← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

واحداً، وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفرَ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: في الإيمان، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ أي: جماعة يتحرَّون (١) العلمَ والعمل الصالح تكون (٢) أسوةً لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ أي: على دين مجتمع عليه. قال الشاعر [من الطويل]: وهل يأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وهوَ طَائِعُ (٣) وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]؛ أي: حين، وقرئ: (بعد أَمَهٍ) (٤)؛ أي: بعد نسيان، وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر، أو أهل دين. وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]؛أي: قائماً مقام جماعة في عبادة الله، نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة، وروي: أنه: "يُحشرُ زيدُ بنُ عمرِو بن نُفيلٍ أمَّةً وحدَه (٥) " (٦).

стр. 1297

قلت: يجوز عندي في قوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أن يرجعَ على المدة المتراخية من الزمان تشبيهاً لأجزاء (١) المدة بآحاد المدة. وإذا أضيف (٢) الأمة إلى الرسول، أريد بها من هو على دينه وطريقته؛ كما في هذا الحديث: "على أمَّتِي"، وإذا لم يُضفْ احتمل أن يراد به أهل الزمن؛ كقوله ﵇: "لا يسمع بي أحدٌ منْ هذهِ الأمةِ؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ لم يؤمنْ بي، وبما جئتُ به، إلا كانَ من أهلِ النار" (٣)؛ أو (٤) كما قال. الرابعة: الأمر يُطلق ويُراد به الصيغة المخصوصة، ويطلق ويراد به الفعل والشأن، فقيل: مشترك، وقيل: كالمشترك، وقيل: هو حقيقة في القول المخصوص، وهو الأقرب؛ لسبقه إلى الفهم عند الإطلاق (٥). وقال الراغب: لفظ (الأمر) عامٌّ في الأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك يرجع قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال

стр. 1298

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ويقال للإبداع: أمر؛ نحو: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ويختص ذلك بالله دون الخلائق، وقدْ حُمِل على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (١). قلت: الأمر في الحديث راجع إلى الصيغة المخصوصة. الخامسة: قال الراغب: مقتضى (مع) الاجتماعُ؛ إما في المكان؛ نحو: هما معاً في الدار، أو في الزمان؛ نحو: ولدا معاً، أو في المعنى لمتضايفين (٢)؛ نحو: الأخِ والأبِ، فإن أحدهما صار أخاً للآخر في حالِ ما صار الآخرُ أخاه، وإما في الشرف والرتبة؛ نحو: هما معاً في العُلُوِّ. ويقتضي معنى النصرة، وأن المضافَ إليه لفظُ (مع) هو المنصور؛ نحو قوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله عن موسى: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] [ورجل إمَّعة] من شأنه أن يقول لكل واحد: أنا معك (٣).

стр. 1299

قلت: والمعية في هذا الحديث [يجوز أن تكون] (١) محمولةً على الاجتماع في الزمان، لكن لا تحمل على المضايفة في ذلك، وأن يكونا معاً في زمن واحد، بل تكفي المقارنة فيه. * * * * الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: الغالب بعد (لولا) أن لا يقعَ إلا الاسم (٢)، وفي هذا الحديث وقع ما يقوم مقامَه، وهو أنْ والفعل، والتقدير - والله أعلم -: لولا المشقة على أمتي، وقد جاء الفعل بعد (لولا) كما أنشد الجموح [من البسيط]: قَالَتْ أمامةُ لمَّا جئتُ زائِرَهَا ... هلَّا رميتَ ببعضِ الأسهمِ السُّودِ لا درَّ دركِ إنِّي قدْ رميتُهُمُ ... لولا حُدِدْتُ، ولا عُذْرَى لمحدودِ (٣) وقيل: إن وقوعَ الفعل بعدها ضعيفٌ جداً، لم يأتِ إلا في الشعر؛ كذا قال بعض المتأخرين.

стр. 1300

الثانية: الاسمُ الواقع بعدها عند سيبويهِ ومن تبعه مبتدأٌ محذوفُ الخبر، فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود لأكرمتك، أو ما أشبهه، والخبر عندهم ملتزم الحذف كما في ألفاظ القَسَم المرفوعة؛ نحو: يمين الله، وعهد الله، ولعمرك، وايمُنُ الله، وأشباهها (١). ورأيت في فصل عن بعض فضلاء المتأخرين - وهو الفاضل ابن بَرِّي - فصلاً يتعلق بـ (لو) و (لولا)، رأيت أن أذكره هاهنا، وإنْ تعلَّق بعضُه ببعض ما تقدم، وهو: [أن] (٢) (لو) تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره. فإذا وَلِيَها مثبتان امتنع إثباتهما؛ نحو: لو قام زيد لأكرمتك. وإذا وليها منفيان امتنع نفيهما، فانقلب إثباتاً؛ نحو: لو لم يقمْ لم [أقم] (٣). وإذا كان أحدهما مثبتاً والآخر منفياً امتنع النفي من المنفي فصار إثباتاً، وامتنع الإثبات من المثبت فصار نفياً؛ نحو: لو لم يقم لأكرمتك، وبالعكس. فإذا دخلت (لا) على (لو) انقلب ما يليها إثباتاً [ب (لا)] (٤)

стр. 1301

ووجب أن يليَها الاسم؛ لأنه الذي يدل على مطلق الوجود، وبقي ما بعده منفياً على أصل (لو)، فلذلك قلنا: لولا تدل على [امتناع] (١) وقوع ما عُلِّق عليها؛ لوجود ما يليها، وامتناعُهُ إما لمطلق وجود الاسم، فيجب حذف خبره؛ نحو: لولا زيد لأكرمتك. وإما لمقيد (٢) وُجِد في الاسم، فيجب ذكر الخبر، ويكون الخبر في معنى الصفة القائمة بالاسم؛ نحو: "لولا قومُكِ حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ لرددْتُ الكعبةَ إلى قواعدِ إبراهيمَ ﵇ " (٣)، وكقوله: ولولا بَنُوها حَولَها لخَبَطْتُها (٤) ثم انظر إلى ما بعدها؛ فإن كان لا قيدَ معه، أو معه قيد خاص؛ نحو: لولا زيد لضربت، ولولا زيد لضربت عمراً، فالامتناع وارد على أصل الفعل، لكنه في الأول خارج عن الوجود بنفسه، وفي الثاني خارج عن الوجود بمتعلَّقه الخاص؛ لأن الامتناع إذا صادف الماهية مطلقة وقع عليها، وإذا صادفها مقيدة بقيد خاص وقع عليها باعتبار

стр. 1302

تعلُّقِها بمعيَّن، والفعل يَعُمُّ إذا تعلق بعامّ، ويختص إذا تعلق بمختص، لأنك لو قلت: أيُّ عبيدي ضربتُه فهو حرٌّ، فضرب منهم جماعة على التعاقب، لا يعتق إلا الأول؛ لأن الضرب مقيد بتقييد فاعله، لأنه للمخاطب. وإذا قلت: أيُّ عبيدي ضربَك فهو حرّ، فضرب منهم جماعة عُتِقوا؛ لأن الضرب فيهم (١) عام؛ لعموم فاعله، وهو ضمير (أي)، و (أيٌّ) عامةٌ وإن كان جوابها معه قيد (٢)، فالامتناعُ واقعٌ على الهيئة الاجتماعية من المتعلق (٣)، لا على أفراد ذلك المتعلق، ويبقى أصل الفعل حاصلاً؛ كقوله (٤): لولا زيد لضربتُ كلَّ واحد، فالممتنع إنما هو الضرب الواقع على الكل، لا على الأفراد، بدليل صحة قولك: لولا زيد لضربت كل أحد، لكن لأجله ضربت بعض (٥) الأحدِين، فالامتناع هاهنا (٦) وارد على أفراد الأحدين، لا على أصل الضرب. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]، ليس المراد امتناع أصل التزكية، بل امتناعها [في] (٧)

стр. 1303

عموم كل أحد؛ لأن (أحداً) نكرة في سياق النفي، فكأنه قيل: ما زكى كل أحد منكم، والمعنى: لكن بسبب فضل الله زكَى بعضكم، وهم المؤمنون دون غيرهم، فأصل التزكية حاصلٌ، وعمومها في متعلقها ممتنع. ومن القسم الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، وهي نكرة في سياق الإثبات، فلا (١) عمومَ لها، فانتفى مسُّهم (٢) هذا العذاب؛ لأنه قُيد بقيد خاص. وكقوله في الحديث: لولا عليٌّ لهلكَ عمرُ (٣)، فالممتنع الهلاك؛ لأن الامتناع ورد على ماهيَّة مطلقة، ولم يصادف سواها فيمنعه. وعن الفراء: أنه حكى عن "بعض النحويين: أن (لولا) ترفعُ لنيابتها مَنابَ الفعل؛ لأن معنى (لولا زيد): لو لم يمنعني زيد. وردَّه من وجهين: أحدهما: أن أحداً لا يقع بعدها، وهو يقع بعد ذلك المقدر. والآخر: امتناع لولا أخوك، ولولا أبوك كان كذا؛ أي: [لو] (٤) لم يمنعني أخوك.

стр. 1304

وزعم الفراء: أن لولا ترفع ما بعدها لانعقاد الفائدة. قال بعضُهم: ويظهر من هذا القول أنَّ الاسمَ ارتفع بعدها؛ لأنه عمدة لا يُستغنى عنه، ولا يَحتاج إلى حَذْفٍ؛ لاستقلال الكلام به، وهو نحو ما زعم ابن الطَّرَاوَة (١): أن الاسم بعدها مبتدأ خبرُه (لكان كذا)؛ لأن الفائدة حصلت بقولهم: لكان كذا. وهذا صحيح؛ أعني: أن الفائدة تصحُّ بالجواب؛ كما تصح في: إنْ قام زيد قام عمرو، ولكنْ ليس كلُّ ما تصح به الفائدة خبراً، فقولُهُ: إن (لكان كذا) خبر (٢) عن زيد، خطأ، [و] (٣) كيف يكون خبراً عن زيد، ولا ذكر لزيد فيه؟! فكلام الفراء أشبه من كلام ابن الطَّرَاوَة؛ لأنهم يقولون: تمت الفائدة بالملفوظ به؛ لأن الخبر المحذوف مفهوم منه؛ كما أن الفائدة تتم بقولهم: إياك؛ لأن الفعل المحذوف مراد مفهوم، ثم حمله على ما قد استقر، حتى لا يكون مسنداً إليه؛ كما لم يكن منصوباً إلا بفعل.

стр. 1305

وما روي عن الكسائي: أنه فاعل بفعل مضمر أقربُ؛ لأنه جرى على قانون ما استقر في كلامهم من مسند ومسند إليه، غير أن ما زعم سيبويه أولى، وذلك أن حذف الخبر أولى من حذف الفعل؛ لأن الخبر هو المخبَرُ عنه في المعنى، فَحَذْفُ [ما] (١) ذُكر أولى. وأيضاً فحذف الفعل دون فاعله قليلٌ جداً في كلامهم، وقد نصَّ على ذلك سيبويه، وذلك أن الفعل والفاعل كشيء واحد، ولا يجوز أن يحذف بعض الكلمة ويبقى بعضها. قلت: فعلى مذهب سيبويه ومن تبعه الخبرُ في الحديث محذوفٌ، والتقدير: لولا المشقة موجودة، أو كائنة، أو ما أشبهه. الثالثة: الغالبُ دخولُ اللام في الجواب، وكذلك جاء في الحديث: "لأمرْتُهم بالسِّواكِ"، وقد تحذف (٢)، وعليه بيت الحماسة [من الطويل]: طعنْتُ ابنَ عبدِ القيسِ طعنةَ ثائرٍ ... لها نَفَذٌ لولا الشعاعُ أضاءَهَا (٣) [أي: لأضاءها] (٤).

стр. 1306

وقول الآخر [من الطويل]: فلولا رجاءُ النَّصرِ منكَ وخِيفَة ... عِقَابكَ قدْ صارُوا لنا كالموارِدِ (١) فـ (قد صاروا) جواب؛ أي: لقد صاروا. الرابعة: الجواب في هذا الحديث مذكور، وهو قوله ﷺ : "لأمرتهم"، وقد يحذف في غيره إذا دلَّ عليه السياق؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]، الجواب محذوف تقديره: لهلكتم، أو ما يقاربه، وإذا طال الكلام فالحذف يحسُن، وهو كثير في الكلام، قال بعضُهم: وأحسنُهُ مع الطول. الخامسة: الألف واللام في (السواك): الأظهرُ منها أنها لتعريفِ الحقيقة، ولا يجوز أن تكون للعموم الاستغراقي، وأما كونها للعهد فيحتمل؛ لأن السواك كان معهوداً لهم على هيئات وكيفيات، فيحتمل العَودُ إليها، والأقرب الأول. * * * * الوجه الخامس: في الفوائد [والمباحث] (٢)، وفيه مسائل: الأولى: يدل على استحباب مطلق السواك؛ لأنه دال على استحباب المقيد، والدال على المقيد دال على المطلق، ولا أعني

стр. 1307

بالمطلق: العامَ، فإن الفقهاء قد يستعملونه في ذلك المعنى. الثانية: يدلُّ على الاستحباب مع الوضوء، ووجهُ الدلالة: أنه علَّلَ انتفاء الأمر بوجود المشقة، وهو تعليل بالمانع، والتعليل بالمانع يقتضي قيامَ المقتضي للأمر، وقيامُ المقتضي له يدل على الطلب، و [المنتفي] (١) إذا تبيَّن أنه أمرُ الوجوب، فإنما يمنعُ أمرَ الوجوب، ولا يمنع ما اقتضاه المقتضي من الطلب. الثالثة: لما كان الطلب ثابتاً للسواك المطلق، كان طلبه في الحالات المعينة آكدَ، وكان مقتضياً لزيادة الثواب بسبب زيادة رتبة الطلب، والوضوءُ من تلك الحالات. الرابعة: إذا ثبت زيادة التأكيد بالنسبة إلى الحالات المخصوصة، فالمالكية يعدُّون (٢) السواكَ عند الوضوء من الفضائل، لا من السنن، على أصلهم في الفرق بين السنة والفضيلة (٣). ولا شكَّ أن رتبَ الفضائل والمستحبات تتفاوت من غير خلاف، إلا أنَّ تخصيصَ بعض الرتب بالسنة، وبعضِها بالفضيلة والمستحب، إن لم يكن ثَمَّ دليلٌ على التأكد، بل على مطلق الاستحباب، فهو جيد، وإن كان ثَمَّ دليلٌ على التأكد، ولم يطلق عليه اسم السنة حتى ينتهيَ إلى رتبة معينة زائدة على ما ثبت، فهذا ليس إلا مجرَّد

стр. 1308

اصطلاح، ولا مشاحَّة (١)، غير أنه قد يُوهِمُ الامتناعُ من إطلاق السنة عليها عدمَ تأكدها، مع كونه ثابتاً في نفس الأمر، ومثاله: "ركعتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (٢)، فقد حصل فيهما التأكد فعلاً وقولاً؛ أما فعلاً ففي المواظبة (٣)، وأما قولاً فـ "ركعتا الفجرِ خيرٌ من الدنيا وما فيها"، فهذان دليلان على التأكد، فمن امتنعَ من إطلاقِ لفظ السنة عليهما، وجعلهما من المستحبَّات؛ لأنه اشترط في السنة أن يُواظبَ عليها مُظهراً لها، فاعتباره لقيد الإظهار في التسمية بالسنة مع حصول التأكد مُجرَّدُ اصطلاح، وفي إطلاقِ لفظ المستحب عليهما، والامتناعِ من لفظ السنة، ما يوهم قصورَهما عن درجة التأكد، والله أعلم. الخامسة: لما دلَّ على الطلب عند الوضوء، فعند حصول مُسمَّاه يحصل الاستحبابُ، سواء كان المتوضئُ مُريداً للصلاة في الحال، أو لم يكن. السادسة: اختلف أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - في أن السواك هل يعدُّ من سنن الوضوء؟

стр. 1309

فلم يعدَّها كثيرون من سننه، وإن كانت مندوبةً (١) في ابتدائه، وعدَّها آخرون من سننه، قال بعضُهم: وهو الوجهُ، ولهذا تقع معتدًّا بها مثاباً عليها إذا نوى مطلق الوضوء، ولو لم تكن معدودة لما اعتدَّ بها بنيَّة الوضوء (٢). وفائدة هذا الخلاف: أن النية إذا اقترنت بأول سنن الوضوء، وعَزَبَت (٣) قبل غسل الوجه، ففي صحة الوضوء وجهان (٤)، فتوقَّفَ وجودُ الخلاف على معرفة ما هو من سنن الوضوء لتنبني عليه الصحةُ على وجه، فإذا قلنا: إن السواك من سننه، فنُوِيَ عنده، ثم عزبت النية، جاء الوجه القائل بالصحة، وإذا قلنا: ليس من سننه، لم يجئ ذلك (٥) الوجه. ولقائل أن يقول: إما أن يكون لابتداء الوضوء خصوصية في استحباب السواك، أو لا. فإن لم يكن، فكيف يُعَدُّ من مندوباته؛ أعني: بخصوصه، وحالتُه وحالةُ غيره سواء حينئذ، فلا اختصاص؟ وإن كان له خصوصية بالنسبة إليه، فالامتناع من تسميته سنةً مع

стр. 1310

ثبوت الخصوصية في الندبية، نازعٌ إلى مذهب المالكية في تخصيص التعيين - أعني: السنة والمندوب أو المستحبّ - بالترتيب في الفضيلة، والله أعلم. السابعة: الأصلُ أن يُعتبر في الحكم [كلُّ] (١) ما تعلق به من الأوصاف التي رتب الحكم عليها، وقد دل الحديث على تعلق الطلب بالسواك مع الوضوء، فيُعتبر هذا الوصف، ويعتقد أن له خصوصية به بظاهر اللفظ، ويمنع ذلك من القول باستواء حالته وحالة عدمه. وذكر أبو عمر بن عبد البرّ، عن الأوزاعي أنه قال: أدركت أهلَ العلم يحافظون على السواك مع وضوء الصبح والظهر، وكانوا يستحبّونه مع كل وضوء، وكانوا أشدَّ محافظة عليه عند هاتين الصلاتين. وذكر عنه أيضاً أنه قال: السواك شطر الوضوء (٢). الثامنة: يُستدَلُّ به لمن يرى عمومَ الاستحباب بالنسبة إلى الأوقات، والشافعيُّ وغيره ﵏ لا يرونه (٣) للصائم بعد الزوال (٤) (٥)، وغيرُه بخلاف ذلك، ووجهُ الدليل منه، وهو: أنَّ صيغة

стр. 1311

العموم، وهي كلمة (كلّ)، تدلُّ على تناول الاستحباب لكل ما يسمى وضوءاً، ومن جملة الأفراد الوضوءُ الواقع بعد (١) الزوال، فيتناوله الاستحباب، وهذا ظاهرُ الدَّلالة، ومن يكره السواك بعد الزوال، فلا بدَّ له من دليل التخصيص، وسنتكلم عليه في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى - عند الكلام على قوله ﵊: "لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ تعالى يومَ القيامةِ من ريحِ المسكِ". التاسعة: هو عامّ بالنسبة إلى الوضوءِ الواجب، والوضوءِ المسنون كالمُجَدِّد (٢)، فيستحبُّ فيه. العاشرة: وهو عامٌّ بالنسبة إلى كل الأمة، فيدخل فيه جميع أصنافهم، ويخرج عنه مَنْ ليس منهم، وهذا يحرك نظراً في أنَّا [إذا] (٣) قلنا: إنهم (٤) مخاطبون بالفروع، هل يدخلُ تحتَ الخطابِ المستحباتُ، أو لا؟

стр. 1312

فإن قلنا: إنها تدخل، فمقتضى مفهوم الحديث أن يخرج من هذا الفرد من ليس من الأمة، وإن (١) قلنا: لا يدخل، فالخروج ظاهر. الحادية عشرة (٢): فيدخل فيه الصبيُّ من حيثُ دَلالةُ اللفظ على وجود المصالح المقتضية للطلب، وإذا دخل فيه حصل له فائدة الأمر، وهو الثواب، فيدل على أهليته لذلك؛ كما دلَّ عليه [قولُه] (٣) لما قيل له عن الصبي: ألهذا حجٌّ؟ قال: "نعم" (٤)، والله أعلم. الثانية عشرة: فيجعل أصلاً في أهلية الصبيِّ لخطاب الاستحباب، وأن الممتنعَ في حقه إنما هو خطابُ الوجوب. الثالثة عشرة: ويدخل فيه من يستحقُّ منافعَه كالعبد والأجير، فيؤخذ منه أنه لا يُضيَّقُ عليهم في مثل هذه القُربة؛ لقصر زمانها، ويتعلق به أداء العبد والأجير للرواتب في الفرائض، وهل يُسامح بها، أو لا؟ فيه نظر. الرابعة عشرة: يظهر في تعليل هذا الحكم زيادة التنظف؛ لأجل التهيؤِ للصلاة التي الوضوءُ من شرائطها المتقدمة عليها، أو لحضور الماء للوضوء، فتتيسرُ الاستعانة في زيادة التنظف.

стр. 1313

الخامسة عشرة: فيه من الاستدلال على أن الأمرَ للوجوب ما [في] (١) قوله ﵇: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلّ صلاةٍ"، وسنذكر ذلك ثَمَّ؛ لأنَّ الأصوليّين استدلوا بذلك اللفظ. السادسة عشرة: قد تقدم معنى المعيَّة، والفقهاءُ يستحبونه في ابتداء الوضوء، وقد قدمنا أنه لا تضييقَ في ذلك، ونعني به ثَمَّ: أنْ لا تضييقَ في معنى المعية، وهاهنا: أن لا تضييق في استحباب المصاحبة للوضوء حقيقة في جملة زمانه، وهو لا شكَّ فيه قطعاً. السابعة عشرة: وقد ذكرنا أنَّ الألف واللام في السواك لتعريف الحقيقة، وأنه (٢) يمكن أن تكون للعهد؛ لأن السواك كان عندهم معهوداً بهيئات وصفات، فإذا (٣) ترجَّح حملُه على العهد، فما عُرِفَ كون السواك عليه من الهيئات والصفات (٤) في ذلك العهد انصرفَ الاستحبابُ إليه، وما لم يُعْرَفْ ترتَّبَ الحكم فيه على المسمى؛ لعدم العلم بالعهد. الثامنة عشرة: فمِمَّا تقتضي (٥) العادةُ أنَّ السِّواكَ يُستحب (٦)

стр. 1314

استعمالُ الآلات فيه؛ كقضبان (١) الأشجار، وعود الأراك؛ لأنه العادة فيه، وقد استحبَّه الشافعية بقضبان الأشجار، [لا على سبيل الاشتراط، ولكنها أولى من غيرها، قيل: وأولاها الأراك] (٢) (٣). [التاسعة عشرة: لا يختص عند الشافعية بقضبان الأشجار] (٤)، وقالوا - أو من قال منهم -: أصلُ السنة يتأدَّى بكل خشن لإزالة القَلَح؛ كالخِرقة الخَشِنة، ونحوهما (٥). وهذا كانَّه أُخذ من المعنى، فيكون قياساً، ولا يبعد أن يُطلق (٦) عليه اسم السواك، لكنه خلافُ المعتاد، والله أعلم. العشرون: اختلفوا في الاستياك بالإصبع الخشنة، وللشافعية فيه وجوه ثلاثة: ثالثها: أنه إن قدر على العود ونحوه لا يُجزئ، وإلا فيجزئ؛ لمكان العذر (٧). وقد علم أنه يحصل المقصود عند حصول المسمى، فإن كان

стр. 1315

الاستياك بالإصبع يسمى سواكاً، وجب أن يُكتفى به؛ لدخوله تحت اللفظ. وادَّعى بعضُهم: أنه لا يُسمى استياكاً، ووجَّهَ به القول بعدم الإجزاء، فإن صحَّ ذلك خرج عن اللفظ، لكن قد ذكر أبو عمر بن عبد البر: أنَّ طائفة من العلماء قالت: إن الإصبع تغني عن (١) السواك، قال: وتأوَّل (٢) بعضُهم في الحديث المرويّ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يشوصُ فاهُ بالسّواكِ" (٣): أنه كان يَدْلِك أسنانَه بإصبعه، ويستجزئ بذلك من السواك، والله أعلم (٤). قلت: هذا قد يقتضي المنازعة في أنَّ الاستياك بالإصبع لا يسمى سواكاً كما ادَّعَى من حكينا عنه من الشافعية، وأما تأويله بما ذكر للحديث المروي: "كانَ يشوصُ فاه بالسواك": أنه كان يدلك فاه بإصبعه، فليس عليه دليل أصلاً، ولا يمكن أن يُؤخذَ إلا بنقل، وأما من جهة اللفظ، فلا. الحادية والعشرون: قال أبو عمر بن عبد البر في كلامه على الحديث: وفيه أيضاً دليل على فضل التيسير في أمور الديانة، وأن ما يشقُّ منها مكروه، قال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا

стр. 1316

يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ألا ترى أنَّ رسول الله ﷺ لم يُخَيَّرْ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، [فإن كان إثماً] (١) كان أبعدَ الناس منه (٢)؟! الثانية والعشرون: أخذ القاضي أبو الوليد الباجي من قوله ﵇: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ": أنَّ للني ﷺ الأمرَ بالأحكام وإيجابَها، وأنَّ ذلك مصروف إلى اجتهاده، ولولا ذلك لم يمنعه الإشفاق على أمَّته من أن يُوجبَ عليها السواك لأجل المشقة، إن كان الباري تعالى قد أمرَه به وأوَجبه، ولو لم يكن الباري أمره وأوجبه لم يكن إيجابُه - وإن لم يكن في ذلك مشقة - على أمته (٣). الثالثة والعشرون: وقال في حديث أبي هريرة: "لولا أن يشقَّ على أمَّتِه لأمرهُمْ بالسواك مع كلّ وضوءٍ": امتنع لأجل المشقة، فهذا يثبت بهذا الحديث، ويثبت بحديث الأعرج (٤) الامتناعُ من الأمر على وجه الوجوب في الجملة؛ لأجل المشقَّة (٥)، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.

стр. 1317

الرابعة والعشرون: فيه إشفاقُ النبيِّ ﷺ على أمته، ورفقُه بهم، وحرصُه على التخفيف عنهم، والمراعاة لما يشق عليهم. الخامسة والعشرون: قد تقدَّم لنا أن السواك ينطلق على الفعل وعلى الآلة، وهو هاهنا محمول على الفعل. السادسة والعشرون: وتقدم أن المسمى يُكتفى به في تأدية المطلوب، فإن دلَّ [دليل] (١) على استحباب أمر زائد؛ كما استحب الشافعية أن يكون عرضاً (٢)، فذاك بأمر من خارج لا من الحديث، إلا أن تحمل الألف واللام على العهد، ويثبت عها في ذلك، ويبعد ثبوت مثل هذا. وذكر إمامُ الحرمين من الشافعية: يُمِرُّ السواكَ على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى. وذكر غيرُه: أنه يستاك في عرض الأسنان، ولم يذكر طولها (٣). وعلى الجملة فالمأخوذ من الحديث اعتبارُ المسمَّى، وما عدا ذلك يؤخذ من أمر خارج، ولا يتأتَّى ردُّه إلى الحديث إلا بتكلف، وليس يتعذَّر على المتكلفين. السابعة والعشرون: ومن هذا القَبيل صفة العود الذي يستاك به، واستحباب الشافعية لأنْ يكونَ بيابس قد لُيِّن (٤) بالماء دون ما لم يُليَّن،

стр. 1318

فإنه يقرِّح اللِّثَة، [و] (١) دون الرطب فإنه لا ينقي اللزوجة (٢). والمالكية يقول بعضهم: الأخضر لغير الصائم أحسن (٣). وذلك أيضاً خارجٌ عن اللفظ الذي في الحديث، وليس في الحديث ما يدل على طلب الاستحباب في هذه الكيفيات، وإنما تؤخذ من دلائل أخر، وإنما (٤) الذي يقتضيه اللفظُ الاكتفاءُ (٥) بالمسمى؛ كما قلنا. الثامنة والعشرون: هذه الدلائل الخارجة عن اللفظ قد تُعارَضُ بها دَلالةُ اللفظ، ويقال بعدم اعتبارها، إلا أنَّ (٦) ما كان من تلك الأدلة قوياً يرجعُ إلى القواعد الشرعية، ويكون في حيِّز المعارض الراجح، فهو مُقدَّم على الإطلاق؛ لأن الإطلاقَ بالنسبة إلى المعارضات والموانع التي لا تقصد باللفظ أضعفُ في الاعتبار من المعارض القوي، والعمل بأقوى الأدلة متعين. التاسعة والعشرون: فيكون من هذا استياكُ الصائم بما يخاف منه التحلل، والوصول إلى الجوف؛ لأن الاحتياط على الصوم أمرٌ معلوم

стр. 1319

في الشرع، قال ﷺ : "وبالغْ في الاستنشاقِ إلا أن تكونَ صائماً" (١). ومنه الاستياك بما يُؤذي؛ لأن الاحتراز من المؤذيات من القواعد المعلومة. الثلاثون: كره بعضُهم الاستياكَ بالريحان والقصب (٢)، فعلى هذا إذا ثبت ذلك يكون تقييداً لمطلق الحديث. الحادية والثلاثون: قال الحافظ أبو عمر: [وٍ] (٣) كره جماعةٌ من أهل العلم السواكَ الذي يغير الفم ويصبغه؛ لما فيه من التشبه بزينة النساء. يعني (٤): والسواكُ المندوبُ إليه هو المعروف عند العرب، وفي عصر النبي ﷺ ، وكذلك (٥) الأراك، وكل ما يجلو الأسنان، إذا لم يكن فيه صبغ ولون، فهو مثل ذلك، ما خلا الريحانَ والقصبَ فإنهما يُكرهان (٦). قلت: هذا يُشعر بما قدمته من حمل الألف واللام في السواك على العهد، أعني: قولَ أبي عمر.

стр. 1320

الثانية والثلاثون: فيه من الاستدلال على عدم وجوب السواك في هذه الحالات ما في قوله ﵇: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ"، وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللهُ تعالى. * * *

стр. 1321

الحديث الرابع روى مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأَعْرجِ، عن أبي هريرةَ: أن (١) رسولَ الله ﷺ قال: "لَوْلا أنْ أشقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ" (٢).

стр. 1322

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف بمن ذكر فيه: أما أبو الزناد: فقال أبو عمر الحافظ: أبو الزناد لقب غَلَب عليه، وكنيته أبو عبد الرحمن، لا يختلفون في ذلك، وهو عبد الله بن ذَكْوان، وذكوان أبوه مولى رَمْلة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكانت رملةُ هذه تحتَ عثمان بن عفان، وقيل: هو مولى عائشة بنت عثمان، [وقيل: مولى عثمان] (١). ويقال: إنَّ ذكوان أبا أبي الزناد كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب بولادة (٢) [العجم] (٣)؛ هكذا قال الواقدي، ومصعب الزبيري، والطبري. وذكر أبو عمر بإسناده إلى أبي مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله ابن صالح قال: قال أبي (٤): أبو الزناد من رهط أبي لؤلؤة، وكانت بينهم قرابة، قال: وكان أحدَ مفتي المدينة. وروى أيضاً عن مصعب بن عبد الله قال: كان أبو الزناد فقيهَ أهل المدينة، وكان صاحب كتاب وحساب، وكان كاتباً لعبد الحميد بن

стр. 1323

عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وكاتباً أيضاً لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بالمدينة. قال: وقدِمَ على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة، فجاء هشاماً مع ابن شهاب، فسأل هشامُ ابنَ شهاب: في أيِّ شهر كان عثمانُ يخرج العطاءَ فيه لأهل المدينة، فقال: لا أدري، قال (١) أبو الزناد: [و] (٢) كنا نرى أن ابن شهاب لا يُسأل عن شيء إلا وُجد عنده [علمُه] (٣). قال أبو الزناد: فسألني هشامٌ، فقلت: في المحرَّم، فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر، هذا علمٌ قد أُفِدْتَه اليوم، قال ابن شهاب: مجلسُ أمير المؤمنين أهلٌ أن يُفاد منه العلمُ. قال مصعب: وكان أبو الزناد معادياً لربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، وكانا فقيهي أهل المدينة في زمانهما. قال أبو عمر: وذكر الحلواني في كتاب "المعرفة"، عن ابن أبي مريم، عن الليث، عن عبد ربه بن سعيد قال: رأيت أبا الزناد دخل مسجدَ رسول الله ﷺ ومعه من الأتباع مثلُ ما مع السلطان؛ من بين سائلٍ عن حديث، وبينِ سائل عن فقه، وبين سائل عن فريضة، وبين سائل عن شعر. قال: وثنا علي بن المديني [قال] (٤): ثنا سفيان بن عيينة قال:

стр. 1324

سألت سفيان الثوري، قلت: كيف (١) رأيتَ أبا (٢) الزناد؟ قال: أوَ كان ثَمَّ أمير غيرُه! (٣) وروى أبو عمر بإسناده عن أبي زرعة - وهو: الدمشقي - قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: أبو الزناد أعلم من ربيعة، فقلت لأحمد: حديث ربيعةَ كيف هو؟ قال: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه. وروى أيضاً بإسناده عن أحمد بن زهير قال: ثنا سليمان بن أبي شيخ قال: ولَّى عمر بن عبد العزيز أبا الزناد بيتَ مَالِ الكُوفة. وذكر أيضاً عن أحمد بن زهير قال: حدثني أبي: ثنا ابن عيينة، عن ابن شُبْرُمة (٤) قال: كان الشعبي يقول لأبي الزناد: جئت بها زُيوفاً، وتذهبُ بها جياداً. وقال المدائني: كان خالد بن عبد الملك بن الحارث قد ولَّى أبا الزناد المدينة، فقال علي بن الجون (٥) الغطفاني [من الوافر]: رأيتُ الخيرَ عاشَ لنا فعِشْنَا ... وأحياني مكانُ أبي الزنادِ وسارَ بسيرةِ العُمرينِ فينا ... بعدلٍ في الحكومةِ واقتصادِ

стр. 1325

قال الواقدي: سمعتُ مالك بن أنس يقول: كانت لأبي الزناد حلقة على حِدَةٍ في مسجد رسول الله ﷺ . قال الواقدي: مات أبو الزناد فجأة في مغتسله، ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، سنة ثلاثين ومئة، وهو ابن ست (١) وستين. [وقيل: توفي أبو الزناد سنةَ إحدى وثلاثين ومئة، وهو ابن أربع وستين] (٢). وقال الطبري: كان أبو الزناد ثقةً، كثيرَ الحديث، فصيحاً، بصيراً بالعربية، كاتباً، حاسباً، فقيهاً، عالماً، عاقلاً، وقد ولي [خراج] (٣) المدينة. قلت: ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة، وذكر ولاءه لرملة بنت شيبة، وقال: أخبرني ابن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن عمرَ بن عبد العزيز ولَّى أبا الزناد خراجَ العراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فقدم الكوفة، وكان حمَّاد بن أبي سليمان صديقاً لأبي الزناد، فكان يأتيه ويحادثه، وشغل أبو الزناد ابنَ أخي حماد بن أبي سليمان في شيء من عمله (٤)، فأصاب عشرة آلاف درهم، فأتاه حماد يشكر له.

стр. 1326

وقال: أنبأ محمد بن عمر قال: أخبرني من رأى عبد الله بن حسن وداود بن حسن يجلسان إلى أبي الزناد [في] (١) حلقته. قال: وسألت محمد بن عمر عن السبعة الذين كان أبو الزناد إذا حدث عنهم يقول: حدثني السبعة، فقال: سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، وأبو بكر [بن] (٢) عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة ابن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار (٣). وأما الأعرج: فهو عبد الرحمن بن هُرْمُز، [أبو داود المدني. قال ابن يونس في "تاريخ الغرباء" (٤): عبد الرحمن بن

стр. 1327

هرمز] (١) الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، يكنى أبا داود، مدني، روى عن أبي هريرة، قدم مصر، وخرج إلى الإسكندرية. روى عنه جعفرُ بن ربيعة، [وسعيد] (٢) بن سويد القتباني (٣)، وغير هما. توفي بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومئة. وقال محمد بن سعد في "الطبقات": عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ويكنى أبا داود، مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن عبد الله بن بُحَينة، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ. قال ابن سعد: ثنا محمد بن عمر [قال] (٤): ثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبي سَبُرة، عن عثمان بن عبيد الله بن [أبي] رافع قال: رأيت مَنْ يَقرأ على الأعرج حديثَهُ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيقول: هذا حديثك يا أبا داود؟ قال: نعم، قال: فأقول: حدثني عبد الرحمن،

стр. 1328

وقد قرأتُ عليك، قال: نعم، قل (١): حدثني عبد الرحمن بن هرمز. وقال أيضاً: ثنا محمد بن عمر: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وعن عبد الله بن الفضل قالا: خرج عبد الرحمن بن هرمز إلى الإسكندرية، فأقام بها حتى توفي بها سنة سبع عشرة ومئة، وكان ثقة كثير الحديث. قلت: وقبره إلى الآن معروف بالإسكندرية. وقد اتفق الأئمة أصحاب التصانيف المشهورة الستة على إخراج حديثه في كتبهم (٢). * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: اختلف الرواة عن مالك في لفظ حديث أبي الزناد هذا؛ فأما يحيى بن يحيى الأندلسي راوي "الموطأ" عنه فإن لفظ متنه عنده:

стр. 1329

"لَولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسواكِ"، ولم يزد على ذلك قولَه: "عندَ كلّ صلاة" (١). قال أبو عمر عقب (٢) إيراده هذا الحديث: هكذا قال يحيى في هذا الحديث: "لولا أن أَشُقَّ على أمتي"، لم يزد، وتابعه جماعة من رواة الموطأ على ذلك. وقال بعضُهم فيه: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي، أو على النَّاس"، وقال فيه آخرون عن مالك: "لولا أن أشق على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتهم بالسّواك"؛ قاله القَعْنَبِيّ، وعبد الله بن يوسف، وأيوب بن صالح. وقال فيه قتيبة: "عند كل صلاة"، ولم يقل: "على الناس". كلُّ هذا قد رُوي عن مالك في حديث أبي الزناد. ثم أخرج أبو عمر بسنده إلى أيوب بن صالح، ومالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي - أو على الناس (٣) - لأمرتهم بالسواك". قال: وقال ابن عيينة في هذا الحديث، عن أبي الزناد، [عن الأعرج]، (٤)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بتأخيرِ العشاءِ، والسواكِ مع كلِّ صلاةٍ".

стр. 1330

وقال فيه سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لولا أن أشقَّ على أمتي [لأمرتهم] (١) بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ" (٢). قلت: حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، انفرد به البخاري عن مسلم، فرواه في كتاب الصلاة عن عبد الله بن يوسف: أنبأ مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ صلاةٍ" (٣)، وهذا يخالف ما ذكرناه عن أبي عمر أن رواية عبد الله ابن يوسف: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين - أو على الناس - لأمرتُهم بالسواكِ". ورواية قتيبة بن سعيد عن مالك، أخرجها النسائي عنه بالسند المذكور: أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنين (٤) لأمرتهم بالسواكِ [عندَ كلِّ صلاةٍ] (٥) "؛ [هكذا عندنا في "السنن". ورواها - الغافقي عن حمزة بن محمد الكناني، عن أحمد بن شعيب، وهو النسائي، عن قتيبة، عن مالك بالسند المذكور؛ أن رسول الله ﷺ

стр. 1331

قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنينَ لأمرتُهم بالسواكِ" (١)] (٢). قال الغافقي: وفي رواية أبي مصعب، وابن بُكَير: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية ابن القاسم، وابن عُفير: "على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي: "على أمتي"، وليس [هذا] (٣) عند القعنبي. قلت: ظاهر قوله: إنَّ هذا الحديث ليس عند القعنبي، وقد ذكر أبو عمر ما قدمنا حكايتَه عن القعنبي فيما رواه عن مالك. وأما رواية سفيان التي ذكرها أبو عمر فإن مسلماً أخرجَها في "صحيحه"، عن قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا (٤): ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين (وفي حديث زهير: على أمتي) لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة" (٥). ورواها أبو داود في "سننه" عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة" (٦).

стр. 1332

وروى الترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلّ صلاة ... " الحديث، [وقال] (١): هذا حديث حسن [صحيح] (٢) (٣). * * * * الوجه الثالث: في المفردات: وقد تقدمت في الحديث قبله. * * * * الوجه الرابع: من روى: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنينَ" فصفةُ الإيمان مناسبة للتخفيف، ومن روى: "على أمتي" فهي (٤) أَدْخَلُ في هذا الباب، لأن أمته محمولةٌ هاهنا على المؤمنين، ففيها ما في رواية المؤمنين وزيادةٌ تُوجبها الإضافةُ المقتضية للاختصاص به ﷺ المناسبةُ للتخفيف. * * * * الوجه الخامس: في المباحث والفوائد: وقد اشترك هذا الحديث مع الذي قبله في كثير منها، والذي

стр. 1333

نذكره في هذا مسائل: الأولى: يدلُّ على استحباب السواك عند كل صلاة، وهي إحدى الأماكن التي يُسْتَحب فيها السواك، ووجهُ الدليل منه كوجه الدليل من الذي قبله، وهو أنه يدل على أنّ المقتضيَ للأمر به عند كل صلاة موجودٌ، وإنما تُرك لأجل المشقة، وذلك كافٍ في الدلالة على الاستحباب. الثانية: [ و] (١) يدل على استحباب مطلق السواك كما تقدم. الثالثة: علة هذا الأمر بتطييب الأفواه لقراءة القرآن والمناجاة في الصلاة، وقد ورد ما يقتضي أن ذلك لأجل المَلَك (٢).

стр. 1334

الرابعة: استُدلَّ به في أصول الفقه على أن الأمر للوجوب، ووجه الدليل منه: أن كلمة (لولا) كما ذكرنا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فدلَّ (١) على انتفاء الأمر لوجود المشقة، ولو كان الأمر للندب لم ينتفِ لأجل المشقة؛ لأنَّ الاستحباب ثابت، فالأمر الدال عليه ثابت على ذلك التقدير، لكنه منتفٍ لمقتضى لفظة (لولا)، والمنتفي هو الوجوب، فالأمر الدال على الوجوب منتفٍ، فالأمر للوجوب، واعتُرِضَ عليه من وجهين: أحدهما: تقريرُه: أنَّ ذلك إنما يصح على تقدير أن يكون استحباب السواك عند كل صلاة ثابتاً عند تكلم النبي ﷺ بهذا اللفظ، ولا نسلمه؛ لجواز أن يكون الندبُ ثابتاً بعد ذلك، فلا يلزم ما ذكرتموه من انتفاء اللازم الذي ادَّعيتموه، وهو أنه لو كان الأمرُ للندب لما انتفى عند وجود المشقة؛ لثبوت الاستحباب، ولكنه منتف بصيغة (لولا)، فنقول: لا نسلِّم أن الاستحبابَ ثابت حينئذٍ. والوجه الثاني: أن فيه [ما يدل] (٢) على أنه أراد بالأمر الوجوبَ،

стр. 1335

بدليل أنه قرر (١) به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب؛ لكونه متحتِّماً، بخلاف المندوب؛ لكونه في محل الخِيَرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الأمر للوجوب لقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الأمر لا يمنع من هذا التأويل (٢). والجواب عن السؤال الأول يظهر مما قدمناه من أن اللفظ بنفسه يدل على وجود المقتضي للأمر لولا المشقة حينئذ، ووجود المقتضي للأمر كاف في الاستحباب، فيكون الاستحباب ثابتاً حينئذ، فإنه لو صُرِّح وقيل: لولا وجود المشقة لوجب السواك عند كل صلاة، [لكان ذلك دالاً على طلب السواك عند كل صلاة] (٣)؛ لِما ذكرناه من دلالته على وجود المقتضي، وانتفاء الوجوب بحصول المشقة لا ينافي هذه الدلالة على وجود المقتضي لولا المشقة، فإن المشقة إنما تعارض الوجوب والتحتم. وعن الثاني: أنَّ المسمى مطلقُ الأمر، أو الأمر المطلق، وكون المشقة دالة على الوجوب لا يمنع من كون المطلق للوجوب، والتقييدُ خلافُ الأصل.
следующие страницы →