← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

التعظيم؛ لأنه ليس كل أحد يحرص على مسمَّى (١) الحياة، حتى الحياة المنغصة بالآلامِ، والذل، والهوان، وفقدِ الأحباب، والبلايا التي يتمنَّى لها كثيرٌ من الناس الموت، وكذلك الحياةُ القصيرةُ المدَّةِ قد لا يرغبُ فيها كل الناس لقلة الفائدة، وقد لمَحَ هذا المعنى مَن قصدَ التزهُّد في طول الحياة بقوله [من الخفيف]: إن عُمرًا (٢) يكونُ آخرُهُ المو ... تُ سواءٌ كثيرُهُ والقليلُ (٣) وقال الله العظيم في كتابه المجيد (٤): ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧] تزهيدًا (٥) في الحرص على التمتيع (٦) الذي يُفضي آخرُه إلى العذاب. فعلى هذا: إذا كانوا (٧) أحرص الناس على ما ينطلق عليه مسمى

стр. 1262

الحياة، كان أبلغ (١) في ذمهم، بخلاف ما إذا حُمِل على معنى التنكير، أو بعض الصفات الخاصة. فإن قلت: فإذا كان عندك أن دلالةَ التنكير على التعظيم من باب الاحتمال، لا من باب الدلالة، ويحتاج الحمل فيه إلى قرينة دالة، لَزِمَك أن تنكر (٢) المزايا التي يذكرها أهلُ البيان في كثير من الكلام الذي لا تدل القرينة على الحمل على التعظيم فيه، وقد استعملوا منه كثيرًا. قلت: إن ألزمْتني إنكارَ خصوص الدلالة على التعظيم عند عدم القرينة، فكذلك أقول، وإن ألزمتني إنكارَ أصلِ المزيَّة وسلبَ مطلقِ الحسن، فلا يلزمني ذلك؛ لأن العدولَ عما لا يحتمل [المحاسنَ إلى ما يحتملُ المحاسنَ] (٣) من المحاسن، ثم [إن] (٤) القرائن قد تخفى عن بعض الناس، وتظهر لبعضهم، وقد تقوى في نفس بعض الناس، وتضعف في نفس بعض، فيرِدُ كثيرٌ مما ذكروه لتنبيه الأنفس على معنى قد يخفى على الناظر، فإذا انتبهت النفسُ لذلك، حصل النظرُ في رتبتها. فإن قلت: فما الذي جلب لكل هذا الكلام، وما وجهُ تعلقه بهذا الحديث؟

стр. 1263

قلت: جَلَبَهُ التنكير في قوله ﵇: "مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ". فإن قلت: فهل يتعلق بالنظر في ذلك فائدة حكمية أو شرعية؟ قلت: نعم، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - في وجه المباحث والفوائد (١). * * * * الوجه السادس: في المباحث والفوائد (٢)، وفيه مسائل: الأولى: اختلف المتكلمون في الرِّضا؛ هل هو بمعنى الإرادة أو أخصُّ منها؟ (٣)

стр. 1264

فإذا قلنا: إنه أخصُّ، فكلُّ مرضيٍّ مرادٌ، وليس كلُّ مرادٍ مرضيًّا، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] على مذهب الأشعرية في إرادة جميع الكائنات؛ لأنه إذا كان أخصَّ لم يلزم من نفيه نفيُ الأعم، ويكون الرضا يعطي معنى القَبول والثواب وما أشبهه، ولا يقتضي ذلك الإرادة. ومن يقول: إن الرضا بمعنى الإرادة، يحتاج أن يؤؤَّل الآية، فيقول: لا يريده مأمورًا به، أو مثابًا عليه، أو ما يشبه هذا. الثانية: قد يستدل به من يقول: إنَّ الرضا أخصُّ؛ لأنه لو كان بمعنى الإرادة لم يكن لتخصيص السواك بكونه مرادًا دون غيره من الواقعات فائدة، والسياق لمعنى الترغيب فيه، ولا يناسبه (١) إلا معنى الثواب والقَبول وشبههما. الثالثة: هو دال على كون السواك أمرًا مطلوبًا؛ ليكون أعمَّ من طلبه واجبًا أو ندبًا، فلا يكون فيه دلالة على أحد الوجهين بعينه؛ لأن الدال على القدر المشترك لا يدل على أحد الخاصَّين بعينه. الرابعة: من يقول: إن (٢) الرضا أخصُّ من الإرادة، فالدلالة على ذلك من الحديث ظاهرةٌ، ومن يقول: إنه بمعنى الإرادة، يُقدِّر فيه مُضْمَرًا بأن يقول مثلًا: مرادًا للرب مثابًا عليه [ومقبولًا] (٣)، أو

стр. 1265

ما قارب ذلك؛ ليكون له في تخصيص السواك بذلك فائدة الترغيب في السواك. الخامسة: المشهور من المذاهب أن السواكَ ليس بواجب في حال من الأحوال؛ لا في الصلاة، ولا في غيرها. وذكر غيرُ واحد عن داود: أنه واجب؛ ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والماورديّ الشافعيان، والقاضي عبد الوهاب المالكي. وذكر الماورديّ عن داود: أنه عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته. وحُكي عن إسحاق (١) بن راهويه: أنه قال: هو واجب، إن تركه عمدًا بطلت صلاته (٢). وقد نُقل عدم الوجوب عن داود، وأن مذهبه: أنه سنة كقول الجماعة، والذي يقرب هذا الإنكار أن أبا الحسن بن المُغَلِّس ذكر في "ديوانه" الذي صنفه على مسائل كتاب المزني (٣). قال الشيخ أبو زكريا النووي: ولو صحَّ إيجابه عن داودَ لم تضرَّ

стр. 1266

مخالفتُهُ في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون [و] (١) الأكثرون (٢). قلت: إن أراد بذلك أنَّ مخالفةَ الواحد لا تقدحُ (٣) في الإجماع، فليس هذا هو المختار في الأصول؛ لا نقلًا ولا دليلًا، وإن أراد - وهو الأقرب - أن يكون مراده: أن داود لا يُعتبر خلافه، فهذا قول قاله بعض الاكابر في الظاهرية، وأنهم لا يعتبرون في الإجماع. والذي أراه أنَّ تلك الشناعاتِ والقبائحَ غيرُ معتدًّ بها، وليس يلزم من عدمِ الاعتداد بالقول المخصوص عدمُ الاعتداد بالقائل مطلقًا، وليس يخلو مذهب من المذاهب عن بعض ما يشنع به مخالفوه على أهله. وقد ذكر الشافعية أحكامًا قالوا: إنه ينقض فيها حكم الحنفي (٤)؛ إما وفاقًا، أو خلافًا، وذكر غيرهم نقضَ بعض أحكامهم، مع الاتفاق بينَهم على أن القائلين بتلك الأحكام من المجتهدين غيرُ مسلوبين أهليةَ الاجتهاد. وأما إسحاق فلم يصحَّ (٥) هذا المحكي عنه، والله أعلم.

стр. 1267

السادسة: في مقدمة: مراتب الاستحباب متفاوتة في التأكيد بين قوة، وتوسط، ودون ذلك، ولبعض الفقهاء اصطلاحٌ في تلقيب بعض [تلك] (١) المراتب بألقاب تبين فيها رتبها: فالمالكية: يُفرِّقون بين السنة، والفضيلة، والمستحبِّ؛ فالسنةُ لقب للمتأكد، والفضيلةُ والمستحب لما دونه. وذكر بعض المتأخرين منهم (٢) ضابطًا في ذلك فقال: ما واظب عليه الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - مُظهرًا له في جماعة، فهو سنة. وما واظب عليه غيرَ مظهر [له في جماعة] (٣)، ففيه خلاف (٤). وهذا إن كان مُجرَّد اصطلاح، فالأمر قريب؛ لأن من قال: لا أسمي سنة إلا ما كان كذا، فقد أخبر عن اصطلاحه وإرادته،

стр. 1268

فلا يُنازَعُ، وإن كان راجعًا إلى أمر يرجِعُ إلى الشرع، فالتأكد لا يختص بما حصلت المواظبة عليه مع الإظهار، فإن دلائل التأكد أعمُّ من ذلك، نعم، هذا من جملة دلائل التأكد، أما أنه محصور فيه، فلا (١). السابعة: ذكر بعضُ مصنِّفي الحنابلة: أنه اتفق أهل العلم (٢) على: أنَّهُ - يعني: [أن] (٣) السواك - سنةٌ مؤكدة؛ لحثِّ النبي ﷺ ومواظبته عليه، وترغيبه (٤) فيه، وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة؛ كما أوردنا من الحديث (٥). وذكر غيره ذلك من الحديث. والمالكيةُ يذكره (٦) بعضُ مصنفيهم من فضائل الوضوء، ولم يعدُّوه من سننه (٧)، ولو كان في درجة السنة لكان عند الوضوء آكدَ استحبابًا (٨). الثامنة: ذكر بعضهم هذا الحديث في الاستدلال على أن السواك واجب، وقال: في تركه إسخاط الرب، [وإسخاط الرب] (٩) حرام، فدل على أن تركَه حرامٌ.

стр. 1269

وأجاب عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني بأنه يقال: ليس كلُّ ما كان فيه مرضاةُ الربِّ (١) يكون في تركه مسخطةٌ [للرب] (٢)، ألا ترى أن الصلاةَ النافلة والصومَ النافلة مرضاةٌ، وليس في تركِهما مسخطةٌ؟! * * *

стр. 1270

الحديث الثاني وأخرجَ مسلمٌ من حديث المِقْدامِ - وهو ابن شُريحِ -، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ بيتَهُ يَبْدَأُ (١) بالسِّوَاكِ (٢).

стр. 1271

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف: قال محمد بن سعد في "الطبقات": شُرَيحُ بن هانئ بن يزيد بن [نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب بن] (١) الحارث بن كعب، روى (٢) عن عمر، وعن سعد (٣) بن أبي وقاص، وعائشة. قال محمد بن سعد: أنبأ (٤) أحمد بن عبد الله بن يونس (٥)، عن زهير، عن الحسن بن الحرِّ، عن القاسم بن مُخَيمرة: حدثني شُرَيْح بن هانئ الحارثيّ (٦)، وما رأيت حارثيًا أفضلَ منه. قال ابن سعد: قالوا: كان شريح من أصحاب عليِّ بن أبي طالب، وشهد معه المشاهدَ، وكان ثقةً، وكان كبيرًا، وقُتِل بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة (٧).

стр. 1272

والمقدام بن شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، سمع أباه، روى عنه عبدُ الملك بن أبي سليمانَ، والأعمشُ، والثوريُّ، ومِسْعَرُ، وشعبةُ، وشَرِيك، وابنُه يزيدُ بن المقدام، وقيسُ بن الربيع. قال أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، وروى له الجماعة إلا البخاري (١). قلت: وشريح بن هانئ ممن انفرد مسلم بإخراج حديثه عن البخاريّ، وكذا ابنه المقدام. * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: وهو حديث انفرد به مسلم عن البخاري، ورواه من حديث مِسْعَر وسفيان معًا، عن المقدام. وهذه الرواية التي في الأصل هي لفظ رواية سفيان عن المقدام.

стр. 1273

وأما رواية مسعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، فلفظها: سألتُ عائشةَ ﵂ قلت: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأ النبيُّ ﷺ [إذا دخل بيته]؟ قالت: بالسواك (١). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: قال الجوهري: و (أيُّ): اسم معرب يُستفهم [به] (٢) ويُجازى فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، [تقول] (٣): أيُّهم أخوك، وأيُّهم يكرمْني أُكرِمْه، وهو معرفة للإضافة، وقد تُترَك الإضافةُ وفيه معناها. وقد يكون بمنزلة (الذي) (٤) فيحتاج إلى صلة، تقول (٥): أيُّهم في الدار أخوك. وقد يكون نعتًا، تقول: مررت برجل أيِّ رجل، وأيِّما رجل، ومررت بامرأةٍ [أيَّةِ امرأة]، وبامرأتين أيَّتِما امرأتين، وهذه امرأة أيَّةُ امرأة، وأيَّتُما امرأتين (٦)، وما زائدة. وتقول [في المعرفة]: هذا زيدٌ أيَّما رجل، فتنصب أيًّا على الحال، وهذه أَمَةُ الله أيَّتَما جاريةٍ.

стр. 1274

وتقول: أيُّ امرأة جاءتك [وجاءك، وأية امرأة جاءتك] (١)، ومررت بجارية أيِّ جارية، وجئتك بمُلاَءة أيِّ ملاءة، وأيَّة مُلاءة، كلٌّ جائز، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. و (أيٌّ) قد يُتعجب بها، قال جميل [من الطويل]: بُثَيْنَ الزمِي (لا)، إنَّ [(لا) إنْ] (٢) لَزِمْتِهِ ... على كَثرةِ الواشينَ أيُّ مُعينِ (٣) قال: ولا يعمل فيه ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] (٤). * * * * الوجه الرابع: في [ذكر] (٥) شيء من العربية: ذكر الجوهري عن الفراء: أن (أيًّا) يعمل (٦) فيه ما بعده، ولا يعمل فيه ما قبله؛ كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] فرفع، وقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، [فنصبه بما بعده] (٧).

стр. 1275

وأما قول الشاعر (١) [من الوافر]: تَصِيحُ بنا حَنِيفَةُ إذْ رَأتْنَا ... وأيَّ الأرضِ تَذْهَبُ بالصِّيَاح (٢) فإنما (٣) نصب لنزع الخافض، يريد: إلى أيِّ الأرض. قال الكسائي: تقول: لأضرِبَنَّ أيَّهم في الدار، ولا يجوز أن تقول: ضربت أيَّهم في الدار، ففرق بين الواقع و [المتوقَّع] المُنتظَر (٤). * * * * الوجه الخامس: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل: الأولى: هذا السؤالُ من الراوي لا بدَّ له من فائدة، وأظهرُها طلبُ العلم؛ ليحصلَ التأسي به ﷺ . الثانية: لما كانت البدايةُ بالشيء دليلَ الاهتمامِ به، فلعله قصدَ بالسؤال عما يبدأُ به ترتيبَه والعنايةَ به. الثالثة: إذا كان الظاهر من السؤال هو طلب العلم للاقتداء، ففيه دليلٌ على أنَّ أفعاله ﷺ كانت عندهم على العموم له وللأمة، [لا] (٥)

стр. 1276

على الخصوص، إذ لو كان احتمالُ العموم مساويًا لاحتمال الخصوص، لما حصل المقصودُ من الاقتداء الذي ذكرنا أنه فائدةُ السؤال. الرابعة: فيه من أدبِ طلب العلم أن يُقصدَ في كل علم مَنْ هو أعرفُ به وأرجحُ في المعرفة من غيره؛ كما رجع الصحابة إلى بعض نساء النبي ﷺ في التقاء الختانين (١)، وفي الإصباح جنبًا في الصوم (٢)؛ لأنهنَّ أعرف بذلك (٣) وأرجحُ من غيرهن في علمه. وكذا في هذا السؤال، فإن الدخول في البيت مَظِنَّةُ الاجتماع

стр. 1277

[بالأهل] (١)، والافتراق من غيرهن، فلما تعلق قصدُه بمعرفة ما كان النبي ﷺ يبدأ به، قصد من هو أحق بمعرفة ذلك. الخامسة: فيه أنَّ السؤالَ إذا كان عامًّا، وفَهِمَ المسؤولُ غرضَ السائل بقرينة (٢) أو بأمر ما، اقتصر على فهمه مما تعلَّق به غرضه؛ لأن سؤاله عما كان ﷺ يبدأ به [إذا دخل بيته] (٣) عامٌّ بالنسبة إلى القُربات وغيرها، فأجابته بجنس القربات؛ لفهم المقصود من السؤال. السادسة: في بداءتِهِ ﵇ بالسواك عند دخول بيته وجهان: أحدهما: أن الدخول إلى الأهل مظنة الدنوِّ منهن والاستمتاع بهن، وكان ﷺ يكره أن يوجد منه ريحٌ كريهة، فابتداؤه (٤) بالسواك تطيبًا وتنظفًا؛ لما لعله يقع من الدنو للأهل، ومما يدل على هذا المعنى الحديث الصحيح في قصةِ شرب العسل، وقول عائشة ﵂ لسودة: فإنه سيدنو منك (٥)، فإنه يُشعر بأن ذلك كان واقعًا في أوقات حتى دلَّ الماضي منه على المستقبل.

стр. 1278

والثاني: أنهم ذكروا استحبابَ ركعتين عند دخول البيت والخروج منه، فإنه كان ﷺ يفعل ذلك، فيكون السواك للصلاة التي يبدأ بها عند الدخول، لا لأجل الدخول. السابعة: يُؤخذ منه استحبابُ البداءة بالسواك عند دخول البيت على ما دل عليه من فعل الرسول ﷺ ، ولا يكادُ يوجد في كتب الفقهاء ذكرُ ذلك. الثامنة: قال بعض الشارحين في الكلام على هذا الحديث: فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدة الاهتمام به، وتكراره، والله أعلم (١). فإنْ أراد أنَّ استحبابَ السواك لا يختص بأوقات مخصوصة، ولا أحوال معينة؛ كالوضوء مثلًا، والصلاة، والقيام من النوم، فصحيح. وإن أراد به شمول الاستحباب لجميع (٢) الأوقات، فلا يدل، والله أعلم. التاسعة: قال القاضي أبو الفضل عياض ﵀ في الكلام على هذا الحديث: معناه تكراره لذلك ومثابرته عليه، وأنه كان لا يقتصر في ليله ونهاره على المرة الواحدة، بل على المِرَار

стр. 1279

المتكررة (١)؛ كما جاء في الحديث الآخر (٢). قلت: هذا مأخوذ من أنَّ الدخول إلى البيت مما يتكرَّر، فإذا كان السواك معلقًا (٣) به، كان مما يتكرر، والتكررُ دليلٌ على العناية والتأكد. العاشرة: قال القاضي: وخصَّ بذلك دخوله (٤) بيتَهُ؛ لأنه مما لا يفعله ذوو المروءات بحضرة [الناس] (٥)، ولا يجب عملُه في المسجد، ولا مجالس الحَفْل (٦). قلت: هذا خلافُ اختيار النسائي ﵀ فإنه ترجم على: سواك الإمام بحضرة رعيته (٧)، ولعلَّه وقعَ له هذا المعنى، وأراد الردَّ على معتقده. والمروءاتُ ومُراعاتها بحسب الزمان والبلاد، وما كان منها يخالف الشرعَ فلا عبرةَ به، والمروءةُ ما وافق الشرع، وما زاد عليه

стр. 1280

فمن باب الرُّعونات التي يقف معها أرباب الدنيا، فأمر المروءة (١) يجري على هذا القانون. وأما الاستياك في المسجد فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الحاديه عشرة (٢): قد يستدِلُّ به مَن لا يكرهُ السواك للصائم بعد الزوال. ووجهه: أنَّ النبيَّ ﷺ كان صومه متكررًا كثيرًا، فكان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ودخول البيت حالةٌ متكررةٌ لا يقتصر على وقت دون وقت، وإنَّما بحسب الدواعي والحاجات [الظاهرة] (٣)، فالظاهر [و] (٤) الغالب على الظنِّ وقوعُها في حالة الصوم في بعض الحالات، وفيما بعد نصف النهار، فيتناول الحديثُ تلك الحالَ التي وقع فيها الدخول بعد الزوال مع الصوم، لا سيَّما مع القول بأنَّ (كان) تدلُّ على التكرار والكثرة. الثانية عشرة: [ فيه أن] (٥) الحكمَ المعلَّق باسم يُكتفى فيه بأقل الدرجات، وهو ما يحصل به المسمى، وذلك لأنه سأل عن فعله ﷺ ، وقد ذكرنا أن ظاهر معناه طلب الاقتداء، فلم تُجبْهُ عائشة - رضي الله

стр. 1281

عنها - إلا باسم السواك، فلو لم يكن مُجرَّدُ المسمَّى كافيًا، لما كان الجواب مفيدًا للمطلوب من الاقتداء. الثالثة عشرة: هذا الذي ذكرناه من الاكتفاء بالمسمى، [و] (١) هو مقتضى تعليق الحكم به من حيث هو هو، وقد يكون هاهنا مطالبُ أُخَر لا يكفي في تحصيلها مُجرَّدُ المُسمَّى، ويكون الاقتصارُ على المُسمَّى للعلم بأنَّ السامعَ عارفٌ بما زاد عليه، لا يحتاج إلى ذكره. * * *

стр. 1282

الحديث الثالث روى جماعةٌ عن مالكٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ ﵁[أنه] قال: "لَوْلا أنْ يَشُقَّ على أمَّتِهِ (١) لأَمَرَهُمْ بالسِّوَاكِ معَ كُلِّ وُضُوءٍ" (٢).

стр. 1283

ورواه رَوْح بن عُبادة، عن مالك بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على أُمَّتي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ معَ كُلِّ وُضُوءً". رواه ابن خزيمةَ في "صحيحه" (١). * * * الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف بمن ذكر فيه: أما ابن شهاب: فهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزُّهري، مدني سكن الشام، أحد أكابر العلماء، وأئمة المحدثين، وجَمَعَة العلم. سمع أنسَ بن مالك، وبلال بن سعد، وأبا الطُّفيل عامر بن وَاثِلة،

стр. 1284

والسائب بن يزيد، وسُنَيْنًا أبا جَميلة، وعبد الرحمن بن [أزهر] (١)، وربيعة بن عباد الدّيلي، ومحمود بن الربيع، ورجلًا من بُلَيٍّ له صحبة من النبي ﷺ ، ورأى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسمع عبد (٢) الله ابن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر، وأبا أمامة بن سهل ابن حُنيف، وسعيد بن المسيِّب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وأخاه حميدًا، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرَهم، وهو واسعُ العلم، منتشرُ الرواية. روى عنه الأكابر والناس: عمرُ بن عبد العزيز، وعطاءُ بن أبي رباح، وعِراك بن مالك، وعمرو بن دينار، وزيد بن أَسْلَم، ويحيى [ابن] (٣) سعيد، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وأبو جعفر محمدُ ابن علي بن الحسين، ومالك، وأيوب، وسفيان، ومنصور، وخلقٌ كثير غيرُهم. روى الترمذي: ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي [قال] (٤): ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت أنصَّ للحديث من الزُّهري، وما رأيت أحدًا الدينارُ والدرهمُ أهونُ عنده (٥) منه، إن

стр. 1285

كانت الدراهمُ والدنانيرُ (١) عنده بمنزلة البَعر (٢). وروى دُعْلُج بن أحمد: ثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان: ثنا يحيى ابن بُكَير (٣): حدثني الليث، عن جعفر بن ربيعة قال: قلت لِعراك بن مالك: مَنْ أفقهُ أهلِ المدينة؟ قال: أما (٤) أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ ، وقضايا أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأثبتُهم فقهًا، وأعلمهم بما مضى من [أمر] (٥) الناس؛ فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثًا فعروةُ بن الزبير، ولا تشاء أن تفجِّر (٦) من عبيد الله بن عبد الله بحرًا إلا فجرته، قال عِراك: وأعلمهم [جميعًا] (٧) عندي محمد بن شهاب؛ لأنه جمع علمَهم إلى علمه (٨). وذكر القاضي أبو بكر محمد بن خلَّاد الرَّامَهُرْمُزِيُّ، عن إسحاق ابن أبي حسان الأَنْماطي، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن سعيد: أن

стр. 1286

هشام بن عبد الملك سأل الزُّهريَّ أن يمليَ على بعض ولده شيئًا من الحديث، فدعا بكاتبه (١)، وأملى عليه أربع مئة حديث، فخرج الزُّهري من عند هشام، فقال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم (٢) بتلك الأربع مئة، ثم لقي هشامًا بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فقال: لا عليك، فدعا بكاتب، فأملاها عليه، ثم قابل هشام بالكتاب الأول فما غادر حرفًا (٣). وروى ابنُ خلَّاد أيضًا عن سعد بن إبراهيم: أنه قال في الزُّهري: كان يأتي المجالسَ مِنْ (٤) صدورها، ولا يأتيها من خلفها، ولا يُبْقي في المجالس شابًّا إلا ساءله، ولا كهلًا إلا ساءله، ولا فتًى إلا ساءله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يُبْقي فيها شابًا إلا ساءله، ولا كهلًا إلا ساءله، ولا فتى إلا ساءله، ولا عجوزًا إلا ساءلها، حتى يجادلَ ربَّات الحِجَال (٥). وروى ابن سعد، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه قال: ما أرى أحدًا جمعَ بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابنُ شهاب (٦).

стр. 1287

وروى أبو نُعيم من حديث أبي صالح، عن الليث قال: ما رأيت عالما قطُّ أجمعَ من ابن شهاب، ولا أكثر علماً منه، ولو سمعتَ ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه نوعاً جامعا (١). وروى أيضاً من حديث سعيد بن أبي مريم: أنبأ الليث قال: قلت لابن شهاب: يا أبا بكر! لو وضعتَ للناس هذه الكتبَ ودوَّنتها فتفرَّغْتَ، فقال: ما نشر أحدٌ من الناس هذا العلمَ نشري، ولا بذله بذلي، قد كان عبد الله بن عمر يُجالَس، ولا يَجترِئ عليه أحدٌ يسأله عن حديث، حتى يأتيَه إنسانٌ فيسألَه، فيهيّجه ذلك على الحديث، أو يبتدئ هو الحديث، وكنا نجالس سعيد بن المسيب لا نسأله عن حديث، حتى يأتيَ إنسان فيسألَه، فيهيِّجه ذلك فيحدث بالحديث، أو يبتدئ هو من عند نفسه، فيحدث به (٢). قال أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي: ليس فيهم أجودُ مسنداً من الزُّهري، كان عنده ألف حديث مسندة. وقال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال ابن مَنْجَويه: رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وكان من

стр. 1288

أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقاً لمتون الحديث، وكان فقيهاً فاضلاً، مات ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة في ناحية الشام. قال الواقدي: وهو ابن اثنتين (١) وسبعين سنة، وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق بضَيْعة يقال لها: شَغْبَ وَبَدَا (٢). قلت: وشَغْب: بفتح الشين المعجمة، وسكون الغين المعجمة أيضاً، وبَدَا: بفتح الباء الموحدة، وبعدها دال مهملة (٣). وأما حميد بن عبد الرحمن: فاسْمٌ مشترك بين جماعة سبعة، والذي له الحديث منهم هو [حميد بن] (٤) عبد الرحمن بن عوف، والده أحدُ العشرة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 1289

كنيته أبو عثمان، ويقال: أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن. قرشيٌّ، زهري، مدني، أمه أمُّ كُلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط. سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأمَّه أمَّ كلثوم، وقد روى عن عثمان، وقيل: سمع من أبيه، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل. روى عنه ابنُهُ عبد الرحمن، وابن شهاب الزُّهري، وصفوان بن سليم. أحدُ الثقات المتَّفق على تخريج (١) حديثهم، وفي طبقته: حميد بن عبد الرحمن الحميري، بصري، سمعَ أبا هريرة أيضاً، وعبد الله بن عباس، روى عنه محمد بن سيرين، وأبو التَّيَّاح يزيد بن حميد، وداود بن عبد الله الأودي، ومحمد بن المنتشر، وهو من الثقات، وهو المذكور في الحديث الأول من كتاب مسلم في الإيمان، عن يحيى بن يعمر (٢). قال أبو زرعة في حميد بن عبد الرحمن: ثقة. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش، وأحمد بن عبد الله: ثقة. قلت: وحسبك باتفاق الشيخين وبقية الجماعة على روايته. وقال ابن سعد: روى مالك، عن الزُّهري، عن حميد بن عبد الرحمن: أنَّ عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان، ثم يفطران؛ ولم يقلْ: رأيتُ.

стр. 1290

ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، عن حميد قال: رأيتُ عمر وعثمان يصليان. قال محمد بن عمر: وأشبههما عندنا حديث مالك، وأنَّ حميداً لم يرَ عمرَ ﵁، ولم يسمع منه شيئاً، وسِنُّه وموته يدلان (١) على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه - كما يدخل ولده - صغيراً وكبيراً (٢). وكان ثقةً، كثيرَ الحديث، توفي بالمدينة سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث وسبعين. قال ابن سعد: وقد سمعت من يذكر أنه توفي سنة خمس ومئة، وهذا غلط (٣) (٤).

стр. 1291

* الوجه الثاني: في [تصحيحه] (١): أخرجه مالك ﵀ في "الموطأ"، [و] (٢) اختلف عليه في لفظه، وفي رفعه ووقفه؛ فرواية يحيى بن يحيى الأندلسي، عن مالك؛ عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أنه قال: لولا أنْ يشقَّ على أمَّتِهِ لأمرَهُم [بالسِّواكِ] (٣) مع كل وضوء. هكذا في روايته (٤) ليس فيه [ذكر] (٥) رفعِ اللفظِ إلى النبي ﷺ . وقال أبو عمر بن عبد البر في "التقصي" (٦) بعد ذكر هذه الرواية: وهذا يدخل في المسند عند جميعهم. وقال في "التمهيد": هذا الحديث يدخل في المسند؛ لاتصاله

стр. 1292

من غير ما وجه، ولما يدل عليه اللفظ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك كذلك، ورواه كما رواه (١) [يحيى] (٢) أبو المُصْعب، وابن بُكير، والقَعْنَبي، وابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع. ورواه معن بن عيسى، وأيوب بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي، وجويرية (٣)، وأبو قُرَّة موسى بن طارق، وإسماعيل بن أبي أويس، ومُطَرِّف بن عبد الله، وبِشر بن عمر، وروح بن عبادة، وسعيد ابن عُفَير، عن مالك، وسُحنون، عن ابن القاسم، عن مالك بإسناده إلى أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَوْلا أنْ أشقَّ على أمَّتِي لأمَرْتُهُم بالسِّواكِ مع كلِّ وُضُوء"، وبعضهم يقول: "معَ كلِّ صلاةٍ" (٤). قلت: قد ذكرنا رواية روح بن عبادة في الأصل، ورواه أبو عمر في "التمهيد" من حديث إسماعيل بن أبي أويس بسنده ولفظه. ورواه من طريق أحمد بن صالح، عن مُطرِّف، وإسماعيل بن أبي أويس، عن مالك بسنده ولفظه. ومن طريق بشر بن عمر، عن مالك، وفيه: "مع كلِّ وضوءٍ" (٥).

стр. 1293

وقد ظهر بما ذكرنا ما ذكرته في الأصل من أن جماعةً رووه عن مالك كما ذكرنا، وأنَّ روحاً رواه مسنداً، وروحُ بن عبادة من الثقات. * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسائل: الأولى: كلمة (لولا) مشتركةُ الدلالة بين التحضيض والشرط، فمِمَّا وردت فيه بمعنى التحضيض قول الشاعر [من الطويل]: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ (١) أفضلَ مجدِكُمْ ... بني ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (٢) وورودها بمعنى الشرط كثير جداً (٣). وفي كلام بعضهم ما يُشعرْ بأنه الأصل، وأن التحضيض خرجت به عن بابها. فإن أرادَ الكثرة في الشرط فقريب، وإن أرادها مجازاً في التحضيض فبعيد. والأقربُ ما قاله غيرُه من الاشتراك، وإن كان المجاز خيراً من الاشتراك، لكنه إذا ترجَّحَ الدليلُ عليه قُدم على الأصل؛ أعني: ترجيح المجاز على الاشتراك.

стр. 1294

والدليلُ على ترجيح الاشتراك هاهنا: أن المجاز لا بدَّ فيه من العلاقة بين الحقيقة والمجاز، والعلاقةُ بين معنى الشرط المذكور، وهو الامتناع للوجود، وبين معنى التحضيض الذي يشعر بطلب، بعيدة تحتاج (١) إلى تكلف بعيد خارج عن نَمَط علاقات الحقيقة والمجاز. وإذا ثبت ورودها للشرط، فمعنى الشرط فيها امتناع الشيء لوجود غيره؛ أي: امتناع الجواب لوجود الشرط. قال بعضُهم بعد ذكر معناها: وكذلك يقتضي تركيبها من (لو) و (لا)، وذلك أنه قد تقدم أن (لو) إذا وقع (٢) شرطاً لَما انتفى، كان موجباً في المعنى، فكأنَّ (لو) دخلت (٣) على (لا زيدٌ حاضر)، فصارت (لو) موجباً في المعنى، لا (٤) أن (لو) من (لولا) حرف نفي، بل (٥) قد صارت كحرف واحد غير مركب معناه كذا (٦). هذا معنى كلامه، وإذا لم تكن دالة على النفي، لم يصحَّ أنَّ مقتضى (لولا) ما ذكر؛ لامتناع حصول المعنى من غير دلالة الدليل اللفظي عليه.

стр. 1295

الثانية: المَشَقَّةُ: ما يصعب احتماله على النفس، كأنها مشتقة من الشَّق، وهو [الخَرم] الواقع في الشيء، تقول: شقَّه بنصفين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤]، وقد تسمى الأرض ذات الشقوق مَشقة (١)، فلعله لما كان سلوكُ مثلِها صعباً على البدن شُبِّهَ به ما يصعب على النفس احتماله، فسُمي مَشقة، أو لعلهما معاً مأخوذان (٢) من أصل واحد، وهو الشق. الثالثة: ذكر الراغب: أنَّ الأمةَ: كلُّ جماعة يجمعهم أمرٌ ما؛ إما دين واحد، أو مكان واحد، أو زمان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً، أو اختيارياً، وجمعها: أُمَم، وقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ أيَ: كل نوع منها على طريقةٍ [قد] (٣) سخَّرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسِجةٍ كالعنكبوت، وبانيةٍ كالسوس (٤)، ومدّخرة كالنمل، ومعتمدةٍ على قوت وقتها كالعصفور والحمام. ثم قال: وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي صنفاً

стр. 1296

واحداً، وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفرَ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: في الإيمان، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ أي: جماعة يتحرَّون (١) العلمَ والعمل الصالح تكون (٢) أسوةً لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ أي: على دين مجتمع عليه. قال الشاعر [من الطويل]: وهل يأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وهوَ طَائِعُ (٣) وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]؛ أي: حين، وقرئ: (بعد أَمَهٍ) (٤)؛ أي: بعد نسيان، وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر، أو أهل دين. وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]؛أي: قائماً مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة، وروي: أنه: "يُحشرُ زيدُ بنُ عمرِو بن نُفيلٍ أمَّةً وحدَه (٥) " (٦).

стр. 1297

قلت: يجوز عندي في قوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أن يرجعَ على المدة المتراخية من الزمان تشبيهاً لأجزاء (١) المدة بآحاد المدة. وإذا أضيف (٢) الأمة إلى الرسول، أريد بها من هو على دينه وطريقته؛ كما في هذا الحديث: "على أمَّتِي"، وإذا لم يُضفْ احتمل أن يراد به أهل الزمن؛ كقوله ﵇: "لا يسمع بي أحدٌ منْ هذهِ الأمةِ؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ لم يؤمنْ بي، وبما جئتُ به، إلا كانَ من أهلِ النار" (٣)؛ أو (٤) كما قال. الرابعة: الأمر يُطلق ويُراد به الصيغة المخصوصة، ويطلق ويراد به الفعل والشأن، فقيل: مشترك، وقيل: كالمشترك، وقيل: هو حقيقة في القول المخصوص، وهو الأقرب؛ لسبقه إلى الفهم عند الإطلاق (٥). وقال الراغب: لفظ (الأمر) عامٌّ في الأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك يرجع قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال

стр. 1298

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ويقال للإبداع: أمر؛ نحو: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ويختص ذلك بالله دون الخلائق، وقدْ حُمِل على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (١). قلت: الأمر في الحديث راجع إلى الصيغة المخصوصة. الخامسة: قال الراغب: مقتضى (مع) الاجتماعُ؛ إما في المكان؛ نحو: هما معاً في الدار، أو في الزمان؛ نحو: ولدا معاً، أو في المعنى لمتضايفين (٢)؛ نحو: الأخِ والأبِ، فإن أحدهما صار أخاً للآخر في حالِ ما صار الآخرُ أخاه، وإما في الشرف والرتبة؛ نحو: هما معاً في العُلُوِّ. ويقتضي معنى النصرة، وأن المضافَ إليه لفظُ (مع) هو المنصور؛ نحو قوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله عن موسى: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] [ورجل إمَّعة] من شأنه أن يقول لكل واحد: أنا معك (٣).

стр. 1299

قلت: والمعية في هذا الحديث [يجوز أن تكون] (١) محمولةً على الاجتماع في الزمان، لكن لا تحمل على المضايفة في ذلك، وأن يكونا معاً في زمن واحد، بل تكفي المقارنة فيه. * * * * الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: الغالب بعد (لولا) أن لا يقعَ إلا الاسم (٢)، وفي هذا الحديث وقع ما يقوم مقامَه، وهو أنْ والفعل، والتقدير - والله أعلم -: لولا المشقة على أمتي، وقد جاء الفعل بعد (لولا) كما أنشد الجموح [من البسيط]: قَالَتْ أمامةُ لمَّا جئتُ زائِرَهَا ... هلَّا رميتَ ببعضِ الأسهمِ السُّودِ لا درَّ دركِ إنِّي قدْ رميتُهُمُ ... لولا حُدِدْتُ، ولا عُذْرَى لمحدودِ (٣) وقيل: إن وقوعَ الفعل بعدها ضعيفٌ جداً، لم يأتِ إلا في الشعر؛ كذا قال بعض المتأخرين.

стр. 1300

الثانية: الاسمُ الواقع بعدها عند سيبويهِ ومن تبعه مبتدأٌ محذوفُ الخبر، فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود لأكرمتك، أو ما أشبهه، والخبر عندهم ملتزم الحذف كما في ألفاظ القَسَم المرفوعة؛ نحو: يمين الله، وعهد الله، ولعمرك، وايمُنُ الله، وأشباهها (١). ورأيت في فصل عن بعض فضلاء المتأخرين - وهو الفاضل ابن بَرِّي - فصلاً يتعلق بـ (لو) و (لولا)، رأيت أن أذكره هاهنا، وإنْ تعلَّق بعضُه ببعض ما تقدم، وهو: [أن] (٢) (لو) تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره. فإذا وَلِيَها مثبتان امتنع إثباتهما؛ نحو: لو قام زيد لأكرمتك. وإذا وليها منفيان امتنع نفيهما، فانقلب إثباتاً؛ نحو: لو لم يقمْ لم [أقم] (٣). وإذا كان أحدهما مثبتاً والآخر منفياً امتنع النفي من المنفي فصار إثباتاً، وامتنع الإثبات من المثبت فصار نفياً؛ نحو: لو لم يقم لأكرمتك، وبالعكس. فإذا دخلت (لا) على (لو) انقلب ما يليها إثباتاً [ب (لا)] (٤)
следующие страницы →