← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

المعلق بالطعام يتعلق بالمشتق (١) منه - وهو الطعم - لزم ما ذكرناه، لكنه كذلك، فيلزم ما ذكرناه. وإنما قلنا: إنه كذلك؛ لأنه إذا ثبت أن وجودَ المذكور يقتضي صحةَ الصوم لم يَجُزْ أن لا يكونَ الحكم المعلق بالطعام يقتضي تعليقه بالمشتق منه، وهو الطعم؛ لأنه لو لم يتعلقْ بالطعم لزم أن يحصل الصومُ عند تركِ الشهوة والطعام، واستعمالِ المشروب؛ كالماء مثلًا، وذلك باطل بالإجماع، ولا كذلك إذا علق بالطعم، فإنه يقتضي حصول الصوم عند ترك الشهوة والطعام والشراب جميعًا، وإذا كان التعليق بالطعام يقتضي التعليق بالطعمية، وأن ذلك موجود في مسألة الربا، فتكون العلة هي الطعم. فيقال له: هذا مبنيٌّ على اعتبار لفظ هذه الرواية، وقد ثبت في رواية أخرى، فيجبُ أن يضمَّ ذلك إلى ما في هذه الرواية؛ لوجوب العمل بالروايتين معًا، فيبطل الاستدلال؛ لأنه مبني على ما اقتضت (٢) هذه الرواية من الاقتصار على ذكر الشهوة والطعام. واعلم أنَّا في هذا الوجه، وفي كثير من الوجوه التي نذكرها، فنقول: إنه [قد] (٣) تَدلُّ على كذا، أو قد يُستدلُّ بها على كذا، إنما نريد بذلك النظرَ إليها من حيث هي هي، وهذا لا يناقضه، إلا أنها

стр. 1472

لا تدلُّ من ذلك (١) الوجه، وأما أنه يكون هاهنا مانعٌ من خارج من العمل (٢) بذلك الدليل، فلا يعارض دلالة ذلك من حيث هو هو، ولا نَدَّعي أيضًا انتفاءَ المعارض الراجحِ، والمانعِ من العمل بذلك. والواجبُ على المجتهد الطالب لتحقيق الحق، وإثبات الحكم، النظرُ التام فيما يكون مانعًا ومعارضًا راجحًا، ولا يمتنع أيضًا على المُباحث إيرادُ تلك الموانع والمعارضات الراجحة، ويقطع (٣) النظر فيها، والله أعلم. * * *

стр. 1473

الحديث الثامن وروى [مسلم] من حديثِ عائشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفَاءُ اللِّحيَةِ، والسِّواكُ، واستنشاقُ الماءَ، وقصُّ الأظْفَارِ، وغسلُ البَرَاجِمِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العَانَةِ، وانتقاصُ الماءَ". قال زكريا: قال مصعب: ونُسِّيتُ العاشرةَ، إلا أن تكونَ المَضْمَضَةُ. وزاد فيه قتيبة: قال وكيع (١): انتقاصُ الماء؛ يعني: الاستنجاء (٢).

стр. 1474

الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف بمن ذُكر فيه: مُصعب بن شَيبة: بن جُبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة القرشي العبدري الحَجَبي المكي. [روى] عن: طَلْق بن حبيب العَنَزي، ومُسَافِع بن عبد الله الحَجَبي، وصفية بنت شيبة بن عثمان العَبْدَرِية. و [روى] عنه: عبد الملك بن عمير اللَّخْمي، وزكريا بن أبي زائدة الهمذاني، وعبد الله بن أبي السفر الثَّوريُّ، وعبد الله بن مسافع الحَجَبي، ومِسْعَر بن كُدَام الهِلالي، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي. [و] (١) قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: مصعبُ بن شيبة [ثقة.

стр. 1475

وقال ابن صالح: مصعب بن شيبة] (١): صاحبُ الكعبة، مكيٌّ، ثقةٌ. قلت: وقد أخرج له مسلم في "صحيحه"، ولم يخلُ من مسٍّ. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبل يقول: مصعب بن شيبة روى أحاديث مناكير. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مصعب بن شيبة، فقال: لا يحمدونه، وليس بالقوي. وقال النَّسائيُّ: مصعب بن شيبة في حديثه شيء، وقال في موضع آخر: منكر الحديث. [و] (٢) قال الدارقطني: مصعب بن شيبة ليس بالقوي، ولا بالحافظ. قلت: أكثرُ هذه الأقوال ليس بالشديد؛ وقول أحمد: روى أحاديث مناكير، لا يقتضي بمُجرَّده تركَ روايته، حتى تكثرَ المناكير في روايته، وينتهيَ إلى أن يقال فيه: منكر الحديث. وقول من قال: ليس بالقوي، ولا بالحافظ (٣)، يحتمل أن يراد به انحطاطه عن الدرجة العالية في الحفظ. وقول أبي حاتم: لا يحمدونه، يحتمل مثل هذا؛ أي: لا ينزلونه منزلةَ الكبار في الحفظ.

стр. 1476

وأشدُّ ما ذكروه قولُ النَّسائيُّ: منكر الحديث، [وقد أشرنا إلى الفرق بين (منكر الحديث)] (١)، و (في حديثه مناكير)، وقد قال أحمد ابن حنبل - فيمن اتفقَ الناسُ على قبول حديثه (٢) -: رواه، وأُسندَ إليه أن له مناكيرَ (٣). زكريا بن [أبي] (٤) زائدة: وأبو زائدة: قيل: اسمه خالد بن ميمون، وقيل: ميمون بن فيروز، وقيل: اسمه كنيته، وقال بَحشل: اسمه هبيرة أبو يحيى الأعمى الهمذاني الوادعي. قال الكلاباذي: مولى محمد بن المنتشر (٥) الهمذاني الكوفي، وهو أخو عمر وعلي ابني زائدة. روى عن: أبي عمرو عامر بن شُراحِيل الشعبي، وأبي المغيرة سِمَاك بن حرب الذُّهلي، وأبي إسحاق عمر (٦) بن عبد الله الهمذاني

стр. 1477

[السَّبِيعي، وأبي يحيى فراس بن يحيى الهمذاني الحارثي الكوفي، وسعيد بن عمرو بن أشرع الهمذاني] (١) الكوفي القاضي، وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الرهري القاضي. [و] (٢) روى عنه: أبو بِسْطام سعيد بن الحجاج العَتَكي، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوريُّ، ومحمد بن فضل (٣) بن غزوان الضَّبِّي، ووكيع بن الجراح العبدي، وعبد الله بن المبارك الحَنْظلي، ويحيى بن سعيد القطان، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق (٤) الهمذاني السَّبِيعي، وأبو أسامة حماد بن أسامة القرشي، وأبو نعيم الفضل بن دكين المُلاَئي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وابنه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. مات سنة ثمانٍ وأربعين في قول أبي نعيم وغيره، وذكر الكلاباذي، عن ابن نمير: أنه مات سنة تسع وأربعين ومئة. وقد أخرج الشيخان، وبقية الجماعة حديثه. قال الأَوْنبِي (٥): هو ثقة؛ قاله أحمد، ويحيى، وابن صالح،

стр. 1478

والنسوي، والبزار، وغيرهم. زاد أحمد في رواية ابنه عبد الله: ما أقربَهُ من إسماعيل بن أبي خالد (١)! قلت: وقد أخرجَ الترمذيُّ حديثه، عن الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصاء قال: سمعت النبيَّ ﷺ يومَ فتح مكة يقول: "لا تُغزَى هذهِ بعدَ اليومِ إلى يومِ القيامةِ". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا ابن أبي زائدة، عن الشعبي، لا نعرفه إلا من حديثه (٢). وتصحيحُ ما انفردَ به الراوي تعديلٌ له. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: زكريا بن أبي زائدة ليِّنُ الحديث، كان يونس وإسرائيل أحبَّ إليَّ منه، يقال: إن المسائل التي يرويها زكريا لم يسمعها من عامر (٣)، إنما أخذها عن أبي حُريز. سئل أبو زرعة عن زكريا بن أبي زائدة، فقال: صويلحٌ، يدلِّس كثيرًا عن الشعبي.

стр. 1479

وقال أبو بكر البَرْدِيجي: [و] (١) زكريا بن أبي زائدة ليس به بأس، وهو دونَ شعبةَ وسفيان. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: يأتي أبي: إذا اختلف زكريا وإسرائيل، كان زكريا أحبَّ إليَّ في أبي إسحاق من إسرائيل (٢)، ثم قال: ما أقربَهُما! وحديثُهما عن أبي إسحاق ليّنٌ، سمعا (٣) منه بأَخَرة. وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن زكريا بن أبي زائدة، فقال؛ ليس به بأس، وليس هو عندي مثل إسماعيل. قلت: يعني: ابن أبي خالد (٤). قلت: وهذه التضعيفاتُ (٥) في هذه الأقوال؛ إما أن ترجعَ إلى نسبتِهِ إلى التدليس، وذلك موجودٌ فيمن اتفقوا على قبول روايته، أو

стр. 1480

لفظٍ يدل على نقصه بالنسبة إلى غيره؛ يقول أبي زرعة: صويلح، وقول البرديجي: هو دون شعبة وسفيان، وقول يحيى بن سعيد: فليس (١) هو عندي مثل إسماعيل، وليس من شرط قبول رواية العدل أن لا يكونَ غيرُه أحفظَ منه (٢)، أو أولى في الرواية، وإنما يُحتاج إلى هذا في باب الترجيح عند اختلاف الرواة، وليس من القدح في الرواية التي لم تُعارض في شيء، وهذا النوع من الحديث ينبغي أن يعقدَ له باب، أو (٣) يُفردَ له تصنيف، ويعدَّ في علوم الحديث، بل هو من أجلها للحاجة إليه في الترجيح، ولست أذكر الآن أنَّه فُعلَ ذلك. وأشد ما ذكر فيما نقلناه قولُ أحمد فيه وفي إسرائيل: [سمعا] (٤) منه بأخَرَة؛ يعني: من أبي إسحاق، وهذا يقتضي إن صح سماعُهما منه في حال ضعف روايته -[أنْ تُضعَّفَ روايتُهُ] (٥) عن أبي إسحاق دونَ غيرها. وكيع بن الجراح: بن مَلِيح بن عدي بن فرس بن جمجمة، وقيل: ابن فارس بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عُبيد بن رُؤَاس - بضم الراء المهملة، وفتح الهمزة - بن كلاب بن عامر بن صعصعة، أبو

стр. 1481

سفيان، الرؤاسي، الكوفي، أحد أكابر الطائفة، وإمام من أئمة المحدثين. سمع إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وحنظلة بن أبي سفيان، ومالك بن مِغْوَل، والسُّفيانين، وجماعة غيرهم. روى عنه: ابن المبارك، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وقتيبة، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظَ من وكيع، ما رأيته شك في حديثٍ إلا يومًا واحدًا، ولا رأيت معه كتابًا ولا رقعةً قطُّ. وعن أحمد أيضًا: حدثني من لم ترَ عيناك (١) مثلَه؛ وكيعُ بن الجراح. وعنه: هو أحبُّ إليَّ من يحيى بن سعيد، فقيل له: كيف فضَّلت وكيعًا؟ فقال: كان وكيعٌ صديقًا لحفص بن غياث، فلما وَلِيَ القضاء هَجَره وكيع، وكان يحيى بن سعيد صديقًا لمعاذ بن معاذ، فولي القضاء معاذ، ولم يهجره يحيى. وعنه أيضًا: ما رأيت رجلًا قطُّ مثلَ وكيع في الحفظ والعلم والإسناد والأبواب، ويحفظ الحديث جدًا، ويذاكر بالفقه، مع ورع

стр. 1482

واجتهاد، ولا يتكلم في أحد (١). وعن يحيى بن معين قال: ما رأيت أحدًا يحدِّثُ لله غيرَ وكيع بن الجراح، وهو أحبُّ إلي في سفيان من ابن مهدي، وأحب إلي من أبي نعيم، وما رأيت رجلًا قط أحفظَ من وكيع، ووكيعٌ في زمانه كالأوزاعي في زمانه (٢). قال أحمد بن عبد الله: وكيعٌ: كوفيٌّ، ثقةٌ، عابدٌ، صالحٌ، [من] (٣) حفاظِ الحديث، وكان يفتي. وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمن وكيع أفقهُ، ولا أعلمُ بالحديث من وكيع، كان جِهْبِذًا. وقال محمد بن سعد: توفي وكيع بِفَيْد (٤) مُنصرفًا من الحج سنة سبع وتسعين ومئة، وكذا قال ابن نمير، والترمذي. قال أحمد بن حنبل: ولد وكيع سنة تسع وعشرين ومئة (٥).

стр. 1483

قتيبة بن سعيد: بن جميل (١) بن طريف بن عبد الله الثقفي، مولاهم، البَغْلاني - بفتح الباء الموحدة، وسكون الغين المعجمة، وبعد الألف نون -، أبو رجاء البلخي. قال الكلاباذي (٢): وكان طريف مولى الحجاج بن يوسف وخبازَه، وهو أخو قُدَيد بن سعيد بن جميل. سمع الليث بن سعد، وبكر بن منصور، ومالكًا، وابن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن أبي حازم، وجَريرًا، وابن عُلَيَّة، وأبا معاوية، والأنصاري. قال البخاري: مات في شعبان سنة أربعين ومئتين. وقيل: توفي ليلة الأربعاء نصف الليل، ودفن يوم الأربعاء مستهلَّ شعبان سنة أربعين ومئتين، وهو ابن ثنتين وتسعين سنة.

стр. 1484

قال محمد بن جعفر: وسمعت علي بن محمد السِّمسار يقول: سمعت أبا رجاء يقول: ولدت بِبَلْخ حين تعالى النَّهارُ لِسِت مضَيْنَ من رجب سنة ثمان وأربعين ومئة. قال علي بن محمد: ومات سنة أربعين ومئتين. قلت: وهو [من] (١) الرواة (٢)، اتَّفقَ الجماعة على إخراج حديثه (٣). * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: [وقد] (٤) ذكرنا: أن مسلم أخرجه في "صحيحه"، وحسبُكَ بذلك، وتابعه على إخراجه: أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم من حديث وكيع.

стр. 1485

وقال فيه الترمذي (١): حسن؛ أعني: الحديث. والنسائي لمَّا أخرجه من رواية وكيع رواه عن محمد بن عبد الأعلى، عن عثمان (٢)، عن أبيه (٣)، وعن قتيبة، عن أبي عوانة، عن أبي بشر؛ كلاهما عن طلق قوله. قال: وحديث التيمي أولى، ومصعب بن شيبة منكر الحديث (٤)؛ يريد: أن حديث التيمي في وقفه أولى من حديث مصعب في رفعه، يريد: لترجيحه حال التيمي على حال مصعب، وهو كذلك، وتقديم الأرجح بالنسبة إلى حال [الروايتين. وقد يقال في تقوية رواية مصعب هذه: إنَّ] (٥) تَثَبُّتَهُ في الفرق بين ما حفظه، وبين ما شكَّ فيه، جهةٌ مقوية لعدم الغفلة، ومن لا يُتَّهَمُ بالكذب إذا ظهر منه ما يدل على التثبت، قَوِيَت روايتُه (٦).

стр. 1486

وأيضاً فلروايته شاهدٌ صحيحٌ مرفوع إلى النبي ﷺ في كثير من هذا العدد، ففي "الصحيح" من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الفطرَةُ خمسٌ، أو خمسٌ من الفطرةِ: الختانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، وقصُّ الشاربِ"؛ هذه رواية سفيان بن عيينة، عن الزُّهري (١). وفي رواية يونس، عنه بسنده، عن النبي ﷺ : "الفطرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبط" (٢). * * * * الوجه الثالث: [في الاختيار]: اختيار (٣) رواية مصعب هذه على رواية سعيد بن المسيب - وإن كانت تلك أجلُّ - لزيادة الفائدة بذكر ما لم يُذكرْ في تلك الرواية، وهي خمس من الخصال. * * *

стр. 1487

* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: قال الراغب: أصل الفَطر (١): الشق طُولاً، يقال: فَطَرَ فلانٌ كذا فَطْراً، وفَطَرَ هو (٢) فُطُوراً، وانْفَطَرَ انفطاراً، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]؛ أي: اختلالٍ ووَهْيٍ فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصلاح، قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. وفَطَرْتَ الشاةَ: حلبتَها بإصبعين، وفَطَرْتَ العجينَ: إذا عجنَتهُ فخبزتَهُ من وقته، ومنه الفِطرةُ، وفطرُ الله الخلقَ، وهو (٣) إيجادُه الشيءَ وإبداعُه على هيئةٍ مترشِّحَةٍ لفعل من الأفعال، فقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] إشارة (٤) منه تعالى إلى ما فَطَر؛ أي: أبدع ورَكَزَ في الناس من معرفته، وهو المشار بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ (٥) مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وقال: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]؛ أي: أبدعنا وأوجدنا. ويصح أن يكون الانفطارُ في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]

стр. 1488

إشارةً إلى قَبولِ ما أبدعها، وأفاضه عليها (١) منه. والفِطْر: ترك الصوم، يقال: فطَّرتُه، وأفطرتُه، وأفطرَ هو. وقيل للكَمْأَة: فُطْرٌ، من حيث إنه يَفطُرُ الأرضَ فيخرُجُ منها (٢). قال الزمخشري: فَطَرَ الله الخلق، وهو فاطرُ السماوات: مبدعها، وافتطرَ الأمرَ: انتزعه، "وكلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" (٣)؛ أي: على الجِبِلَّة القابلة لدين الحق. وقد فَطَر هذه البئر، وفَطَر اللهُ الشجر بالورق فانفطرَ به، [وتفطَّر] (٤). وتفطَّرت الأرضُ بالنبات، وتفطَّرت اليد والثوب: تشققت. وفَطَرَ نابُ البعير: طلع، وهذا كلام يُفْطِرُ الصومَ؛ أي: يفسده، وفَطَرَت المرأةُ العجينَ والأجيرُ الطينَ، وعجين وطين فَطير (٥)، وهو ما خُبز [به] (٦)، أو ما طُيِّن به من ساعته قبلَ أن يَختمر.

стр. 1489

وجلدٌ فَطيرٌ: لم (١) يُلْقَ في الدباغ، وسَوْطٌ فَطير: مُحرَّمٌ لم يُمرَّنْ بالدِّباغ، وسيف فُطار: عُملَ حديثاً لم يُعتَّق، وقيل: فيه تشققٌ، وتقول: قلبٌ مُطار، وسيفٌ (٢) فُطار. وأفطرَ الصائمُ وأفطرَه غيرُه وفطَّره، وفلان يُفطِّرُ الصوَّامَ بفَطُورٍ حسن، و"إذا غربَتِ الشمسُ فقد أفطرَ الصائمُ" (٣)؛ أي: دخل في وقت الفِطر. وذبحنا فَطيرة وفَطورة: وهي الشاة التي تذبح يوم الفِطر. ومن المجاز: فلا خيرَ في الرأيِ الفطير، وتقول: رأيُه فطيرٌ، ولبُّه مستطير، انتهى (٤). قلت: أخذ الراغب في الفطر بمعنى الشق قيدَ الطول، ولم يقيِّده ابن سيده بذلك، بل قال: فَطَرَ الشيءَ يفطُرُه فَطراً، وفَطَره: شقَّه، والفَطر: الشق، وجمعه: فُطُور، وفي التنزيل: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] (٥) الثانية: قال الراغب: القصُّ: تتبُّع الأثر، يقال: قَصَصْتُ أثرَه،

стр. 1490

والقَصَصُ (١): الأثر، قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، ومنه قيل لِمَا يبقى (٢) من الكلام (٣) فيُتَتَبَّعُ (٤) أثرُه: قصيصٌ (٥)، وقصصتُ ظفرَه. والقَصَصُ: الأخبار المتتبَّعة، قال : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، وقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥]، وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. والقِصاص: تتبّعُ الدم بالقَوَد، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ويقال: أقصَّ (٦) فلان فلاناً، وضربه ضرباً فأقصَّه؛ أي: أدنى (٧) من الموت.

стр. 1491

والقَصُّ: الجِصُّ، ونهى رسولُ اللهِ ﷺ عن تقصيصِ (١) القُبورِ (٢). قلت: أطلق الراغب القولَ بأن القَصَّ: تتبع الأثر، وقال ابن سيده: وتقصص الخبرَ: تتبعه، وقصَّ آثارهم يقُصُّها قَصاً، و [قَصصاً] (٣): تتبعها بالليل، وقيل: هو تتبعُ الأثر أيَّ وقت كان (٤). الثالثة: ذكر ابن سيده: أن الشارِبَيْن: ما سال على الفمِ من الشَّعر، وقال: وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأ، والشاربان: ما طال من ناحية السَّبْلَة، وبعضهم يُسمّي السَّبْلَة كلَّها شارباً واحداً، وليس بصواب. قال اللّحياني (٥): وقالوا: إنه لعظيمُ (٦) الشوارب، قال: [و] (٧) هو من الواحد الذي فُرِّق وجُعل (٨) كلُّ جزءٍ منه شارباً، ثم جُمع على هذا.

стр. 1492

وقال ابن سيده: وشاربا السيف: ما اكتنف الشفرة، وهو من ذلك. وقال الهُنائي (١): وشوارب الفرس: ناحيةُ أَوْدَاجِهِ حيث يُودجُ البيطارُ، واحدُها على التقدير: شارب (٢). الرابعة: قال الراغب: العَفْو: القصد لتناول الشيء، يقال: عفاه واعْتَفَاه؛ أي: قصده متناوِلاً ما عنده، وعفتِ الريحُ الدارَ: قصدتها متناوِلَةً آثارَها، وبهذا (٣) النظرِ قال الشاعر [من الكامل]: أخذَ البِلَى أبلادَهَا (٤) وعَفَتِ الدارُ: كأنَّهَا قَصدَتْ هي البِلى (٥)، وعفا النبتُ

стр. 1493

والشَّعر (١): قصد تناول الزيادة؛ كقولك: أخذ النبت في الزيادة، ثم قال: وأعفيتُ (٢) كذا؛ أي: تركته يعفو ويكثُر (٣)، [و] (٤) منه قيل: "أعفُوا اللّحَى" (٥). والعَفَاء: ما كَثُر من الوبَر والرِّيش (٦). وقال الهُنائي (٧) في "المنجد" (٨): والشعر العافي: الكثير. وقال ابن سيده: وعفا القوم: كثروا، وفي التنزيل: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ أي: كثروا، وعفا النبت والشعر وغيره: كثر وطال (٩)، وفي الحديث: "أنَّه أمرَ بإعفاءِ اللّحيةِ" (١٠).

стр. 1494

وقال غيره في معنى إعفاء اللحية: إنه توفيرها، وهو بمعنى: "أوفُوا اللِّحى" في الرواية (١)؛ يعني: الأخرى، وكان من عادة الفُرس قص اللحية، فنهى الشرع عن ذلك (٢). وذكر أبو محمد بن السِّيد البطليوسي في الخلاف العارض من جهة الاشتراك (٣) [في] (٤) الألفاظ واحتمالها التأويلات الكثيرة، قال: ومن هذا النوع قوله ﷺ : "قُصُّوا الشواربَ (٥)، وأعفُوا اللِّحى" (٦)، قال قوم: معناه: وفِّرُوا وكثروا، وقال آخرون: قصُّوا (٧) أو أنقصوا، وكلا القولين له شاهد من اللغة؛ أما من ذهب إلى التكثير فحجَّتُه قولُ الله : ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، وقال جرير (٨) [من الوافر]: ولكنَّا نُعِضُّ السيفَ منها ... بأسْؤُقِ (٩) عافيات (١٠) اللحمِ كُومِ

стр. 1495

وأما من ذهب إلى الحذف والتقصير، فحجته قول زهير [من الوافر]: تحمَّلَ أهلُهَا منها فبَانُوا ... على آثارِمن ذهبَ العَفَاءُ (١) وقد تقدم الكلام في السواك. الخامسة: قال ابن سيده: اللِّحْيةُ: اسم يجمعُ (٢) من الشَّعر ما نبتَ على الخدين والذقن، والجمع: لِحىً، قال سيبويه: النسب إليه لَحَوي. ورجل ألْحَى (٣)، ولَحْياني: طويل اللحية، وهو من نادر معدولِ النسب، فإن سميت رجلاً بـ (لحية)، ثم أضفته، فعلى القياس. والْتَحَى الرجل: صار ذا لحية، وكرهها بعضُهم. واللَّحْي: الذي ينبت عليه (٤) العارض، والجمع: ألحٍ (٥)، ولُحِيٍّ، ولِحَاء، انتهى (٦). وحكى بعضهم في جمع اللحية: لِحى، بكسر اللام، ولُحى، بضمها (٧).

стр. 1496

السادسة: قال أبو حاتم (١) [أحمد] (٢) بن حمدان: الاستنشاق: الاستنثار، وهو أن يَجعل الماء في أنفه، وأصل الاستنشاق: الشم، كأنه إذا جعله في أنفه فقد شفَه، وقال جرير [من الكامل]: قالَتْ فدَتْكَ مُجَاشِعٌ واستنشقَتْ ... منْ مِنخرَيهِ عُصارةَ الكَافورِ (٣) واستنشقت؛ معناه: شمت، وهو من النَّشوق؛ وهو دونَ السَّعوط (٤)، وهو أن يَجذبَ الدهنَ (٥) بالريح والنَّفَس. قال: وأما الاستنثار فإني سألت عنه ثعلباً فقال: أُخذ من النَّثْرَة، وهو الأنف. وهذا الذي قال: إن الاستنشاقَ: الاستنثارُ، هو (٦) قول قوم. ذكر الأزهري، عن ابن الأعرابي: أن النَّثْرَة: طرف الأنف، ومنه قوله ﷺ في الطهارة: "استنثرْ"، قال: ومعناه: استنشقْ،

стр. 1497

وحرِّكْ النَّثْرَة (١). وروى سلمة، عن الفراء: أنه قال: نثرَ الرجلُ وانتثرَ واستنثرَ: إذا حرَّك النَّثْرَة في الطهارة (٢). وقال الخطابي: استنثرَ، معناه: استنشقَ الماء ثم أخرجه من أنفه، وأصله مأخوذ من النَّثْرَة، وهي الأنف (٣). عن ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النَّثْرَة، وهي الأنف (٤). وعند بعضهم التفريق بين الاستنشاق والاستنثار، قال صاحب "المطالع" (٥) (٦) بعد ما حكى قولَ ابن قتيبة - أن الاستنشاق والاستنثار

стр. 1498

سواء، مأخوذ من النَّثْرَة، وهي الأنف -: ولم يقل شيئاً؛ يعني: ابن قتيبة، وقد فَرَّقَ بينهما في الحديث بقوله: "فليجعلْ في أنفِهِ ماءً، ثم ليَنتَثِرْ" (١)، فدلَّ على أنَّه: طرحُه بريحِ الأنف. السابعة: الأظافر: جمع ظُفْر، بضم الظاء، وسكون الفاء، وضمها أيضاً. وأما الكسر فإنه قيل أيضاً: إن أبا زيد حكى في "نوادره": ظِفر بالكسر. وأما ابن سيده فلم يعرفه، فإنه قال: الظُّفْر، والظُّفُر معروف، يكون للإنسان وغيره، قال: وأما قراءة من قرأ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] بالكسر فشاذٌّ غيرُ مأنوس به (٢)، إذ لا نَعرف

стр. 1499

ظِفراً (١) بالكسر. وقيل: الظُّفر لما لا يصيد من الطير، والمخلب لما يصيد (٢)، كلُّه مذكر؛ صرَّح بذلك اللّحياني. والجمع: أَظفار، وهو الأُظْفُور، [و] على هذا قولُهم: أَظافير، لا على [أنه] جمع أظفار، الذي هو جمع ظُفْر؛ لأنه ليس كلُّ جمع يُجمَع، ولهذا حمل الأخفش قراءة من قرأ: (فرُهُنٌ مَّقبُوضَةُ) [البقرة: ٢٨٣] على أنه جمع رهن (٣)، وتجوز قِلَّتُه؛ لئلا يضطرَّه ذلك إلى أن يكون جمعَ رِهان، الذي هو جمع رهن. وأما من لم يقل: إلاّ ظُفْر، فإن أظافير عنده إنما هو جمع الجمع، فجمع ظُفْراً على أظفار، ثم أظفاراً (٤) على أظافير. قال بعضهم: همزة (أُظْفور) ملحقة [له] (٥) بباب (دُمْلُوج) بدليل ما انضاف إليها من زيادة الواو معها؛ هذا مذهب بعضهم (٦). قلت: ويشتركُ مع الظُفْرِ في الصيغة الظُّفْرُ والظَّفَرَةُ؛ داءٌ يكون

стр. 1500

في العين يتجلَّلُها منه غشاوة (١) كالظُّفر، وقيل: هي لحمة تنبت عند المآق حتى تبلغ السواد، وربما أخذت منه (٢). ويشترك أيضاً معه في الصيغة الظُّفْر؛ ضربٌ من العطر أسود، على شكل ظفر الإنسان، يوضع في الدُّخْنَة (٣). ويشترك معه أيضاً الظُّفْرُ؛ وهو ما وراء معقد الوَتَر إلى طرف القوس، قال ابن سيده: وخصَّ بعضهم به القوسَ العربية، [و] (٤) قيل: طرف القوس، والجمع: ظِفَرَة (٥). قلت: القراءةُ التي أنكرها ابن سيده في كسر الظاء من (ظفر) حكاها الثعلبي عن الحسن، قال: وقرأ الحسن: ظِفْر، مكسورةَ الظاء، ساكنةَ الفاء، وقرأ أبو السِّماك بكسر الظاء والفاء، وهي لغة (٦). وما ذكره من الأظافير، ورغبته عن أن يكون جمع جمع، ذكره الأزهري قال: قال الليث: الظفر: ظفر الإصبع، وظفر الطائر، والجمع: أظفار، وجماعة الأظفار: أظافير. قال: ويقال: ظَفَرَ فلانٌ في وجه فلان، إذا غرَزَ ظُفره في لحمه

стр. 1501

فَعَقره (١)، وكذلك (٢) التَّظفيرُ في القِثَّاء والبِطيخ والأشياء كلِّها. ويقال للظُّفر: أُظْفُور، وجمعه: أظافير (٣). وقال الجوهري: الظُّفر؛ جمعه: أظفار، وأظْفُور، وأظافير (٤). الثامنة: البَراجم - بفتح الباء -: جمع بُرجُمة - بضم الباء والجيم -، قال ابن سيده: والبُرجمة: المفصل الظاهر من الأصابع كلها، وقيل: الباطن، وقيل: البراجم: مفاصل الأصابع كلها، وقيل: هي ظهور القصب (٥) من الأصابع. والبُرْجُمَة: الإصبع الوسطى من كل طائر. والبراجم: أحياء [من] (٦) بني تميم، وذلك أن أباهم قبض أصابعه، وقال (٧): كونوا كبراجمِ يدي هذه؛ أي: لا تفرقوا، وذلك أعزُّ لهم، قال ابن الأعرابي: البراجمُ: عمرو، وقيس، وغالب، وكلفة، وظليم بنو حنظلة (٨). التاسعة: قال ابن سيده: الأبْطُ: باطن المنكب، يذكَّرُ ويؤنَّثُ، والتذكيرُ أعلى.

стр. 1502

وقال اللّحياني: هو مذكر، وقد أنَّثه بعضُ العرب، والجمع: آباط. وتأبَّطَ الشيء: وضعه تحت إبطه، وبه سمي تأبَّطَ شَرًّا؛ لأن أمه بَصُرت به، وقد تأبط خفير (١) سهام، وأخذ قوساً، فقالت: هذا تأبط شراً، وقيل: بل تأبط سكيناً، وأتى ناديَ قومِه، فوَجَأَ أحدَهم، فسمي به لذلك، واسمه ثابت بن جابر (٢). [قلت] (٣): ويشترك معه في الصيغة إبط الرمل، وهو ما رَقَّ منه (٤). العاشرة: العَانة لفظٌ مشترك، فالعانة: القطيع من حمر الوحش، والعانة: الأتان، والجمع منها: عُونٌ، وقيل: فلان (٥) على عانة بكر ابن وائل؛ أي: جماعتهم وحرمتهم، قال ابن سيده: [و] (٦) هذا عن اللحياني. قال: [و] (٧) العانة: [الحظُّ] (٨) للأرض (٩) من الماء بلغة عبد القيس. وعانة: قرية من قرى الجزيرة.

стр. 1503

وعانة الإنسان: الشعر النابت على فرجه، وقيل: هي (١) منبتُ الشعر هنالك؛ قاله ابن سيده (٢). قلت: وهذا هو المراد بالحديث هاهنا (٣). قال ابن سيده: واستعانَ الرجل: حلق عانته، وقال بعض العرب - وقد عرضه رجل على القتل -: أَجِرْ لي (٤) سَرَاويلي فإني لم أستعنْ. وتعيَّن: كاستعان، وأصله الواو، فإما أن يكون (تعين) تَفَعْيَل، وإما أن يكون على المعاقبة؛ كالصياغ في الصواغ، وهو أضعف القولين، إذ لو كان ذلك لوجد ما (٥) تعوَّن، فعدَمُنا إياه يدلُّ على أن (تعين) تفعيل (٦). الحادية عشرة: المَضْمَضَةُ، قال أبو حاتم أحمد بن حمدان

стр. 1504

السجستاني: والمضمضة: هو أن يُحرِّك الماء في فيه ويسعُطُه سعطاً، وأصله من المضِّ، وهو السَّعط، يقال: مضَّه هذا الأمرُ ومضمضه: إذا سعطه، وهما ضادان أدغمت إحداهما في الأخرى فشُدِّدت، فإذا أظهروها خفَّفوها، وهو كما تقول (١): جَلَّ وجَلجَلَ (٢)، ورَدَّ ورَدْرَد (٣)، انتهى. وقال غيره: [أصلُ] (٤) المضمضة: التحريكُ، قال ابن سيده: ومضمضَ إناءَه: [إذا] (٥) غسله، والصاد لغة فيه؛ حكاهما يعقوب. ومضمضَ الماءَ في فِيه: حرَّكه، وتمضمض به، ومضمضَ النُّعاسُ في عينه: دبَّ، وتمضمضت به العينُ، وتمضمض الكلبُ في أثره: هَرَّ (٦) (٧). ومن الناس من فرق بين المصمصة المهملة، والمضمضة المعجمة (٨)؛ فجعل المهملة للأقل، والمعجمة للأكثر (٩).

стр. 1505

الثانية عشرة: قال السجستاني [في الاستنجاء] (١): الاستنجاء: أصلُه التمسحُ بالحجارة، ثم سمي غسل الأسافل بالماء: استنجاءً، فهو مشتق من النَّجْوة، والنَّجوةُ: ما ارتفع من الأرض، فكان أحدهم إذا أراد أن يقضي حاجته استتر بنجوة، أي: بموضع مرتفع، فقالوا: ذهب ينجو (٢)، وفي الحديث: "اللحمُ أقلُّ الطعامِ نَجواً" (٣). وقيل أيضاً: إنه يتغوط، وقيل للحدث: غائط، [وإنما الغائط] (٤) ما اطمأنَّ من الأرض؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في الغيطان، وهو على طريق الكناية عن الحدث. فمن مسح موضع الحدث بالحجارة، أو الماء، قيل: قد استنجى. ويقال أيضاً: استجْمَرَ، وهو بالحجارة دون الماء، وأُخذ من الجِمار، والجِمارُ: الحجارة، وهكذا السنة فيه؛ [معناه] (٥): يمسح

стр. 1506

بالحجارة، وفي الحديث: "إذا استجمرْتَ فأوتِرْ" (١)؛ أي: خذْ وِتْرَكَ من الحجارة، انتهى. وجعل الراغبُ أصلَ النجاء الانفصالُ من الشيء، ومنه: نجا فلان من فلان، وأنجيته، ونجَّيته، وجعل منه النَّجاةَ (٢)، والنجوةُ: المرتفع المنفصل بارتفاعه عمَّا حولَه، وقيل: سمي لكونه ناجياً من السَّيل، ونجَّيتُه: تركتُه بنَجْوة، وعلى هذا قوله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، ونجوتُ قِشرَ الشجرة، وجلدَ الشاةِ؛ لاشتراكهما في ذلك، قال الشاعر [من الطويل]: فقُلتُ انْجُوَا عنها (٣) نَجَا (٤) الجِلدِ إنَّهُ ... سيُرضِيكُما منها سَنَامٌ وغارِبُهْ (٥) (٦)

стр. 1507

وناجيته: سارَرْتُه، وأصله: أن تخلوَ به في نَجوةٍ من الأرض، وقيل: أصله من النجاة (١)، وهو أن تعاوِنَه على ما فيه خلاصُه، أو أن تنجوَ بسرِّك (٢) من أن يطلع عليه، وتناجى القوم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩]، وذىَ آياتٍ في هذا المعنى. والنَّجِيُّ: المناجي، يقال للواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وانتجيتُ (٣) فلاناً؛ [أي] (٤): استخلصته لسِرِّي. وأنْجَى فلانٌ: أتى (٥) نَجْوةً، وهم في أرضِ نجاةٍ؛ أي: في أرض تُستنجَى منها (٦) العِصِيُّ والقَسِيُّ، والنّجَاء: عيدان قد قُشِرت. وذكر الراغب عن غيره (٧): نَجوتُ فلاناً: استنكهُته، قال: واحتج بقول الشاعر [من الوافر]:

стр. 1508

نَجَوْتُ مُجاهداً وشممْتُ منهُ ... كريحِ الكلبِ ماتَ حديثَ عهدِ (١) قال: فإن يكنْ (٢) حمله (نجوت) على هذا المعنى من أجل هذا البيت، فليس في البيت حجة (٣) له، وإنما أراد: أنني ساررْتُهُ فوجدت من بَخَرِهِ ريحَ الكلب. قال الراغب: وكُنَّي عما يخرج من الإنسان بالنَّجْوِ. وقيل: شَرِبَ دواءً فما أنجاه؛ أي: ما (٤) أقامه. ثم قال: والنَّجْاةُ - بالهمز -: الإصابة بالعين، قال: وفي الحديث: "ادفَعُوا نَجْأةَ السَّائلِ باللُّقمةِ" (٥). الثالثة عشرة: قد فُسِّر انتقاصُ الماء بالاستنجاء، وفي [معنى] (٦)

стр. 1509

انتقاصِ الماء بالنسبة إلى الاستنجاء وتفسيره به خفاءٌ. الرابعة عشرة: المعروف في هذه اللفظة (١) أنها بالقاف والصاد المهملة، وذكر ابن الأثير أنه رُوي: انتفاص - بالفاء والصاد المهملة -، وقال في فصل الفاء: قيل: الصواب أنها بالفاء، قال: والمراد (٢): نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح (٣) الدم القليل نُفصَةٌ، وجمعها: نُفَص (٤). ذكر ذلك عن (٥) ابن الأثير أبو زكريا النووي ﵀، وقال: وهذا الذي نقله شاذٌّ، والصواب ما سبق (٦)، انتهى، والله أعلم. الخامسة عشرة: إذا بنينا على المشهور، فقد فسَّره وكيعٌ بالاستنجاء (٧). وقال أبو عُبيد (٨): معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره (٩).

стр. 1510

وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: "الانتضاح" (١) بدلَ "انتقاص الماء". وذكر بعضهم قال: قال الجمهور: الانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماء قليل بعد الوضوء؛ لينفيَ عنه الوسواس (٢). وقيل: هو الاستنجاء [بالماء] (٣)، والله أعلم (٤). * * * * الوجه الخامس: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: إسقاطُ التاء من "عشر" مُصيَّرٌ إلى معنى الخصلة والخصال، ولو أثبتت لكان مُصيَّراً إلى الفعل والأفعال. الثانية: (من) في: "عشر من الفطرة" (٥) للتبعيض، وهو يقتضي: أن الفطرةَ لا تنحصر فيها (٦). وقد ورد في حديث أبي هريرة الذي رواه يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الفطرةُ خمسٌ: الاختتانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشاربِ،
следующие страницы →