← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

لمنصبه، وإذا سبهم الخسيس عذروه في مقابلته (١)، فالعموم يلغي هذا الوهم، ويفيد التساوي. السابعة عشرة: "فلا يرفث ولا يصخب": هذا من النوع الذي يُلتفَتُ فيه إلى مراتب الترقي والتنزل، وترتيب ما ينبغي أن يبدأ به، وها هنا (٢) انتقالٌ من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الرفث أفحش وأقبح من الصخب، فإن الصخب الذي هو اختلاط الأصوات من حيث هو هو، إنما ينافي السكينةَ والسمتَ الحسن، والإتيانُ بالألفاظ الفاحشة من حيث هي هي أفحشُ، وربما كانت محرمة، ولذلك ترى الناس يصطخبون في مباحثهم العلمية ومخاطباتهم، ولا يستقبحونه استقباحَ ذكر الألفاظ الفاحشة التي يُكنى عنها. وإذا كان كذلك، فالمقصود النهيُ عن [هذه] (٣) المنافيات للصوم، وتعظيمُ أمر الصوم؛ لتقديم كونه جُنَّة. وإذا ابتدِئ (٤) بالنهي عن الأفحش لم يلزمْ منه النهيُ عن الأدنى، فإذا أتى النهي عن الأدنى بعدَه كان أبلغَ في تعظيم الصوم، وتنزيهه عن المنافيات، فكأنه نهى عن الأقبح، وقيل: ولا يُقتصَرُ ذلك عليه، بل وعلى ما هو دونه في القبح، وجاء هذا [الحديث] (٥) من حيث النهي

стр. 1437

الداخلُ على الرفث والصخب، الذي هو معنى (١) النفي. ولا يشتبهَنَّ عليك قولُنا: إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، [فإن الذي ادَّعيته من الانتقال من الأعلى إلى الأدنى بالنسبة إلى حقيقة الشيئين، والنهي دخل عليهما، فالانتقال (٢) من الأدنى إلى الأعلى] (٣) باعتبار النهي الداخل على الشيئين، لا باعتبار حقيقة الشيئين اللذين دخل عليهما النهي، فالمقصود: أنَّ النهيَ عن الأدنى أبلغُ في مقصود المنع والتعظيم من النهي عن الأعلى. فإن قلت: هلا اكتفى بالنهي عن الأدنى الذي جعلته أبلغ من النهي عن الأعلى، الذي هو الرفث؛ كما اكتفى بالنهي عن التأفيف عن النهي عن الضرب؟! قلت: هذا أولًا خروجٌ إلى سؤال آخر، والجواب عن السؤال المتعلق (٤) بالتقديم والتأخير قد حصل، وبعد ذلك فنقول: لا يُكتفَى؛ لأن الرفثَ سببٌ داعٍ إلى ما يفسد الصوم، وهو الجماع؛ لأجل ثوران الشهوة، كذكر ما يتعلق بالنساء، لا سيَّما مع الإفحاش في حق بعض الناس، والصخبُ لا يفسد الصوم، والاعتناءُ بذكر ما يفسد العبادة أهمُّ

стр. 1438

من الاعتناء بذكر ما لا يفسدها، فلم يُترك؛ لشدة الاهتمام بذكره، وانتقل إلى الصخب، الذي هو أخف؛ لأجل تأكيد النهي كما ذكرناه، وحصل الجمعُ بين ذكر الأهم وبين الترقي؛ لتأكيد النهي. الثامنة عشرة: قولُه ﵇: "فليقلْ: إني صائمٌ، إني امرؤٌ صائمٌ" لا يُحملُ الثاني على التأكيد؛ لأن التأكيدَ اللفظي إعادةُ اللفظ أو مرادفه؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥]، بخلاف قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١، ٢]. وقوله: "إني امرؤٌ صائم" ليس كذلك، وقد ورد في بعض الروايات: "إني صائمٌ، إني صائمٌ (١)، وذلك تأكيد جزمًا. فنقول: أما "إني صائم" فقد نُجريه على قاعدة، وهو: أن الحكمَ المضافَ إلى الذوات قد يكون المقصودَ بها (٢) صفاتُها القائمة بها؛ إما لمناسبة بين تلك الصفات وما يُراد تحصيلُهُ والحثُّ عليه؛ كما تقول لمن أحسن وأجاد في كلامه: أنت تقول هذا؟! والمقصود صفاته المقتضية لذلك الإحسان، ولعل من هذا (٣) - والله أعلم -: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقول الراجز:

стр. 1439

أَنْعَتُهَا إنِّيَ (١) [مِنْ] (٢) نُعَّاتِهَا (٣) أو تكون تلك الصفات منافية لما يصدر عنه؛ كما تقول لمن فعل فعلًا لا يليق به: أنت تفعل هذا؟! تريد: أن وصفَهُ ينافي ذلك الفعل. فإذا تكرر هذا (٤) فتكون "إني صائم" (٥) [إشارة] (٦) إلى منافاة صفته، التي هي الصومُ، للرفث والفحش. وأما قوله: "إني امرؤٌ صائم" ففيه معنى آخر: وهو منافاة الرفث للصوم على سبيل العموم في حق كلِّ امرئ، والإشارة إلى التعليل في امتناعه هو؛ لأنه من جملة أفراد ذلك العام الذي يُعلَّق به الحكم، فالأول (٧) يرجع إلى أمر يختص به، والثاني (٨) يرجع إلى عموم يدخل هو تحته.

стр. 1440

فإن قلت: فمن أين تأخذ العموم في: "إني امرؤٌ صائم" (١)؟ قلت: لأن المقصود النتيجة، وهو أن هذا الذي يسُبَّ، أو قوتل، [لا] (٢) يرفث ولا يصخب، وهذا لا بدَّ فيه من مقدمة أخرى، وهو: [أن] (٣) كل امرئ صائم لا يرفث ولا يصخب، فيكون التقدير هكذا: إني امرؤٌ صائم، وكل امرئ صائم لا يرفث، فأنا لا أرفث. فلا بدَّ أن يكون العمومُ حاصلاً في (كل امرئ صائم لا يرفث) حكمًا وشرعًا، لأنه لو لم يكن عامًّا، وانقسم الحال فيه إلى صائمٍ له الرفثُ، وصائم ليس له الرفث، لم يلزم أن يكون هذا المسبوب (٤) لا يرفث. التاسعة عشرة: فائدة الأمر بهذا القول: تذكيرُ (٥) النفس بالحالة التي وُجد ما يُذهِلُ عنها، ويغيبها عن الذهن، وهو المسابَّة المقتضية لثوران الغضبية، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]؛ أي: والله أعلم - تذكروا ما يوجب عدم الإجابة لداعي الشيطان؛ كجلال الله وعظمته، وما يجب أن يكون الإنسان عليه من الحياء منه.

стр. 1441

العشرون: فائدة التكرار لهذا القول: تاكيدُ المعنى في النفس، وتقريبُ النفس إلى الامتناع ممَّا ينافي الصوم. وقد ورد الشرعُ بالتكرار بالأذكار، وفائدته - والله أعلم -: أن الوساوسَ والغفلاتِ كثيرةُ الطروق للقلوب، والمقصودُ بالذكر الحضورُ ومُواطأةُ القلب للسان، فإذا كثرت أعداد الذكر رُجيَ أنه يحصل هذا المقصود، ولو مرةً واحدة، فتحصل الثمرةُ والثواب الموعود؛ "مَن استغفرَ اللهَ غفرَ لهُ " (١). الحادية والعشرون: إذا كان المقصودُ تذكارَ النفس بما يُمنع عنه، فلو قال قائل: فلمَ خصَّ قوله: "إني صائم"، مع أنه يمكن أن يقال لفظ آخر يقتضي منعَ النفسِ (٢) من ذلك المنهيِّ (٣) عنه؟ قلنا: فيه أمران: أحدهما: الجمع بين المعنى (٤) الشرعي في الصوم، والإشارة

стр. 1442

إلى مناسبة المعنى اللغوي له أيضًا؛ لأنه للإمساك، صماذا كان إمساكًا، فليقتضِ (١) الإمساكَ عن المسابَّة، وليس كذلك الألفاظ (٢) التي تَمنع من غير إشعار المناسبة اللغوية. [و] (٣) الثاني: الدلالة على أنَّ مقتضى الصوم الإمساكُ عن هذه الأمور، ولو ذُكر لفظٌ آخرُ لا يدل على أن ذلك مقتضى الصوم، لم يقمْ مقامَه؛ كما لو قال: إني أخاف الله، أو إن هذا فعل قبيح، فإن هذا لا يدل على [أن] (٤) مقتضى الصوم بخصوصه تركُ هذه الأمور المنهي عنها؛ لاشتراك جميع المخالفات في ذلك. الثانية والعشرون: أُمرَ بأن يقول: "إني امرؤٌ صائم" مطلقًا، وقد يكون السَّابُّ له صائمًا أيضًا؛ كما في الصوم المفروض، أو المستحب، إذا علم به، فكان يمكن أن يقال [له] (٥): إنك صائم، فاتركْ ما فعلت، ولم يؤمر بذلك، لكن أمر بقوله: "إني صائم"، ولعل السبب فيه: أنا إن جعلنا هذا القول قولًا نفسانيًا مراعاة لنفي الرياء؛ إما بالصوم، أو بالأمر بالمعروف، اختصَّ به جزمًا. وإن جعلناه قولاً لفظيًا، ففيه وجهان:

стр. 1443

أحدهما: أن اهتمامه بنفسه ليردعَها بعد وجود الداعي إلى الفعل أولى، فإنه أقدر على الصبر والانتفاع بموعظة نفسه من اقتداره على انتفاع غيره بوعظِهِ. والثاني: أن فيه تعريضًا لسابِّه بأنه فَعَلَ خلافَ مقتضى عبادتِه، فكأنَّه يقول: أنا صائم فأتركُ ما لا (١) ينبغي، لا كما فعلت أنت من ترك ما ينبغي مع كونك صائمًا، وهذا كما تقول لمن تريد عَتَبَه عند محاورته: [و] (٢) أنا أخاف الله؛ تعريضًا له بأنه لا يخافه بالمعصية، والله أعلم. الثالثة والعشرون: قوله ﵇ في هذا الموضع، وفيما لا يحصى من المواضع: "والَّذِي نفسُ محمدٍ بيدِهِ"، أو "والذي نفسِي بيدِهِ"، مقصودُهُ: تأكيدُ الإخبار بالقسم، وهذه فائدة القسم كله، ولكن يُحتاجُ إلى فائدة تخصيص هذا القسم المخصوص (٣)، وهو قوله ﵇: "والذي نفس محمد بيده"، وفائدتُهُ: ضمُّ التأكيد في وقوع المخبر عنه بمطلق القسم، إلى التأكيد بالصدق في الإخبار بذكر كون النفس بيده وقادر عليها، فتأمله. الرابعة والعشرون: لا تغفلَنَّ عن تفضيلِ الخُلوف على أطيب الطيب؛ كما جاء في الحديث: "وهو أطيب الطيب" (٤)؛ يعني:

стр. 1444

المسك، وإذا كان يحصل التفضيل مما هو دونه في الدرجة من الروائح الطيبة، فالعدول إلى تفضيله بالنسبة إلى أعلى الدرجات في الطيب تأكيدٌ لتعظيم فضيلة الخلوف. الخامسة والعشرون: التنزيهُ عن الجسمية ولوازمها، توجب استحالةَ الاستلذاذِ بالروائح في حقّ الله تعالى على الوجه الذي هو ثابثٌ فينا. قال أبو العباس القرطبي: لا يُتَوَهَّمْ أنَّ الله تعالى يستطيبُ الروائحَ ويستلذُّها (١)؛ كما يقع لنا من اللذة والاستطابة؛ إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا، وهو الغني بذاته، الكامل بجلاله وبقدسه (٢)، على أنا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات، ويبصر الميصرات، ويسمع المسموعات، على الوجه اللائق بجلاله (٣) وكماله وتقديسه (٤) عن شبه مخلوقاته، وإنما معنى هذه الأطيبية عند الله تعالى: [أنها] (٥) راجعة إلى أن الله (٦) تعالى يثيبُ على خُلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيثُ ندبَ

стр. 1445

الشرع إلى استعماله فيها؛ كالجُمَعِ والأعياد وغير ذلك ويحتمل أن يكونَ ذلك في حقِّ الملائكة، يستطيبون ريحَ الخُلوف أكثر ممَّا يستطيبون ريحَ المسك، انتهى (١). وأقول: لما كانت لفظة "أطيب" مذكورة في الحديث، كان من وظائف الشارح أن يعرض (٢) لمعناها، وينظر هل يمكن إجراؤها على ظاهرها المعلوم في العادة، أو لا؟ فإنْ لم يمكن نظرَ في وجه المجاز، فهذا داعٍ إلى بيان استحالة إرادة المعنى الظاهر منها عرفًا. والذي قاله من استحالة الاستلذاذ على الوجه المعلوم (٣) في العرف مُتَّفقٌ عليه بين المتكلم والمتفلسف المُشترِكَين في التنزيه، وإنما اختلفا في اللذة العقلية، وليس هذا موضع الكلام على ذلك، وإنما يُجوِّزُ هذا الظاهرَ الحشويُّ المصرِّح المبرح بالجسمية (٤)، والإلغاء للغيرية (٥).

стр. 1446

وأما (١) المجاز الذي ذكره أبو العباس، وجَعلُهُ الأطيبيةَ مجازًا عن (٢) أكثرية الثواب، فهو عندي مجاز بعيد؛ لأنهما إنما يشتركان في معنى الأكثرية، وكونِ كلِّ واحد منهما مطلوبًا مرغوبًا فيه، وهاتان علاقتان عامتان بعيدتان عن محل التجوز (٣). والعلاقة كما ضعفت بَعُدَ المجاز، وبالعكس، هذا من جهة النظر إلى القرب والبعد من حيث هو هو. وقد يقوم مُعارض يمنع من هذا الضعف ويُحسِّنُ المجاز، ألا ترى إلى قول الشاعر [من الرجز]: صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان (٤) فإنه تراه - وإن بعدت العلاقة فيه - إذا (٥) نظرت إلى معناه، وهو أن الزرع ينبت، فيُسَنْبِلُ (٦)، فيبدو صلاحه، فيُعالَجُ إلى أن يصيرَ ثريدًا،

стр. 1447

وجدتَ العلاقة بعيدة، وقد ذكرنا: أنَّ ذلك موجبٌ لضعف المجاز من حيث هو هو؛ لأن البعد يعسر على الذهن الانتقال من محل الحقيقة إلى محل التجوز، وبالعكس في القرب، لكن الذي حسَّن هذا أنه لما قال: صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان أخبر بأمر يبطلُه الحسُّ، فتشوَّفت (١) النفسُ إلى وجه ما حكم به، فإذا ظفرت به، أدركته إدراك المتكسبِ الظافرِ بمطلوبه، فالتذت به. وإذا نظرت إلى قول الآخر [من الطويل]: وقالَ الوليدُ النَّبْعُ ليسَ بمُثْمرٍ ... وأخطأَ سربُ الوحشِ من ثمرِ النَّبعِ ومعناه: أن (٢) النبعَ يُعمل منه القَسِي، ويُرمى عنها، فتؤخذ سربُ الوحش، فتكون ثمرًا للنبع بهذا الاعتبار، ونظرت فيه محلاً للقَبول، لكنه ناقصٌ عن درجة: صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان والسبب فيه: أن الذاتَ التي (٣) صارت ثريدًا في رؤوس العيدان

стр. 1448

من جنسه، فقَرُبَ من الحقيقة قربًا لا يوجد في (سرب الوحش) بالنسبة إلى (رؤوس النبع). والوليد الذي أراده: هو (١) أبو عُبادة البُحتُرِي، والبيت الذي أشار إليه هو قول البحتري [من البسيط]: والنَّبع عُريانُ ما في رأسِهِ ثَمَرُ (٢) وإنما اشتركا في وصف أعم، وهو التسبب إلى حصول المسبب، فانحط عن رتبة الثريد، فهذا مثالُ البعيدِ (٣) العلاقة مع الاستحسان؛ لوجود المعارض لذلك الضعف. ووجوهُ الاستحسان والاستقباح في المجازات والاستعارات بعيدٌ أن يتيسرَ الوقوف على كلها، والتعبير عنها، وأبعد منه تحرير الحدود لأنواعها، والذي ذكره أهل علم البيان في هذا لا يفي بذلك. ثم نرجع إلى المقصود، فنقول: نجعل العِنْدِيَّةَ هاهنا - والله أعلم - عِنْدِيَّة القيامة، أو عِنْدِيَّة العلم، ويكون المعنى: أنَّ الخُلُوفَ أطيب في القيامة، أو في علم الله تعالى؛ لأنه في يوم القيامة أطيب من ريح المسك، بمعنى: أن الله تعالى يجعل رائحة الخلوف كرائحة المسك

стр. 1449

يوم القيامة؛ كما في دم الشهيد. وهذا (١) الفضلُ (٢) الذي ذكرناه يُقصَدُ به أمران: أحدهما: بيانُ الحاجة إلى ذكر ما يتعلق بعلم الأصول والكلام؛ تنبيهًا على (٣) الجواب عن قول من يمنع الخوض في مثل هذا. والثاني: أنه إذا انقسم (٤) الحال في العلاقة بين القريب والبعيد، وأن البعد سبب للمرجوحية إلا لمعارض، وتبيَّنَ (٥) كل ذلك، احتاج أبو العباس إلى أن يبيِّن العارضَ المرجّحَ لتقرير حُسنِ ما قال. وأما قول أبي العباس: ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة، يستطيبوَن ريحَ الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. فإن أراد بذلك في الدنيا، فهو خلاف ما جاء: أن الملائكة تتأذَّى مما يتأذى منه بنو آدم، وما جاء: أن السواكَ مطلوبٌ تطييب الفم بسبب الملائكة. وإن أراد أن يكون ذلك (٦) يوم القيامة، ففيه مجاز حذف المضاف؛ أي: عند ملائكة الله.

стр. 1450

وعلى ما قلناه لا حاجةَ إلى هذا الحذف (١).

стр. 1451

السادسة والعشرون: رأيتُ مَنْ يَستبعدُ أنَّ الفرح عند الفطر بنيل المأكول والمشروب، ويستحطُّ هذه الدرجة عن أن تكون مذكورةً معنيةً في هذا الموضع مقرونةً بالفرح عند لقاء الله تعالى. واقتضى ذلك: أن يَحمل الفرح بالفطر على أن المرادَ الفرحُ بكمال عبادته وصومه؛ ليرجعَ ذلك إلى ما يناسب أحوال المتديِّنين، والتعظيمِ المقصود المناسب للاقتران بالفرح بلقاء الله تعالى. وذُكِرَ (١) احتمالٌ آخر: وهو أن تكون الفرحةُ عند إفطاره بما يجب له من الثواب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعز، وفرحه يوم القيامة بما يصل إليه منه، فإنَّ ما وجبَ له من فضل [الله] (٢) لن يخلفَهُ الله إياه.

стр. 1452

وفيه احتمال آخر: [وهو] (١) أن الفرحَ بأن له عند فطره دعوة مستجابة، وله يوم القيامة فرحة بالثواب والجزاء. وذكر آخر: وهو أن للصائم فرحتين، أحدَهما عند الإفطار، وهو أن تصدَّقَ الله بنفسه عليه (٢) عند انسلاخ النهار، ولم يأذنْ له في وصل الليل بالنهار، فيتعجَّل هلاكُه، لكنه، وإن تعرَّضَ بالصيام للهَلَكة، فقد رضي الله تعالى منه [بما] (٣) دونَها، أو مثله؛ ليزداد خيرًا وبرًا (٤) في أيام مُهلتِهِ (٥)، فله بهذا البر الوارد عليه من الله - تعالى - فرحة، وبما يردُ عليه يوم القيامة من الثواب فرحة؛ ذكره الحليمي (٦). وهذا كله عندي ليس بالقوي لوجهين: أحدهما: أنه صحَّ في بعض الروايات: "فَرِحَ بفطرِه، وإذا لقيَ ربَّهُ فرحَ بصومِهِ" (٧)، وظاهر هذا: أن الفرحَ بنفس الفطر. والثاني: أن انبساطَ النفس بسبب نيلِ ما يزيلُ الحاصلَ بسبب الصوم من الجوع والعطش، وهذا الأمر الطبيعي يمكن أن يُعَبَّرَ عنه بالفرح، وتكون الفائدة في اقترانه بالفرح بلقاء الله تعالى تحقيقَ وقوع

стр. 1453

الموعود به من الثواب عند لقاء الله تعالى؛ لاقترانه بالمحقَّق حسًا ووجودًا؛ بمعنى: أن الفرح بلقاء الله تعالى محقَّقُ الوقوع في الآخرة؛ كقرينهِ من الفرح عند الفطر في الدنيا حسًا ووجودًا. السابعة والعشرون: هاهنا طريقة أدبية تُمتحن بها الأذهان، وهو أن يُطلبَ الجمعُ بين شيئين يبعد الجمع بينهما في الذهن، فيمكن أن يقال هاهنا على هذه الطريقة: في أي شيء يجتمع قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٤، ٤٥] وبين قوله ﵇: "فإنْ سابَّهُ أحدٌ، أو قاتلَهُ، فليقلْ: إني صائمٌ"؟ فيجاب عنه: بأنهما يشتركان في إقامة السبب مقامَ المسبب. بيانُهُ: أن طولَ العمرِ للقرون سببٌ لعدم علمهم بما كان، وعدمُ علمهم [سببٌ] (١) للإيحاء (٢) إليك بما كان؛ للمصالح المتعلقة بذلك الوحي، وسببُ السببِ سببٌ، فيكون طولُ العمر سببًا للإيحاء، فكان الأصل في هذا الكلام: وما كنت بجانب الغربي، فأوحينا إليك بما كان، فوضع (تطاولَ العمر بالقرون) الذي قررناه أنه سبب الوحي (٣) موضعَ (أوحينا إليك). وكذلك في الحديث: "فإنْ سابَّهُ أحدٌ، أو قاتلَهُ، فليقلْ: إنِّي

стр. 1454

صائمٌ "، تذكارُ النفس بانَّه صائمٌ سببٌ للسكوت وعدم الجواب، فوضع (إني صائم) الذي هو سبب موضعَ (فلا يسب) (١). * * * * الوجه السابع: في الفوائد والمباحث سوى ما تقدم، وفيه مسائل: الأولى: فيه إطلاقُ لفظ (الابن) على غير ولد الصلب من ولد الولد، ولا خلافَ في ذلك، وإنما اختلف في كونه حقيقة أو مجازًا، وانبنَى عليه من مسائل الفقه: ما إذا وَقَفَ على ولده؛ هل يدخل فيه ولد ولده؟ ورجَّح الماورديُّ عدم الدخول، وادَّعى: أن الحقيقة في (الولد) ولدُ الصلب، وأن إطلاقه على ولد الولد مجاز؛ هذا معنى كلامه، وإن لم يكن بلفظه. الثانية: فيه الفضيلة الباهرة لعبادة الصوم، وفي ذلك أحاديث غير هذا في الصوم المطلق، والصوم المعين؛ لأنه لا شكَّ أن وصف الفعل بالأوصاف المرغبة فيه دليلٌ على طلبيته. وقد ذكر هاهنا أشياء من ذلك كـ: إضافتِهِ إلى الله تعالى، ووعد الجزاء عليه، وعدم تقدير الثواب له، وكونه جُنَّة، والثناء على فاعله؛ لكونه يدع الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، والفرح عند لقاء الله

стр. 1455

تعالى، [و] (١) كلُّ هذه (٢) دلائلُ على طلبيته وشرفيته. الثالثة: الألف واللام في "الصوم" يجوز أن تكون لتعريف الماهية، فتدلَّ على فضيلته من حيثُ هو هو، ويحتمل أن تكون للعموم بناءً على أن الألف واللام في الاسم المحلى بهما للعموم، ويحتمل أن تكون للعهد، والمعهود هو الصوم الشرعي. الرابعة: الصوم ينقسم بحسما الحكم الشرعي أقسامًا: واجبٌ؛ كرمضان والكفارة. ومحظورٌ؛ كصوم العيدين. ومكروهٌ؛ كصوم يوم الجمعة منفردًا، وكصوم يوم السبت عند بعضهم (٣). ومندوبٌ؛ كعاشوراء، وعرفة، وغيرهما.

стр. 1456

وأما المُباح؛ بمعنى: التساوي، فليس في الصوم المترجِّح جانبُهُ. فينبغي أن ينظر في حال الصوم بالنسبة إلى هذه الأحكام، وإلى الألف واللام؛ هل يجبُ أن يكون مخصوصًا، أو مقيدًا، أو مطلقًا؟ الخامسة: أما إذا جعلنا الألف واللام للعموم فهو مخصوص؛ لأنه يَخرج منه (١) الصومُ المحرم والمكروه. وإن جعلناهما لتعريف الماهية، وتعليقِ الطلبِ بمطلقهما، فيقيَّدُ بماعدا الصور المنهي عنها. وإن جعلناهما للعهد، والمعهود الصوم الشرعي السالم من النقائص، فلا تخصيص ولا تقييد. وينبغي (٢) أن يلتفتَ في هذا إلى معنى "لي" الذي تكلمنا فيه. السادسة: سألني بعضُ من ينسب إلى الفضيلة - قديمًا - عن الجمع بين قوله ﵇ عن الله تعالى: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصومَ"، وبين قوله ﵇: "قسمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدِي نصفَين، ولعبدِي ما سألَ" (٣)، [و] (٤) وجهُ الحاجة إلى الجمع: أنَّ

стр. 1457

حديثَ الصوم [يقتضي] (١) أن لا يخرجَ من أعماله كلِّها عن كونه له إلا الصوم، وحديث الفاتحة يقتضي أن يخرجَ بعض عمله غير الصوم عن كونه له. والجواب عنه: أن المعنى في اللام مختلف، ففي حديث الفاتحة هي محمولةٌ على أن بعض معاني ألفاظ الفاتحة مختصٌّ به، ومتعلق بخصوصيته؛ كالعبادة وسؤال الهداية. واللام في حديث الصوم على غير هذا الوجه، على ما ذكرناه في الوجوه السابقة، وعلى ما اخترناه أنها دالةٌ على التقدير في الثواب بجميعِ أعمالِه (٢) إلا الصومَ. فلا تجامُعَ، ولا تعارُضَ (٣)، وهذا الوهمُ الذي وقع للسائل سببُهُ الاشتراكُ في معنى اللام. السابعة: لا شكَّ أنَّ مقصود الكلام الترغيب في الصوم بسبب ترتب الجزاء عليه، فيكون ذلك دافعًا لما يقوله المتأخرون من المتصوفة: إن العبادةَ لطلب الجزاء مرتبةٌ مرغوب عنها، أو مذمومة، حتى يقال: إن العامل للجزاء كالأجير، وإنما الطريق العمل لوجه الله تعالى، وامتثال أمره.

стр. 1458

وإنما قلنا: إنه يكون دافعًا لما قالوه، أو معنى ذلك؛ لأن ذلك يُبطل الترغيبَ بذكر الجزاء على الأعمال، مع أن المعنى عليه جزمًا. وهذا في ألفاظ الشرع كثير جدًا، [نعم] (١) لو قيل: إن غيرَه أعلى منه، فقد يسلم ذلك، وأما أن يكون هذا في محلّ الذم والاستكراه، فلا. الثامنة: في رواية وكيع، عن الأعمش: "الصومُ لي، وأنا أجزِي بهِ، يدع شهوتَهُ (٢) وطعامَهُ من أجلِي" (٣). وهذه الجملة التي هي؛ "يدع شهوتَهُ وطعامَهُ من أجلِي" تقتضي التعليل بها لما سبقها؛ أي: تقتضي تعليل ترتيب الجزاء على هذا الأمر؛ أعني: ترك الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، [والجمل] (٤) قد تفيدُ معنى التعليل كثيرًا. التاسعة: وصفُ العام بالخاص غيرُ جائز، وبعبارة (٥) المنطقيين: حملُ الخاص على العام غيرُ سائغ، فلا يقال: الحيوان إنسان، وإطلاق العام لإرادة (٦) الخاص مجاز، لا [على] (٧) سبيل الحقيقة (٨).

стр. 1459

وإذا كان كذلك، فيظهر بهذا (١)، وبما ذكرناه من التعليل: أن الإمساكَ الذي لا يكون بهذه الحالة - أعني: أن يكونَ [لا] (٢) لأجل الله تعالى - لا يكون صومًا شرعيًا؛ لأنه لو انقسم الصوم الشرعي إلى ما يكونُ بهذه الصفة، وإلى ما لا يكونُ كذلك (٣)، كان فيه وصف العام بالخاص، أو إطلاق العام وإرادة الخاص، والأول: غير سائغ، والثاني: ليس بحقيقة، والأصلُ عدمُهُ. العاشرة: فيَحْسُنُ (٤) هذا في (٥) أن يقولَ القائل: الحديث يدل على اشتراط النية في الصوم؛ لدلالة ما ذكرناه من لزوم التعليل، وامتناع وصف العام بالخاص، أو لزوم المجاز من إطلاق العام لإرادة الخاص، مع أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، على أن ما ليس بهذه الصفة ليس صوما، ولا يمكن أن يقال: إنه ليس صومًا لغويًا، فيتعين أن يكون المنتفي الصوم الشرعي، إلا أن فيه بحثًا ونظرًا، نذكره في المسألة بعدها. الحادية عشرة: إذا قيل: افعلْ كذا لكذا، فله معنيان: أحدهما: أن تكون اللام تعليلًا للأمر بذلك الفعل.

стр. 1460

والثاني: أن يكون أمرًا بتعليل الفعل بذلك الشيء. فإذا قلنا: أكرمْ زيدًا لأنه عالم، وكان ذلك تعليلاً للأمر بالإكرام، فلا يَلزمْ منه الأمر بالتعليل، حتى لو أكرمه - ولم يقصد بإكرامه التعليل بالعلم - كان ممتثلاً. وإذا جعلناه أمرًا بالتعليل، بمعنى: أكرمه؛ معللاً إكرامك له لكونه عالمًا، فلو أكرمه - لا لأجل ذلك - لم يكن ممتثلاً. فظهر الفرق بين التعليل للأمر، و [بين] (١) الأمر بالتعليل، وكذلك نقول: في باب مدح الفعل، وتعليل مدحه بعلة بلفظ (أجل)؛ أو ما في معناه. وإذا ثبتَ (٢) هذا فقولُه تعالى: "يدع شهوتَه وطعامَه من أجلِي"، يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون تعليلاً للأمر؛ أي: أنه فعل ذلك بسبب أمري له بالصوم، فلا يلزم أن يكون فعل ذلك معللًا لَفعله بأنه لأجل الله تعالى. ويحتمل المعنى الآخر (٣)، وهو أن يكون ممدوحًا على كونه فعل ذلك لأجل الله تعالى؛ أي: مقصود أنه كونه لله تعالى، فعلى هذا الثاني: يمكنُ الاستدلالُ الذي ذكره القائل، وعلى الوجه الأول: لا يصح.

стр. 1461

[الثانية عشرة: الأمر بالإخلاص، الكلام فيه كالكلام في النية سواء] (١). الثالثة عشرة: ويتعلَّق بهذا الذي تقدَّمَ: أنَّ إضافةً العبادة إلى الله تعالى بالنية؛ هل تجب، أم (٢) لا؟ والمراد: النية بالفعل، لا بالقوة، وفي المسألة خلافٌ (٣) بين الفقهاء مذكورٌ في الصلاة. الرابعة عشرة: قد تقدم من الكلام في معنى كونِ الصوم جُنَّة ما يهدي إلى ما يرشدُ إليه اللفظُ من التعليل لعدم الرفث والصخب، فكونه جُنَّة - على حسب المعاني التي قدمنا في كونه جُنَّة -؛ هل هو راجعٌ إلى أمر شرعي، أو أمر وجودي؟ فتأمله. الخامسة عشرة: في مقدمة لغيرها: اختلف الناس في الكلام؛ هل هو حقيقةٌ في الألفاظ، مجازٌ عن المعنى القائم بالنفس مجازَ إطلاق لفظ الدليل على المدلول، أو هو حقيقةٌ في المعنى القائم بالنفس، مجازٌ في اللفظ مجازَ إطلاق لفظ المدلول على الدليل، أو هو مشترك بينهما؟ ورجَّحَ بعضُ [المتكلمين من] (٤) المتأخرين المثبتين (٥) لكلام

стр. 1462

النفس كونَهُ حقيقة في اللفظ (١). السادسة عشرة: من يجعله حقيقة في اللفظ يَحملُ عليه قولَه ﵇: "فليقلْ: إني صائمٌ" عملًا بالحقيقة، ومن يجعله حقيقة في كلام النفس يحمل اللفظ عليه (٢)، فلا يكون مأمورًا بقوله لفظًا، والمجازُ على كلِّ مذهب سائغٌ في أن يَجعلَ أحدهما مرادًا من الآخر. السابعة عشرة: اختلف الفقهاء في أنه يقول ذلك جهرًا، أو [لا] (٣)، على أقوال: ثالثها: الفرقُ بين الصوم الواجب والنفل، ففي الواجب يجهر به؛ لعدم الخوف من وقوع الرياء، وفي النفل يُسِرُّ؛ أي: في نفسه؛ للخوف من ذلك (٤). وهذا التعليل يناسب الصومَ المشتركَ في وجوبه بين الناس، وأما الصوم الذي يختصُّ (٥) به بعض الناس؛ كالمنذور، فلا تناسبه فائدة (٦) الجهر به.

стр. 1463

الثامنة عشرة: لا شكَّ أن المقصود بهذا النهيُ عن سبِّ المُسابِّ، وليس اللفظ دالاً على ذلك بنفسه، لكنه معلوم جزمًا، وإلا لكان هذا القول بالنسبة إلى هذا الأمر [أجنبيًا] (١) بمثابة أن نقول: قام زيد، وقام عمرو، مما لا يناسب التعليل، ويكون الأمر بعدم المسبِّ مأخوذًا من مطلق تحريمه، فيبقى "فليقلْ: إني صائم" أجنبيًا معدومَ المناسبة، والمعلومُ خلافه. التاسعة عشرة: إذا كان المقصود هو النهي عن السب، فقد (٢) يُعطي ذلك أحكامَ صيغة السبِّ، حتى يدلَّ ذلك على فساد الصوم بالسبِّ؛ كما لو قالوا: لا تسبَّ في الصوم، بناءً على أنَّ النهي عن الشيء يقتضي الفساد، لا سيَّما في العبادات. وإنما خرج على هذه [القاعدة] (٣)؛ لأنه وإن كان النهي واقعًا على السبِّ، لكنه مخصوص بالصوم، فيكون الصومُ الموصوف بأنه مسبوب فيه منهيًا عنه، فيخرج على أن النهيَ يقتضي الفساد؛ كما قلناه. أو لا يُعطَى أحكامَ صيغة النهي (٤)؟ في هذا بحث؛ فيمكن أن يقال: [إنّا] (٥) إذا جعلناه دالاً على

стр. 1464

النهي، فيعطى (١) أحكام النهي، ويمكن أن يقال: إن تلك الأحكام من لوازم الصيغة المخصوصة؛ أعني: لا تفعلْ، وإنما يدلُّ هذا على مُجرَّد ترجيح الترك، ويكون تَحتُّم الترك من أحكام الصيغة المخصوصة. وكذلك أقول في الخبر إذا كان بمعنى الأمر: هل يعطى حكم صيغة الأمر في الوجوب؛ لأنا نزَّلناه منزلتَهُ، فهو كما [لو] (٢) لفظ (٣) به، أو يقال: إن التحتم من أحكام الصيغة المخصوصة التي هي: افعلْ مثلًا؟ العشرون: إذا أعطيناه حكمَ صيغة النهي استدلَّ به من (٤) يقول: إن ذلك مفسد (٥) للصوم؛ لأن النهي يدل على الفساد، وقد قيل به؛ نسب إلى الأوزاعي، بل قد قيل بإفساد الصوم (٦)، ويؤيد هذا قوله (٧) ﷺ : "منْ لمْ يدع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَهُ

стр. 1465

وشرابَه" (١)، فإنه يشعر أنه لم يبق معه إلا تركُ الطعام والشراب، وذلك مجرَّدُهُ ليس بعبادة، وإذا انتفت العبادة انتفى الصوم. الحادية والعشرون: في بحث على هذا الاستدلال، وهو أن نقولَ: قولنا: المقصود من هذا الكلام كذا، يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ذلك الكلام استعمل للدلالة على ذلك [المعنى] (٢) بالمطابقة حقيقةً، أو مجازًا. ويحتملُ أن يكونَ يدلّ عليه بطريق اللزوم، أو السياق. فعلى الأول: يقرُبُ أن يكونَ اللفظ بمعنى ما دل عليه به، وأن ينزَّل منزلتَهُ، على نظرٍ فيه. وعلى الثاني: لا يلزم ذلك، فتأمَّلْه جيدًا، فَبِهِ تظهر صحةُ هذا الاستدلال، [أو عدمُها] (٣). الثانية والعشرون: قوله ﵇: "لخُلوفُ فمِ الصائمِ" تستدلُّ به الشافعيةُ على كراهة السواك للصائم بعد الزوال، قال الشافعي ﵀: وأكرهُهُ بالعشي؛ لما أحبهُ من خُلوف فم الصائم (٤). وقد حكينا عن جماعة من أهل اللغة: أن الخُلوف: التغير من

стр. 1466

غير تخصيص، ومقتضاه لا يوجب تخصيصَ الكراهة بما بعد الزوال، إلا أن يُدَّعى أن التغيير لا يحصل إلا بعد الزوال، والوجود قد لا يساعد على ذلك. أو يقال: إن التغيير قد يحصل قبل الزوال، [و] (١) لكنه لا يُسمَّى خلوفًا إلا بعد الزوال، وهو خلاف ما نقلناه عن هؤلاء الجماعة من أهل اللغة، ولا نعلم أحدًا منهم خصَّصَ الخلوف بما بعد الزوال. أو يقال: إن المراد تغيرٌ يحدث عن الصوم، والتغيرُ الحادث عن الصوم إنما هو بعد الزوال. ولما استدل بالحديث بعضُ الشافعية قال: والخُلوف: بضم الخاء واللام، وهو الرائحة، وذلك يحدث من الزوال إلى آخر النهار (٢). وهذا فيه أمران: أحدهما: النزاع في أن التغير عن الصوم لا يكون إلا بعد الزوال، فإن ذلك غير منضبط، وربما اختلف بحسب أمزجة الناس، وقوة المعدة وضعفها، وطول النهار وقصره. والثاني: أنه - على تقدير التسليم فيه - خروجٌ عن الإطلاق، فإن تغير فم الصائم يحصل قبل الزوال جزمًا، فيندرج تحت اللفظ، فإن كان ذلك مقتضيًا لكراهة الإزالة، فاللفظ يقتضيه.

стр. 1467

وتقييدُه (١) بـ: تغير يحدث عن الصوم؛ بخصوصه، خلافُ الإطلاق، لكنه قد يؤخذ من جهة أن المقصود: إظهار شرف الصوم [والترغيب فيه، وذلك يناسب اعتبار سببية الصوم] (٢)، وهذا الاعتبار لا يدفع المنع المذكور. وعلى الجملة: فليس هذا بالظاهر القوة، والعموماتُ التي تدل على استحباب السواك عند كل صلاة، أو عند كل وضوء، تقتضي خلافَهُ، واقتضاؤها له أظهرُ من الاستدلال على الكراهة بهذا الحديث؛ لما يحتاج إليه من المقدمات التي نبَّهنا عليها، ولأن دلالة حديث الخلوف على ما ذكر ليست مقصودة، ودلالةُ استحباب السواك عند كل صلاة وعند كل وضوء مقصودةٌ. والذي يقتضيه الظاهر: [أنه] (٣) حيثُ حصل مسمَّى الخلوف؛ قبل الزوال، أو بعده، وثبت أن الحديث يقتضي كراهةَ إزالته، أن يثبت الحكمُ بثبوت الخلوف مطلقًا، وذلك بعد استيفاء النظر في الترجيح بين العمومات الدالة على استحباب السواك عند الصلوات الواقعة بعد الزوال، وبين دلالة هذا الحديث، وقد بيَّنا أوجه (٤) الترجيح آنفًا. قال شيخنا أبو محمد بن عبد السلام: وأمَّا تحملُ الصائم مشقة رائحة الخلوف، فقد فضَّله الشافعي ﵀ على إزالة الخلوف

стр. 1468

بالسواك، مُستدلاً بأن ثوابَه أطيبُ من ريح المسك، ولم يُوافقْ الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر [ثواب العمل أن يكون أفضلَ من غيره؛ لأنه لا يلزم من ذكر] (١) الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوترَ عند الشافعي - في قوله الجديد - أفضلُ من ركعتي الفجر، مع قوله ﵇: "ركعتَا الفجرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها" (٢)؟! وكم من عبادة قد أثنى الشرع عليها، وذكر فضيلتها، مع أن غيرها أفضلُ منها. وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التطهير المشروع لإجلال الرب؛ لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا يُشَكُّ فيه، ولأجله شُرعَ السواك، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه؟ ويدل على أن مصلحةَ السواك أعظمُ من مصلحة تحمُّلِ مشقةِ الخلوف قولُه ﷺ : "لولا أن أشقَّ على أمَّتي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" (٣)، ولولا أن مصلحته أتمُّ من مصلحة تحمل مشقة الخلوف، لما أسقطَ إيجابَهُ لمشقته، وهذا يدل على أن مصلحتَهُ انتهت إلى رتبِ الإيجاب، وقد نصَّ على اعتباره بقوله: "لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي،

стр. 1469

لأمرتُهُم بالسّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ". والذي ذكره الشافعي ﵁ تخصيصُ العام بمُجرَّد (١) الاستدلالِ المذكور المعارَضِ بما ذكرناه، ولا يصحُّ قياسُه على دم الشهيد؛ لأن المستاكَ مُناجٍ لربه، فشرع له تطهر فِيْهِ بالسواك، وجسد الميت قد صار جيفةً غيرَ مُناجية، فلا يصح مع ذلك الإلحاق، انتهى (٢). واعلم أن القولَ بأن إزالة الخلوف مكروهة لا يَلزمُه (٣) أن عليه تقديم (٤) مصلحة تحمل مشقة الخلوف على مشقة السواك (٥). وقد أجاب المالكية - أو من أجاب منهم - عن الاستدلال بهذا الحديث من هذا الوجه: بأن الخلوف من المعدة، وأن السواك لا يزيله، فقال بعضهم: بل يزيده (٦). فيقال عليه: إن أردت بكونه من المعدة: أن سببَهُ ومنشأه منها،

стр. 1470

فهذا صحيح؛ لأن المعدة إذا خلت ارتفعت منها أبخرة تعلقُ (١) باللسان والأسنان، فتغير رائحة الفم. فإن أردت بقولك: إن السواك لا يزيله: أنَّ السواك لا يقطع مادته من المعدة، فهذا صحيح، لكنه لا يلزم منه أن لا يُزال ما عَلِقَ باللسان والأسنان، فإن تجدَّد (٢) من تلك المادة شيء آخر، كان حكمُه حكمُ الأول في الإزالة. وإن أردت: أنَّ السواك لا يزيل ما يَعْلَق باللسان والأسنان، ووجد فيهما، فهذا ليس بصحيح (٣). وأما دعوى: أن السواك يزيده إذا كان من المعدة، فيحتاج مُدعيه إلى إثباته. الثالثة والعشرون: قد ذكرنا: أن قولَه تعالى: "يدع شهوتَهُ وطعامَهُ من أجلي" يقتضي: أن ما ليس كذلك فليس بصوم، وكذلك أيضًا يقتضي (٤): أن ما هو كذلك فهو صوم. فلو [قال] (٥) قائل: أجدُ من الحديث أن علةَ الربا في المطعومات الطعمُ؛ كما يقول الشافعي، وقرر ذلك بأن قال: إن كان الحكم

стр. 1471

المعلق بالطعام يتعلق بالمشتق (١) منه - وهو الطعم - لزم ما ذكرناه، لكنه كذلك، فيلزم ما ذكرناه. وإنما قلنا: إنه كذلك؛ لأنه إذا ثبت أن وجودَ المذكور يقتضي صحةَ الصوم لم يَجُزْ أن لا يكونَ الحكم المعلق بالطعام يقتضي تعليقه بالمشتق منه، وهو الطعم؛ لأنه لو لم يتعلقْ بالطعم لزم أن يحصل الصومُ عند تركِ الشهوة والطعام، واستعمالِ المشروب؛ كالماء مثلًا، وذلك باطل بالإجماع، ولا كذلك إذا علق بالطعم، فإنه يقتضي حصول الصوم عند ترك الشهوة والطعام والشراب جميعًا، وإذا كان التعليق بالطعام يقتضي التعليق بالطعمية، وأن ذلك موجود في مسألة الربا، فتكون العلة هي الطعم. فيقال له: هذا مبنيٌّ على اعتبار لفظ هذه الرواية، وقد ثبت في رواية أخرى، فيجبُ أن يضمَّ ذلك إلى ما في هذه الرواية؛ لوجوب العمل بالروايتين معًا، فيبطل الاستدلال؛ لأنه مبني على ما اقتضت (٢) هذه الرواية من الاقتصار على ذكر الشهوة والطعام. واعلم أنَّا في هذا الوجه، وفي كثير من الوجوه التي نذكرها، فنقول: إنه [قد] (٣) تَدلُّ على كذا، أو قد يُستدلُّ بها على كذا، إنما نريد بذلك النظرَ إليها من حيث هي هي، وهذا لا يناقضه، إلا أنها

стр. 1472

لا تدلُّ من ذلك (١) الوجه، وأما أنه يكون هاهنا مانعٌ من خارج من العمل (٢) بذلك الدليل، فلا يعارض دلالة ذلك من حيث هو هو، ولا نَدَّعي أيضًا انتفاءَ المعارض الراجحِ، والمانعِ من العمل بذلك. والواجبُ على المجتهد الطالب لتحقيق الحق، وإثبات الحكم، النظرُ التام فيما يكون مانعًا ومعارضًا راجحًا، ولا يمتنع أيضًا على المُباحث إيرادُ تلك الموانع والمعارضات الراجحة، ويقطع (٣) النظر فيها، والله أعلم. * * *

стр. 1473

الحديث الثامن وروى [مسلم] من حديثِ عائشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفَاءُ اللِّحيَةِ، والسِّواكُ، واستنشاقُ الماءَ، وقصُّ الأظْفَارِ، وغسلُ البَرَاجِمِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العَانَةِ، وانتقاصُ الماءَ". قال زكريا: قال مصعب: ونُسِّيتُ العاشرةَ، إلا أن تكونَ المَضْمَضَةُ. وزاد فيه قتيبة: قال وكيع (١): انتقاصُ الماء؛ يعني: الاستنجاء (٢).

стр. 1474

الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف بمن ذُكر فيه: مُصعب بن شَيبة: بن جُبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة القرشي العبدري الحَجَبي المكي. [روى] عن: طَلْق بن حبيب العَنَزي، ومُسَافِع بن عبد الله الحَجَبي، وصفية بنت شيبة بن عثمان العَبْدَرِية. و [روى] عنه: عبد الملك بن عمير اللَّخْمي، وزكريا بن أبي زائدة الهمذاني، وعبد الله بن أبي السفر الثَّوريُّ، وعبد الله بن مسافع الحَجَبي، ومِسْعَر بن كُدَام الهِلالي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي. [و] (١) قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: مصعبُ بن شيبة [ثقة.

стр. 1475

وقال ابن صالح: مصعب بن شيبة] (١): صاحبُ الكعبة، مكيٌّ، ثقةٌ. قلت: وقد أخرج له مسلم في "صحيحه"، ولم يخلُ من مسٍّ. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبل يقول: مصعب بن شيبة روى أحاديث مناكير. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مصعب بن شيبة، فقال: لا يحمدونه، وليس بالقوي. وقال النَّسائيُّ: مصعب بن شيبة في حديثه شيء، وقال في موضع آخر: منكر الحديث. [و] (٢) قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ. قلت: أكثرُ هذه الأقوال ليس بالشديد؛ وقول أحمد: روى أحاديث مناكير، لا يقتضي بمُجرَّده تركَ روايته، حتى تكثرَ المناكير في روايته، وينتهيَ إلى أن يقال فيه: منكر الحديث. وقول من قال: ليس بالقوي، ولا بالحافظ (٣)، يحتمل أن يراد به انحطاطه عن الدرجة العالية في الحفظ. وقول أبي حاتم: لا يحمدونه، يحتمل مثل هذا؛ أي: لا ينزلونه منزلةَ الكبار في الحفظ.
следующие страницы →