بيانه فيما نحن فيه: أَمْره ﵇ بإطفاء المصابيح، أو المصباح، والتعليلُ بجر الفويسقة الفتيلة يقتضي التخصيص بما يمكن فيه ذلك، وأنه المراد بالعام، أو يقال: هو [على] عمومه، حتى إذا أُمن جرُّ الفتيلة تناوله الأمرُ بعمومه.
فإن قيل بالأول، جاء ما تقدَّم من زوال الحكم عند زوال العلة، وإن قيل بالثاني بقي الأمرُ متناولاً لحالة الأمن، إلا بدليلٍ من خارج يقتضي إخراجَ تلك الحالة.
وهذا غيرُ الذي تقدم من الأمر بإطفاء النار وما تكلمنا فيه.
السادسة والأربعون: قد حملنا قوله ﵇ في هذا الحديث: "أطفئوا المصابيحَ" على حالة النوم بالحديث الآخر، وهو قوله: "إذا رقدتُم"، ويجب أن يُحمَل قولُه: "إذا رقدتم" على إرادة الرقود لا على نفس الرقود، وإطلاق الفعل على إرادة الفعل مجازٌ مشهور في كلام العرب، وقد حَمَلَ الأكثرون عليه قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وخالف الظاهريُّ فيه، وحمله على نفس الفعل، وأن الاستعاذة بعد القراءة (١)، وهذا مستحيل في هذا اللفظ الذي نحن فيه، والله أعلم.
السابعة والأربعون: هذه الأوامر التي أوردت في هذا الحديث لم يحملها الأكثرون على الوجوب، وينبغي على مذهب الظاهرية
стр. 1227
حملُها على ذلك؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، ويجب العمل بالظاهر إلا لمُعَارِض من خارج، فإن أبدى معارضاً يمنع من الظاهر، وإلا فلا عُذرَ له.
وهذا الحكم - أعني: وجوب الحمل على الظاهر إلا لمعارض - ظاهر لا يختص بالظاهري، فإن القياسَ أيضاً يوافق في ذلك، إلا أن الظاهري أولى بالإلزام؛ لأنه لا يتتبَعُّ المعاني ولا يلتفت إلى المفهومات والمناسبات عند دلالة اللفظ، بخلاف القياس.
واتباع المعاني قد يقيم القياس مأخذاً في الخروج عن الظاهر إن صحَّ له ذلك، فعلى كل حالِ له طريق مسدود عن الظاهر.
الثامنة والأربعون: قد ذكر الأصوليون لصيغة الأمر محاملَ متعدِّدةً، وفي هذا الحديث صيغٌ متعددةٌ لأمرٍ، فإذا لم يُقَلْ بالوجوب فيها تعيَّنَ النظرُ في ماذا يُحمَلُ عليه؟
فمنها ما يحمل على الندب، ومنها ما يحمل على الإرشاد، ومنها ما يحمل على الإباحة.
التاسعة والأربعون، والخمسون، والحادية والخمسون: وفيما تحمل فيه الصيغة على الندب - إذا لم يُقَل بالوجوب - الأمرُ بالتسمية في هذه الأحوال؛ أعني: عند إغلاق الأبواب، وإيكاء القِرَب، وتخميرِ الآنية؛ لما في اسم الله تعالى من رجاء البركة، ولما عُرِفَ من الندب إلى ذكر اسم الله تعالى عند الشروع في الأمور.
стр. 1228
الثانية والخمسون: وأما الأمر بكفِّ الصبيان عند المساء، فينبغي أن يكون من باب الإرشاد؛ لأنه يتعلق بالمصالح الدنيوية.
الثالثة والخمسون: وأما الأمر بتخليتهم بعد ساعة من الليل، فمحمول على الإباحة.
الرابعة والخمسون: وأما الأمر بإغلاق الأبواب، فمقتضى التعليل بأنَّ الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، أن يدخل في باب الندب؛ لأن الاحتراز من مخالطةِ الشياطينِ وملابسةِ أماكِنِهم مندوبٌ.
الخامسة والخمسون: وكذلك القول في إيكاء القِرَب سواء؛ لأن التعليل بأن الشياطين لا تَحُلُّ سِقاء، يقتضي أن يكون من باب الندب، والاحتراز من دخول الهوامِّ المؤذية، يقتضي أن يكونَ من باب الإرشاد.
السادسة والخمسون: والأمر بتخمير الآنية كذلك؛ لأنه إن كان لأجل الاحتراز عن الوباء النازل كما في الحديث، كان إرشاداً، وإن كان لأجل صيانة الماء عما يخرجه عن الطهارة والطهورية كان ندباً، وأما بالنسبة إلى الطعام فيكون إرشاداً.
السابعة والخمسون: قد أشرنا إلى وجه الحاجة إلى الترجيح بين الدليل الدال على نجاسة إناءِ المشرك في حديث أبي ثعلبة (١)، والدليل الدال على اعتبار مقدار القلتين (٢)، ويمكن أن يرجَّح حديث
стр. 1229
أبي ثعلبة بأنه أصح؛ لأنه في "الصحيحين"، وليس فيه الاضطراب الذي في حديث القلتين، وبأن دلالة حديث القلتين على نجاسة الماء القليل دلالةُ مفهوم، وبأنه يتوقف الاستدلالُ به على مقدمة أخرى.
الثامنة والخمسون: وذكرنا أيضاً الترجيحَ بين الدليل الدال لمقدار معين على نجاسة إناء المشرك، والدليلِ الدال على أن الماء القليل ينجس باتصال النجاسة به، ومن ذلك الدليل حديثُ القلتين، وقد ذكرنا ما يمكن فيه من الترجيح، ومنه حديث المستيقظ من النوم (١)، وهو حديث صحيح مشهور، لا يتأتَّى فيه الترجيح بزيادة الصحة، ولكن الترجيح فيه من جهة الدلالة، فجهة دلالة حديث أبي ثعلبة: هي الأمر بالغسل قبل الاستعمال، وهو دليل على النجاسة ظاهراً، وجهة الدليل من حديث المستيقظ: هي أنه لو لم يتأثر الماء بالنجاسة لمَا أُمِر بالغسل عند التوهم والاحتمال، وعليه سؤال سيأتي، فيكون محلَّ النظرِ ترجيحُ إحدى الدلالتين على الأخرى.
التاسعة والخمسون: وأما الترجيح بين الدليل الدال على قلة ماء المَزَادة ونقصانِه عن حدِّ الكثرة بعد تسليم التحديد بالقلتين، أو احتمالِ كثرته، فذلك راجعٌ إلى أمر وجوديٍّ ينبني عليه الظنُّ بالنقصان أو عدمِه، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1230
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام
تأليف
الإمام المجتهد ابن دقيق العيد
أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد خلوف العبد الله
[المجلد الثالث]
стр. 1231
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1232
شَرْحُ الأَلْمَامِ
стр. 1233
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ
المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِنْ إِصْدَارَاتِ
دَارُ النَّوَادِرِ
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
دَارُ النَّوَادِرِ
لصاحبها ومديرها العام
نُورِ الدِّين طَالِب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 1234
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ سهِّلْ ويسِّرْ
بَابُ السّواك
الحديث الأول منه
عن عائشةَ ﵂، عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ" [أخرجه النسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وأخرجه ابن خزيمة بطريق أخرى في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"] (١).
стр. 1235
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: قال ابن الأثير ﵀ في "معرفة الصحابة": عائشة ابنت أبي بكر، الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين، زوج النبي ﷺ ،
стр. 1236
وأشهر نسائه، وأمُّها أم رُومان بنت عامر بن عُويمر بن عبد شمس بن أُذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كِنانة الكنانية.
تزوَّجها رسولُ الله ﷺ قبل الهجرة بسنتين، وهي بِكْر؛ قاله أبو عبيدة، وقيل: بثلاث سنين.
وقال الزُّهري: تزوَّجها رسولُ الله ﷺ بعد خديجة بثلاث سنين، وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين.
وكان عمرها لما تزوجها رسولُ الله ﷺ ست سنين، وقيل: سبع سنين، وبنى بها وهي بنمسا تسع سنين بالمدينة.
وكان جبريل ﵇ قد عَرَضها على رسول الله ﷺ في سَرَقَةِ حرير في المنام لما توفيت خديجة (١)، فكنَّاها رسولُ الله ﷺ بأم
стр. 1237
عبد الله؛ بابن أختها عبد الله بن الزبير (١).
ثم قال: وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصادقة ابنة الصديق البريئة المبرأة (٢). وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض (٣).
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة ﵂ من أفقه [الناس] (٤)، وأحسن الناس رأيًا في العامة (٥).
وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلمَ بفقه، ولا بطب، ولا بشِعر، من عائشة (٦).
ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قضيةُ الإفك لكفى (٧) فضلًا وعلوَّ مَجدٍ، فإنها نزل فيها من القرآن ما يُتْلى إلى يوم القيامة.
стр. 1238
قال: وتوفيت عائشة ﵂ سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ليلةَ الثلاثاء لسبع (١) عشرة ليلة خلت من رمضان، وأَمرت أن تُدفَنَ بالبقيع ليلًا، فدفنت، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، [وعبد الله بن محمد بن أبي بكر] (٢)، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
ولما توفي النبيُّ ﷺ كان عمرها ثمانيَ (٣) عشرةَ سنة (٤).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه: وهو حديثٌ لم يخرجه الشيخان في "الصحيحين" مسندًا، وذكره
стр. 1239
[البخاريُّ] (١) بغير إسناد (٢).
* * *
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: السِّواكُ يطلق ويراد به الفعل الذي هو المصدر، ومنه: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ، مَرْضَاةٌ للرَّبِّ"، "عشرٌ منَ الفِطْرَةِ ... " (٣) فذكر فيها (٤): "السواك"، ويقول الفقهاء: السواك مستحب، السواك ليس بواجب، وغير ذلك مما لا يمكنُ أن يوصفَ به إلا (٥) الفعل.
ويطلق ويراد به الآلة التي يُستاك بها، ومنه حديث أبي داود عن عائشةَ ﵂: كان رسول الله ﷺ يستنُّ (٦)، وعنده رجلان، أحدُهما أكبرُ من الآخر، فأوحى الله [إليه] (٧) في فضل السواك أن كَبِّر كَبِّر؛ أعطِ السواكَ أكبرَهما (٨).
стр. 1240
وحديثُهُ أيضًا عنها: كان رسول الله ﷺ يستاكُ، فيعطيني السواكَ [لأغسلَهُ] (١)، فأبدأُ به فأستاكُ، ثم أغسلُهُ، وأدفعُهُ إليه (٢).
وحديثها: أن النبي ﷺ كان يوضعُ له وضُوءهُ وسواكُهُ، فإذا قام من الليل تخلَّى، ثم استاكَ (٣).
وحديث ابن عباس: بتُّ ليلةً عندَ النبي ﷺ ، فلما استيقظ من منامه أتى طهورَه، فأَخذَ سواكَه فاستاك (٤).
وقول حذيفة ﵁: كان إذا قام من الليل يشوصُ فاهُ بالسواكِ (٥)، يحتمل الوجهين؛ يعني: الفعل والآلة، وتختلف القوة والضعف في الحمل عليهما بحسب اختلاف التأويل، فإذا أُوِّل بالدَّلك، حُمِل على الآلة، وإذا حُمِل على الغسل أو التنقية، احتملَ الفعل والآلة.
الثانية: قال بعضُ المتأخرين: قال أهل اللغة: السِّواك، بكسر
стр. 1241
السين، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود [الذي] يُتسوَّكُ به، وهو مذكر، قال الليث: وتؤنِّثُه العرب أيضًا.
قال الأزهري: هذا من غُدَد الليث (١)؛ أي: من أغاليطه القبيحة.
وذكر صاحب "المحكم": أنه يؤنَّث ويذكَّر (٢).
والسِّواكُ فعلُكَ بالسواك (٣)، ويقال: ساكَ فمَه يسوكه سوكًا، فإن قلتَ: استاك، لم تذكرِ (٤) الفمَ.
وجمع السواك سُوُك، ككِتَاب وكُتُب، وذكر صاحب "المحكم" أنه يجوز أيضًا: سُوُك، بالهمز (٥).
ثم قيل: إن السواك مأخوذ من (ساك) إذا دلك، وقيل: من (جاءتِ الإبلُ تَسَاوك)؛ أي: تتمايل هزالًا.
وهو في اصطلاح العلماء: استعمالُ عود أو نحوه في الأسنان ليُذهِبَ الصُّفرةَ وغيرها عنها (٦)، انتهى (٧).
стр. 1242
قلت: تخصيصُهُ في اصطلاح العلماء باستعمال عود أو نحوه ليسَ على كل المذاهب.
وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": ساك الشيءَ سوكًا: دلكه، وساك فمه، واستاك، مشتقٌّ من ذلك، واسمُ العود السِّواك، يؤنَّث ويذكَّر، والسواك كالمِسْواك، والجمع سُوُك، وأخرجه الشاعر على الأصل فقال [من المتقارب]:
تمنحُهُ سُؤُكُ الإسْحِلِ
قال أبو حنيفة: ربما هُمِزَ [فقيل] (١): سؤك، قال: وأنشد الخليل لعبد الرحمن بن حسان [من المتقارب]:
أغرُّ الثَّنايا أحمُّ اللِّثا ... تِ (٢) تمنحُهُ سُؤُكُ الإسْحِلِ
[بالهمز] (٣)، وهذا لا يلزم همزُهُ.
والسواك، والتساوك: السير الضعيف، وقيل: رداءة المشي من إبطاء أو عجف [قال] (٤) [من الطويل]:
إلى اللهِ أشكُو مَا أرَى منْ جِيَادِنا ... تساوَكُ هُزلًا مُخُّهُنَّ قليلُ (٥)
стр. 1243
وجاءت الغنم ما تساوَكُ؛ أي: ما تحرِّكُ رؤوسَها من الهُزْل (١).
الثالثة: مَطْهَرَةٌ: مأخوذٌ من الطهارة بالمعنى اللغوي الذي هو التنزُّه والتنقي من الأدناس.
قال الجوهري: والمَطْهَرة والمِطْهَرة: الإداوة، والفتح أعلى، والجمع: المطاهر، ويقال: "السِّواكُ مَطهرَةٌ للفمِ" (٢).
الرابعة: الفَمُ: مفتوح الفاء مخفف الميم، هو اللغة الكُثْرَى الفُصحى، وقد حُكي في الفاء الضم والكسر، وحُكي في الميم التشديد. قال ابن سيده: فأما ما حكى فيها أبو زيد وغيرُه من كسرِ الفاء وضمِّها، فضربٌ من التغيير لَحِقَ (٣) الكلمة؛ لإعلالها بحذف لامها وإبدال عينها.
قلت: سيأتي بيان هذا الحذف والإبدال في الكلام على ما يتعلق بالعربية.
[قال] (٤): وأما قول الآخر [من الرجز]:
يا ليتَهَا قدْ خرجَتْ من فُمِّهِ
حتَّى يعودَ الملكُ في أُسْطُمِّهِ (٥)
стр. 1244
[و] (١) يروى بضم الفاء من (فمه) وفتحها.
فالقول في تشديد الميم عندي: أنه ليس بلغة في هذه الكلمة، ألا ترى أنك لا تجد لهذه المشددة الميم تصرفًا؟! إنما التصرفُ كلُّه على (فوه)؛ من ذلك قول الله : ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، [و] (٢) قال الشاعر [من الوافر]:
فلا لَغوٌ ولا تَأثيمَ فِيها ... وما فاهُوا بهِ أبدًا مُقيمُ (٣)
وقالوا: رجل مُفوَّه: إذا أجاد القول، ومنه الأَفْوَهُ: الواسع الفم.
ولم نسمعهم [قالوا] (٤): أَفْمام، ولا تَفَمَّمتُ، ولا رجل أَفمُّ، ولا شيئًا من هذا النحو لم يذكروه، فدلَّ اجتماعُهم (٥) على تصرف الكلمة بالفاء والواو والهاء على أن التشديد في (فم) لا أصلَ له في
стр. 1245
نفس المثال، إنما هو عارِضٌ لَحِقَ الكلمة.
فإن قال قائل: فإذا ثبت بما ذكرته أن التشديد في فم [عارض] (١) ليس من نفس الكلمة، فمن أين أتى هذا التشديد، وكيف وجه دخوله إياها؟
فالجواب: أن أصل ذلك أنهم ثقَّلوا الميم في الوقف، فقالوا: فمّ؛ كما يقولون: هذا خالدّ، وهو يجعل في أنهم أَجْروا الوصل مجرى الوقف، فقالوا: هذا فمٌّ، ورأيت فمًّا؛ كما أجروا الوصل مجرى الوقف فيما حكاه سيبويه عنهم من قولهم [من الرجز]:
ضَخْمٌ يُحبُّ الخُلُقَ الأضْخَمَّا (٢)
وقولهم:
ببازلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلِّ (٣)
كأنَ مَهواهَا على الكَلْكَلِّ (٤)
стр. 1246
يريد: العيهل والكلكل.
قال ابن جِنِّي: فهذا حكم تشديد الميم عندي، وهو أقوى من أن تجعلَ الكلمةُ من ذوات التضعيف بمنزلة (همٍّ) و (حمٍّ).
[قال] (١): فإن قلت: فإذا كان أصل (فم) عندك (فوه)، فما تقول في قول الفرزدق [من الطويل]:
هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ من فَمَويهِما ... على النَّابِحِ العَاوي أشَدُّ رِجَامِ (٢)
وإذا كانت الميم بدلًا من الواو التي هي عين الكلمة، فكيف جاز له الجمع بينهما؟!
فالجواب: أن أبا عليٍّ حكى لنا، عن أبي بكر وأبي إسحاق: أنهما ذهبا إلى أن الشاعر جمع بين العِوَض والمُعَوَّض منه؛ لأن الكلمة مجهورة منقوصة.
وأجاز أبو علي فيها وجهًا آخر؛ وهو: أن تكون الواو في (فمويهما) لامًا في موضع الهاء (٣) من أفواه، وتكون الكلمة تعقبت عليها (٤) لامان، هاء أُخرةٌ (٥) وواو أخرى، فجرى هذا مجرى (سَنَة) و (عِضَة)، ألا ترى أنهما في قول سيبويه: سَنَوات، وأسنُّوا (٦)،
стр. 1247
ومسانات، وعِضَوات، واوان، وتحذف الواحدة (١) في قول من قال: ليست بسنهاءَ، وبعير عاضِهٌ، هاءين.
وإذا ثبت بما قدمناه أن عين (فم) في الأصل واو، فينبغي أن يقضى بسكونها؛ لأن السكونَ هو الأصلُ تقوم الدلالة على الحركة الزائدة.
فإن قلت: فهلا قضيتَ بحركة العين لجمعك إياه على أفواه، ألا ترى أن أفعالًا إنما هو في الأمر العام جمع فَعَل؛ نحو: بَطَل وأبطال، وقدم وأقدام، ورَسَن وأَرْسَان.
والجواب: أن فَعْلًا مما عينه واو، بابُهُ أيضًا أفعال، وذلك سوط وأسواط، وحوض وأحواض، وطوق وأطواق فـ (فوه) - لأن عينَه واوٌ - أشبهُ بهذا منه بـ (قدم) و (رسن) (٢).
الخامسة: قال ابن سيده في "المحكم": الفاه، والفُوه، والفِيه، والفم، سواء، والجمع: أفواه.
ثم قال: أما كونه جمعَ فُوه فبيِّنٌ.
وأما كونه جمع فاه؛ فلأن الاشتقاق يُؤْذِن أن فاهًا من الواو؛ لقولهم: مفوَّه.
وأما كونه جمع فم؛ فلأن أصل فم (فوه)، فحذفت الهاء؛ كما حذفت من (سنة) فيمن قال: عاملته مسانهة، وكما حذفت من سنة،
стр. 1248
ومن شفة، ومن عضة، ومن است، وبقيت الواو طرفًا متحركة، فوجب إبدالها ألفًا لانفتاح ما قبلها، فبقي (فًا)، ولا يكون الاسم على حرفين أحدهما التنوين، فأبدل مكانها حرف حدر مشاكل لها، وهو الميم؛ لأنهما شفهيتان، وفي الميم هوي في الفم يضارع امتداد الواو، وأما ما حكي من قولهم: أَفْمامٌ، فليس بجمع فم، إنما هو من باب ملامح ومحاسن.
ويدل على أن (فًا) مفتوح الفاء، وجودك إياها مفتوحة في هذا اللفظ، وأما ما حكى فيها أبو زيد وغيره ... وذكر ما قدمناه (١).
وذكر بعض الفضلاء في (فم): أن وزنه على مذهب سيبويه (فع)، والأصل فيه فَوْه على وزن سَوْط، فحُذِفت فيه الهاءُ التي هي لامُ الكلمة تخفيفًا؛ كما حُذِفت لامُ الكلمة في يد، ودم، وغدٍ، ونحوها، فبقي (فو) مثل (فع)، فلم يَرَوْا إيقاع الإعراب على الواو؛ لئلا تثقل الكلمة، ولم يَرَوْا حذفها؛ لئلا يبقى الاسم على حرف واحد، فيجحفوا به، فأبدلوا من الواو ميمًا؛ ليقع عليها الإعراب، فإذا تقدر (٢) هذا، فالميم بدل من الواو التي هي عين الكلمة؛ هذا رأي سيبويه، وإنما أبدلوا من الواو الميم؛ لأنهما (٣) من حروف الشفة، والحرفان إذا تقاربا جاز الإبدال.
стр. 1249
وأما الأخفش: فوزنه عنده (فُل)؛ لأن الميم عنده بدل من الهاء التي هي لام الكلمة، والأصل فيه أيضًا عنده فَوْه مثل سَوْط، ثم قلب، فقدمت لام الكلمة التي هي الهاء على عينها التي هي الواو، فبقي (فَهْو) على وزن (فَلْع)، ثم حذفت منه الواو التي هي عين الكلمة، فبقي (فَهْ)، ثم أبدلت الميم من الهاء فبقي (فم)، ومما يؤيد مذهب الأخفش أن مذهب من يقول في تثنيته: فموان، وعلى هذا قول الفرزدق [من الطويل]:
هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ من فَمَويهِما ... على النَّابِحِ العَاوي أشَدُّ رِجَامِ
وأن الشاعر لما اضطر إلى ردِّ الذاهب ردَّ الواو في نحو قوله [من الرجز]:
لا تَقْلُوَاها وادْلُوَاها دَلوا
إنَّ معَ اليومِ أخَاهُ غَدْوا (١)
وكما قال سيبويه [من الطويل]:
وما النّاسُ إِلَّا كالدِّيارِ وأَهلها ... بها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْوًا بَلاقِعُ (٢)
فردَّ الواو في (غدو)، فعلمنا أن الذاهب من (غد) واو (٣).
стр. 1250
وكذلك الفرزدق لما ردَّ الواو في (فمويهما) علمنا أن الذي ذهب من (فم) (١) هو الواو، وأن الذي بقي، وهو الميم، إنما هو عوض من الهاء، ولو كان الذاهب هو الهاء؛ كما رأى سيبويه، لقيل في التثنية: فمهان؛ لأن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها؛ كما تقول في دم (٢): دموان، ودميان.
واعلم أن من قال في بيت الفرزدق: إنه جمعٌ بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فععيهما)؛ لأنه قد اجتمع فيه عينان، إحداهما (٣) أصلية، وهي الواو، وبدل من الأصلية، وهي الميم؛ هذا رأي سيبويه ومن تابعه.
ومن رأى في بيت الفرزدق أنه لم يجمع بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فلعيهما)؛ لأن الميم عنده بدل [من] (٤) الهاء، والهاء لام الكلمة بالإجماع؛ هذا رأي أبي الحسن الأخفش ومن تابعه.
فإذا تقرَّر هذا الذي ذكرناه، فاعلم أن النحويين اختلفوا في وزن الكلمة بعد الإبدال، فمنهم من يُنزلُ البدلَ منزلَ (٥) المبدل منه، فيصير
стр. 1251
البدل أصلًا، ومنهم من لا ينزل البدل منزل (١) المبدل منه، بل يزنه بالزائد، والذي ذكرناه في وزن هذه الكلمة، مفردها ومثناها، هو تفريعٌ على الوجه الأول.
وأما إذا فرَّعنا على الوجه الثاني، فوزن (فم): (فم)، ووزن (فمويهما) على رأي من يرى أنه يجمع (٢) بين العوض والمعوض: (فَمَعَيْهما)، ويكون وزنه على رأي من يرى أنه لا يجمع بين العوض والمعوض:
(فَمَعَيْهما) أيضًا مثل الأول، فيستوي المذهبان هاهنا في وزنه على لفظه (٣).
وأما لغاتُهُ فذكر الصّقِلِّي في كتاب "تثقيف اللسان": أنه يقال فيه: فَمٌ بفتح الفاء، وضمها، وكسرها، وقد جاء في بعض اللغات مشددًا، أنشد ابن السِّكِّيت (٤):
يا ليتَهَا [قدْ] (٥) خرجَتْ من فُمِّهِ (٦)
السادسة: لما حملنا السواك على الفعل، والطهارة على النظافة، كانت (مَطهرة) مصدرًا؛ أي: السواك الذي هو الفعل طهارة للفم،
стр. 1252
ويجوز أن يكون محلًا على بُعدٍ؛ بأن يُجعلَ مجازًا لحصول الطهارة به.
السابعة: قال ابن سِيْدَه في "المحكم": الرضا: ضد السخط، وتثنيته رِضَوَان ورِضَيَان، الأولى على الأصل، والأخرى على المعاقبة، وكان هذا إنما ثُنيِّ على إرادة الجنس، رضي رِضًا ورُضْوانًا؛ الأخيرة عن سيبويه، ونظَّره بشُكْرَان، ورُجْحان، ومرضاة، فهو راضٍ من قوم رُضاة، ورضيٌّ من قوم أرضياء [و] (١) رُضاة، الأخيرة عن اللّحياني، وهي نادرة؛ أعني: تكسير (٢) رضي (٣) على رُضاة، وعندي أنه جمع راضٍ لا غير، ورَضٍ من قوم رَضِين عن اللحياني (٤).
قلت: نجعل مرضاة من مصادر رضي (٥).
الثامنة: أما مَرضاة: فإن كانت مصدرًا فلا بدَّ من حذفِ مضاف بعد حمل السواك على الفعل قطعًا، إذ نفس السواك ليس نفسَ الرضا، وإن كانت محلًا ففيه مجاز من وجهين:
أحدهما: استعارة المعنى الحقيقي للمعنى اللغوي.
стр. 1253
والثاني: استعارة الحلول للتعليق (١) النسبي بين الرضا وبين السواك.
التاسعة: قال الراغب: الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو (٢) إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدِّ التمام، يقال: ربَّه، وربَّاه، وربَّبَه (٣)، وقيل: لأن يَرُبَّنِي (٤) رجل من قريش، أحبُّ إلي من أن يربَّني رجلٌ من هوازن (٥).
فالرب مصدر مستعارٌ للفاعل، ولا يقال: (الربُّ) مطلقًا إلا لله (٦) تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات؛ نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، وعلى هذا قال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠]؛ أي: آلهة.
وبالإضافة يقال له ولغيره؛ نحو: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، ويقال: ربُّ الدار، ورب الفرس، لصاحبها (٧)، وعلى ذلك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
стр. 1254
فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فقيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربَّاه، [و] (١) الأولُ أليقُ بقوله.
ثم قال: والرُّبُوبيةُ مصدرٌ، يقال في الله تعالى، والرِّبَابَةُ تُقال في غيره.
وجمع الرُّبُّ: أَرباب، قال الله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، ولم يكن من حقِّ (الربِّ) أن يُجمعَ إذا (٢) كان إطلاقه (٣) لا يتناول إلا الله تعالى، لكنْ أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه الشيءُ (٤) في نفسه.
و (الربُّ) لا يقال في التعارف إلا في الله تعالى، وجمعه: أرِبَّة ورُبُوبٌ، قال الشاعر [من البسيط]:
كانتْ أرِبَّتَهُم بَهْزٌ وغَرَّهُمُ ... عَقْدُ الجِوارِ وكانوا مَعْشَرًا غُدُرا (٥)
وقال [من الطويل]:
стр. 1255
وكنتَ امرأً أفضتْ إليكَ رِبابَتي ... وقبلَكَ رَبَّتني، فضِعْتُ، رُبوبُ (١)
ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَة، ولِمَا [يُجمع] فيه من القدح: رِبابه.
واختصَّ الرَّابُّ والرَّابةُ بأحد الزوجين إذا تولى تربية الولد من زوج كان قبله، والرَّبيبُ والرَّبيبةُ بذلك الولد (٢)، قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣].
وربَّبْتُ الأديمَ بالسَّمْن، والدواء بالعسل، وسِقاءٌ مَرْبوب، قال الشاعر [من] الطويل":
وكُونِي لهمْ كالسَّمنِ رُبَّتْ له (٣) الأَدَمْ (٤)
والرَّباب: السَّحاب، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يَرُبُّ النبات، وبهذا النظر سُمِّي المطرُ دَرًّا (٥).
стр. 1256
* الوجه الرابع: في شيء من العربية سوى ما تقدم مما استطرده الكلام، وفيه مسائل:
[الأولى] (١): مَفْعَلَةٌ تكون مصدرًا للزمان، وقد يقع منها ما يحتمل المصدرَ وغيرَه.
وذكر اللحياني من ذلك أمثلة، قال: ويقال شراب مَبْوَلة، وطعام مَشربة [ومَتْخَمة.
وطعام مشربة] (٢): إذا كان يُشرب عليه الماء.
وحُكي عن أبي جعفر الرواسي أنه قال: يقال: مَلْبَنَةٌ؛ إذا كان يكثر عليها اللبن ويغزر (٣).
ويقال: إن تَتَّجِرْ فإنه مَوْرَقَةٌ لمالك؛ أي: مَكْثَرة للوَرِق.
ويقال: البطنة مَوْسَنة، والنوم (٤) مَوْرَمَة، وأكل الرطب مَوْرَدَة؛ أي: مَحَمَّة من الحُمَّى (٥)، [وهي الورد] (٦).
стр. 1257
ويقال: اتخذ لهذا (١) الطائر مَوْقَعةً؛ أي: فتوقعه (٢)، والأصمعيُّ لا يعرف الفتح.
ويقال: الولدُ مَبخلةٌ مَجبنة مَسفهة.
* * *
* الوجه الخامس: في شيء من المعاني، وفيه مسائل:
الأولى: لما وجب حملُ الطهارة على المعنى اللغوي، وهو النظافة، وذلك أمر محسوس، وجب أن تُطلبَ الفائدة في الإخبار عنه، فتحتملُ وجوهًا:
أحدها: أن النظافة لمَّا كانت صفةً مطلوبة عند النفوس الشريفة، والطباع الكريمة، كان ذكرُ كونه نظافة منبِّهًا للنفس على جهة تَبعثُها على الفعل طبعًا.
وثانيها: أن النظافةَ وحسنَ الهيئة لما كانت مطلوبةً شرعًا؛ كما هي مطلوبة طبعًا؛ "بُني الدينُ على النظافةِ" (٣)، "عشر من الفطرةِ ... " (٤)،
стр. 1258
"إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ" (١)، إلى غير ذلك من الأمر بتجنبِ النجاسات، وتبرئة الأماكن الشريفة عن المُستَقْذَرات، كان ذكر ذلك تنبيها على الطلب الشرعي؛ كما ذكرنا في الأول التنبيهَ على الطبعي.
وثالثها: أن يكون هذا من جنس ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]: إن الحفدةَ الخَدَمَةُ، وهم البنون بعينهم؛ أي: ليسوا بنين فقط، بل بنين وحفدة معًا، فالمقصود الإخبار عن المجموع، فكذلك نقول هاهنا: المقصود الإخبار عن الوصف بالأمرين معًا؛ أي: ليس مطهرة للفم فقط كما تعلمون ذلك حسًّا، بل هو مع ذلك مرضاة للرب.
ورابعًا: أن تكونَ الفائدةُ [في] (٢) قِرانِ كونه مرضاة للرب بكونه مطهرة للفم حِسًّا، وما هو متعلقُ الحس فهو معلوم التحقق ضرورة، فكذلك كونه مرضاة للرب في التحقق، وهذا ينشأ من القِران، وإذا كان قوم من الفقهاء جعلوا القِران في الذكر دليلًا على الاستواء في الحكم، فما ظنك بهذا الذي نحن فيه؟
وهذا عندي مما يمكن في قوله ﵇: "للصَّائمِ فَرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِه، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ" (٣)، فذكروا تأويلات؛
стр. 1259
لاستبعادهم التنبيه على فرحة الإفطار؛ لحقارتها عندهم، حتى قال بعضهم: إن فرحته عند فطره بإتمام عبادته، لا بما تناله شهوتُه من الطعام.
فأقول (١): المرادُ ظاهرُه، وهي الفرحة بنيل الطبيعةِ الطعامَ؛ لإثبات فرحته عند ربه وتحقيقها عند لقائه [في النفس؛ كما في الفرحة بالأمر الطبيعي] (٢)، وهذه ثابتة حِسًّا وطبعًا محققة عند النفس.
الثانية: في قاعدة تنبني عليها غيرُها، يجب أن يُعلمَ الفرقُ بين دلالة اللفظ على المعنى وبين احتماله له؛ [فاحتمالُهُ له] (٣): أن يكون بحيث إذا عرض [المعنى] (٤) على اللفظ لم يَأبَهُ ولم يُنافِرْهُ.
ودلالتُهُ عليه: بأن يتناولَه بأحد الدلالات [الثلاث] (٥)؛ فالمطلق بالنسبة إلى المقيد محتملٌ غير دالٍّ، والعامُّ بالنسبة إلى أفراده دالٌّ.
الثالثة: أهل (٦) البيان [يقولون] (٧): إن التنكير قد يكون للتعظيم، وقد يكون ذلك في مواضعَ لا تحصى من كلام الزمخشري (٨)، قيل:
стр. 1260
ولما في الإبهام من التفخيم حذفوا صلة الموصول بعد قولهم (١): بعد اللتيا واللتي؛ أي: بعد القضية التي لا يبلغ الخبرُ مداها، ولا يحصر الخبر جلاها، وهذا عندي من قبيل المحتمل، لا من قبيل الدال، فيحتاج إلى أمرٍ من خارج وقرائنَ تقتضي الحملَ عليه، وأما عند التجرد من القرائن فليس إلا الاحتمال.
ويُعَدُّ من القرائن في هذا الباب ورودُ النكرة في مقام الوعد والوعيد، والمدح والذم؛ لمناسبة هذه المقامات للتعظيم والتفخيم، وقد يقع ما هو أقوى في الدلالة على هذا كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] أي: - والله أعلم - شفاءٌ وأيُّ شفاء؟! لأن الكلامَ في معرِض المدحِ، وحصول مسمَّى الشفاءِ حاصل في أكثر الموجودات، فإن حملناه على أصل المنفعة ففي كل الموجودات منفعة.
وقد يمكن (٢) تجريدُ (٣) التنكير عن معنى [التعظيم] (٤) بأن توجدَ دلالة اللفظ على مجرَّدِ المسمَّى، وعندي أنه يمكن أن يُحمل [على] (٥) هذا قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أعني: أن التنكير في الحياة يُحمل على مُجرَّد المسمَّى، لا على معنى
стр. 1261
التعظيم؛ لأنه ليس كل أحد يحرص على مسمَّى (١) الحياة، حتى الحياة المنغصة بالآلامِ، والذل، والهوان، وفقدِ الأحباب، والبلايا التي يتمنَّى لها كثيرٌ من الناس الموت، وكذلك الحياةُ القصيرةُ المدَّةِ قد لا يرغبُ فيها كل الناس لقلة الفائدة، وقد لمَحَ هذا المعنى مَن قصدَ التزهُّد في طول الحياة بقوله [من الخفيف]:
إن عُمرًا (٢) يكونُ آخرُهُ المو ... تُ سواءٌ كثيرُهُ والقليلُ (٣)
وقال الله العظيم في كتابه المجيد (٤): ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] تزهيدًا (٥) في الحرص على التمتيع (٦) الذي يُفضي آخرُه إلى العذاب.
فعلى هذا: إذا كانوا (٧) أحرص الناس على ما ينطلق عليه مسمى
стр. 1262
الحياة، كان أبلغ (١) في ذمهم، بخلاف ما إذا حُمِل على معنى التنكير، أو بعض الصفات الخاصة.
فإن قلت: فإذا كان عندك أن دلالةَ التنكير على التعظيم من باب الاحتمال، لا من باب الدلالة، ويحتاج الحمل فيه إلى قرينة دالة، لَزِمَك أن تنكر (٢) المزايا التي يذكرها أهلُ البيان في كثير من الكلام الذي لا تدل القرينة على الحمل على التعظيم فيه، وقد استعملوا منه كثيرًا.
قلت: إن ألزمْتني إنكارَ خصوص الدلالة على التعظيم عند عدم القرينة، فكذلك أقول، وإن ألزمتني إنكارَ أصلِ المزيَّة وسلبَ مطلقِ الحسن، فلا يلزمني ذلك؛ لأن العدولَ عما لا يحتمل [المحاسنَ إلى ما يحتملُ المحاسنَ] (٣) من المحاسن، ثم [إن] (٤) القرائن قد تخفى عن بعض الناس، وتظهر لبعضهم، وقد تقوى في نفس بعض الناس، وتضعف في نفس بعض، فيرِدُ كثيرٌ مما ذكروه لتنبيه الأنفس على معنى قد يخفى على الناظر، فإذا انتبهت النفسُ لذلك، حصل النظرُ في رتبتها.
فإن قلت: فما الذي جلب لكل هذا الكلام، وما وجهُ تعلقه بهذا الحديث؟
стр. 1263
قلت: جَلَبَهُ التنكير في قوله ﵇: "مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ".
فإن قلت: فهل يتعلق بالنظر في ذلك فائدة حكمية أو شرعية؟
قلت: نعم، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - في وجه المباحث والفوائد (١).
* * *
* الوجه السادس: في المباحث والفوائد (٢)، وفيه مسائل:
الأولى: اختلف المتكلمون في الرِّضا؛ هل هو بمعنى الإرادة أو أخصُّ منها؟ (٣)
стр. 1264
فإذا قلنا: إنه أخصُّ، فكلُّ مرضيٍّ مرادٌ، وليس كلُّ مرادٍ مرضيًّا، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] على مذهب الأشعرية في إرادة جميع الكائنات؛ لأنه إذا كان أخصَّ لم يلزم من نفيه نفيُ الأعم، ويكون الرضا يعطي معنى القَبول والثواب وما أشبهه، ولا يقتضي ذلك الإرادة.
ومن يقول: إن الرضا بمعنى الإرادة، يحتاج أن يؤؤَّل الآية، فيقول: لا يريده مأمورًا به، أو مثابًا عليه، أو ما يشبه هذا.
الثانية: قد يستدل به من يقول: إنَّ الرضا أخصُّ؛ لأنه لو كان بمعنى الإرادة لم يكن لتخصيص السواك بكونه مرادًا دون غيره من الواقعات فائدة، والسياق لمعنى الترغيب فيه، ولا يناسبه (١) إلا معنى الثواب والقَبول وشبههما.
الثالثة: هو دال على كون السواك أمرًا مطلوبًا؛ ليكون أعمَّ من طلبه واجبًا أو ندبًا، فلا يكون فيه دلالة على أحد الوجهين بعينه؛ لأن الدال على القدر المشترك لا يدل على أحد الخاصَّين بعينه.
الرابعة: من يقول: إن (٢) الرضا أخصُّ من الإرادة، فالدلالة على ذلك من الحديث ظاهرةٌ، ومن يقول: إنه بمعنى الإرادة، يُقدِّر فيه مُضْمَرًا بأن يقول مثلًا: مرادًا للرب مثابًا عليه [ومقبولًا] (٣)، أو
стр. 1265
ما قارب ذلك؛ ليكون له في تخصيص السواك بذلك فائدة الترغيب في السواك.
الخامسة: المشهور من المذاهب أن السواكَ ليس بواجب في حال من الأحوال؛ لا في الصلاة، ولا في غيرها.
وذكر غيرُ واحد عن داود: أنه واجب؛ ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والماورديّ الشافعيان، والقاضي عبد الوهاب المالكي.
وذكر الماورديّ عن داود: أنه عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته.
وحُكي عن إسحاق (١) بن راهويه: أنه قال: هو واجب، إن تركه عمدًا بطلت صلاته (٢).
وقد نُقل عدم الوجوب عن داود، وأن مذهبه: أنه سنة كقول الجماعة، والذي يقرب هذا الإنكار أن أبا الحسن بن المُغَلِّس ذكر في "ديوانه" الذي صنفه على مسائل كتاب المزني (٣).
قال الشيخ أبو زكريا النووي: ولو صحَّ إيجابه عن داودَ لم تضرَّ