← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الكريم أن لا يُنقصَ عنه، وما زادَ على العشر إلى السبع مئة فالأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى مُجرَّد المشيئة، لا أنه داخل في أصلِ وضعِ الثواب، والوعد به الذي يوجب وقوعه (١). وأما الصوم فإنه في أصل وضع الثواب غيرُ مقدَّر بشيء معين يكون الزائد عليه غير موعود [به] (٢)، بل الموعود عليه في الصوم ثوابٌ غير مقدر بعدد في أصل وضع الثواب، وهذا المعنى لا ينافي أن يحصلَ تحت هذا الأمر العظيم عددٌ يُذكرُ؛ لا على معنى تقييد الوعد به، بل لأنه فردٌ من أفراد ما تعلَّق الوعد به من عدم انحصار الوعد في عدد، فالحاصل أن الأعمالَ غيرُ الصوم، وتقديرَها بالعشر هو الموعود به الذي يجب وقوعُهُ بالوعد، والصومُ لا تقديرَ فيه في أصل وضع الثواب، [وما يذكر من عدد فلأنه فرد؛ أي (٣): من الموعود به، لا أنه مُتعلَّقُ الوعد في أصل وضع الثواب] (٤). الثامنة [ من المفردات] (٥): ذكر صاحب "جامع اللغة" (٦) محمد ابن جعفر: أنَّ الجزاء: المكافأة على ما يفعله الإنسان من خير أو شر،

стр. 1402

يقال فيه: جزاه يجزيه جزاءً حسناً وجزاءً سيئاً. قال: والجزاءَ أيضاً الاكتفاءُ بالشيء، يقال: فلان ذو غَناء وجزاء؛ أي: يكتفي به (١). التاسعة: مادة (الجنّة) من الاستتار والستر، ومنه: الجِنَّةُ والجُنَّةُ والجِنُّ والمِجَنُّ (٢)، ومعنى الاستتار شامل للكل، والحقيقة فيه الستر الحسي، وغيره مجاز، والصوم من المعاني فلا يكون الستر حقيقة فيه، ثم للمجاز [فيه] (٣) وجوه، ستذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. العاشرة: (الرَّفَثُ) يطلق ويراد به: الجماع، [يقال] (٤): رفث إلى امرأته؛ [أي] (٥): أفضى إليها، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. يقال: رفَث، بفتح الفاء، يرفُث، بضمها وكسرها، ورفِث، بكسرها في الماضي، يرفَث بفتحها في المستقبل، رفْثاً، بسكونها في المصدر، وفتحها في الاسم؛ قاله القرطبي (٦)، وهو محمول على الجماع. ويطلق على الإفحاش في الكلام؛ رفثَ في كلامه، وأرفثَ،

стр. 1403

وترفَّثَ، قال بعضُهم: إذا أفحش، وأفصح (١) بما يجب أن يُكنى عنه من ذكر النكاح. وقال الزَّجَّاج - فيما حكاه عنه الواحدي -: الرفثُ: كلمةٌ جامعة لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، انتهى. وترافثَ الرجلان، ورافثَ صاحبَه مرافثة، ومنه: ما هذ منافثةٌ، إنَّمَا هيَ مُرَافَثَة. قال العجَّاج [من الرجز]: ورُبَّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ وقيل: الرفثُ بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعيد بالجماع، وبالعين: الغمز للجماع (٢). الحادية عشرة: الصَّخَبُ: اختلاط الأصوات يقال: في البيت صخبٌ، وقد صَخِبَ فلان يصخَب، فهو صخِبٌ، وصاخب، وتقول: ما هو صاحب، إنما هو صاخب. وهو صخَّاب في الأسواق، واصطخبوا، وتصاخبوا، وسمعتُ

стр. 1404

اصطخابَ (١) الطير، وصاخبَهُ مصاخبةً. قال الزمخشري ﵀: ومن المجاز: وادٍ صخب الآذِيّ، واصطخبت أمواجه، وعود صَخِب الأوتار (٢). وذكر بعضهم: أن الصَّخَبَ: اختلاطُ الأصوات وكثرتُها ورفعها بغير الصواب (٣). وهذا تقييدٌ منه، وقد قدمنا أنه مطلق ارتفاع الأصوات، وقد يكون ذلك بنفسه مكروهاً؛ لما فيه من مخالفة الوقار والسَّمْت الحسن والتُّؤَدة. ويقال: السَّخَب، بالسين أيضاً (٤). الثانية عشرة: قيل: إن في بعض الروايات: "ولا يسخر"، وهو غير المعروف (٥)، وكأنه عندي تصحيف (٦)، فإنْ صحَّ، فالسخرية:

стр. 1405

الاستخفاف (١) والاستحقار، أو ما يقرب منه (٢)، يقال: سَخِرَ منه وبه، واستسخر، واتخذه سِخريًّا، وسُخريًّا، وفلان سُخَرَة، وسُخْرَة: يضحك منه الناس، [ويضحك به الناس] (٣)، وهو: مسخرة من المساخر، ويقال: ربَّ مساخرَ يعدّها الناس مفاخرَ! (٤) الثالثة عشرة: يقال: سابَّه، وتسابُّوا، واستبُّوا، وهو سِبَّة - بكسر السين -؛ أي: سبوه، وإياكَ والمسبّةَ والمسابَّ، ولا تكنْ سُبَبَةً؛ كضُحَكَة وضُحْكَة. وذكر الزمخشري أنَّ [من] (٥) المجاز: خيلٌ مسببَّةٌ: يقال لها: قاتلها الله، وأخزاها، إذا استجيدت. قال الشمَّاخ [من الطويل]: مُسَبَّبةٌ قُبُّ البطونِ كأنَّهَا ... رماحٌ نَحاها وجهةَ الريحِ راكِزُ (٦) وفي هذا بحث؛ لأن المجاز في مسببة؛ إما في الإفراد أو (٧) التركيب، ولا مجاز في الإفراد؛ لأن السبَّ مستعمل في حقيقته،

стр. 1406

ولا في التركيب؛ لأن السبَّ منسوبٌ إلى الخيل نسبة المفعولية؛ أي: المسبوبة (١)، ونسبتُها إليه على نسبة المفعولية حقيقةٌ؛ لأنها مسبوبة حقيقة. قال بعض المباحثين: استعملَ لفظ الذم في المدح، وهو مجاز، إلا أنه يلزم عليه مجاز آخر، وهو استعمال اللفظة الواحدة في معنيين مختلفين. الرابعة عشرة: قال ابن سِيدَه: والوَحَدُ (٢) والأحدُ كالواحد، همزتُه بدلٌ من واو. وقال أيضاً: رجل أَحَدٌ، ووَحَا، ووحيدٌ، ووَحِدٌ، ووَحْدٌ، ومتوحِّدٌ (٣)، والأنثى: وحدة، حكاه (٤) أبو علي في "التذكرة"، وأنشد: كالبَيْدَانةِ الوَحَدَه وقال أيضاً: يقال: هذا إحْدَى الإِحَد (٥)؛ يعني: بكسر الهمزة،

стр. 1407

وأَحَد الأَحَدِين، وواحد الآحاد (١). الخامسة عشرة: المقاتلة: مفاعلةٌ تقتضي (٢) أن تكون من اثنين، وكذلك (قاتلَه). ولا يَحسنُ حملُ الحديث عليه، فإن المراد: إن سبَّه فليقل، وليس المراد (٣): إن تسابا [فليقل] (٤)، فإنهما إذا تسابا فقد وقع المحذور من الصائم، فيمكن أن يقال: إن (قاتَلَه) من باب طارَقَ وسافَرَ (٥) وعاقَبَ (٦) من ما يكون من واحد، ويمكن أن يكون على الأصل بوجه مجازي، وهو أن يكون من باب إطلاق لفظ الشيء على ما قاربه، فإن المسبوبَ غضبُهُ (٧) لأجل السبِّ [يَحملُه على المقابلة بمثله، فيقارب أن يسبَّه، فُجعلُ سابًّا بالقربة من السب] (٨). وقد حملوا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] على: قاربن أجلهن. ومن دقيق [هذا] (٩) ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ

стр. 1408

رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى﴾ [هود: ٤٥] أن المراد: قارب النداء، لا أوقع النداء؛ لدخول الفاء في: (فقال)، فإنه لو وقع النداء لأسقطت (١)، وكان ما ذكر تفسيراً للنداء؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ] [آل عمران: ٣٨]، فهو تفسير لندائه، فأسقطت الفاء. السادسة عشرة: المجازُ على كل تقدير لازمٌ، سواء جعلنا (قاتله) من باب المفاعلة، أم على معنى قتله؛ [لأن القتل لازم حقيقة غير مراد، فإذا حملنا الصيغة على معنى (قتله)] (٢) كان فيه مجازان: أحدهما: استعمال صيغة المبالغة (٣) في غير موضعها، الذي هو أن تكونَ من اثنين. والثاني: المجاز الذي في لفظ (قتل)، فإنَّ (قتل) حقيقةٌ في إزهاق الروح، أو الفعلِ المُفضي إليه. هذا إن (٤) حملنا (قاتلَ) على (قتل)، وإن تركناه على معنى المفاعلة على أصله، فلا بدَّ من المجازِ في اللفظ الدال على القتل؛ كما ذكرنا آنفاً، والمجازِ (٥) في تسمية ما قارب الشيء باسمه.

стр. 1409

السابعة عشرة: إذا تعيَّنَ المجاز في (قاتله)، أو (قتله)، فلا بدَّ من تحرير العبارة في المعنى المجازي المراد بـ (قتله)، أو (قاتله). الثامنة عشرة: الخُلُوف: بضم الخاء المعجمة واللام، قال أبو عبيد: الخلوف: تغيُّر طعم الفم لتأخير الطعام، [يقال] (١): خلَف فمْه، يخلُف خُلوفاً؛ قاله الكسائي، والأصمعي، وغيرهما. قال: ومنه حديث علي ﵁ حين سئل عن القُبلة، فقال: وما أَرْبُك (٢) إلى خُلوف فيها (٣). وقال ابن دُرَيد في "الجمهرة": وخلَف فوه خُلوفة، وخُلافة: إذا تغير من صوم، أو مرض (٤). وقال ابن فارس في "المُجْمَل": وخلَف فوه: تغيَّرت رائحته (٥). [وقال الجوهري: وخلف فم الصائم خُلُوفاً: إذا تغيَّرت رائحتُه] (٦) (٧). وقال ابن سِيْدَه: وخلف اللبن وغيره، وخلف يخلُف خلوفاً:

стр. 1410

تغيَّرَ ريحُه وطعمه، وخلف فوه يخلُف خلوفاً: تغير، ومنه: "خُلُوفُ فمِ الصائمِ"، وقد خلف فوه، وأخلف، لغتان (١). قال محمد بن جعفر التميمي في كتاب "جامع اللغة": وقال بعضهم: إنما يقال: أخلف فوه؛ أي: حدث له رائحة بعدما عهد منه، وأنشد [من الكامل]: بَانَ الشَّبَابُ وأخْلَفَ العَمْرُ (٢) والعَمْر هاهنا: اللحم الذي بين (٣) الأسنان، ويريد بقوله: أخلف: تغيرت رائحته. قلت: العَمْر هاهنا: بفتح العين وسكون (٤) الميم. التاسعة عشرة: يجوز أن يطلق الخلوف على الجسم الحامل (٥) للخلوف، الذي هو التغير، وسيأتي بحث متعلِّقٌ بذلك. ويقع في ألسنة [الفقهاء] (٦): (خَلوف فمِ الصائم) بفتح الخاء،

стр. 1411

وقد غُلِّط قائله؛ لأنه ينقل المعنى إلى غير المراد به، المستحيل إرادته هاهنا، فإن (الخَلوفَ) الشخصُ الذي يكثر إخلافه لوعده (١). العشرون: ذكر الراغب: أنَّ (عند) لفظٌ موضوع للقرب؛ فتارةً يستعمل في المكان، وتارةً للاعتقاد؛ نحو: عندي كذا، وتارة في الزُّلفى والمنزلة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وعلى هذا النحو قيل: الملائكة المقربون، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرُ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦]. وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، [وقوله] (٢): ﴿وَتَحْسَبُوَنَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وقوله : ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فمعناه: في حكمه. والعنيد: المعجب بما عنده، [قال تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِأَيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦]. والعنود] (٣): قيل: مثله؛ يعني: أنه هو، وقيل: بينهما فرق (٤)؛ لأن العنيد: الذي يُعاند ويخالِف، والعَنُود: الذي يَعْنُدُ عن القصد.

стр. 1412

قال: ويقال: بعير عَنود، [ولا يقال: عنيد (١)] (٢)، وأما العنيد فجمع عاند، وجمع العَنُود: عَنَدَة، [وجمع العنيد: عُنُد] (٣). وقال بعضهم: العُنُود: هو العدول عن الطريق، لكن خُصَّ العنود بالعادل عن الطريق في الحكم، وعَنَدَ عن الطريق: عَدَل عنه. وقيل: عاندَ: لازَم، وعاند: فارق، وكلاهما مِنْ: عَنَدَ، لكن باعتبارين مختلفين؛ [كقولهم: (البَين) في الوصل والهجر باعتبارين مختلفين] (٤) (٥). قلت: قوله: وتارة للاعتقاد؛ نحو: عندي كذا، ينبغي أن يُبدل لفظة الاعتقاد بالعلم، أو يَجمع بينهما معاً؛ لأن ذلك يُستعمل بالنسبة إلى علم الله تعالى، ولا يقال له: اعتقاد. الحادية والعشرون: الفرح: انبساطُ النفس وسرورها بما يَرِد عليها من الملائم، والفرحة: الواحدة منه. وقد تطلق الفرحة على سببها، يقال: لك عندي فرحة؛ أي: بشرى؛ [لأن البشرى] (٦) سببُ الفرحة.

стр. 1413

والرجل فَرحان، ومِفْراح، ويقال: أفرحه كذا؛ بمعنى: سرَّه، وأفرحه؛ بمعنى: غمَّه، والهمزة للسَّلْب. وأنشد [من البسيط]: ولما تَوَلَّى الجَيْشُ قُلْتُ ولمْ أكنْ ... لأُفْرِحَهُ: أَبْشِرْ بغزوٍ (١) ومَغْنمِ (٢) ولو أراد السرور لكان قد أفرحه، ولم يصح قوله: ولم أكن لأفرحه، ومنه يقال: المرء دائر بين مُفْرِحين، قاعدٌ بين سلامة وحَيْن (٣). وقال أبو محمد بن قُتيبة: [الفرح] (٤): المسرَّة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كنُتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ [يونس: ٢٢]؛ أي: سُرُّوا. والفرح: الرضا؛ لأنه عن المسرَّة يكون، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢؛] أي: راضون، [و] (٥) قال: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]؛ أي: رضوا. والفرح: الأَشَرُ (٦)؛ لأن ذلك عن إفراط السرور، قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، [وقال: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]،

стр. 1414

وقال: ﴿ذَلِكمُ بِمَا كنُتُمْ تَفْرَحُونَ] (١) فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر: ٧٥]. وقد تبدل الحاء هاءً في هذا المعنى، فيقال: فره؛ أي: بطر، قال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]؛ أي: أشرين بطرين. والهاء تبدل من الحاء لقرب مخرجيهما، تقول: مدحته، ومدهته؛ بمعنى واحد (٢). الثانية والعشرون: قد ذكرنا: أن الذوات [قد] (٣) يُقصد بذكرها صفاتُها الجميلة المناسبة لما يذكر معها؛ كما تقول: أنت تقول كذا؟! ومثلُك يفعل كذا؟! ويراد به مناسبة صفته لذلك الفعل، فقوله تعالى: ﴿وَأَنَا﴾ [طه: ١٣] قد يَجري هذا المجرى، فكأنه يقال: وأنا المحسنُ المنعمُ الواسعُ العطاءِ أجزي به. الثالثة والعشرون: تأمل إشارة تقديمه الضمير [العلي] (٤) في صدر الكلام، والفرق بينه وبين (الصوم لي)، و (أجزي به) لو قيل (٥)،

стр. 1415

فإن فيه إشارة عُظمى إلى فضيلة الصوم. الرابعة والعشرون: الْمَحِ المناسبةَ بين "لي" و"أجزي به". الخامسة والعشرون: استبعد بعضهم أن يكون المراد بفرح الصائم [عند فطره: فرحه بما يتناوله من الطعام والشراب] (١) (٢). * * * * الوجه الخامس: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: "سابَّه" قد اجتمع فيه ساكنان، ولا يلتقي ساكنان في الأَعرف من كلام العرب في الوصل إلا بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون الأول حرف مدٍّ ولين: ألفاً، أو واواً مضموماً [ما] (٣) قبلها، أو مفتوحاً، [أو ياء ساكنةً مكسوراً ما قبلها] (٤). الثاني: أن يكون الثاني من الساكنين مشدَّداً. الثالث: أن يكون الساكنان من كلمة واحدة؛ نحو: دابَّة (٥). وهذه الشروط موجودة في "سابَّه"، أما الألف (٦) فظاهر، وكذلك

стр. 1416

كونه من كلمة واحدة. وأما الإدغام فجاء؛ لأن المثلين إذا التقيا في الفعل، وكان الحرف صحيحاً، وكان الثاني منهما متحركاً بحركة لازمة، فالإدغام، نقول (١): ردَّ، وشدَّ، وشمَّ، وأردُّ، وأشَمُّ. وهذه الشروط موجودة في "سابَّ"؛ لأن الأصل سابب، فاجتمع المثلان في كلمة واحدة، والثاني متحرك بحركة لازمة، فجاء الإدغام الذي هو أحد الشروط الثلاثة. وقولنا: حركة لازمة، احترازٌ عن الحركة العارضة، كما إذا كان الثاني ساكناً سكوناً تصل إليه الحركة؛ نحو: لم نردد، واردُد (٢)، فإن الحركة تصل إلى هذا الحرف الثاني الساكن فنقول: لم يرددِ الرجل، واردُدِ (٣) المتاعَ، فهذا يختلف فيه العرف على ما يتبين (٤) في موضعه إن شاء الله. الثانية: (أحدٌ) أحدُ المواضع التي أُعلَّت فيها الواو فاءً مع فتحها، وهو شاذٌّ باتفاق، ومثله في الشذوذ (أناة) (٥).

стр. 1417

وإنما اختلفوا إذا كانت مكسورة؛ كإشاح في وشاح؛ هل يُوقَفُ فيه على السماع، أو يكون قياساً؟ والمنقول عن الخِرَقي: أنه ذهب إلى الوقوف على ما سمع. وأنَّ أكثر النحويين ذهبوا إلى القياس؛ لأنه كثير، ومثلُ (أناة) واحد أسماء (١). وقد استُضعف هذا الإبدال؛ لأن الهمزة لا تجتمع مع الواو، ألا ترى أن هذه من حروف طرف الفم، والهمزة من أقصى الحلق. واعتُذرَ: أنهم (٢) [قد] (٣) أبدلوا الواو من الهمزة كثيراً، فلذلك (٤) أبدلوا الهمزة من الواو، قال بعضهم: وعلته (٥) - والله أعلم - أنهما وإن بَعُدا في المخرج، فقد تقاربا في الصفة (٦). الثالثة: قال ابن سيده في "المحكم": والمَرْءُ: الإنسان، تقول: هذا مَرْءٌ، وكذلك (٧) في النصب والخفض بفتح الميم، هذا (٨) هو القياس، ومنهم من يضم الميم في الرفع، ويفتحها في النصب،

стр. 1418

ويكسر [ها] (١) في الخفض؛ يتبعها الهمزة (٢) على حدِّ ما يتبعون الراء إياها إذا أدخلوا ألف الوصل، فقالوا (٣): امرُؤٌ، وقول أبي خراش [من الطويل]: جَمَعْتَ أُمُوراً يُنْفِذُ المِرْءَ بَعْضُها ... من الحِلمِ والمعروفِ والحَسَبِ الضَّخمِ هكذا رواه السُّكري بكسر الميم، وزعم أن ذلك لغةُ هذيل. ولا يكسَّر هذا الاسم، ولا يُجمع جمعَ السلامة، لا يقال: أمراء، ولا: أَمرُؤ، ولا: مَرؤون، ولا: أمارِئ. وأنَّثوا فقالوا: مَرْأَة، وخفَّفوا التخفيفَ القياسي، فقالوا: مَرَة، وهذا مطرد. قال سيبويه: وقد قالوا: مَرَاة، وذلك قليل، ونظيره (٤): كماة. قال الفارسي: وليس بمطرد، كأنهم توهموا حركة الهمزة على الراء، فبقي مَرَأْة، ثم خُفِّف على هذا اللفظ. وألحقوا ألف الوصل في المؤنث أيضاً فقالوا: امرأة، فإذا عرَّفوا قالوا: المَرْأة وقد حكى أبو علي: الامْرَأَة. وحكى ابن الأعرابي: أنه يقال للمرأة: إنها لامرُؤ (٥) صدقٍ،

стр. 1419

كالرجل (١)، وهذا نادر (٢). الرابعة: قد ذكرنا أن العِنْدِيَّة قد يراد بها عِنْدِيَّةُ العلم، فإذا حملناها هاهنا على ذلك، فهاهنا معنيان: أحدهما: أن يكون المراد: [أن] (٣) الخُلوفَ عند الله يوم القيامة أطيبُ من ريح المسك، ولا يكون كذلك في علم الله تعالى حتى يكون كذلك في الخارج؛ لأن علم الله تعالى لا بدَّ وأن يكون على وَفق المعلوم، فإذا غيَّر الله تعالى رائحة الخُلوف إلى أطيب من رائحة المسك، عَلِمَه الله [في] (٤) يوم القيامة كذلك، فـ"يوم القيامة" ظرف لعِنْدِيَّة العلم بذلك، وليس في هذا ما يوهم عدم العلم قبل ذلك اليوم؛ أعني: يوم القيامة. والمعنى الثاني: أن يكون المراد أن عِنْدِيَّة العلم حاصلةٌ الآن بأنه يكون يوم القيامة أطيب من ريح المسك. فعلى المعنى الأول يتعلق "يوم القيامة" بالظرف الذي [هو] (٥) "عند الله تعالى"، ويتعلق "عند الله تعالى" بالمصدر الذي هو

стр. 1420

"الخلوف"؛ بمعنى: التغير. ويجوز أن يتعلق الظرفان معاً، الذي هو "عند الله" و"يوم القيامة" بـ"أطيب"، ولا مانع من ذلك، فإن الظرفين إذا اختلفا؛ فكان أحدهما زمانياً، والآخر مكانياً، جاز تعلقهما بعامل واحد؛ نحو: حضرتُ زيداً يوم الجمعة عند الأمير؛ لأن الفعل يطلبهما معاً، إذ لا يعقل حصوله في الوجود إلا واقعاً منهما. وإن اتفقا؛ أعني: الظرفين، وكانا زمانيين أو مكانيين، فإن عطف أحدهما على الآخر، أو كان بدلاً منه؛ نحو: صليت يوم الجمعة ويوم السبت، وقعدت عند زيد وفوق الدار، وصليت يوم الجمعة وقت الأذان، وقعدت عندك قُدَّامك، جاز تعلُّقهما بعامل واحد؛ لأن حرف العطف ينوب عن العامل، والبدل هو المقصود بالنسبة دون المبدل منه، فإن لم يكونا كذلك لم يتعلقا بعامل واحد، فلا يقال: قعدت عند زيد عند بكر، ولا صليت يوم الجمعة يوم السبت، إلا على الوجه المذكور؛ لأن تعلَّقَ الظرف (١) بعامل عبارةٌ عن وقوع ذلك العامل منه بمعنى: اقترانه بجزء من الزمان وحصوله في جهة من المكان، وغير ممكن أن الفعلَ الواحد يصدر حين صدوره من فاعله الواحد مقترناً بجزأين من الزمان، ولا حاصلاً في (٢) جهتين متغايرتين.

стр. 1421

وعلى الثاني يتعلق "يوم القيامة" بـ"أطيب"؛ أي: إن علم الله تعالى الآن متعلق بأنه يوم القيامة أطيب (١) من ريح المسك. الخامسة: حيث يتعلق الظرفان المختلفان بعامل واحد، قالوا: ينبغي أن يقدم إلى العامل الظرف الزماني؛ لأن طلبَهُ له أقوى من طلبه للمكاني (٢) بدليل جواز عمله في المبهم والمعيَّن من الزمان؛ نحو: اعتكفت وقتاً، وصليت يوم الجمعة، وامتناع عمله في المعيَّن من (٣) المكان؛ نحو: صليت المسجد، وجلست (٤) البيت، ولا يعمل إلا في المبهم منه؛ نحو: جلست فوق المسجد، وسرت فَرسخاً. وعلى هذا جاء لفظ الحديث، إذ الظرف الزماني - وهو "يوم القيامة" (٥) - وليَ العامل الذي هو "أطيب"، فهو في معنى التقديمِ الذي ذكروه؛ لأن المقصود من التقديم إذا تقدم العامل أن يكون يليه ويباشره، وهذا البحث على تقدير تعلق الظرفين بـ"أطيب". السادسة: فيما ذكرناه تقديم معمول "أطيب" عليه (٦)، وقد مُنع أو استبعد. والشيخ أبو عمرو بن الحاجب [أجازه] (٧)، ولم يستبعدْه (٨) حيثُ

стр. 1422

تكلَّم [على قولهم:] (١) (هذا بسراً أطيبُ منه رطباً)، ورجَّح أنَّ العامل في الحال (أطيب)، وحكى عن أبي عليٍّ الفارسي: أن العامل اسم الإشارة، ولم يرتضه، وذكر أنه - يعني: الفارسي - لم يأتِ بشيء غير ما ذكرته، واستبعد عمل أفعل فيما فعله، وهو غير مستبعد. قلت: وكأنه لم يستبعدْه للاتِّساع (٢) في الظروف ما لا يُتَّسعُ في غيرها، ألا ترى أن البصريين لا يجيزون في (كان) أو إحدى أخواتها تقديمَ معمول الخبر إلا إذا كان ظرفاً، أو حرف جر؛ نحو: كان يوم الجمعة زيد قائماً، وأصبح فيك أخوك راغباً. ولا يجوز عندهم في نحو: كانت الحمى تأخذ زيداً، أن يقال: كانت، زيداً الحمى تأخذ، والظروف [والجار] (٣) والمجرور يقعان موقعاً، لا يقع فيه غيرهما. وقال الشيخ أبو عمرو: ولا يلزم من قصوره - يعني: أفعل - عن العمل (٤) في المفعول به، أن لا يعملَ في الحال (٥). السابعة: رأيت عن بعض قدماء النحويين كلاماً، أدرجَ تحته شيئاً من الكلام على هذا الحديث، وهو قوله [في قوله] (٦) تعالى:

стр. 1423

﴿وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبِاتًا﴾ [نوح: ١٧] وشبهه: أصلُ هذا: والله أنبتكم من الأرض إنباتاً، فنبتُّم نباتاً، فحذف مصدرَ الأول؛ لدلالة فعله عليه، والفعلَ الثاني؛ لدلالة مصدره عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُرِيد الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلًا بَعِيدًا﴾ (١) [النساء: ٦٠]، ففعل فيه ما ذكرت لك. وهذا كحذف ظرفي الزمان والمكان لدلالة مثلهما عليهما لإرشاد (٢) المعنى ذلك؛ [نحو] (٣) قوله ﷺ : "لخُلوفُ فمِ الصائمِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ أطيبُ من ريحِ المسكِ"؛ المعنى: أطيب من ريح المسك عندكم في الدنيا؛ لأنَّ المعنى تفضيلُ ريح الخلوف في يوم القيامة في الطيب على ريح مسك أهل الدنيا عندهم، لا على مسك الجنة، فالله أعلم (٤) أيهما أطيب، وليس في الحديث تعرُّضٌ إلى مسك الآخرة؛ لأن أهل الدنيا لا يعهدونه، ولا تصلح (٥) المشاركة في (أَفْعل) التفضيل إلا بين أمرين معهودين عند المخاطب؛ لئلا يخلوَ من كمال الفائدة أو منها، فإذن الألف واللام في "المسك" للعهد لا للجنس؛ لأن مسك الجنة يطلق عليه اسم مسك، وليس (٦) مراداً بلفظ الحديث.

стр. 1424

الثامنة: قد ذكرنا في الكلام (١): أن الألف واللام للعهد، فتامَّلْه بالنسبة إلى المعنيين الآخرين؛ أعني: الجنس وتعريف الحقيقة. وقد تقدَّم منعُه لكونها للجنس، فيُوقَفُ للنظر في تعريف الحقيقة. * * * * الوجه السادس: في شيء من البيان والمعاني (٢)، وفيه مسائل: الأولى: قد (٣) ذكرنا في شرح هذا الحديث: أن الحكم قد يضاف (٤) إلى الذوات، والمراد صفاتها المناسبة، أو المنافية لما يذكر، فالْمَحْ هذا في قوله تعالى: "وأنا أجزي به"، فكأنه يقال (٥): وأنا المحسن المنعم الواسع العطاء أجزي به. الثانية: لا تَغْفَلَنَّ عمَّا يقتضيه تقديمُ هذا الضمير العلي في صدر الكلام، والفرق بينه وبين: (لي) و (أجزي به)، فإن فيه إشارة [عظمى] (٦) إلى فضيلة الصوم. الثالثة: المح المناسبة بين "لي"، و"أجزي به".

стр. 1425

الرابعة: لفظ (الجُنَّة) دالٌّ على الاستتار، وأنه حقيقة في الأجسام، فهو إذاً مجاز في الصوم، وظاهره الإخبار عن كونه جُنَّة، [ويحتمل أن يكون خبراً بمعنى الأمر؛ أي: ليكن الصوم جُنَّةً] (١) مانعةً لكم من الرفث والمعاصي، وأمثال ذلك. فإذا جعلناه خبراً، فتكون دلالتُه على الطلب دلالةً [التزامية، وإذا جعلناه بمعنى الأمر؛ أي: أُريد به الأمر، كانت دلالته على الطلب دلالة] (٢) مطابقية. الخامسة: إذا حملناه على الخبرية، فيحتمل أن يكونَ خبراً عن كونه جُنَّة من النار، ويُرجِّحه: أنه ورد كذلك في بعض الروايات: "جُنَّة من النار" (٣)، وفي بعضها: "جُنَّة ما لم يخرقها" (٤)؛ التقدير: جنة مانعة من النار، ما لم تخرق الجُنَّة (٥) بارتكاب ما يَمنع منه الصوم، فلا تكون جُنَّة حينئذ بانخراقها، ولا يَحسنُ في هذا اللفظ أن يكونَ بمعنى

стр. 1426

الأمر بتقدير: ليكنْ الصومُ جنة [ما لم يخرقها؛ لأنه على هذا التقدير يرتفع الأمر بجعله جُنَّة] (١) عند انحراقها، وليس كذلك؛ لأنه لو خرقها لاستمرَّ الأمرُ بعد ذلك بأن يُجعل جُنَّة، فلا بدَّ أن يكون خبراً؛ أعني: "جُنَّة ما لم يخرقها". السادسة: يحتمل أن يكون خبراً عن أمر شرعي؛ أي: حكمه في الشرع أن يكون جُنَّة، وهذا غيرُ كونه بمعنى الأمر؛ لِما ذكرنا من الفرق بين الدلالة في أن يكون [بمعنى] (٢) الأمر، والدلالة الالتزامية في أن يدلَّ على شيء يلزم منه الطلب، ولا شكَّ أن كونَ (٣) الشيء حكمَ الشرعُ أن يكونَ جُنَّةً يلزمُ (٤) منه الطلب، لا أنه موضوع للطلب. السابعة: إذا حملناه على أنه جُنَّة من النار، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد به: يَمنع من دخول النار، ويُبعد عنها، وتَجَوَّز عن معنى المنع والإبعاد بالستر، ويقوِّي هذا الحديثُ الصحيح: "منْ صامَ يوماً في سبيلِ اللهِ باعدَ اللهُ وجهَهُ عن النارِ سبعينَ خريفاً" (٥). وثانيهما: أن يكون كونُه جُنَّة من النار من باب ذبح الموت في

стр. 1427

الآخرة (١)، ومن باب: "تجيءُ البقرةُ وآلُ عمرانَ كأنَّهما غمامَتان، أوغيايَتان، أو فرقان من طير صواف" (٢)، فيكون المعنى: أن اللهَ تعالى يُبرزُ للأبصار ساتراً بين صاحب الصوم والنار؛ إظهاراً للمعاني في الأمثلة الحسية. الثامنة: إذا جعلناه من باب ذبح الموت، فيجوز أن يكونَ إطلاق لفظ (الجُنَّة) عليه (٣) حقيقة؛ بأن يكون اللفظ لما يبدو للحسِّ ساتراً بين الشيئين، ولا يدخل في الحقيقة خصوصُ الجسمية في الخارج، ولهذا إن من رأى ذلك الساتر، ولم يكن ممن يفهم (٤) هذا المعنى، أو ممن لم يثبته (٥)، أطلقَ عليه اللفظَ لا على جهة المجاز؛ لأنه لم يفهمه، فكيف يطلقه عليه ويريده؟! وهذا يسوق (٦) إلى المسألة الأصولية، وهو: أن اللفظ موضوع

стр. 1428

للمعنى الذهني، أو الخارج؟ وهذا الوجهُ يكون هاهنا (١) مجاز حذفٍ (٢). وإن جعلناه مجازاً عن المباعدة وعدمِ دخول النار، فهذا من مجاز الملازمة؛ لأن الساتر بين الشيئين مانعٌ من المخالطة والملابسة، [فأطلقَ لفظ الستر على المنع من المخالطة والملابسة] (٣)، فهو من باب إطلاق الاسم (٤) الملازم على الملزوم؛ لأن المنعَ من المخالطة والملابسة لا يلزمُ منه الستر. التاسعة: يجوز أن يُجعَل الصومُ جُنَّة، بمعنى: كسره للشهوات التي مادتها الطعام والشراب، بالإضعاف، أو (٥) الإزالة، ويكون وصفه بأنَّه جُنَّة كوصفه بأنه وِجاء؛ أي: يقوم مقام الجُنَّة الساترة بين النفس وبين الشهوات؛ [كما أنه يقوم مقام الوِجاء في دفع عادِيَة شهوة النكاح، وتكون تسميته جُنَّة مجازاً عن المانعية بين النفس وبين الشهوات،] (٦) وهذا راجع إلى حمله على الخبر، - كما هو ظاهرُ لفظِ (٧) الحديث.

стр. 1429

ولا يقال: إنه إخبار عن الواضحات والمحسوسات، فأي فائدة فيه؟ لأنا نقول: لما كان هذا المنع (١) ناشئاً عن فعل هذا المكلف، الذي هو الصوم، ذكر في ترتيب الثواب عليه؛ للتسبيب (٢) الذي فعله المكلف بالصوم. العاشرة: قد ذكرنا احتمالين في معنى: "الصوم جُنَّة": أحدهما: الخبرية. والثاني: [أن] (٣) يكون بمعنى الأمر. وإذا تردَّدَ [اللفظ] (٤) بين احتمالين احتيجَ إلى الترجيح، والترجيحُ له وجوه: منها: الترجيح بالحقيقة على المجاز، وهذا موجود في جعله خبراً؛ لأن اللفظَ موضوعٌ حقيقةً للخبر، ويؤيد (٥) ذلك: ما (٦) ذكرناه في (٧) رواية: "جُنَّة من النار"، و"جُنَّة ما لم يخرقها".

стр. 1430

فإن قلت: من وجوه الترجيح الاستدلالُ بما سبق اللفظ من المعنى، وما تأخَّر عنه، حتى كان ذلك سبباً لترجيح المجاز على الحقيقة في بعض المواضع؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوْا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فإنه يَحتمل - كما ذكر - التبجيلَ والتعظيم في دعائه، فلا (١) يُنادى بالاسم، بل بالصفة الجليلة؛ كـ (يا نبي الله)، و (يا رسول الله). ويحتمل أن يراد تأكيد إجابته ﷺ إلى ما يدعو إليه، بحيث لا يجعل دعاؤه كدعاء غيره في رتبة تأكُّدِ الإجابةِ، بل يكون راجحاً. وقد رجَّح بعضهم هذا الثاني بمناسبته للسابق، وهو: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ وعَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَئْذنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، وفي ترجيحه نظر. ومن الثاني - وهو الترجيح باللاحق (٢) - قوله تعالى: ﴿وَالتِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، فإن حقيقته في الثمرتين، أو الشجرتين المعروفتين، ومجازه في الجبلين اللذين فيهما (٣) هاتان الشجرتان، فرُجِّح الثاني بقوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، [فهو ترجيح بالمتأخر، ويُقوِّي قولَ من قال: إنه أراد بالتين دمشق] (٤)، والزيتون بيت

стр. 1431

المقدس (١)، فأقسم الله بجبل دمشق (٢) مأوى عيسى، وبجبل [بيت] (٣) المقدس؛ لأنه مقام الأنبياء كلهم، وبمكة؛ لأنها أثر إبراهيم [ومحمد صلوات الله عليهما] (٤)، وقد قيل غير دمشق مما ينسب إلى عيسى ﵇، وتُرجِّحُ هذا الحملَ مناسبةُ هذا القسم لهذه الأماكن المعظمة؛ بما وقع فيها من النبوات وآثارها. فإذا ثبت أن الترجيح قد يكون بسابق ولاحق، فقولُه ﵇: "الصوم جُنَّة، فإذا كانَ يوم صومِ أحدِكم، فلا يرفثْ ولا يجهلْ" (٥) يناسبُ أن يكون المراد الأمر؛ [أي] (٦): ليكن جُنَّة، ولا (٧) تفعلوا ما يخالفه مما [لا] (٨) يليقُ به؛ لمناسبة (٩) الأمرِ بالشيءِ (١٠) عن النهي عن ضده.

стр. 1432

قلت: هذا لا يمنع المناسبة بين ما تقدم وبين قوله: إذا جعلنا الخبرَ عن الأمر الشرعي، فإنه يناسبُ (١) الامتثال أيضاً، فإن كان الأمر إلى النهي أقرب، فالترجيح بالروايتين الأخريين أقوى، والله أعلم. الحادية عشرة: قد مرَّ (٢) ترجيحُ الحمل على الخبر (٣) بالحديث الآخر (٤): "الصوم جُنَّة من النار"، ["الصوم جنة] (٥) ما لم يخرقها"، فلقائل أن يقول: إذا رجحت الخبريَّة (٦)، أو أخرتها، وحملها على كونه جُنَّة من النار بدليل الرواية الأخرى، فما معنى هذا التسبيب الذي في الفاء؟ فإنَّ (٧) كونَهُ جنةً من النار لا يظهرُ منه كونُهُ سبباً لعدم الرفث والصخب. والجواب: إن في هذا إيماءً وإشارة إلى أن الرفث والصخب فيه يخرجه عن كونه جُنَّة من النار، فكونُه (٨) جُنَّةً بسبب (٩) النهي عن الرفث

стр. 1433

والصخب فيه بواسطة كون الرفث [والصخب] (١) فيه ينفيان كونه جنة. الثانية عشرة: لو قال قائل: إذا جعلتَه جُنَّة من النار، وقررَّتَ أن ذلك بواسطة كون الرفث والصخب يوجبُ (٢) خروجَه عن كونه جُنَّة، والخروجُ عن كونه جُنَّة لا يقتضي دخول النار. فالجواب: إن في هذا إشارةً لطيفة وإيحاءً خفيفاً (٣) إلى غلبة الوقوع في الذنوب، أو أكثريته، فإذا كان المقتضي للدخول موجوداً، والمانع مفقوداً، عمل المقتضي عمله، فحصل المقصود من التهديد والتعظيم. [الثالثة عشرة] (٤): فإن قلت: فما الدليلُ على غلبة الذنوب، أو أكثريتها؟ قلت: اختبار حال الأكثرين من الناس، والنظر إلى أفعالهم، وقد سمعت ما جاء: "كلُّ ابنِ آدمَ خطَاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون" (٥)، ولو

стр. 1434

ترقَّيت إلى أعلى من هذا لوجدتَ مُرتقى؛ كالأمر بالتوبة والاستغفار عموماً من غير تخصيص وتقييد بتقدير الذنب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، علِّمنِي دُعاءً أدعُو بهِ في صلاتي، قالَ: قلْ: "اللهمَّ إنّي ظلمْتُ نفسِي ظُلماً كبيراً" (١). ويمكن أن يقال: إن انتفاء المانع، وهو كونه جُنَّة، مما يثير الخوف؛ لتجويز أن تكونَ الجُنَّةُ مقصورةً عليه. الرابعة عشرة: قد يكون الخطابُ في قوله ﵇: "فإذا كان يوم صوم أحدكم" يُفهَمُ منه خروجُ النبي ﷺ عن ذلك، وأنه سببُ خروج اللفظ على وجه الخطاب؛ ليُنَزَّهَ النبيُّ ﷺ عن ذلك، وأنه ليس بعرضيته؛ فلم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق ﷺ (٢).

стр. 1435

الخامسة عشرة: [ "الصوم جُنَّة"] (١): ليس فيه حصرُ الجُنَّة فيه، وإنما يقتضي: أنه جُنَّة فقط؛ أي: سبب الستر (٢) عن النار إذا سلم من الأمور المنهي عنها، وقد يكون غيره سبباً أيضاً وجُنَّة، "فمَن استطاعَ [منكُمْ] (٣) أنْ يتقيَ النارَ [ولو] (٤) بشقِّ تمرةٍ فليفعلْ" (٥)، و ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ووصفُ أشياءَ كثيرة بالتسبب إلى النجاة، أو غيرها من ثواب الآخرة، يقتضي مصالحَ، منها الحرصُ على جميعها، فإنه قد يقع الشكُّ في قَبول بعضها، أو صحته، فإذا كثرت كان الرجاءُ في تحصيل فائدتها أكثرَ. السادسة عشرة: هذا العموم الذي في قوله ﵇: "أحد" يفيدُ الأمرَ بهذا القول بالنسبة إلى كل أحد، ويلغي الفرقَ بين أحوال السَّابِّين، فإن فيهم الوضيعَ والرفيعَ، والخسيسَ والشريفَ، فربما يُتوهَّم خروجُ الخسيس عنه؛ كما في عادة الناس: أنه إذا سُبَّ جليلٌ فقابِلوه (٦)، أن يقال للمقابل (٧): كان ينبغي أن تحترمه وتسامحه

стр. 1436

لمنصبه، وإذا سبهم الخسيس عذروه في مقابلته (١)، فالعموم يلغي هذا الوهم، ويفيد التساوي. السابعة عشرة: "فلا يرفث ولا يصخب": هذا من النوع الذي يُلتفَتُ فيه إلى مراتب الترقي والتنزل، وترتيب ما ينبغي أن يبدأ به، وها هنا (٢) انتقالٌ من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الرفث أفحش وأقبح من الصخب، فإن الصخب الذي هو اختلاط الأصوات من حيث هو هو، إنما ينافي السكينةَ والسمتَ الحسن، والإتيانُ بالألفاظ الفاحشة من حيث هي هي أفحشُ، وربما كانت محرمة، ولذلك ترى الناس يصطخبون في مباحثهم العلمية ومخاطباتهم، ولا يستقبحونه استقباحَ ذكر الألفاظ الفاحشة التي يُكنى عنها. وإذا كان كذلك، فالمقصود النهيُ عن [هذه] (٣) المنافيات للصوم، وتعظيمُ أمر الصوم؛ لتقديم كونه جُنَّة. وإذا ابتدِئ (٤) بالنهي عن الأفحش لم يلزمْ منه النهيُ عن الأدنى، فإذا أتى النهي عن الأدنى بعدَه كان أبلغَ في تعظيم الصوم، وتنزيهه عن المنافيات، فكأنه نهى عن الأقبح، وقيل: ولا يُقتصَرُ ذلك عليه، بل وعلى ما هو دونه في القبح، وجاء هذا [الحديث] (٥) من حيث النهي

стр. 1437

الداخلُ على الرفث والصخب، الذي هو معنى (١) النفي. ولا يشتبهَنَّ عليك قولُنا: إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، [فإن الذي ادَّعيته من الانتقال من الأعلى إلى الأدنى بالنسبة إلى حقيقة الشيئين، والنهي دخل عليهما، فالانتقال (٢) من الأدنى إلى الأعلى] (٣) باعتبار النهي الداخل على الشيئين، لا باعتبار حقيقة الشيئين اللذين دخل عليهما النهي، فالمقصود: أنَّ النهيَ عن الأدنى أبلغُ في مقصود المنع والتعظيم من النهي عن الأعلى. فإن قلت: هلا اكتفى بالنهي عن الأدنى الذي جعلته أبلغ من النهي عن الأعلى، الذي هو الرفث؛ كما اكتفى بالنهي عن التأفيف عن النهي عن الضرب؟! قلت: هذا أولًا خروجٌ إلى سؤال آخر، والجواب عن السؤال المتعلق (٤) بالتقديم والتأخير قد حصل، وبعد ذلك فنقول: لا يُكتفَى؛ لأن الرفثَ سببٌ داعٍ إلى ما يفسد الصوم، وهو الجماع؛ لأجل ثوران الشهوة، كذكر ما يتعلق بالنساء، لا سيَّما مع الإفحاش في حق بعض الناس، والصخبُ لا يفسد الصوم، والاعتناءُ بذكر ما يفسد العبادة أهمُّ

стр. 1438

من الاعتناء بذكر ما لا يفسدها، فلم يُترك؛ لشدة الاهتمام بذكره، وانتقل إلى الصخب، الذي هو أخف؛ لأجل تأكيد النهي كما ذكرناه، وحصل الجمعُ بين ذكر الأهم وبين الترقي؛ لتأكيد النهي. الثامنة عشرة: قولُه ﵇: "فليقلْ: إني صائمٌ، إني امرؤٌ صائمٌ" لا يُحملُ الثاني على التأكيد؛ لأن التأكيدَ اللفظي إعادةُ اللفظ أو مرادفه؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥]، بخلاف قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١، ٢]. وقوله: "إني امرؤٌ صائم" ليس كذلك، وقد ورد في بعض الروايات: "إني صائمٌ، إني صائمٌ (١)، وذلك تأكيد جزمًا. فنقول: أما "إني صائم" فقد نُجريه على قاعدة، وهو: أن الحكمَ المضافَ إلى الذوات قد يكون المقصودَ بها (٢) صفاتُها القائمة بها؛ إما لمناسبة بين تلك الصفات وما يُراد تحصيلُهُ والحثُّ عليه؛ كما تقول لمن أحسن وأجاد في كلامه: أنت تقول هذا؟! والمقصود صفاته المقتضية لذلك الإحسان، ولعل من هذا (٣) - والله أعلم -: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقول الراجز:

стр. 1439

أَنْعَتُهَا إنِّيَ (١) [مِنْ] (٢) نُعَّاتِهَا (٣) أو تكون تلك الصفات منافية لما يصدر عنه؛ كما تقول لمن فعل فعلًا لا يليق به: أنت تفعل هذا؟! تريد: أن وصفَهُ ينافي ذلك الفعل. فإذا تكرر هذا (٤) فتكون "إني صائم" (٥) [إشارة] (٦) إلى منافاة صفته، التي هي الصومُ، للرفث والفحش. وأما قوله: "إني امرؤٌ صائم" ففيه معنى آخر: وهو منافاة الرفث للصوم على سبيل العموم في حق كلِّ امرئ، والإشارة إلى التعليل في امتناعه هو؛ لأنه من جملة أفراد ذلك العام الذي يُعلَّق به الحكم، فالأول (٧) يرجع إلى أمر يختص به، والثاني (٨) يرجع إلى عموم يدخل هو تحته.

стр. 1440

فإن قلت: فمن أين تأخذ العموم في: "إني امرؤٌ صائم" (١)؟ قلت: لأن المقصود النتيجة، وهو أن هذا الذي يسُبَّ، أو قوتل، [لا] (٢) يرفث ولا يصخب، وهذا لا بدَّ فيه من مقدمة أخرى، وهو: [أن] (٣) كل امرئ صائم لا يرفث ولا يصخب، فيكون التقدير هكذا: إني امرؤٌ صائم، وكل امرئ صائم لا يرفث، فأنا لا أرفث. فلا بدَّ أن يكون العمومُ حاصلاً في (كل امرئ صائم لا يرفث) حكمًا وشرعًا، لأنه لو لم يكن عامًّا، وانقسم الحال فيه إلى صائمٍ له الرفثُ، وصائم ليس له الرفث، لم يلزم أن يكون هذا المسبوب (٤) لا يرفث. التاسعة عشرة: فائدة الأمر بهذا القول: تذكيرُ (٥) النفس بالحالة التي وُجد ما يُذهِلُ عنها، ويغيبها عن الذهن، وهو المسابَّة المقتضية لثوران الغضبية، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]؛ أي: والله أعلم - تذكروا ما يوجب عدم الإجابة لداعي الشيطان؛ كجلال الله وعظمته، وما يجب أن يكون الإنسان عليه من الحياء منه.
следующие страницы →