← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وفتح اللام - بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وآخره راء مهملة - ويقال: حِضار - بكسر الحاء، وتخفيف الضاد، والحِضَار بهذه الصيغة الأخيرة: الثورُ الأبيض، فهو اسم منقول - ابن حرب بن عامر الأشعري من ولد الأشعر بن (١) أُدَد بن زيد بن كهلان، وقيل: إنه [من] (٢) ولد الأشعر بن سبأ، أخي حمير بن سبأ، وأمه: ظبية بنت وهب من عُك. قال أبو عمر: ذكر الواقدي: أن أبا موسى قَدِمَ مكةَ، فحالف سعيدَ بن العاص بن أميَّة (٣) أبا أُحَيْحَة، وكان قدومُه مع إخوته في جماعة من الأشعريِّين، ثم أسلم وهاجر إلى [أرض] (٤) الحبشة. [وقال ابن (٥) إسحاق: هو حليف لآل عتبة بن ربيعة، وذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة] (٦). وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لمَّا قدم مكّة، وحالفَ سعيد بن العاص، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض (٧) الحبشة، وقدم مع إخوته، وصادف قدومُه قدومَ

стр. 1367

السفينتين من أرض الحبشة. قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومِه مكةَ ومحالفتِهِ مَنْ حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتَّى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلًا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشيِّ بأرض الحبشة، فوافقوا خروج جعفر وأصحابِه [منها، فأتوا معهم، وقدمت السفينتان - سفينةُ الأشعريين وسفينةُ جعفر وأصحابه -] (١) على النَّبيُّ ﷺ في حين فتح خيبر. وقد قيل: إنَّ الأشعريِّين حين رمتهم الريح إلى النجاشي أقاموا بها مدة، ثم (٢) خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا (٣) ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، والله أعلم. ولَّاه (٤) رسولُ الله ﷺ من مخاليف اليمن زَبيداً وذواتَها إلى الساحل، وولاه عمر ﵁ البصرة في حين عزل المغيرة عنها، فلم يزل عليها إلى صدرٍ من خلافة عثمان ﵁ فعزله عنها، وولاها عبدَ الله ابن عامر بن كُرَيز (٥)، فنزل (٦) أبو موسى حينئذ (٧) الكوفةَ وسكنها، فلما

стр. 1368

رفع أهلُ الكوفة سعيد بن العاص، ولَّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه بأن يوليَه، فأقرَّه (١) عثمان ﵁ على الكوفة إلى أن مات، وعزله عليٌّ عنها. قال أبو عمر: ومات بالكوفة في داره بها، وقيل: إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين [سنة] (٢). وكان من أحسن النَّاس صوتاً بالقرآن، قال فيه رسولُ الله ﷺ : "لقدْ أوتيَ أبو مُوسى مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ داودَ" (٣). [و] (٤) سئل عليٌّ ﵁ عن موضع أبي موسى من العِلْم، فقال: صُبغَ في العلم صبغة، وهُدِي (٥).

стр. 1369

وأمّا أبو بردة: فهو عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس المقدَّمِ ذكرُه، الأشعريُّ، الكوفيُّ، قاضيها. سمع أباه، وابن عمر، وعبد الله بن سَلاَم، وعائشة ﵃. روى عنه الشعبي، وعبد الملك (١) بن عمير، وأبو إسحاق الهمذاني، وأبو إسحاق الشيباني، وحُميد بن هلال، وغيلان بن جرير، وابنه سعيد، وابن ابنه أبو بردة يزيد (٢) بن عبد الله. قال البُخاريّ: قال أبو نعيم: مات سنة أربع ومئة. وقال ابن أبي شيبة: وهو ابن نيف وثمانين سنة. وقال ابن سعد: قال الهيثم: توفي سنة ثلاثة ومئة. وقال ابن نمير: مات قبل موسى بن طلحة بأيام، وقال: مات موسى سنة ست ومئة (٣).

стр. 1370

* الوجه الثَّاني: في تصحيحه: وقد ذكر في الأصل: أن مسلمًا رواه، وهو حديث أخرجه في "صحيحه" عن يَحْيَى بن حبيب الحارثي، عن حماد بن زيد، عن غيلان - وهو ابن جرير المَعْوَلي -، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ولفظه ما في الأصل. وهو عند البُخاريّ أيضًا من هذا الوجه؛ أعني: من رواية حماد ابن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، بسنده: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو يستنُّ بسِواكٍ، وطرفُ السواكِ على لسانِهِ، وهو يقولُ: عا عا (١). وقوله في الأصل: ورواه أبو داود ... إلى آخره، يُشعر بأنه حديث واحد، والذي في كتاب مسلم والبخاري ليس بصريح في الاستياك على اللسان، ودلالة لفظ مسلم على ذلك أقرب. ولما وقع التصريح به في لفظ أبي داود ذكره؛ ليجمع بين الدلالة على صحته، بنسبته إلى رواية مسلم، وبين التصريح بالسواك على اللسان بلفظ (٢) أبي داود، والدلالة على أنه حديث واحد بقوله: ورواه

стр. 1371

أبو داود بلفظ [كذا] (١). وإنَّما جعلَهما حديثاً واحداً لاتحاد مَخْرجه؛ فإن أبا داود رواه عن مُسدَّد وسليمان بن داود العَتَكي قالا: حدّثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه. قال مُسدد: أتينا رسولَ اللهِ ﷺ ليلةً نستحملُهُ، فرأيتُهُ يستاكُ على لسانِهِ. قال أبو داود: وقال سليمان: قال: دخلتُ على النبيِّ ﷺ وهو يستاكُ، وقد وقعَ السواكُ على طرفِ لسانِهِ وهو يقولُ: أهْ أهْ؛ يعني: يَتَهَوَّع (٢). قال مسدد: كان حديثاً طويلاً اختصرته. * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: الاستحمال: طلب الحمل. الثَّانية: الاستياك: افتعال من السواك، والأصل (٣): يَسْتَوِكُ؛ تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفاً. الثالثة: قد قدمنا أن السواك يطلق على الفعل وعلى الآلة، وهذا

стр. 1372

[مما] (١) أُطلقَ فيه على الآلة؛ أعني قولَه: وطرف السواك على لسانه. الرابعة: هذا اللفظ الذي ذكر في حديث البُخاريّ وأبي داود، وقد اختلف في صيغته؛ ففي كتاب أبي داود كما ذكرناه: "أهْ أهْ" - بفتح الهمزة، وسكون الهاء - كذا في الأصل بخطِّ ابن طاهر الحافظ (٢). وروي: "عَا عَا" - بالعين والألف -، وقد ذكرنا عن البُخاريّ (٣)، وهو عند النَّسائيّ [أيضًا] (٤) من طريق حماد عن غيلان (٥). وروي: "أُعْ أُعْ" - بضم الهمزة، وسكون العين - وهذه رواية أبي النَّعمان، عن حماد بن زيد عند البُخاريّ (٦).

стр. 1373

* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: فيه دليل على استحباب السواك على اللسان، وذكرُ ذلك قليل في أكثر كتب الفقهاء، وقد نصَّ عليه بعضُهم فقال: ويستاك على [أسنانه و] (١) لسانه، واستدلَّ بحديث أبي موسى (٢). الثَّانية: العلة في ذلك ظاهرة لما يتركَّبُ على اللسان بسبب الأبخرة المترقية (٣) من المعدة، بل ربما تكون الحاجة إلى ذلك في زوال ما يكره من الرائحة أقوى من الحاجة إلى الاستياك على الأسنان، وأقلُّه أن يساويَه. الثالثة: فيه الاستياك بحضرة النَّاس، وترجم النَّسائيّ في "سننه": هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ وأدخل حديثَ أبي موسى من غير الوجه الذي ذكرناه، [ورواه] (٤) من حديث قُرَّة بن خالد، ثنا حُميد بن هلال [قال] (٥): حدثني أبو بردة، عن أبي موسى قال: أقبلتُ إلى النبيِّ ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين؛ أحدهما عن يميني، والآخر

стр. 1374

عن يساري، [ورسول الله ﷺ يستاك]، وكلاهما سأل العمل، فقلت: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرتُ أنَّهما يطلبانِ العملَ، فكأني (١) أنظر إلى سواكِهِ تحتَ شفتِهِ قَلَصَت، فقال (٢): "إنَّا لا - أو لنْ - نستعينَ على العملِ منْ أرادَهُ، ولكن اذهبْ أنتَ"، فبعثَه على اليمن بمرادفةِ (٣) معاذِ بن جبل ﵄ (٤). * * *

стр. 1375

الحديث السابع وروى مسلمٌ - وهو مُتَّفق عليه من روايةِ أبي هريرةَ - حديثاً (١) فيه: "والَّذِي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ، لَخُلُوفُ فم الصائمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ (٢) منْ ريح المِسْكِ" (٣).

стр. 1376

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في إيراد الحديث بتمامه على الوجه: روى مسلم من حديث عطاء، عن أبي صالحٍ الزَّيَّات: أنه سمع

стр. 1377

أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلَّا الصِّيامَ فإنَّهُ لي، وأنَا أجْزِي به، [والصيامُ جُنَّة] (١)، فإذا كانَ يَومُ صَومِ أحَدِكُمْ فلا يَرفُثْ [يومَئِذٍ] ولا يَصْخَبْ، فإن سابَّه (٢) أحدٌ أو قَاتَلَهُ، فليَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ (٣)، إنِّي امرؤٌ صائمٌ، والَّذِي نفسُ محمدٍ بيدِهِ! لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ يومَ القِيامةِ منْ ريحِ المِسْكِ، وللصَّائمِ فرحَتانِ يفرحُهُما: إذا أفطرَ فَرِحَ بفطرِه، وإذا لَقِيَ ربَّهُ فرِخَ بصَوْمِهِ" (٤). * * * * الوجه الثَّاني: في تصحيحه: [و] (٥) قد ذكرنا رواية مسلم له، وأنَّه متَّفقٌ [عليه] (٦)؛ أي: بين الشيخين؛ كما هو العادة بين المحدثين في [إطلاق هذه العبارة؛ أعني: قولهم: متفق عليه. وقوله: وروى مسلم، إشارة إلى أن اللفظ له. وقوله: وهو متفق عليه؛ أي: أصل الحديث متفق عليه؛ كما هو

стр. 1378

العادة عند المحدثين في] (١) قولهم (٢): متفق عليه، أو (٣) أخرجه الشيخان، أو ما أشبهه، ومرادهم به الاتفاق على أصل الحديث، دون أعيان الألفاظ. وقوله: من رواية أبي هريرة، أراد: أن الاتفاق على حديث أبي هريرة، واحترز عن رواية أبي سعيد في هذا، فإنها غيرُ متَّفقٍ عليها (٤)، بل انفرد بها مسلم (٥). * * * * الوجه الثالث: [في الاختيار]: لهذا الحديث طرق تختلف فيها ألفاظ الرواية (٦) بالزيادة أو النقص

стр. 1379

أو غيرهما؛ فرواية (١) سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷺ : "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلَّا الصيامَ هوَ لي، وأنَا أجزِي بهِ، فوالَّذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ لخُلْفَةُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ منْ ريحِ المسكِ" (٢). ورواية عطاء التي اختيرت في الأصل قد ثبت فيها: "يومَ القيامةِ"، وعلي مقتضاها لا يمتنع حملُه على الحقيقة، ويكون الله تعالى يجعل رائحةَ فمِ الصائم أطيبَ رائحةً (٣) من ريح المسك تشريفاً وتعظيماً وإظهاراً لمنزلته؛ كما يجعل رائحةَ دمِ الشهيد كرائحة المسك. وإذا لم تَمتنع الحقيقةُ حُمِل اللفظُ عليها، وليس في رواية أخرى: "يوم القيامة"، وإنَّما فيها: "أطيبُ عندَ اللهِ من ريح المسك"، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون هذا المطلق يُرادُ (٤) به ذلك المقيد، والعِنْدِيَّة عِنْدِيَّة الحشرِ أو الدارِ الآخرة، وهذا قوي إذا كان الحديث واحدًا مُتَّحدَ المَخْرج، فإن الجمع بين اللفظين مُتَأَتٍّ من غير استكراه، فيحمل عليه، ويجعل اللفظ مختلفاً من جهة الرواة، وبعضُهم أَثبتَ

стр. 1380

ما لم يثبت (١) الآخر، فنقبل (٢) زيادته. والوجه الثَّاني: أن يكون المراد بذلك في الدُّنيا، وعلى هذا لا بدَّ من التأويل؛ لأنَّ علم الله تعالى إنَّما يتعلق بالأشياء على ما هي عليه، وإذا كانت متغيرة فلا (٣) يتعلق علم الله تعالى بها إلَّا متغيرة، ومن أثبت من المتكلمين إدراكاً خارجًا عن العلم، فالأمر فيه كذلك أيضًا، لا يجوز أن تكون إلَّا على وَفْق المُدْرَك، ثم في التأويل وجهان: أحدهما: أنه يحتمل أن يقال: إن الرضا بالشيء من لوازم طيبه، فيكون المعنى إنَّ رضا الله تعالى بهذا، أو عن صاحبه، أعظمُ من رضا مُدْرِك المسك بإدراكه. وإنَّما اخترنا التأويل بالرضا لكونه (٤) أقربَ إلى قوله ﵇: "السِّواك مطهرةٌ للفم (٥)، مرضاةٌ للرب" (٦). ثم يرجع (٧) الأمرُ إلى معنى الرضا، فإذا جُعل بمعنى: إرادة الثواب، كان مجازَ مجازٍ؛ لأنَّ الطيبَ مجاز عن الرضا، والرضا مجاز عن إيصال النفع.

стр. 1381

الثَّاني: أن يكونَ من باب مجاز الحذف على أن يكون عند ملائكة الله تعالى، أو ما أشبهه (١)، إلَّا أنه يبعد؛ لأنه روي أن المَلَك يتأذى برائحة الفم (٢)، وأن السواك يُطْلب لذلك؛ إما مطلقًا، وإما عند الصَّلاة؛ أو كما جاء. وإذا كان المَلَك يتأذى بذلك لم يصحَّ حَملُه عليه إلَّا أن يقال: هذا مخصوصٌ بخُلوفِ الصائم، والتأذي (٣) يكون بخُلوف غير الصائم (٤)، والله أعلم.

стр. 1382

* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: (كلٌّ) اسم لمجموع أجزاء الشيء (١)، ومعناه الإحاطة

стр. 1383

والعموم، وتُستعمل تابعة وغيرَ تابعة، ولذلك كانت مقدمةً في التأكيد على (أجمعين)؛ لأنَّ (أجمعين) لا تستعمل إلَّا تابعة، وهي في لفظ الحديث غيرُ تابعة. الثَّانية: قال أبو محمد بن الخشاب (١) في "الشرح العوني"؛ [يعني: شرحهَ لمقدمة عون الدين بن هُبيرة الوزير] (٢): وأمَّا (كل) فالجيدُ (٣): أخذت المالَ كلَّه، وجائز أن تقول: أخذت كل المال، وجاءني كلُّ القوم وفي التنزيل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، ومنه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]، ومنه: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. وقرئت الآية على وجهين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] بالنصب على التأكيد للأمر، وقوله: (لله) خبر إن، و (كلُّه) بالرفع على أنه مبتدأ، و (لله) خبره، والجملة خبر إن. وهذا الكلامُ منه يقتضي ترجيحَ التأكيد في (كل)، وأن يكون

стр. 1384

تبعًا، وترجيحَ قراءة النصب في (كله) على الرفع، وأن يكون المذكور في الحديث على الوجه الجائز؛ كما في الآيات العزيزة التي تلاها ممَّا يقتضي عدمَ التبعية في (كل). الثالثة: تعرَّض بعض الأدباء لاشتقاق لفظة (كل) [فقال: ويجوز أن يكون اشتقاق (كل)] (١) من: كللَ الشيء: إذا صار له إكليل، ويحتمل أن يكون من قولهم: [ألقَى عليَّ كَلَّهُ؛ أي: ثقله، ويكون قولهم:] (٢) أخذ كله؛ أي: أخذ ما يكِلُّ [به] (٣) الحاملُ إذا حمله. الرابعة: العمل يطلق على عمل الجوارح وعلي عمل القلوب، وقد دخل الصوم تحت اسم العمل باستثنائه منه في (٤) الحديث، ويمكن أن يجعل من أعمال القلوب؛ لأنَّه (٥) يتمُّ بنيةٍ وكفٍّ، وكلاهما عملٌ قلبي. الخامسة: اشتُهر أن الصوم في اللغة: الإمساك، يقال: خيل صيام وصائمة، وصام (٦) الفرس على آرِيِّه، إذا لم يَعتلِفْ (٧).

стр. 1385

وصام؛ بمعنى: صمت؛ لأنَّه إمساك عن الكلام، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] يحتمل أن يراد به الصمتُ عن الكلام، وعبَّر عنه بالصوم (١)، ويحتمل أن يكون [الصوم] (٢) أطلق على العرف الشرعي في الشرع السابق على ما قيل، ويكون الصمت لازماً (٣)، فإذا عُلم أنه صائم، عُلم أنه صامت. وعن أبي عبيدة: يقال لكلِّ مُمسكٍ عن الطعام، والشراب، والكلامِ، أو عن أعراضِ النَّاس وغيبتهم: صائم، وأنشد للنابغة [من البسيط]: خَيْلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العَجاجِ وأُخرى (٤) تَعْلُكُ اللُّجُما (٥) قال: قياماً من غير اعتلاف، ممسكةً عن الجري، وعن تعليك اللحم، وعن الصَّهيل. قال أبو عبيد: وقد جاء في التفسير ما يصدِّق هذا المذهب، وروى بإسناد له عن ابن عباس: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] قال:

стр. 1386

صمتاً (١)؛ حكاه السجستاني (٢) في (٣) "الزينة" عن أبي عبيد (٤). ويقال للقائم أيضاً: صائم، وأنشد الأعشى [من المتقارب]: وهنَّ صِيامٌ يَلُكْنَ اللُّجُم (٥) وفسر صيام بـ: قيام، وكلُّ صائمٍ قائمٌ، وهو الرافع لرأسه لا يرعى ولا يعتلف، والمَصام: المقام. قلت: جعلُ الصوم حقيقةً لغويةً في الإمساك جارٍ على القانون الذي قرَّره المتأخرون من النظَّار، وهو جعلُ المعنى العامِّ في موارد الاستعمال حقيقةً للَّفظ (٦) (٧)؛ لأنه يقال: صام عن الطعام، وعن الشراب، والأعراضِ، والجريِ، والصهيلِ (٨)، والمشيِ، والاعتلافِ، وغيرِ ذلك، والمعنى العام للموارد: الإمساك.

стр. 1387

واعلم أنَّ الذي يَظهر أنَّ الإمساكَ أخصُّ من عدم الفعل، وأنه يقتضي قصداً وكفًّا للنفس عن الفعل بعد كونه بعرضيته. وإذا كان كذلك فقد استعمل الصوم فيما لا إمساكَ (١) فيه بهذا الاعتبار الذي ذكرناه، فيقال: صام الماءُ؛ بمعنى: قام ودام، وصام النهار: إذا قام قائمُ الظهيرة، وركدَ الحرُّ. قال الأعشى (٢) [من الطويل]: ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا فيحتمل أن يكون أطلقوا الإمساك على المعنى الأعمِّ العدمي، فيكون (صام الماء) و (صام النهار) حقيقةً لغويةً، ويحتمل أن يكون (صام الماء والنهار) مجازاً؛ لأن العدمَ يشبه الإمساكَ المقصود. السادسة: اللام للملك والاختصاص؛ العبدُ لزيد، والسَّرْج للدابة، ويمكن أن يجعل حقيقةً في الاختصاص؛ لأنه المعنى الأعم، فإنَّ كلَّ مِلْكٍ اختصاصٌ، وليس كلُّ اختصاصٍ مِلْكًا، وقد قدمنا من

стр. 1388

طريقة النظَّار المتأخرين: أن المعنى العام يجعل حقيقة للّفظ؛ دفعاً للاشتراك أو المجاز. وإذا كان (١) بمعنى (٢) الاختصاص على كل تقدير، فهو أعمُّ من الاختصاص النافع والاختصاص الضارِّ: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وقد كَثُر استعمالُه في الاختصاص النافع، ويقابلُ بـ (على) في الاختصاص الضارّ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، "كلامُ ابنِ آدمَ كلُّهُ عليه، لا له" (٣). ومما يؤكد أن مدلولَها الاختصاصُ قولُه ﵇: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له"، فإنه لا يمكن حمله على المِلك؛ إذ لا معنى لمِلك ابن آدم لما يعمله من الطاعات. وستأتي وجوهٌ في معنى قوله تعالى: "إلا الصوم فإنه لي"، وأنَّ الاختيارَ فيه عندنا: أن المعنى: كلُّ عمل ابن آدم مُقدَّرٌ له ثوابُه إلا الصومَ، فإنه لا تقدير في ثوابه، على ما سيأتي في تقريره. السابعة: ذكروا وجوهاً في معنى: "فإنه لي"، نذكر ما حضر، ثم ننظر في ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 1389

قال الشيخ أبو العباس القرطبي: اختُلف في معنى هذا على أقوال: أحدها: أنَّ أعمالَ بني آدم يمكن الرياءُ فيها، فتكون لهم إلا الصيام، فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص؛ لأن حال الممسك شبعاً كحال الممسك تقرباً؛ وارتضاه المازِريُّ. وثانيها: أن أعمال بني آدم كلَّها لهم منها حظٌّ إلا الصيام، فإنه لاحظَّ لهم فيه؛ قاله الخطابي. وثالثها: أن أعمالَهم هي أوصافُهم، ومناسبةٌ لأحوالهم (١)، إلا الصيام، فإنه استغناءٌ عن الطعام، وذلك من خواصِّ أوصاف الحقِّ . ورابعها: أن أعمالَهم مضافةٌ إليهم إلا الصيام، فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفاً؛ كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِى﴾ (٢) [الحجر: ٤٩]. وخامسها: أن أعمالهم يُقتصُّ يوم القيامة منها (٣) فيما عليهم إلا الصيام، فإنه لله، ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئاً. قال: قاله ابن العربي.

стр. 1390

قال أبو العباس: وقد كنت أستحسنه (١) إلى أن (٢) فكَّرت في حديث المُقاصَّة، فوجدت فيه ذكرَ الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها (٣)، فإنه قال فيه: "أتدرُونَ مَن المفلسُ؟ " قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم (٤) له ولا متاعَ، فقال: "المفلسُ هو الذي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصد قةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وضربَ هذا، وسَفَكَ دمَ هذا، فيأخذُ هذا من حَسَنَاتِهِ، وهذا من حَسَنَاتِهِ، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليه، أُخِذَ من سيئاتهم وطُرِحَ عليه، ثم طُرِحَ في النَّارِ" (٥)، وهذا يدل على أن الصيام يؤخذ كسائر الأعمال. وسادسها: أن الأعمال كلَّها ظاهرةٌ للملائكة، فتكتبها إلا الصوم، وإنما هو نيةٌ وإمساك، فالله يعلمه ويتولى جزاءه؛ قاله أبو عبيد. وسابعها: أن الأعمالَ قد كُشفت لبني آدمَ مقاديرُ (٦) ثوابها وتضعيفها، إلا الصيام، فإن اللهَ يثيبُ عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا (٧)

стр. 1391

مساقُ الروايةِ الأخرى التي فيها: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضَاعفُ، الحسنةُ عشرُ أمثالِهَا إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ، قال الله: إلا الصومَ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (١). [يعني] (٢) - والله أعلم -: أنه يجازي عليه جزاءً كثيراً من غير أن يُعيِّنَ مقدارَه ولا تضعيفَه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين. وهذا قولٌ ظاهرُ الحُسْنِ (٣)، غيرَ أنه قد تقدَّم، ويأتي في غيرِ ما حديثٍ: أنَّ صومَ اليوم بعشرة، وأن صيامَ ثلاثةِ أيام من كلِّ شهر، وصيامَ رمضان صيامُ (٤) الدهر (٥)، وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فبَعُد هذا الوجه، بل بطل. والأَولى حمل الحديث على أحد الأوجه (٦) الخمسة المتقدمة، فإنها أبعدُ عن الاعتراضات الواقعة، والله أعلم، [انتهى] (٧) (٨).

стр. 1392

وهذه الوجوه لا (١) تكادُ تخلو من إشكالٍ، أو اعتراضٍ، أو عدم تخليص (٢)، أو تعقيد في المجاز، أو عدم بيان وجه المجاز في اللفظ، ونذكر الآن ما يُيسِّرُ الله تعالى: أما الوجه الأول: فيظهر من قوله: إن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها فتكون لهم: أن معنى كونها لهم [أنها] (٣) باطلةٌ ليست لله؛ كما جاء: "ولا تقولُوا للهِ والرحمِ (٤)، فإنَّه للرحمِ، وليسَ للهِ فيه شيءٌ (٥)؛ أو كما قال. وهذا باطل بالضرورة إن أخذنا الكلام على ظاهره؛ لأن إمكان الرياء لا يكون سبباً لإبطال العمل، إنما يكون سبباً لإمكان إبطال العمل، فيصير التقدير: كلُّ عملِ ابن آدم يمكن أن يكون له - أي:

стр. 1393

يمكن أن يكون باطلاً بسبب ريائه - إلا الصيام، فإنه لا يمكن أن يكون باطلاً بسبب الرياء؛ لأنه إخلاص مَحْضٌ كما ذكر، وهذا يقتضي أن الرياء لا يدخل الصوم، وليس كذلك، فإنه يمكن أن يُراءى [به] (١) كغيره من الأعمال، فإنه يمكن أن يُظهر الصائمُ من الحالات والهيئات ما يُشعر بصومه رياءً [و] (٢) طلباً للعَرَضِ الدنيويِّ، نعم حصول الإخلاص فيه أيسرُ من حصوله بالأعمال الظاهرة التي تتوقَّفُ على الجوارح، [و] (٣) لكنْ يشاركُ الصومَ في هذا سائرُ ما يُثاب عليه من النيات والعزوم والأعمال القلبية؛ كالتوكل على الله والتفويض إليه، فإنها (٤) لا يَظهر فيها عملٌ كما لا يظهر في الصوم المَنْوِيِّ مع الإمساك عمل. وقد صرَّح (٥) الحديثُ الصحيح بالثواب على الترك مع النية من غير إظهار عمل، وهو قوله ﷺ : "قالَتِ الملائكةُ: ربِّ ذاكَ عبدُك يريدُ أن يعملَ سيئةً، وهو أبصرُ [به] (٦)، فقال: ارقُبُوه، فإنْ عملَهَا فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّايَ" (٧)؛

стр. 1394

أي: من أجلي، فهذا تركٌ اقترنَ به نيةٌ من غير عمل ظاهر، و [قد] (١) كتب له حسنة، وهو غير الصوم، ولا يكون علة اختصاص الشيء (٢) بأمر مشترك بينه وبين غيره. فإن قلت: لم تصنعْ أكثرَ من إبداء صورة - أو صور غير الصوم - تكونُ لابن آدم، وليس فيه أكثر من تخصيصِ عمومِ: " [كلُّ] (٣) عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصومَ"، ولا إنكارَ في تخصيص العموم. قلت: لا ننكرُ أن يخصَّ (٤) هذا العموم إذا ثبت أن هاهنا عملاً آخر غير الصوم يكون لابن آدم، وإنما أنكرت تسليمَك اختصاص الصوم بكونه لابن آدم دونَ سائر أعماله معلِّلاً لهذا الاختصاص بعلة لا تختص بالصوم، فليس (٥) هذا مُجرَّد تخصيص العموم، فإنه لو قام دليل على تخصيص العموم لخصصناه، ولم يلزم منه هذا المنكر الذي أنكرناه، فهذا إنما نشأ من جعلك علةَ الاختصاص ما هو مشتركٌ. وأما الوجه الثاني: وهو أنَّ أعمال بني آدم كلَّها لهم منها حظٌّ إلا الصيام، فإنه لا حظَّ لهم فيه؛ فإما أن يُعنى بالحظِّ الحظَّ الدنيوي، أو الأخروي.

стр. 1395

فإن أراد [به] (١) الحظَّ الدنيوي؛ بمعنى: [أن] (٢) لهم في الأعمال التي هي غير الصوم ما يوافق أغراضَهم ويلائم طباعَهم إلا الصوم، فهذا لا يصح؛ لأن هاهنا أعمالاً كثيرة هي أشقُّ من الصوم، وأصعب على النفس، وأبعد من (٣) موافقة الطباع (٤) والغرض الدنيوي؛ كضرب الرقاب في سبيل الله، وقطع الأيدي، والقيام الطويل في الليالي الطوال، وما لا يُحصى من الأعمال المُشِقَّة، التي لا توافق الطبع، ولا فيها حظٌّ للنفس دنيويٌّ. وإن أراد [به] (٥) الحظَّ (٦) الأخروي، وهو الثواب، فالصوم مشترك مع غيره في ذلك، لمن يقصد بعمله الثواب والأجر الأخروي، ولا اختصاصَ للصوم بذلك، وكذلك من لا يقصد بعمله الثوابَ والجزاء لا فرقَ عنده بين الصوم وغيره في سقوط حظه من قصد الثواب والجزاء (٧). وإن أراد بالحظ ما يرجع إلى الرياء فهو الوجه الأول، وقد قدَّمنا ما فيه.

стр. 1396

وأما الوجه الثالث: [وهو] (١) أنَّ أعمالَهم هي أوصافهم، مناسبةٌ لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه استغناء عن الطعام، وذلك من خواصِّ الحق ، فهذا عندي من المجاز، ولكن يحتاج إلى بيان نوعه من أنواع المجاز، ووجه العلاقة. فنقول: هذا يجري مجرى قول الإنسان لمن ذُكر له فعلٌ عن غيره: هذا له؛ بمعنى: أنه مناسب ولائق بأحواله وأفعاله. ووجه المجاز [فيه] (٢): أن اللام تقتضي الإذن في الفعل، والإذن فيه ميسَّر لفعله؛ كما أن المنع منه مُعسَّر لفعله، وما عليه الإنسان من الأخلاق والطباع إذا اقتضت شيئاً تيسَّر فعله عليه بسبب خُلُقه وطبعه وملائمة الفعل له، فقد يشابهُ تيسُّرُ الفعل بمقتضى الخِلْقة والطبيعة والأحوال تيسِّرُهُ بسبب الإذن [و] (٣) الإباحة [له] (٤)، فأطلقَ على تيسره بالخلق والطبيعة الصيغةَ المستعملةَ في الإذن؛ لاشتراكهما في تسبب التيسير. ويلزم على قوله: (وذلك من خصائص الحق ): أن يكون الملائكةُ - صلوات الله وسلامه عليهم - يأكلون ويشربون، وهذا أقلُّ ما يلزم هذا القائل عليه أن يقيمَ دليلاً شرعياً يقتضي الخبر عنهم بذلك

стр. 1397

حتى يصحَّ (١) [له] (٢) أن يجزم الحكم عليهم به، هذا مع ما تقرَّر في نفوس المؤمنين وغيرهم من خلافِ (٣) ما يقتضيه قولُه، وتنزيهِ (٤) الملائكة عن الأكل والشرب. وقد ذكر بعضهم في الحديث ما معناه: أنه صفةُ ملائكتي، كما سنذكره، وهذا مخالفٌ لما قال، ومع الاختلاف فلا بدَّ من دليل يدلُّ على ما جزم به. وأما الوجه الرابع: [وهو] (٥) أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام، فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفاً، كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىَ﴾ [الحجر: ٤٩]. وهذا وجه قريب، فإن إضافةَ التشريف معلومةٌ، غيرَ أنه [ينبغي] (٦) تتبُّعُ ألفاظِ الكتاب والسنة حتى لا يبقى فيها شيءٌ أضيفَ للهِ تعالى غير الصوم. وقول هذا القائل: كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىَ﴾ [الحجر: ٤٩]، فليس كما يظن به من قوله تعالى: "فإنه لي"، وهذه الإضافة في "الصوم لي" ليست كذلك، فإنه ليس في: "الصوم لي" من معنى إضافة التشريف

стр. 1398

ما في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىَ﴾ [الحجر: ٤٩]، و ﴿عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١]، فإن اللام للملك أو الاختصاص، وذلك لا يقصد به تشريف بنفسه، فإن لله ما في السموات وما في الأرض، [وليس القصدُ تشريفَ كل ما في السموات وما في الأرض] (١)، ولا يفهم منه ذلك، بخلاف قوله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِىَ﴾ [الحجر: ٤٩]، و ﴿عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١] (٢). وأما الوجه الخامس: وهو أن أعمالهم يقتصُّ منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام، فإنه ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذَ منه شيئاً. فهذا الوجه [الحسن] (٣)، وإن حَسُنَ من حيث انطباقُه على اللفظ من غير تكلفٍ، ولا مجازٍ معقَّد، إلا أنه لا يجوز أن يقالَ به إلا أن يرِدَ توقيفٌ بنصٍّ يقتضيه، وأما مُجرَّد الاحتمال فلا يجوز. فلو (٤) لم يكن إلا هذا، لكفى في التوقف عن القول به، لا سيَّما مع ما ذكره أبو العباس، وساقه من حديث المُقاصَّة، وقوله: وهذا يدل على أن الصيام يؤخذ كسائر الأعمال. وظاهر (٥) الحديث كما ذَكر، إلا أنه لو وُجدَ دليل صحيح على أن

стр. 1399

الصومَ لا يؤخذ في القصاص، أمكنَ الجواب عن العمل بظاهر حديث المُقاصَّة، وإذا لم يَرِد فلا يجوز العدول عن الظاهر لمُجرَّد احتمالٍ لا دليلَ عليه. وقول أبي العباس: قاله ابن العربي، يفهم منه أنه جعله قولاً له مرضياً، وليس الأمر على ذلك فيما هو على ذهني، وإنما حكاه. وأما الوجه السادس: وهو أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة، فتكتبها الملائكة، إلا الصوم، فإنما هو نية وإمساك، فالله يعلمه، ويتولَّى جزاءَه، فهذا، وإن قَرُب في قوله: "لي" بأن يكون معناه: أني منفردٌ بالاطلاع عليه، لكنَّ تنزيلَ قوله: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له" على أنه تَطَّلِعُ (١) عليه الملائكة، بعيدٌ لا يتوجَّهُ إلا بمجازِ تعقيد (٢). وأما الوجه السابع: فلم (٣) أزل أعتقد أنه المراد بالحديث المطلق؛ لقوة دلالته على أن عملَ ابن آدم مقدَّرٌ بعشرة أمثاله إلا الصوم فإنه غير مقدر، بل أُبهمَ ثوابُه تعظيماً له؛ لتذهب النفس في تعظيم ثوابه كلَّ مذهب، وهذا الحديث قريب (٤) من النصوصية في التقدير لغير الصوم وعدم التقدير في الصوم.

стр. 1400

والذي أورده أبو العباس من أن صومَ اليوم بعشرة (١)، وأن صيامَ ثلاثة أيام من كل شهر (٢)، وصومَ (٣) رمضان صيامُ الدهر (٤)، وقوله: وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فبَعُد هذا الوجه، بل بطل. فنقول: إن الحديث الذي فيه تفسيرُ كونها له بعشرة، واستثناء الصوم عن ذلك، لا شيءَ أقوى منه في تفسير هذا اللفظ وانطباقه عليه، وهو حديث صحيح، فيتعيَّن المصيرُ إليه، وما يَرِدُ عليه إن أمكن عنه جواب فذاك، وإلا قلنا بأنه المراد، ولو وقف علينا الجواب، وكم من لفظ متبيِّن غير خافٍ في الدلالة، يرِدُ عليه ما يَعجزُ عن جوابه بعضُ الناس. والذي تمكن عندي أن يجاب عن هذا: بأنَّ (٥) التقدير محمول على التقدير في أصل تضعيف الثواب الذي وجب بالوعد

стр. 1401

الكريم أن لا يُنقصَ عنه، وما زادَ على العشر إلى السبع مئة فالأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى مُجرَّد المشيئة، لا أنه داخل في أصلِ وضعِ الثواب، والوعد به الذي يوجب وقوعه (١). وأما الصوم فإنه في أصل وضع الثواب غيرُ مقدَّر بشيء معين يكون الزائد عليه غير موعود [به] (٢)، بل الموعود عليه في الصوم ثوابٌ غير مقدر بعدد في أصل وضع الثواب، وهذا المعنى لا ينافي أن يحصلَ تحت هذا الأمر العظيم عددٌ يُذكرُ؛ لا على معنى تقييد الوعد به، بل لأنه فردٌ من أفراد ما تعلَّق الوعد به من عدم انحصار الوعد في عدد، فالحاصل أن الأعمالَ غيرُ الصوم، وتقديرَها بالعشر هو الموعود به الذي يجب وقوعُهُ بالوعد، والصومُ لا تقديرَ فيه في أصل وضع الثواب، [وما يذكر من عدد فلأنه فرد؛ أي (٣): من الموعود به، لا أنه مُتعلَّقُ الوعد في أصل وضع الثواب] (٤). الثامنة [ من المفردات] (٥): ذكر صاحب "جامع اللغة" (٦) محمد ابن جعفر: أنَّ الجزاء: المكافأة على ما يفعله الإنسان من خير أو شر،

стр. 1402

يقال فيه: جزاه يجزيه جزاءً حسناً وجزاءً سيئاً. قال: والجزاءَ أيضاً الاكتفاءُ بالشيء، يقال: فلان ذو غَناء وجزاء؛ أي: يكتفي به (١). التاسعة: مادة (الجنّة) من الاستتار والستر، ومنه: الجِنَّةُ والجُنَّةُ والجِنُّ والمِجَنُّ (٢)، ومعنى الاستتار شامل للكل، والحقيقة فيه الستر الحسي، وغيره مجاز، والصوم من المعاني فلا يكون الستر حقيقة فيه، ثم للمجاز [فيه] (٣) وجوه، ستذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. العاشرة: (الرَّفَثُ) يطلق ويراد به: الجماع، [يقال] (٤): رفث إلى امرأته؛ [أي] (٥): أفضى إليها، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. يقال: رفَث، بفتح الفاء، يرفُث، بضمها وكسرها، ورفِث، بكسرها في الماضي، يرفَث بفتحها في المستقبل، رفْثاً، بسكونها في المصدر، وفتحها في الاسم؛ قاله القرطبي (٦)، وهو محمول على الجماع. ويطلق على الإفحاش في الكلام؛ رفثَ في كلامه، وأرفثَ،

стр. 1403

وترفَّثَ، قال بعضُهم: إذا أفحش، وأفصح (١) بما يجب أن يُكنى عنه من ذكر النكاح. وقال الزَّجَّاج - فيما حكاه عنه الواحدي -: الرفثُ: كلمةٌ جامعة لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، انتهى. وترافثَ الرجلان، ورافثَ صاحبَه مرافثة، ومنه: ما هذ منافثةٌ، إنَّمَا هيَ مُرَافَثَة. قال العجَّاج [من الرجز]: ورُبَّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ وقيل: الرفثُ بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعيد بالجماع، وبالعين: الغمز للجماع (٢). الحادية عشرة: الصَّخَبُ: اختلاط الأصوات يقال: في البيت صخبٌ، وقد صَخِبَ فلان يصخَب، فهو صخِبٌ، وصاخب، وتقول: ما هو صاحب، إنما هو صاخب. وهو صخَّاب في الأسواق، واصطخبوا، وتصاخبوا، وسمعتُ

стр. 1404

اصطخابَ (١) الطير، وصاخبَهُ مصاخبةً. قال الزمخشري ﵀: ومن المجاز: وادٍ صخب الآذِيّ، واصطخبت أمواجه، وعود صَخِب الأوتار (٢). وذكر بعضهم: أن الصَّخَبَ: اختلاطُ الأصوات وكثرتُها ورفعها بغير الصواب (٣). وهذا تقييدٌ منه، وقد قدمنا أنه مطلق ارتفاع الأصوات، وقد يكون ذلك بنفسه مكروهاً؛ لما فيه من مخالفة الوقار والسَّمْت الحسن والتُّؤَدة. ويقال: السَّخَب، بالسين أيضاً (٤). الثانية عشرة: قيل: إن في بعض الروايات: "ولا يسخر"، وهو غير المعروف (٥)، وكأنه عندي تصحيف (٦)، فإنْ صحَّ، فالسخرية:

стр. 1405

الاستخفاف (١) والاستحقار، أو ما يقرب منه (٢)، يقال: سَخِرَ منه وبه، واستسخر، واتخذه سِخريًّا، وسُخريًّا، وفلان سُخَرَة، وسُخْرَة: يضحك منه الناس، [ويضحك به الناس] (٣)، وهو: مسخرة من المساخر، ويقال: ربَّ مساخرَ يعدّها الناس مفاخرَ! (٤) الثالثة عشرة: يقال: سابَّه، وتسابُّوا، واستبُّوا، وهو سِبَّة - بكسر السين -؛ أي: سبوه، وإياكَ والمسبّةَ والمسابَّ، ولا تكنْ سُبَبَةً؛ كضُحَكَة وضُحْكَة. وذكر الزمخشري أنَّ [من] (٥) المجاز: خيلٌ مسببَّةٌ: يقال لها: قاتلها الله، وأخزاها، إذا استجيدت. قال الشمَّاخ [من الطويل]: مُسَبَّبةٌ قُبُّ البطونِ كأنَّهَا ... رماحٌ نَحاها وجهةَ الريحِ راكِزُ (٦) وفي هذا بحث؛ لأن المجاز في مسببة؛ إما في الإفراد أو (٧) التركيب، ولا مجاز في الإفراد؛ لأن السبَّ مستعمل في حقيقته،
следующие страницы →