← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنينَ لأمرتُهم بالسواكِ" (١)] (٢). قال الغافقي: وفي رواية أبي مصعب، وابن بُكَير: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية ابن القاسم، وابن عُفير: "على أمتي، أو على الناس"، وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي: "على أمتي"، وليس [هذا] (٣) عند القعنبي. قلت: ظاهر قوله: إنَّ هذا الحديث ليس عند القعنبي، وقد ذكر أبو عمر ما قدمنا حكايتَه عن القعنبي فيما رواه عن مالك. وأما رواية سفيان التي ذكرها أبو عمر فإن مسلماً أخرجَها في "صحيحه"، عن قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا (٤): ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين (وفي حديث زهير: على أمتي) لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة" (٥). ورواها أبو داود في "سننه" عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة" (٦).

стр. 1332

وروى الترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلّ صلاة ... " الحديث، [وقال] (١): هذا حديث حسن [صحيح] (٢) (٣). * * * * الوجه الثالث: في المفردات: وقد تقدمت في الحديث قبله. * * * * الوجه الرابع: من روى: "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنينَ" فصفةُ الإيمان مناسبة للتخفيف، ومن روى: "على أمتي" فهي (٤) أَدْخَلُ في هذا الباب، لأن أمته محمولةٌ هاهنا على المؤمنين، ففيها ما في رواية المؤمنين وزيادةٌ تُوجبها الإضافةُ المقتضية للاختصاص به ﷺ المناسبةُ للتخفيف. * * * * الوجه الخامس: في المباحث والفوائد: وقد اشترك هذا الحديث مع الذي قبله في كثير منها، والذي

стр. 1333

نذكره في هذا مسائل: الأولى: يدلُّ على استحباب السواك عند كل صلاة، وهي إحدى الأماكن التي يُسْتَحب فيها السواك، ووجهُ الدليل منه كوجه الدليل من الذي قبله، وهو أنه يدل على أنّ المقتضيَ للأمر به عند كل صلاة موجودٌ، وإنما تُرك لأجل المشقة، وذلك كافٍ في الدلالة على الاستحباب. الثانية: [ و] (١) يدل على استحباب مطلق السواك كما تقدم. الثالثة: علة هذا الأمر بتطييب الأفواه لقراءة القرآن والمناجاة في الصلاة، وقد ورد ما يقتضي أن ذلك لأجل المَلَك (٢).

стр. 1334

الرابعة: استُدلَّ به في أصول الفقه على أن الأمر للوجوب، ووجه الدليل منه: أن كلمة (لولا) كما ذكرنا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فدلَّ (١) على انتفاء الأمر لوجود المشقة، ولو كان الأمر للندب لم ينتفِ لأجل المشقة؛ لأنَّ الاستحباب ثابت، فالأمر الدال عليه ثابت على ذلك التقدير، لكنه منتفٍ لمقتضى لفظة (لولا)، والمنتفي هو الوجوب، فالأمر الدال على الوجوب منتفٍ، فالأمر للوجوب، واعتُرِضَ عليه من وجهين: أحدهما: تقريرُه: أنَّ ذلك إنما يصح على تقدير أن يكون استحباب السواك عند كل صلاة ثابتاً عند تكلم النبي ﷺ بهذا اللفظ، ولا نسلمه؛ لجواز أن يكون الندبُ ثابتاً بعد ذلك، فلا يلزم ما ذكرتموه من انتفاء اللازم الذي ادَّعيتموه، وهو أنه لو كان الأمرُ للندب لما انتفى عند وجود المشقة؛ لثبوت الاستحباب، ولكنه منتف بصيغة (لولا)، فنقول: لا نسلِّم أن الاستحبابَ ثابت حينئذٍ. والوجه الثاني: أن فيه [ما يدل] (٢) على أنه أراد بالأمر الوجوبَ،

стр. 1335

بدليل أنه قرر (١) به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب؛ لكونه متحتِّماً، بخلاف المندوب؛ لكونه في محل الخِيَرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الأمر للوجوب لقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الأمر لا يمنع من هذا التأويل (٢). والجواب عن السؤال الأول يظهر مما قدمناه من أن اللفظ بنفسه يدل على وجود المقتضي للأمر لولا المشقة حينئذ، ووجود المقتضي للأمر كاف في الاستحباب، فيكون الاستحباب ثابتاً حينئذ، فإنه لو صُرِّح وقيل: لولا وجود المشقة لوجب السواك عند كل صلاة، [لكان ذلك دالاً على طلب السواك عند كل صلاة] (٣)؛ لِما ذكرناه من دلالته على وجود المقتضي، وانتفاء الوجوب بحصول المشقة لا ينافي هذه الدلالة على وجود المقتضي لولا المشقة، فإن المشقة إنما تعارض الوجوب والتحتم. وعن الثاني: أنَّ المسمى مطلقُ الأمر، أو الأمر المطلق، وكون المشقة دالة على الوجوب لا يمنع من كون المطلق للوجوب، والتقييدُ خلافُ الأصل.

стр. 1336

الخامسة: الذي يقتضي (١) نقلُ الماوردي عن داود بن عليّ: [أن] (٢) السواكَ واجبٌ للصلاة. قال [في صحة الصَّلاة] (٣): وقال داود بن عليّ: السواك واجب، لكن لا يقدح تركُه في صحة الصَّلاة. قال: وقال إسحاق بن راهويه: السواك واجب، فإن تَرَكَه عامدًا بطلت صلاتُه، وإن تَرَكَه ناسياً لم تبطل (٤). قال بُعض الشارحين (٥): فيه دليلٌ على أن السواك ليس بواجب، قال الشافعي ﵀: لو كان واجبًا لأمرهم به؛ شقَّ، أو لم يشقَّ. أورده هذا الشارح عقيبَ ذكرِه قولَه ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على المؤمنينَ - أو على أمتي - لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كل صلاةٍ". وأقول: لا يتم هذا الاستدلالُ على ما ذكره من أن السواك ليس بواجب مطلقًا، وإنَّما يدل - إن تمَّ - على أنه ليس بواجب عند كل صلاة، ولا يلزم من انتفاءِ وجوبه عند كلِّ صلاة انتفاءُ وجويه مطلقًا؛ لأنَّ نفيَ الخاص لا يلزم منه نفيُ العام، وإنَّما يمكن الاستدلالُ به على نفي الوجوب مطلقًا على رواية يَحْيَى بن يَحْيَى التي لم يزدْ فيها على قوله: "لأمرتُهم بالسواكِ".

стр. 1337

السادسة: قال هذا الشارح: وقال جماعة أيضاً: فيه دليل على أن المندوب ليس مأموراً به، قال: وهذا فيه خلاف لأصحاب الأصول، ويقال في هذا الاستدلال ما قدمناه في الاستدلال على الوجوب، والله أعلم (١). قلت: والذي كان قدَّمه ثَمَّ: أنه يحتاج في تمامه إلى دليل على أن السواك (٢) كان مسنوناً حالةَ قوله ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم". وقد كان ذكر في الأمر للوجوب: أنه مذهبُ أكثرِ الفقهاء، وجماعاتٍ من المتكلمين، وأصحابِ الأصول (٣). وأقول: أما من ذهب إلى أن الأمر للندب فلا شكَّ أنه يقول: المندوب مأمور به، وأمَّا من ذهب إلى أن الأمر للوجوب، فعلى مذهبه نقول: المأمور به واجب، فما لا يكون واجباً لا يكون مأموراً به، وعلي هذا هو موافق لقول أصحاب الأصول في اختيار (٤) كون الأمر للوجوب. السابعة: قال: وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يردْ فيه نصٌّ من الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار (٥).

стр. 1338

قلت: قد ذكر هذا المعنى القاضي أبو الوليد الباجي في "المُنتقَى في شرح الموطَّا" (١)، غير أن [هذا] (٢) الشارح قد قدم عن الشافعي ﵀ أنه قال: لو كان واجبًا لأمرهم به؛ شقَّ، أو لم يشق (٣). وهذا الكلام يدلُّ على عدم الاجتهاد، وتعيُّن الحكم بالنص؛ لأنَّ الحديث دل على أن المشقة مانعةٌ (٤) من الأمر؛ أعني: أمره ﷺ ، فعلى تقدير تعيين الحكم بالنص لا تكون المشقة مانعة من أمره ﷺ ؛ لأنَّه لو وجب بالنص لأمرَ؛ شقَّ أو لم يشقَّ؛ [كما] (٥) قال الشافعي - رحمه الله تعالى -، فيكون المانعُ من أمره ﷺ عدمَ ورود النص بالوجوب، لا المشقة. وعلي تقدير جواز الاجتهاد صحَّ أن تكون المشقةُ مانعة من الأمر؛ [لأن الاجتهاد إذا اقتضى أن تكون المشقة مانعة من الوجوب اقتضى ذلك عدمَ الأمر، فتكون المشقة مانعة من الأمر] (٦)، فمن لوازم كونِ المشقة مانعةً أن يكون الاجتهاد جائزًا، وهذا الملزوم ثابت بالحديث، فثبت جواز الاجتهاد (٧).

стр. 1339

الثامنة: وفيه بيان ما كان النَّبيُّ ﷺ عليه من الرفق بأمته ﷺ (١). التاسعة: يُستدل به على جواز السواك للصائم بعد الزوال كما تقدم في الذي قبله، وقد ترجم عليه النسائيُّ ﵀ في "سننه": الرخصةُ في السواك بالعشيِّ للصائم، وأدخل هذا الحديث عن قتيبة، عن مالك (٢)، والاستدلالُ به ظاهرٌ؛ لأنَّه يدل على الاستحباب عند كل صلاة، وصيغة ذلك للعموم، فيدخل تحته صلاتا العشي؛ [أعني] (٣): الظهرَ والعصرَ. العاشرة: ذكر بعضُ المالكية المصنفين: كراهةَ السواك في المسجد (٤)، وعلته: إدخاله في باب إزالة المستقذرات، والمسجدُ منزَّهٌ عنها. وهذا الحديث - عندي - يدل على خلافه؛ لأنَّ: (عند) للظرفية حقيقة، فيعمل بذلك بقدر الإمكان، فيقتضي استحباب السواك بحضرة كل صلاة وعندها (٥)، وحينئذ لا يخلو من أن يقال بتقديم السواك على الدخول في المسجد (٦)، فلا يُوفى بمقتضى لفظة (٧)

стр. 1340

(عند)، لاسيما مع ما نُدبَ إليه من انتظار الصَّلاة (١)، وما عُرف من استحباب البكور إلى المسجد للصلاة (٢)، وكما دل عليه حديث الرواح إلى الجمعة (٣). وأما أن يُحافظ على مقتضى لفظة (عند)، فيقتضي ذلك أن يخرجَ من المسجد عند إقامة الصَّلاة؛ لإقامة سنة السواك عند الصَّلاة، وذلك باطل؛ إذ لم يُنقَلْ عن المسلمين أنهم كانوا إذا أُقيمت الصلاةُ خرجوا بأجمعهم عن المسجد إلى أبوابه والطرقِ المتصلةِ به ليستاكوا، ثم يدخلوا المسجد، وأيضًا فقد ثبت النهيُ عن الخروج من المسجد بعد الأذان (٤).

стр. 1341

وأمَّا إدخاله في باب إزالة المستقذرات، فإذا لم يحصل التفل في المسجد، ولا البصاق [فيه] (١)، عارضنا ذلك بأنه (٢) عبادةٌ على ما دل عليه الأحاديث، وثبت من استحبابه، والعباداتُ محلُّها المسجدُ، والله أعلم. الحادية عشرة: من روى: "لأمرتهم بالسواك" فالمشقة على هذه الرواية في الوجوب؛ لأنَّه يقتضي عدمَ المُكْنة من التَّرك، والتعرُّضَ للعقاب على تقديره. ومن روى: "لأمرتهم عند كل صلاة" فالمشقة في التكرار بصفة الوجوب على ما تقدم من الاستدلال به على أنَّ الأمر للوجوب. الثَّانية عشرة: يمكنُ من قال: إنَّ الأمر المطلق للتكرار، [أنْ] (٣) يستدلَّ برواية من روى: "لأمرتُهم بالسِّواك". وطريقُهُ أن يقال: دلَّ الحديثُ على كونِ المشقَّة مانعةً من الأمر بالسواك، ولا مشقةَ في وجوب مرةٍ واحدة لمسمى السواك مع عدم كُلْفته، أو قلتها، فإنما (٤) المشقة في تكرار الفعل مع الوجوب، فلو لم يكن الأمر به للتكرار، [لما كانت المشقة مانعة؛ لأنَّه يمتنع كونُ

стр. 1342

المشقة مانعةً، ولا مشقة، لكن المشقة مانعة من الوجوب، فيكون الأمر للتكرار] (١) (٢). وفيه ما قدمنا من لحوق المشقة بنفس الوجوب من جهة تحتُّم الفعل، والتعرض للعقاب على تقدير الترك. الثالثة عشرة: قد قرَّرنا في غير هذا الموضع: أنه إذا ورد نهيٌ عام وخاص، ومُطْلَقٌ ومقيَّدٌ، وكانا في طرفي النَّهي أو النفي، لم يُحملِ العام على الخاص، ولا المطلقُ على المقيد، وهذا كما في رواية من روى النهيَ عن مسِّ الذكر باليمين مطلقًا (٣)، ومن روى النَّهي عن مسه في الاستنجاء (٤)، فلا نقول: إن المطلق محمول على المقيد حتَّى يجوزَ مسُّهُ في غير حالة الاستنجاء؛ لأنَّ حملَ العامِّ على الخاص، والمطلقِ على المقيد، يكون عند التعارض، ولا تعارض هاهنا فيترك (٥) العمل بالعموم

стр. 1343

أو الإطلاق المقتضي لذلك، اللهم إلَّا أن يكون للخاص مفهومٌ عند من يقول بالمفهوم، فيبنوه على أن المفهوم هل يُخصُّ (١) به العموم، أم (٢) لا؟ فهذا نظر أصولي، ثم استدلال من (٣) صناعة الحديث: أنه يُنظر؛ هل (٤) الروايتان ترجعان إلى حديث واحد، أو حديثين؟ وُيعرف اتحاد الحديث باتحادِ مخرجِهِ وتقاربِ ألفاظه، فإن كان حديثاً واحدًا نظرنا؛ هل يمكن أن يكون الرسول ﷺ أو (٥) الراوي - جمع بين اللفظين معًا، أو لا؟ ونعني بالإمكان هاهنا: ما تقتضيه غلبةُ الظن، لا الإمكان على طريقة المتكلمين. فإن [أمكن] (٦) اجتماعُ اللفظين، وكان الحديث واحدًا، حملنا الأمر على النطق باللفظين، وأن بعض الرواة قد ترك شيئًا من اللفظ؛ إما نسياناً، أو لأنَّه لم يسمعه؛ هذا هو الذي تقتضيه غلبةُ الظن. إذا ثبت هذا فنقول: هذا الحديث راجع إلى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فهذا مخرجه عند الرواة عن مالك، وهو

стр. 1344

مخرج [واحد] (١)، ثمَّ إنَّ بعضهم روى: "لأمرتُهم بالسواك"، واقتصر على ذلك، وبعضهم روى: "عند كل صلاة"، ويمكن الجمعُ بين اللفظين، فعلى [مقتضى] (٢) ما (٣) ذكرناه يُحمل الأمرُ على الجمع بينهما، وأن من ترك قوله: "عند كل صلاة"؛ إما أن يكون تركُه لعدم سماعِه، أو يكون تركُه نسياناً بعد سماعه، أو لغير ذلك، فيُحمل الحديثُ على رواية الكمال، وهو: "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٤) "، فعلى هذا إذا أردنا أن نستدِلَّ برواية من روى: "لأمرتهم بالسواك" فقط، كان فيه هذا البحث. وأعلم أنه ربما يقعُ (٥) تقاربٌ في الظن فيما ذكرناه من القاعدة، وربما يُختلف [أيضاً] (٦) فيه ويُنازَع، فإنّه لا يمتنع أن تكون الروايتان حديثين، وإن وجد ما ذكرناه من الدليل على الاتحاد، وإنَّما ذكرنا هذا لينظُرَ فيه الناظر، ويعمل بغالب الظن عنده، ففيه فائدةُ التنبيهِ على الطريق، مع تفويض النظر إليه في العمل، والله أعلم بالصواب. الرابعة عشرة: قد يُؤخذُ منه [أنَّ] (٧) صيغة (كل) للعموم من

стр. 1345

حيثُ إنَّ حملَها على الخصوص لا يوجب مشقة، وفيه البحث السابق. الخامسة عشرة: فيكون ذلك دليلاً على أن للعموم صيغةً؛ لأنَّ الدالَّ على المقيد دالٌّ على المطلق. السادسة عشرة: قد ذكرنا في رواية البُخاريّ: "مع كلِّ صلاةٍ"، وذلك يقتضي من القرب والخصوص ما تقتضيه (عند) مع زيادة على ذلك؛ لإشعار المعيَّة بالاتحاد في الزمان، وإذا تعذَّر ذلك عادة أو شرعًا حُمل على القرب الممكن، فيدل على قوة اعتبار القرب، فيكون أدلَّ على عدم كراهة السواك في المسجد. السابعة عشرة: إذا تردد اللفظ بين الحقيقة الشرعية واللغوية وجب حملُه على الشرعية، فلا يتناول الحديث إلَّا ما يُسمَّى صلاةً شرعًا، لا لغةً مثلًا. الثامنة عشرة: يتعيَّنُ حملُه على الصَّلاة الكاملة، وإن كان قد زَعم بعضُهم: أنَّ الركعةَ الواحدة تسمى صلاة (١)، حتَّى استدل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بقوله ﵇: "كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآنِ فهي خداجٌ" (٢). التاسعة عشرة: فإن صحَّ ما قيل من هذا، فقد دخل هذا الحديثَ التخصيصُ.

стр. 1346

العشرون: يمكن أن يُستدلَّ بهذا الحديث على بطلان الاستدلال المذكور في وجوب الفاتحة في كل ركعة، وطريقه أن يقال: لو كانت كلُّ ركعة صلاةً، لاستُحبَّ السواكُ فيها، واللازم منتفٍ بالإجماع، ودليلُ الملازمة عمومُ هذا الحديث. الحادية والعشرون: يدخل في العموم - أعني: عمومَ قوله ﵇: "عند كل صلاة" - صلاةُ الفرض والنفل على اختلاف أصنافه. الثَّانية والعشرون: يدخل تحته أيضًا صلاة الجنازة، وإن خالفت الصلوات المعهودة؛ لانطلاق الاسم شرعًا. الثالثة والعشرون: من اشترط في سجود التلاوة شروطَ الصَّلاة، واستدلَّ على ذلك بأنها صلاةٌ، لزمه أن يُدْرِجَها تحت العموم. الرابعة والعشرون: جاء في الحديث: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (١)، فإن حُمل على الحقيقة اندرج، وإن حُمل على المجاز فلا.

стр. 1347

الخامسة والعشرون: وهل يدخل تحته الصَّلاة المكروهة؛ [كالصلاة في الأوقات المكروهة] (١) إذا قلنا بانعقادها؟ أما من قال بأنه يقطعها، فلا شكَّ أنه لا يستحبُّ ذلك؛ لأنَّه إنَّما يستحبُّ (٢) لأجل الصلاة، وما كان مأموراً بقطعه لا يطلب لأجل فعله غيره. وأمَّا من لم [يقل] (٣) بقطعها (٤) فيمكن أن يقال: تدخل تحت اللفظ؛ لأنها حينئذٍ صلاةٌ منعقدة. والصواب أن يقال: ما كان مطلوبَ العدم لا يُطلَبُ لأجله تحصيلُ ما يُطلب تحصيلُه لأجل مطلوب الوجود، والاستحبابُ لو ثبت هاهنا لثبت مقيدًا بكونه للصلاة، ولا يلزم أن يطلب وجود الشيء مقيدًا بما هو مطلوب العدم، اللهمَّ إلَّا أن يجعلَ ذلك من قَبيل الشروط وبابِها. السادسة والعشرون: هل يدخل فيه الصَّبي؟ أما إذا أُخذ من مُجرَّد منع المشقة من الأمر فلا يدخل؛ لأنَّ الصبيَّ غيرُ قابل لتعلق (٥) الوجوب به [من الأمر] (٦)، فلا تكون المشقة

стр. 1348

في الإيجاب مانعة [من الأمر] (١) في حقه. وأمَّا على طريقتنا في أن اللفظ يقتضي وجودَ ما يقتضي الوجوبُ لولا المشقة من المصالح، وأن ذلك بمجرَّده يكفي دليلاً على الاستحباب، فيدخل فيه الصَّبي؛ لأنَّه من الأمة. السابعة والعشرون: هل تدخل تحته صلاةُ من لم يجد ماءً ولا تراباً؟ أما من قال: إنه يصلِّي ولا يقضي، فظاهر؛ لأنها صلاة وقعت مجزئة، وأمَّا من قال: يصلِّي ويقضي، فيقتضي أن لا يدخلَ؛ لأنها ليست بصلاة حقيقة، وإنَّما هي تُشْبه الصَّلاة. الثامنة والعشرون: ولهذا قال بعضُ الشَّافعية: لا يقرأ فيها القرآنَ إذا كان جنباً، معلِّلاً بأن سائر الأركان يُؤتى بها تشبُّهاً، وقراءة القرآن حقيقة (٢). التاسعة والعشرون: المراد بالسواك هاهنا الفعل الذي هو المصدر، وقد قدَّمنا أنه يُطلق على الآلة، إلَّا أنه يُحوِج إذا حُمل على ذلك إلى إضمار، مثلَ أن (٣) يقال: لأمرتهم باستعمال السواك، و (٤) ما يقرب من ذلك، ولا حاجةَ إلى الإضمار مع إمكان الاستغناء عنه.

стр. 1349

الثلاثون: مقتضى اللفظِ الاكتفاءُ بمسمى السواك، فإن طُلب أمرٌ زائد على المسمى فَبِدليل من خارج، أو باعتبار العلة كما جاء: "أن الملكَ يضعُ فاه على فمِ القارئِ" (١)، فعلى هذا لا بدَّ من إزالة ما تبقى له رائحةٌ مكروهة بجملته على حسب الإمكان؛ اعتبارًا للمعنى. الحادية والثلاثون: لما كان سببُ عدم الأمر هو المشقة في التكرار، والحالات التي يستحب فيها السواك متعددة متكررة أيضًا، فالمشقّةُ حاصلة في الأمر بالسواك عندها، فتخصيص (٢) ذكرِ الصلاةِ دون بقية الحالات التي يقتضي الأمرُ بالسواك عندها لحوقَ المشقة، يدل على زيادةٍ في تأكيد الاستحباب عند هذه الحالة على بقية الحالات؛ لأنَّ الاشتراك في مقدار المصلحة يقتضي الاشتراك في الحكم، فلا يبقى في التخصيص فائدة، بخلاف ما إذا حصل التفاوت في ذلك المقدار، فإن الزيادة حينئذٍ إذا اقتضت زيادةَ التأكد اقتضت زيادةَ المشقة، [فلا يلزم الاستواء في الاستحباب، وثبتت الفائدةُ في التخصيص] (٣) بالذكر. الثانية والثلاثون: يدل على الاستحباب عند الصَّلاة، فيمكن أن يُجعلَ من سننها، ولا يمنع من ذلك تقدُّمه عليها، ويمكن أن لا يُجعلَ من سننها؛ لاحتمال أن يكونَ المطلوبُ تقدُّمَ هذا الفعلِ على الصَّلاة من غيرأن يجعل سنةً من سننها.

стр. 1350

وقد قدَّمنا الخلافَ في الوضوء؛ هل يُعدُّ السواك من سننه، مع الاتفاق على كونه مطلوباً عنده؟ وفي ذلك ما يدلُّ على الفرق بين مُجرَّد المطلب عند الشيء، وبين كونه مع ذلك معدوداً من سننه، والله أعلم. * * *

стр. 1351

الحديث الخامس وعن حذيفةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ (١) يَشُوصُ فَاهُ بالسِّواكِ. أخرجوه إلا التِّرمِذِيِّ (٢). ويَشُوصُ؛ بمعنى: يدلك، وقيل: يغسل، وقيل: يُنقي. الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان (٣)، واسمه الحُسَيل - بضم

стр. 1352

الحاء، وفتح السين المهملتين، وسكون آخر الحروف، وآخره لام، تصغير حِسْل، [بكسر الحاء، وسكون السين، وهو اسم منقول، ويقال في ابنه اليمان أيضاً: حِسْل] (١) على التكبير دون التصغير - ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جُروة بن الحارث بن مازن بن قُطَيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عَيلان بن مضر، يجتمع مع رسول الله ﷺ في مضر. وكان حليفَ بني عبد الأشهل، شهدَ مع رسول الله ﷺ ، هو وأبوه أُحداً، وقُتل [أبوه] (٢) يومئذٍ، قتله المسلمون قَتْلَ خطأ. وقيل: أرادا أن يشهدا بدراً، فاستحلفهما (٣) المشركون أن لا يشهدا مع النَّبيُّ ﷺ ، فحلفا لهم، ثم سألا النبيَّ ﷺ فقال: "نَفِي لهُمْ بعهدِهِمْ، ونسَتعينُ اللهَ عليهم (٤) " (٥). وقيل: جروة هو اليمان، ومن ولده حذيفة، وإنَّما قيل: ابن اليمان؛ لأنَّ جروة أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني

стр. 1353

عبد الأشهل، فسماه قومُه: اليمان؛ لأنَّه حالف اليمانية. وذكر بعضُهم: أن اليمان والد حذيفة، وجروة أيضًا؛ هذا معنى قوله. روى عنه غيرُ واحد من الصحابة، [و] (١) ولاه عمر بن الخطاب ﵁ المدائنَ، فنزلها، ومات بها سنة ست وثلاثين بعد قتلِ عثمان بن عفَّان ﵄ بأربعين ليلة فيما قيل، وقد اتفق الأئمةُ على إخراج [حديثه و] (٢) روايته. قال أبو عمر: كان حذيفة من كبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو الذي بعثه (٣) رسولُ الله ﷺ يوم الخندق ينظر (٤) إلى قريش، فجاءه بخبر رحيلهم. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سرِّ رسول الله ﷺ ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من ماتَ منهم؛ فإن لم يشهد جنازته حذيفةُ لم يشهدها عمر ﵁. وكان حذيفة يقول: خيَّرني رسولُ الله ﷺ بين الهجرة أو النُّصرة، فاخترت النصرة (٥).

стр. 1354

وهو حليف الأنصار لبني عبد الأشهل، وشهدَ حذيفةُ نهاوند، فلما قُتِلَ النعمانُ بن مُقَرّن أخذ الراية، وكان فَتْحُ همذانَ والريِّ والدِّيْنَوَرِ على يدي حذيفة، وكانت فتوحه كلُّها [سنة] (١) اثنتين وعشرين. ومات حذيفة ﵁ سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان في أول خلافة عليّ ﵄، وقيل: توفي في سنة خمس وثلاثين، والأول أصحُّ، وكان موته بعد أن أتى نعيُ عثمان إلى الكوفة، ولم يُدرِك الجمل. وقُتِلَ صفوان وسعيد ابنا حذيفة بصِفِّين، وكانا قد بايعا [علياً] (٢) ﵁ بوصيَّةِ أبيهما بذلك لهما. وسئل حذيفة: أيُّ الفتن أشدّ؟ [قال] (٣): أن يُعرض عليك الخير والشرُّ، فلا تدري أيَّهما تركب (٤) (٥). وقال حذيفة: لا تقوم الساعة حتَّى يسودَ كلَّ قبيلة منافقوها (٦). انتهى.

стр. 1355

* الوجه الثَّاني: [في تصحيحه]: وقد قلنا في الأصل: أخرجوه إلَّا التِّرمذيُّ، والمرادُ أصحاب الكتب الستة؛ البُخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، وقد استُثني الترمذيُّ ممن أخرجه. وهو حديثٌ من روايةِ أبي وائل، عن حذيفة، رواه عن أبي وائل، منصور وحصين والأعمش، [واتفق البخاريُّ [ومسلم] على تخريج رواية منصور وحصين] (١)، وأخرج مسلم روايةَ الأعمش (٢). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: قد (٣) ذكر في الأصل تفسير (يشوص)، وحكى فيه ثلاثة أقوال: يدلك، ويغسل، [وينقي، وتفسيره بالغسل] (٤) هو قول أبي عبيد، قال: والموص مثله (٥)، وأنشد لامرئ القيس (٦).

стр. 1356

الثَّانية: إذا فسَّرنا (يشوص) بـ: يدلك، [كان] حملُ السواك على الآلة ظاهراً مع احتماله للدلك بالإصبع، والباء (١) للاستعانة. وإن فسرناه بـ: يغسل، فيمكن أن تراد الحقيقة؛ أي: الغسل بالماء، فالباء للمصاحبة، وحينئذ يحتمل أن يكون السواك الآلة، ويحتمل أن يريدَ الفعلَ. ويمكن أن يُراد المجازُ، وأن يكون بتنقية الفم وإخراج ما فيه يُسمَّى غسلًا على مجاز المشابهة (٢). وإن فسرناه بـ: ينقي، فيحتمل الأمرين أيضًا، وحمله على الآلة أقرب. الثالثة: قوله: "إذا قامَ من الليلِ" يحتمل أن يراد به القيامَ من النوم؛ بمعنى: استيقظ، ويكون فيه حذف؛ أي: استيقظ من نوم الليل.

стр. 1357

ويحتمل أن تكون (من) لابتداء الغاية من غير تقدير حذف النوم. ويحتمل أن يريدَ بالقيام: القيامَ إلى الصَّلاة، فإنَّ مثلَ هذا اللفظ قد يُستعمل في مثل هذا المعنى، يقال: فلان يقوم من الليل؛ أي: يصلِّي. الرابعة: إنْ فسَّرنا يشوص بـ: يدلك، فالأقربُ حملُه على الأسنان، فيكون من مجاز التعبير بالكل عن البعض، أو من مجاز الحذف، كأن التقدير: يدلك أسنانَ فِيْه. وإن فسرنا يشوص بـ: يغسل، وحملناه على الحقيقة أو المجاز المذكور، فلا مانع من حمله على جملة الفم، وتكون الباء للمصاحبة. وإن فسرناه بـ: ينقي، فالأقرب حملُه على الأسنان كما في الأول، إذا كان ينقي مستعملاً في إزالة ما عَسَاه يلتصق بالعضو كبعض المأكولات مثلاً، وإن كان ينقي [بمعنى] (١): يجعله نقيًّا، فلا يمتنعُ حملُه على جملة الفم. * * * * الوجه الرابع: في الفوائد، وفيه مسائل: الأولى: إحدى الحالات التي يُسْتَحَبُّ فيها السواك حالة القيام من النوم، فإذا حمل القيام من الليل على الاستيقاظ من النوم، استُدِلَّ به على ذلك.

стр. 1358

وقد استدلَّ بعضُ الفقهاء على استحباب السواك عند القيام من النوم بحديث حذيفة، لكنه روى فيه: "كانَ إذا قامَ من النومِ"، فلتُتفقَّدْ هذه اللفظة وتُتَتبَّع؛ ليُنظر وجودها أو عدمه (١). الثَّانية: هذا الحكمُ يُعلَّلُ بما يُحدثه النومُ من تغيير الفم بالمناسبة. الثالثة: يمكن ترجيحُ حمله على هذا المعنى، فإنَّ اللفظ اقتضى تعليقَ الحكم (٢) بمسمى القيام من الليل، فيكون الظاهرُ حملَه على المسمى، وحملُه على ما زاد على ذلك خارجٌ عن مُجرَّد ما دلَّ عليه اللفظ، إلَّا أن فيه تجوّزاً في لفظ القيام. الرابعة: وإذا حملناه على القيام للصلاة، فيحتمل أن يكون السواك لأجل الصلاة، فيدل على ما دل عليه الحديث قبله من السواك

стр. 1359

عند الصَّلاة، أو لأجلها، ويحتمل أن يكون لأجل الاستيقاظ من النوم؛ لما ذكرنا من العلة، ويحتمل أن يكون لهما معاً. الخامسة: إذا حملناه على الاستيقاظ من النوم جُعلت علتُه ما ذكرناه من تأثير النوم في تغيير الفم بالمناسبة، فيُجعل أصلًا في استحباب السواك في كلّ ما توجد فيه هذه الحالة؛ أي (١): تغيير الفم، وقد يتغير عند غير هذه الأحوال؛ إما عند كثرة الكلام، وإما لطول السكوت، وإما لشدة الجوع، وإما لأكل ما يغير الفم من الأشياء المُريحة. قال الشَّافعي ﵀: والاستيقاظ من النوم والأَزْم (٢). وفي الأَزْم تأويلان: أحدهما: أفه الجوع، ومنه ما روي: أن (٣) عمرَ [بن] (٤) الخطاب ﵁ (٥) - سألَ الحارث بن كِلْدة، وكيان طبيبَ العرب، فقال: ما الداء؟ قال: الأكل، قال: فما الدواء؟ قال: الأزم (٦)؛ يعني:

стр. 1360

الجوع والاحتماء، وقال كعب بن زهير (١) [من البسيط]: المُطْعِمُونَ إذا ما أَزْمَةٌ أزَمتْ ... والطَّيبُونَ ثِياباً كُلَّمَا عَرِقُوا والثاني: أنه السكوت (٢). قال بعضُهم: وهو في اللغة الإمساك (٣)، فتارة يُعبَّرُ به عن الجوع؛ لأنَّه إمساك عن الأكل، وتارة يُعبَّرُ به عن السكوت؛ لأنَّه إمساك عن الكلام. السادسة: قد عُلم أن الفمَ حقيقةٌ في الجملة، فيقتضي الاستياك [في الجملة] (٤). قال بعضُ فقهاء الشَّافعية: الاستياك عرضًا في ظاهر الأسنان وباطنها، ويُمِرّ السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه؛ ليجلوَ جميعَها (٥) من الصُّفرة والتغير، ويُمِرُّه على سقف حلقه إمراراً خفيفاً؛ ليزيل الخُلُوف عنه، فقد كان النَّبيُّ ﷺ يشوص فاه بالسواك (٦). السابعة: وقد ذكرنا ما يقرب فيه حمل السواك على الآلة، وما يقرب

стр. 1361

حمله فيه على الفعل، وما يحتمل الأمرين، وذكرنا أنه إذا فسر يشوص بـ: يدلك؛ أنه يُحمل على الآلة ظاهرًا، فإذا كان كذلك دلَّ على استحباب السواك بالآلة، [وأنه سنة. والفقهاء اختلفوا في الاستياك بالإصبع على ثلاثة أوجه، يُفرَّقُ في الثالثة بين العجز على الآلة والقدرة عليها؛ هذا معنى ما نُقل (١). وهو اختلاف في الاكتفاء به (٢)، من غير نزاع في أن الأصل الاستياكُ بالآلة] (٣). الثامنة: فإذا دل على أنَّ السنة الاستياكُ بالآلة، فالأقرب حملُه على المعتاد في ذلك، والمشهور فيه عُود الأراك. وقول من قال من الفقهاء الشَّافعية: فإن تعذَّر الأراكُ عليه استاك بعراجين النخل، فإن تعذر استاك بما وجد (٤).

стр. 1362

[و] (١) يظهر أنه اكتفى بما ذكر بطريق النظر إلى المعنى، ويمكن أن يقال: إذا كان الأصل الاستياك بعود الأراك؛ إما حملًا للّفظ على المعتاد في أرض الحجاز والعرب، [أو أخذاً] (٢) بما روي من حديث أبي خيرة (٣): أن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يستاكُ بالأراكِ (٤)، فعند تعذُّر النوع الأقرب، يُرتقى إلى ما فوقه من الجنس الأقرب فالأقرب؛ لأنَّه أقرب إلى التأسي، والاستنان في الاستنان (٥).

стр. 1363

التاسعة: هذا الذي ذكرناه من الدلالة على استحباب الاستياك بالآلة، وبنيناه على أن تُفسر (١) يشوص بـ: يدلك، إذا أردنا أن نَستدلَّ عليه في نفس الأمر، لا على تقدير التفسير بـ: يدلك، فليس لنا أن نبنيَه على أن اللفظ المشترك؛ هل يُحمل على جميع معانيه؛ فإن أجزنا ذلك دخل فيه الدلك، وحصل الغرض. وإنَّما قلنا: ليس لنا ذلك؛ لأنَّ هذه حكايةُ فعل معيَّن من جهة الراوي، لا حكايةُ لفظ من النَّبيُّ ﷺ عُلِّق فيه الحكم على لفظ مشترك، وإذا كان حكايةَ فعل معين فصفتُه غيرُ معلومة؛ أعني: الصفةَ التي عبَّر الراوي عنها بـ: يشوص؛ أهي الغسل، أو الدلك، أو التنقية؟ وليس لنا أن نحمل عليه أنه عبر عن الجميع؛ لأنَّ ذلك مشكوك فيه، وفي اعتقاد الراوي جوازُه؛ [أي: جواز حمل المشترك على جميع معانيه] (٢). العاشرة: وكذلك من أراد أن يستدلَّ على جواز الاستياك بالإصبع بأنه يحصل فيه مسمَّى الدلك فيُكتفى به، لا يتمُّ له ذلك؛ لأنَّه لم يعلَّقِ الحكم في لفظ الرسول ﷺ على مسمى الدلك، وإنَّما حكى الراوي فعلًا معينًا صحَّ حملُه على الدلك، فهو محتمِل للدَّلك بالإصبع وبالآلة، وحمله على الآلة أولى بالغلبة في الاستعمال. الحادية عشرة: ويمكن أن يُسلك في ذلك طريقة؛ وهو أن يقال:

стр. 1364

دليلُ التأسي والاتباع فيه (١) أن يكون فعلُ ما فعله ﷺ أمراً مطلوباً، وورود هذا اللفظ المشترك من الراوي لا يزيل هذا المطلب، وحصول هذا الأمر المطلوب موقوفٌ على فعل هذه الأمور الثلاثة، وهو ممكن، وما لا يتم حصول المطلوب [إلَّا] (٢) به مع إمكانه فهو مطلوب، فالاستياك بالآلة مطلوب، وذلك يحصِّل الغرض. الثَّانية عشرة: إلَّا أنَّ هذا يقتضي استحبابَ فعل جميع (٣) [هذه الأمور] (٤)، وهو بعيد الوجود في نصوص الفقهاء؛ أعني: الجمعَ بين الدلك، والآلة، والغسل بالماء، إن حملنا الغسل على حقيقته. * * *

стр. 1365

الحديث السادس وروى [مسلم] (١) من حديث أبي بردة، عن أبي مُوسى قال: دخلْتُ على النبيِّ ﷺ ، وطَرَفُ السِّواكِ على لِسَانِهِ (٢). ورواه أبو داودَ بلفظ: أتَيْنا رسولَ اللهِ ﷺ [نَسْتَحْمِلُهُ]، فرأيْتُهُ يَسْتَاكُ على لِسَانِهِ (٣). الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو موسى: عبدُ الله بن قيس بن سُلَيم - بضم السِّين،

стр. 1366

وفتح اللام - بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وآخره راء مهملة - ويقال: حِضار - بكسر الحاء، وتخفيف الضاد، والحِضَار بهذه الصيغة الأخيرة: الثورُ الأبيض، فهو اسم منقول - ابن حرب بن عامر الأشعري من ولد الأشعر بن (١) أُدَد بن زيد بن كهلان، وقيل: إنه [من] (٢) ولد الأشعر بن سبأ، أخي حمير بن سبأ، وأمه: ظبية بنت وهب من عُك. قال أبو عمر: ذكر الواقدي: أن أبا موسى قَدِمَ مكةَ، فحالف سعيدَ بن العاص بن أميَّة (٣) أبا أُحَيْحَة، وكان قدومُه مع إخوته في جماعة من الأشعريِّين، ثم أسلم وهاجر إلى [أرض] (٤) الحبشة. [وقال ابن (٥) إسحاق: هو حليف لآل عتبة بن ربيعة، وذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة] (٦). وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لمَّا قدم مكّة، وحالفَ سعيد بن العاص، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض (٧) الحبشة، وقدم مع إخوته، وصادف قدومُه قدومَ

стр. 1367

السفينتين من أرض الحبشة. قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومِه مكةَ ومحالفتِهِ مَنْ حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتَّى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشيِّ بأرض الحبشة، فوافقوا خروج جعفر وأصحابِه [منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان - سفينةُ الأشعريين وسفينةُ جعفر وأصحابه -] (١) على النَّبيُّ ﷺ في حين فتح خيبر. وقد قيل: إنَّ الأشعريِّين حين رمتهم الريح إلى النجاشي أقاموا بها مدة، ثم (٢) خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا (٣) ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، والله أعلم. ولَّاه (٤) رسولُ الله ﷺ من مخاليف اليمن زَبيداً وذواتَها إلى الساحل، وولاه عمر ﵁ البصرة في حين عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدرٍ من خلافة عثمان ﵁ فعزله عنها، وولاها عبدَ الله ابن عامر بن كُرَيز (٥)، فنزل (٦) أبو موسى حينئذ (٧) الكوفةَ وسكنها، فلما

стр. 1368

رفع أهلُ الكوفة سعيد بن العاص، ولَّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه بأن يوليَه، فأقرَّه (١) عثمان ﵁ على الكوفة إلى أن مات، وعزله عليٌّ عنها. قال أبو عمر: ومات بالكوفة في داره بها، وقيل: إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين [سنة] (٢). وكان من أحسن النَّاس صوتاً بالقرآن، قال فيه رسولُ الله ﷺ : "لقدْ أوتيَ أبو مُوسى مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ داودَ" (٣). [و] (٤) سئل عليٌّ ﵁ عن موضع أبي موسى من العِلْم، فقال: صُبغَ في العلم صبغة، وهُدِي (٥).

стр. 1369

وأمّا أبو بردة: فهو عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس المقدَّمِ ذكرُه، الأشعريُّ، الكوفيُّ، قاضيها. سمع أباه، وابن عمر، وعبد الله بن سَلاَم، وعائشة ﵃. روى عنه الشعبي، وعبد الملك (١) بن عمير، وأبو إسحاق الهمذاني، وأبو إسحاق الشيباني، وحُميد بن هلال، وغيلان بن جرير، وابنه سعيد، وابن ابنه أبو بردة يزيد (٢) بن عبد الله. قال البُخاريّ: قال أبو نعيم: مات سنة أربع ومئة. وقال ابن أبي شيبة: وهو ابن نيف وثمانين سنة. وقال ابن سعد: قال الهيثم: توفي سنة ثلاثة ومئة. وقال ابن نمير: مات قبل موسى بن طلحة بأيام، وقال: مات موسى سنة ست ومئة (٣).

стр. 1370

* الوجه الثَّاني: في تصحيحه: وقد ذكر في الأصل: أن مسلمًا رواه، وهو حديث أخرجه في "صحيحه" عن يَحْيَى بن حبيب الحارثي، عن حماد بن زيد، عن غيلان - وهو ابن جرير المَعْوَلي -، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ولفظه ما في الأصل. وهو عند البُخاريّ أيضًا من هذا الوجه؛ أعني: من رواية حماد ابن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، بسنده: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يستنُّ بسِواكٍ، وطرفُ السواكِ على لسانِهِ، وهو يقولُ: عا عا (١). وقوله في الأصل: ورواه أبو داود ... إلى آخره، يُشعر بأنه حديث واحد، والذي في كتاب مسلم والبخاري ليس بصريح في الاستياك على اللسان، ودلالة لفظ مسلم على ذلك أقرب. ولما وقع التصريح به في لفظ أبي داود ذكره؛ ليجمع بين الدلالة على صحته، بنسبته إلى رواية مسلم، وبين التصريح بالسواك على اللسان بلفظ (٢) أبي داود، والدلالة على أنه حديث واحد بقوله: ورواه
следующие страницы →