما عدا حالة الرُّقاد حتى يتناوله الأمر، إذ لا منافاةَ بين إطفائها عند النوم، وإطفائها في غير هذه الحالة؟
قلت: لا يمكن هاهنا، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن الرواية التي ذكرناها هي رواية همام، عن عطاء، عن جابر، والرواية التي ذكرت في الأصل مطلقةً هي رواية ابن جريج، أو غيرِه، عن عطاء، عن جابر، فهما حديث واحد اختلفت الرواةُ فيهِ، عن عطاء، ذكر بعضُهم فيها قيداً، وأهمَله الآخرُ، والأخذ بزيادة العدل واجبٌ.
ونحن نقول: إنه إذا ظهر أن الحديثَ واحدٌ باتحاد مَخْرَجِه،
стр. 1225
وذكرَ بعضُهم فيه قيداً وأهمله الآخر، حملنا ذلك على زيادة العدل بالذي ذكر القيد في ذلك الحديث على الآخر الذي لم يذكر، فكأنه منطوق به في الرواية التي لم يذكر فيها، بخلاف ما إذا تعدد الحديثان باختلاف الرواية والمخارج.
الوجه الثاني: إن العمل بالعموم أو الإطلاق هاهنا متعذِّرٌ قطعاً، بخلاف ما ذكرتُ من المثال، وما هو في معناه؛ لأنا لو عملنا بالعموم أو الإطلاق لزم الإطفاء لكل مصباح أُوقِد في كل وقت، [و] يطلب من كل من أوقد مصباحاً أن يطفئه عقِب رقودهِ؛ لأنه مصباحٌ مُوقد حينئذ، وذلك باطل بالضرورة.
الوجه الثالث: النظر إلى المعنى المناسِب الذي دل عليه الحديث الآخر بلفظة، وهو الخوفُ من الإحراق بَجرِّ الفويسقةِ الفتيلةَ، مع عدم الفائدة في إطفاء كلِّ مصباح لا يتعلَّقُ بإيقاده مفسدة، وذلك يقتضي التخصيصَ بحالة الغفلة عن اعتبار حال المصباح، وهي حالة النوم، واتباعُ المعاني الظاهرةِ متعيِّنٌ.
الخامسة والأربعون: نشأ من هذا ذِكرُ قاعدة ينبغي أن يُوجَّه النَّظرُ إليها، وهي أنَّ اللفظ العام إذا عُلِّل الحكم فيه بعلة خاصة، هل مقتضى ذلك تخصيصه بِمحلِّ العلة عملاً بها، أو يقال بعمومه عملاً بمقتضى اللفظ (١)؟
стр. 1226
بيانه فيما نحن فيه: أَمْره ﵇ بإطفاء المصابيح، أو المصباح، والتعليلُ بجر الفويسقة الفتيلة يقتضي التخصيص بما يمكن فيه ذلك، وأنه المراد بالعام، أو يقال: هو [على] عمومه، حتى إذا أُمن جرُّ الفتيلة تناوله الأمرُ بعمومه.
فإن قيل بالأول، جاء ما تقدَّم من زوال الحكم عند زوال العلة، وإن قيل بالثاني بقي الأمرُ متناولاً لحالة الأمن، إلا بدليلٍ من خارج يقتضي إخراجَ تلك الحالة.
وهذا غيرُ الذي تقدم من الأمر بإطفاء النار وما تكلمنا فيه.
السادسة والأربعون: قد حملنا قوله ﵇ في هذا الحديث: "أطفئوا المصابيحَ" على حالة النوم بالحديث الآخر، وهو قوله: "إذا رقدتُم"، ويجب أن يُحمَل قولُه: "إذا رقدتم" على إرادة الرقود لا على نفس الرقود، وإطلاق الفعل على إرادة الفعل مجازٌ مشهور في كلام العرب، وقد حَمَلَ الأكثرون عليه قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وخالف الظاهريُّ فيه، وحمله على نفس الفعل، وأن الاستعاذة بعد القراءة (١)، وهذا مستحيل في هذا اللفظ الذي نحن فيه، والله أعلم.
السابعة والأربعون: هذه الأوامر التي أوردت في هذا الحديث لم يحملها الأكثرون على الوجوب، وينبغي على مذهب الظاهرية
стр. 1227
حملُها على ذلك؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، ويجب العمل بالظاهر إلا لمُعَارِض من خارج، فإن أبدى معارضاً يمنع من الظاهر، وإلا فلا عُذرَ له.
وهذا الحكم - أعني: وجوب الحمل على الظاهر إلا لمعارض - ظاهر لا يختص بالظاهري، فإن القياسَ أيضاً يوافق في ذلك، إلا أن الظاهري أولى بالإلزام؛ لأنه لا يتتبَعُّ المعاني ولا يلتفت إلى المفهومات والمناسبات عند دلالة اللفظ، بخلاف القياس.
واتباع المعاني قد يقيم القياس مأخذاً في الخروج عن الظاهر إن صحَّ له ذلك، فعلى كل حالِ له طريق مسدود عن الظاهر.
الثامنة والأربعون: قد ذكر الأصوليون لصيغة الأمر محاملَ متعدِّدةً، وفي هذا الحديث صيغٌ متعددةٌ لأمرٍ، فإذا لم يُقَلْ بالوجوب فيها تعيَّنَ النظرُ في ماذا يُحمَلُ عليه؟
فمنها ما يحمل على الندب، ومنها ما يحمل على الإرشاد، ومنها ما يحمل على الإباحة.
التاسعة والأربعون، والخمسون، والحادية والخمسون: وفيما تحمل فيه الصيغة على الندب - إذا لم يُقَل بالوجوب - الأمرُ بالتسمية في هذه الأحوال؛ أعني: عند إغلاق الأبواب، وإيكاء القِرَب، وتخميرِ الآنية؛ لما في اسم الله تعالى من رجاء البركة، ولما عُرِفَ من الندب إلى ذكر اسم الله تعالى عند الشروع في الأمور.
стр. 1228
الثانية والخمسون: وأما الأمر بكفِّ الصبيان عند المساء، فينبغي أن يكون من باب الإرشاد؛ لأنه يتعلق بالمصالح الدنيوية.
الثالثة والخمسون: وأما الأمر بتخليتهم بعد ساعة من الليل، فمحمول على الإباحة.
الرابعة والخمسون: وأما الأمر بإغلاق الأبواب، فمقتضى التعليل بأنَّ الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، أن يدخل في باب الندب؛ لأن الاحتراز من مخالطةِ الشياطينِ وملابسةِ أماكِنِهم مندوبٌ.
الخامسة والخمسون: وكذلك القول في إيكاء القِرَب سواء؛ لأن التعليل بأن الشياطين لا تَحُلُّ سِقاء، يقتضي أن يكون من باب الندب، والاحتراز من دخول الهوامِّ المؤذية، يقتضي أن يكونَ من باب الإرشاد.
السادسة والخمسون: والأمر بتخمير الآنية كذلك؛ لأنه إن كان لأجل الاحتراز عن الوباء النازل كما في الحديث، كان إرشاداً، وإن كان لأجل صيانة الماء عما يخرجه عن الطهارة والطهورية كان ندباً، وأما بالنسبة إلى الطعام فيكون إرشاداً.
السابعة والخمسون: قد أشرنا إلى وجه الحاجة إلى الترجيح بين الدليل الدال على نجاسة إناءِ المشرك في حديث أبي ثعلبة (١)، والدليل الدال على اعتبار مقدار القلتين (٢)، ويمكن أن يرجَّح حديث
стр. 1229
أبي ثعلبة بأنه أصح؛ لأنه في "الصحيحين"، وليس فيه الاضطراب الذي في حديث القلتين، وبأن دلالة حديث القلتين على نجاسة الماء القليل دلالةُ مفهوم، وبأنه يتوقف الاستدلالُ به على مقدمة أخرى.
الثامنة والخمسون: وذكرنا أيضاً الترجيحَ بين الدليل الدال لمقدار معين على نجاسة إناء المشرك، والدليلِ الدال على أن الماء القليل ينجس باتصال النجاسة به، ومن ذلك الدليل حديثُ القلتين، وقد ذكرنا ما يمكن فيه من الترجيح، ومنه حديث المستيقظ من النوم (١)، وهو حديث صحيح مشهور، لا يتأتَّى فيه الترجيح بزيادة الصحة، ولكن الترجيح فيه من جهة الدلالة، فجهة دلالة حديث أبي ثعلبة: هي الأمر بالغسل قبل الاستعمال، وهو دليل على النجاسة ظاهراً، وجهة الدليل من حديث المستيقظ: هي أنه لو لم يتأثر الماء بالنجاسة لمَا أُمِر بالغسل عند التوهم والاحتمال، وعليه سؤال سيأتي، فيكون محلَّ النظرِ ترجيحُ إحدى الدلالتين على الأخرى.
التاسعة والخمسون: وأما الترجيح بين الدليل الدال على قلة ماء المَزَادة ونقصانِه عن حدِّ الكثرة بعد تسليم التحديد بالقلتين، أو احتمالِ كثرته، فذلك راجعٌ إلى أمر وجوديٍّ ينبني عليه الظنُّ بالنقصان أو عدمِه، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1230
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام
تأليف
الإمام المجتهد ابن دقيق العيد
أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد خلوف العبد الله
[المجلد الثالث]