← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

* الوجه الثالث: ليس المقصودُ الأكبر بهذا الحديث الاستدلالَ على طهورية ماء البحر؛ لأنَّه كالمتفق عليه بين الفقهاء، فكان يكتفي بذلك، لأنَّ الكتابَ كتابُ اختصار، لكنْ لمَّا كان تتعلق به فوائدُ كثيرة، منها ما يخصُّ هذا الكتاب، ومنها ما يدخل في غيره، ويُستدَلُّ على ذلك الغير في المكان اللائق به، كان أكثرَ فائدةَ من الأحاديث التي تدلُّ على ما يتعلق بهذا الباب خاصةَ، وكان حديثُ القلتينِ أمسَّ بهذا الباب، وقد صحَّح بعضُهم إسنادَ بعض طرقه، وهو - أيضًا - عندنا صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنَّه وإن كان حديثاً مضطربَ الإسناد، مختلفاً فيه في بعض ألفاظه، وهي علة عند المحدثين، إلَّا أن يُجابَ عنها بجواب صحيح، فإنّه يمكنُ أن يُجمعَ بين الروايات، ويجابَ عن بعضها، وينسبَ إلى التصحيح بطريق قوي أصولي، ولكن تركتُه، لأنَّه لم يثبتْ عندنا الآنَ - بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعاً - تعيينٌ لمقدار القلتين، وقد نبهنا على ذلك في "الإمام" (١). * * * الوجه الرابع: في تفسير شيء من مفردات ألفاظه: فمنها: البحر، وفيه نظران: النظر الأول: في أنه هل يختصُّ بالملح، أم يعمُّ الملح والعَذْب؟

стр. 177

فنقول: قال أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقَزَّاز في كتاب "جامع اللغة" (١) بعدَ ذكره البحرَ: وإذا اجتمعَ الملح في الماء والعذب يعني: سمَّوه باسم الملح؛ أي: بحرين، قال: ومنه قولُه - جلَّ وعزَّ -: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] فجعل الماء العذب بحراً لمقارنة الملح. وهذا الكلامُ يقتضي أنَّ الاسمَ في الأصل للملح، وأن العذب سُمِّي بذلك للتغليب عند المقارنة، كالعُمَرين والقَمرين. وقال ابن سيده صاحب "المحكم" في "المحكم": البحرُ: الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وجمعُه: أبحُر وبُحُور وبِحَار، وقد غلب على الملح حتَّى قلَّ في العَذْب، وصَرَفُوه على معنى المُلُوحة، وقالوا: أبحرَ الماءُ، أي: صارَ مِلْحاً، وأنشد بيتَ نُصَيبٍ [من الطَّويل]: وقدْ عادَ ماءُ الأرضِ بَحْراً فزَادني ... إلى مَرَضِي أَنْ أبحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ (٢)

стр. 178

وقال الأزهري: كلُّ نهر لا ينقطع ماؤُه مثلُ دجلةَ والنيلِ، وما أشبههما من الأنهار [العذبة] الكبارِ، فهي بحار، وأما البحر الكبير الذي هو مَغيضُ هذه الأنهارِ الكبارِ فلا يكون ماؤُه إلَّا مِلحاً أُجاجاً، ولا يكون ماؤه إلَّا راكداً، وأما هذه الأنهار العذبةُ فماؤُها جارٍ (١). النظر الثَّاني: فيما ترجعُ إليه هذه اللفظةُ: والذي تلخَّصَ لنا من كلام أهلِ اللغة أصلان: أحدهما: معنى السَّعة، والثاني: معنى الشَّق. أما الأولُ: فقال محمد بن جعفر القزَّاز - بعدَ ذكر البحر -: سمِّي بذلك لسَعته من قولهم: تبحَّر الرجلُ في العلم بكذا: اتَّسع (٢)، وكذا تَبحَّرَ المال. وفي هذا الكلام نظرٌ؛ لأنَّ الصوابَ أن التبحرَ في المال والعلم مأخوذٌ من البحر، لا أنَّ البحرَ مأخوذٌ منه. وقال صاحبُ كتاب "السبب في حصر كلام العرب" (٣): سُمِّي به لسَعته. وقال الليثُ - فيما حكاه الأزهري عنه -: سُمي البحرُ بحراً؛

стр. 179

لاستبْحارِه، و [هو] انبساطُه وسعتُه، يقال: استبحرَ فلانٌ في العلم، وتبحَّر الراعي في رَعيٍ كثيرٍ، وتبحَّر فلانٌ في المال، أي: كَثُر ماله (١). وهذه المادة قد يخفَى وجهُها في مواردِ استعمال هذه اللفظة؛ كتسمية الرجل المسلول الجسم بالبحر، وفي قولهم: بُحِرَ الرجل: إذا بُهِتَ، وقولهم: الباحُر: الأحمقُ الذي إذا تكلَّم بقي كالمبهوت، وقيل: هو الذي لا يتمالك حُمقاً، وإن كان يمكن أن يردَ على هذا الأصلِ ولا يتعذَّرَ بتأويل. وأما الثَّاني: وهو معنى الشَّق، فإنَّ الأزهريَّ قال - بعدَ ما حكيناه عنه، في كلِّ نهر لا ينقطع ماؤه -: سُمِّيت هذه الأنهارُ بجاراً؛ لأنها مشقوقةٌ في الأرض شقًّا (٢). وقال أيضًا - بعدَ حكايته لكلام اللَّيث الذي قدَّمناه -: وقد قال غيره: سمي البحر بحرًا؛ لأنَّه شَقَّ في الأرض شقاً، وجَعَل الشقَّ لمائه قراراً. والبحر في كلام العرب: الشَّقُ، ومنه قيل للناقة التي تُشَقُّ (٣) في أذنها شقاً: بَحِيرة (٤).

стр. 180

وجعل القزازُ البحيرةَ من الأصل الأول، فإنّه قال: والبُحْران من هذا أخذه، وهو اتساع العلة، والبَحيرةُ من هذا: وهي الناقة التي تُنْتجُ عشرةَ أبطُن، وتُبْحَر في أذنها؛ أي: تُشَق وتُترَك ترعى، ولا يُنتفع بظهرها، ويحرم لحمُها على نسائهم، ثم قال - بعد كلام -: وكلُّ هذا مأخوذ من السَّعَة والشَّق، ولذلك سمي الفرجُ بحراً، ومنه حديث ابن عباس ﵄: أن أنس بن سيرين قال: استحيضت امرأةٌ من آل أنس، فسألت ابن عباس، فقال: "إذا رأتِ الدَّمَ البَحْرانيَّ فلتدعِ الصَّلاةَ، فإذا رأتِ الطُّهرَ ولو ساعةً من نهارٍ فلتغتسلْ ولتصلِّ" (١). قال: فالدم البحراني دم الحيض، وسماه بحرانياً؛ لغلظه وشدة حُمرته، ونسبَهُ إلى البحر، يريد عنق الرحم؛ لأنَّ كلَّ عنق أو شق: بحرٌ (٢). وأقول: الأقربُ أن نجعلَ اللفظَ راجعاً إلى أصل السعة، ويُرَدُّ معنى الشق إليه؛ لأنَّه المعنى العامُ في موارد الاستعمال، فنجعلُـ[ـه]، حقيقة اللفظ على ما قرَّره المتأخرون من أهل النظر، فإنَّ في الشقَّ معنى السَّعة، إلَّا أن يُدَّعَى أن تسمية الماء الكثير بالبحر لملازمة الشق أو مجاورته، وهذا يلزمُ منه المجازُ بالنسبة إلى الوضع اللغوي، فإن

стр. 181

ادُّعيَ فيه النقلُ عرفًا أو الاشتراكُ، فالكلُّ خلافُ الأصل. ومن ذلك القليل: وهو محمولٌ هنا على غير الكافي للطهارة، وما يحتاج إليه للشُّرب، وقد يُستعمَل في غير هذا المحل لغير هذا المعنى. ومنها لفظ الطَّهور: وهو هنا بفتح الطاء؛ لأنَّه اسمٌ للماء الذي يُتطهَّر به، والطُّهور - بضم الطاء - اسمٌ لفعلِ التطهر، هذا هو المشهور، وجعل سيبويه الطَّهور - بالفتح - مصدراً (١)، وسيأتي الكلام على هذه اللفظة بأكثر من هذا في وجه الفوائد، إن شاء الله تعالى. ومنها الحِلُّ: وهو بمعنى الحلال، كالحرِم بمعنى الحرام. ومنها المَيتة: وهي ها هنا بفتح الميم، لأنَّ المرادَ العينُ الميتة، وأما المِيتة - بكسر الميم -: فهي هيئةُ الموت، ولا معنى لها ها هنا إلَّا بتكلف (٢)، والمَيتة - بالتشديد والتخفيف - (٣) بمعنى واحد في موارد الاستعمال، وفَصَل بعضُهم بينهما. * * *

стр. 182

* الوجه الخامس: في ذكر شيء من علم العربية: وفيه نظران: النظر الأول: أن العربَ قد تحذف الموصوفَ وتُبقي الصفة وبالعكس، وإنَّما يصحُّ الحذفُ إذا فُهِم المعنى، طلباً للاختصار مع حصول المقصود، وذكر بعضُ فضلاء النحاة المتأخرين: أن إقامة الصفة مقامَ الموصوف ضعيفةٌ، ويحسُنُ إذا كانت الصفة مختصةً، وإذا كان الموصوفُ ظرفًا، وإذا كانت موصوفةً، كما تقول: مررتُ بعالم من بني فلان، وإذا كانت المقصودة نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. ومثالُ المختصةِ: رأيت العالم، وغيرِ المختصةِ: رأيت الأسود، ومثالُ الظرف: جلست قريباً منك، وبعيداً منك، وقد جاء حذفُ الصفة مع بقاء الموصوفِ في الكتاب العزيز كثيرًا. واعلمْ أنه قد وردَ في هذا الحديث حذف الصفة وإبقاءُ الموصوف، لدلالة السياق عليه، وهو قوله: "ونحمل معنا القليل من الماء"، فإنَّ المعنى المراد: الماءُ العذب، فحذف الصفة. وأما في لفظ البحر، فهو يَبتنِي على ما قدمناه من انطلاق هذه اللفظة على العذب والملح معاً، أو كونها أصلًا في الدلالة، أو غالبة في الدلالة عليه، فإن قلنا بالأصالة والغلبة، فلا حاجةَ إلى تقرير حذف الصفة في لفظ (البحر)، وإن قلنا بعموم الدلالة، احتيجَ إلى تقرير الحذف في البحر أيضاً.

стр. 183

النظر الثَّاني: في إعرابِ قوله ﵇: "هو الطهورُ ماؤُهُ"، قد أنهاه بعضهم إلى قريبٍ من عشرين وجهًا، في كثير منها تكلفٌ أو إضمارٌ لا تظهر الدلالةُ عليه، فتركنا أكثرها واقتصرنا على أوجهٍ أربعة: الأول: أن يكون (هو) مبتدأً، و (الطهور) مبتدأً ثانياً خبره (ماؤه)، والجملةُ من هذا المبتدأ الثَّاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول. الثَّاني: أن يكون (هو) مبتدأ، و (الطهور) خبره، و (ماؤه) من بدل الاشتمال، وفي هذا الوجه بحثٌ دقيق. الثالث: أن يكون (هو) ضمير الشأن، و"الطهور ماؤه" مبتدأً وخبراً، ولا يمنع من هذا تقدُّمُ ذكرِ البحر في السؤال، لأنَّه إذا قُصِد الإنشاء وعدمُ إعادة الضمير في قوله (هو) على (البحر)، صحَّ هذا الوجه، وهذا كما قالوا في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: إنَّهُ ضميرُ شأنٍ مع ما رُوِيَ من تقدمِ ذكر الله تعالى في سؤال المشركين حيثُ قالوا: انسب لنا ربك (١).

стр. 184

الرابع: أن يكون (هو) مبتدأً، و (الطهور) خبرَه، و (ماؤُه) فاعلاً؛ لأنَّه قد اعتمد فاعله وعامله بكونه خبراً (١). * * * الوجه السادس: في إيراد شيء يتعلقُ بعلم البيان ومحاسن الكلام: ونذكرُ الآن نكتاً من ذلك: الأولى: إن بعضَ المصنفين في علم البيان لما ذَكَر عطف الجمل التي لا محلَ لها من الإعراب على الجمل (٢)، انتهى الكلامُ إلى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] إلى أن قال: ويجوزُ أن يكونَ ذلك على طريق الاستطراد، لما ذَكَر أنَّ الأهلة مواقيتُ للحج، كأنه كان مراجعاً لهم في الحج، ومنه قوله ﷺ لما سُئِل عن ماء البحر قال: "هو الطهور مَاؤه، الحل ميتته" (٣). النكتة الثَّانية: لضمير الشأن في محاسن الكلام شأنٌ عند أهل البيان، وكأن السببَ فيه أنه يُشِعرُ بالجملة الآتية بعدَه إشعاراً كلياً،

стр. 185

فتتشوقُ النفسُ إلى تفسير الآتي بعدَ الإبهام، فإذا أتى قَبِلَتْهُ قَبولَ الطَّالبِ لمطلوبه، والعاشقِ لمعشوقهِ، فترجَّحَ بهذا أحدُ الوجوه المذكورة في قسم الإعراب (١). النكتة الثالثة: الجملُ قد يؤتَى بها معطوفاً بعضُها على بعض بحرف العطف، وقد لا يكونُ كذلك، ولترك هذا العطف في بعض المواضع حُسنٌ وجمال تكلَّمَ أهلُ البيان عليه في مَحالِّه، ويمكن أن يُعلَّلَ هذا الحسنُ حيثُ يقع في بعض المواضع، بأنَّ العطفَ يوجب تبعيةَ المعطوفِ للمعطوف عليه، والاعتناء بها يقتضي تركَ العطفِ لزوال الموجب لكونها تبعاً، وهو حرف العطف، وهذا يجرُّ إليه قولُه ﵇: "هو الطهور مَاؤه، الحل ميتته"، من غير عطف إحدى الجملتين على الأخرى. النكتة الرابعة: في سياق هاتين الجملتين معنىً لطيف، وهو أنَّ هذا السياقَ قد يُستعمَل في بيان الشرف والتعظيم في تعداد الخواصِّ والمحاسن، كما يقال: فلان فقيه، ويقال: هو الفقيه النحوي الأصولي، وهذا المعنى لا يتأتَّى في مطلق الجواب بطهوريته. وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في قوله: "الحل ميتته": بيانٌ أن البحرَ كلَّه بركةٌ ورحمة، ماؤه طهور، وميتته حلال، وظهرُه جَوارٍ، وقعرُه جواهر (٢).

стр. 186

* الوجه السابع: في المباحث المتعلقة به والفوائد المستنبطة منه، وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر، وفيه مسائل: الأولى: فيه دليلٌ على جواز ركوب البحر في الجملة، وقد ورد في بعض الروايات ركوبُه للصيد (١)، فيدل دلالة خاصة على ركوبه في طلب المعيشة، وقد ورد ما يعارض ذلك، وهو حديث رواه أبو داودَ من طريق عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تركب البحر إلَّا حاجًّا أو مُعتمراً أو غازياً في سبيلِ اللهِ" الحديث (٢). وذُكِرَ عن عبد الله بن عمر - أيضاً - ما يناسب هذا (٣)، وطعن بعضُهم في صحة هذا عنه، والحديث المذكور في إسناده اختلاف، (٤) وللنظر فيه محلٌّ

стр. 187

غيرُ هذا بسبب الحاجة إلى معرفة حال [بعض] (١) الرواة (٢). ثم إن لك أن تأخذَ من الحديث مطلقَ الركوب، من حيث هو ركوب، من غير تعرُّضٍ إلى الأحوال العارضة التي تحرِّم، أو توجب كراهية (٣)، أو غير ذلك، كما هو عادة الفقهاء في إطلاق الحكم بالنظر إلى الحقيقة من غير التفاتٍ إلى الأحوال العارضة، كما تقول: الصيدُ جائز، وقد يعرض ما يُوجِب تحريمَه، والنكاحُ مستحب، وقد يعرِضُ ما يقتضي وجوبَه [حيثُ تعيَّن طريقاً لدفع العنت لعدم القدرة على التسري] (٤)، ولك أن تفصِّل. ورأيت لبعض المتأخرين (٥) من شارحي "التفريع" لأبي القاسم ابن الجلًاب المالكي (٦) [حاكياً عن بعض شيوخ المذهب] (٧) قال:

стр. 188

[قال] (١) مالكٌ: يكرَه ركوب البحر بما (٢) يدخلُ على الإنسانِ من نقص في صلاته وغير ذلك. ثم (٣) قسم ركوبَ البحر على (٤) ثلاثة أقسام، وجعل ما أطلقه (٥) من الكراهة منزلاً على أحدها فقال: ركوبُ البحر على ثلاثة أوجه: جائزٌ: وهو إذا كان [يعلم] (٦) من شأنه أنه (٧) يقدرُ على صلاته قائماً ولا يَمِيد. ومكروهٌ: وهو [ما] (٨) إذا لم يتقدم له عادةٌ بركوبه، ولا يعلم إذا ركبه هل يَميد وتتعطل صلاتُه أم لا؟ ولا يقال في هذا القسم: إنه ممنوع؛ لأنَّ الغالبَ السلامة (٩). وممنوعٌ: وهو ما إذا كان يعلم من شأنه أنه يميدُ ولا يقدر على أداء الصَّلاة، أو كان لا يقدر على [أداء] (١٠) الصَّلاة لكثرة الراكب،

стр. 189

ولا يقدر على السجود. وقال مالك - في سماع أشهب -: إذا لم يقدرْ أحدكم على أن يركع أو يسجدَ إلَّا على ظهر أخيه فلا تركبوا لحج (١) ولا لعمرة، أيركب حيث لا يصلِّي؟! ويلٌ لمن ترك الصَّلاة! ويكره - أيضاً - إذا كان لا يقدر على الصَّلاة إلَّا جالساً (٢). الثَّانية: المنقول عن الشافعي ﵁: أنَّ ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، يتنزَّلُ منزلةَ العموم في المقال (٣)، ومثل هذا: أن غيلانَ أسلم على عشر (٤) نسوة فقال ﵇: "أمسكْ أربعاً وفارقْ سائرَهُنَّ" (٥)، ولم يسأله عن كيفية ورود عقدِهِ عليهن في الجمع

стр. 190

والترتيب، فكان لإطلاقه (١) القول دالاً (٢) على أنه لا فرقَ بين أن تتفقَ تلك العقود معًا، أو على التَّرتيب (٣).

стр. 191

واعلمْ أن معنى هذا الكلامِ: أن الخطابَ الواردَ على السؤال عن الواقعة المختلفة الأحوال كالعام، كما يشهد به ما سقناه من الحال، ولا يعارضه ما يقال: إن قضايا الأحوال إذا تطرَّقَ إليها احتمالٌ (١) سقط بها الاستدلال (٢)؛ لأنَّ ذلك يُحْمَلُ على الفعل المحتمل وقوعُه على وجوه مختلفة، فلا عمومَ له (٣). وقد اعترِضَ على ما قاله الشافعي ﵀ باحتمال أنه ﵇ في الحال المذكور أو ما يشبهه عرفَ حقيقةَ الحالِ، فأجاب بناءً على معرفته ولم يستفصله، وعن هذا الاحتمال قال بعضُ المتأخرين في هذه القاعدة: حكمُ الشارع المطلق في واقعة سئِل عنها ولم تقعْ [بعدُ] (٤)، عامٌّ في أحوالها [حتى يقال فيها عرفَ حقيقةَ الحال] (٥)، وكذلك إن وقعت ولم يعلمِ الرسول كيف وقعت؟ وإن عَلِم فلا عمومَ، وإن التبسَ هل علم أو (٦) لا؟ فالوقف.

стр. 192

ولقائل أن يدفعَ الاعتراض المذكور الموجِبَ للوقف: بأن الأصلَ عدمُ وقوع العلم بالحالة المخصوصة، فيعودُ إلى الحالة التي لم تُعلَم كيفية وقوعها، إلَّا أن يكون المرادُ القطعَ، فهذا الذي قلناه لا يفيد إلَّا الظنَّ، فتوجَّه السؤال (١). [و] (٢) إذا ثبت هذا فنقول: هذه القاعدة فيما إذا وُجِدَ اللفظ جواباً عن السؤال، فهل تُنَزَّلُ منزلة التقرير عند السؤال منزلةَ اللفظ حتَّى يعمَّ أحوالَ السؤال في الجواز أو (٣) غيره؟ الأقربُ ذلك؛ لإقامة الإقرار مقامَ الحكم في إطلاق أرباب الأصول، إذ لا يجوزُ تقريره ﵇ لغيره على أمر باطل، فنزل منزلةَ القول المبيِّن للحكم، فيقوم مقامَ العموم كاللفظ، فيَرِدُ هاهنا ما قاله الغزالي ﵀ في أن المفهوم ليست دلالته (٤) لفظية، والعمومُ من عوارض الألفاظ (٥)، وهذا المعنى موجودٌ في دلالة التقرير؛ إذ ليست لفظية. ويجاب عن هذا هاهنا بأنا (٦) قلنا: إنه مُنزَّل منزلةَ العموم، بمعنى شمول الحكم للأحوال، فلا يجعله حقيقةً [في] (٧) العموم (٨).

стр. 193

الثالثة: في قاعدة التقرير والسكوت: ذُكِرَ في فن الأصول من ذلك: أن الرسول ﵇ إذا سُئِل عن واقعة فسكت عن جوابها، فيدل ذلك على أنه لا حكمَ لله تعالى فيها، فأما إن فُعِلَ فعلٌ عنده أو في عصره، وعَلِمَ به قادرًا على الإنكار، فلم ينكره؛ فإن كان مُعتقَداً لكافر (١)؛ كالمُصلي إلى الكنيسة، فلا أثرَ للسكوت إجماعًا، وإلا دلَّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلي النسخ إن سبق؛ لأنَّ في تقريره مع تحريمه ارتكابَ محرم، - وأيضاً - فيه تأخرُ البيان عن وقت الحاجة لإبهام الجواز والنسخ، وقد تصدَّى النظر وراءَ ذلك في صور: أحدها (٢): أن يخير ﷺ عن وقوع فعلٍ في الزمن الماضي [على وجه من الوجوه] (٣)، ويُحتاجُ إلى معرفة حكم من الأحكام؛ هل هو من لوازم ذلك الفعل؟ فإذا سكت ﷺ عن بيان كونه لازماً، دلَّ على أنه ليس من لوازم [ذلك] (٤) الفعل، وله أمثلة: المثال الأول: أن يخبر ﷺ بإتلافٍ يحتاج إلى معرفة تعلُّق

стр. 194

الضمان [به] (١) أو عدم تعلقه، كإتلاف خمرِ الذهبي مثلًا، فسكوته [على وجه من الوجوه] (٢) يدلُّ على عدم تعلُّقِ الضمان. المثال الثَّاني: أن يخبرَ عن وقوع العبادة المؤقتة على وجهٍ من الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء (٣) بالنسبه إليها، فإذا لم يبيِّنه دلَّ على عدم وجوب القضاء. المثال الثالث: أن يعلِّقَ اليمين على ترك فعل، فيقع ذلك الفعل على بعض الوجوه التي يحتاج معها إلى معرفة كونه يوجبُ الحنث، أم لا، كالإكراه والنسيان، فسكت رسول الله ﷺ عن بيان وجوب الكفارة، فيدلُّ على عدم وجوبها. إلى غير ذلك من الصور، وكلُّها يجمعها: أنه لو كان ذلك الحكم من لوازم ذلك الفعل للزم بيانه، وحيث لم يبيَّنْ، دلَّ على أنه ليس من لوازمه. وثانيها: أن يسكتَ رسولُ الله ﷺ عن قول أو فعل، لا يلزَم مِنْ سكوته عنه (٤) مفسدةٌ في نفس الأمر، لكن قد يكون ظنُّ الفاعل أو القائل يقتضي أن يترتب [عليه] (٥) مفسدة على تقدير امتناعه، فهل

стр. 195

يكون هذا السكوتُ دليلاً على الجواز بناءً على ظن المتكلم، أو لا؛ لأنه لا يلزم منه مفسدةٌ في نفس الأمر؟ مثاله: طلاقُ الملاعِن زوجتَهُ ثلاثاً عند فراغ اللعان، وتقريره ﷺ على ذلك (١)، [فإنه إذا وقعت] (٢) الفرقةُ باللعان، لم يلزم من إرسال (٣) الثلاث حينئذٍ إرسالُها في المنكوحة التي هي محلُّ الخلاف؛ لانتفاء النكاح في نفس الأمر، لكنَّ المطلِّقَ إنما أرسل الثلاثَ بناءً على ظنِّه بقاءَ النكاح، فبمقتضى (٤) ظنه تكون المفسدةُ واقعةً على تقدير امتناع الإرسال. واعلمْ أن هذا المثال يتمُّ إذا ظهر للملاعن ومَنْ حضر عقبَ (٥) طلاقه أن الفرفةَ وقعت باللعان، فأما إذا لم يظهرْ ذلك، فيكون البيانُ واجباً؛ دفعًا لمفسدة الوقوع في الإرسال لها؛ [أي: الثلاث] (٦)، بناءً

стр. 196

على بقاء الظن بأنها منكوحةٌ طُلِّقت ثلاثًا عنده، فَيَعْمَل بذلك هو أو غيرُه، فإذا (١) لم يبيِّنْ امتناعَ [عدمِ] (٢) الإرسال على تقدير أن لا يَتبينَ للملاعن ومَنْ حضر وقوعُ الفرقة باللعان، دلَّ على جواز الإرسال، إذ لو حَرُمَ لبيَّن (٣)؛ دفعًا لوقوع المفسدةِ المبنيةِ على ظن بقاء النكاح. ومثالُه [أيضًا] (٤): استبشارُه ﷺ بإلحاق القائفِ نسبَ أسامةَ بزيدٍ (٥)، فإنَّ الذين لا يعتبرون إلحاقَ القائف يعتذرون بأنَّ الإلحاق به مفسدةٌ في صورة الاشتباه، ونسبُ أسامة لاحقٌ بالفراشِ وحكمِ الشرع، فلا تتحقق المفسدةُ عندهم في نفس الأمر، لكنْ لما كان الطاعنون في النسب اعتقدوا أنَّ الإلحاقَ بالقِيافة صحيحٌ، اقتضى ذلك الظنُّ منهم - مع ثبوت النسب شرعاً - عدمَ المفسدة في إلحاق القائف. وللبحث في هذا المقام موضعٌ غيرُ هذا، وإنما المقصود الآن ضربُ المثال، وسيأتي في الكلام على هذا الحديث ما يرجع إلى هذا في أثناء البحث. وثالثها: أن يُخبَرَ عن حكم شرعي بحضرته ﷺ فيسكت عنه،

стр. 197

فيدلُّ ذلك على ذلك الحكم، كما لو قيل (١) بحضرته: إن هذا الفعلَ واجبٌ أو محظورٌ، إلى غير ذلك من الأحكام، وهذا ظاهرٌ. ورابعها: أن يُخبَرَ بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي يحتمِلُ أن يكون مطابقاً، ويحتمل أن لا يكون، فهل يكون سكوتُهُ دليلًا على مطابقته؟ مثاله: حلف عمر بحضرته ﷺ أن ابنَ صيادٍ الدجالُ (٢)، ولم ينكِرْ عليه ذلك (٣)، فهل يدلُّ ذلك على كونه هو، أم لا؟ وفي ترجمة بعض أهل الحديث ما يُشعِر بأنه ذهب إلى ذلك، والأقرب عندي: أنه لا يدل؛ لأن مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التقرير حجةً - هو العصمةُ من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، [ولا يكفي فيه عدمُ تحقق الصحة، إلا أن يدَّعيَ مُدعٍ: أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة] (٤)، فيحتاج إلى [بيان] (٥) ذلك، وهو عاجزٌ عنه.

стр. 198

نعم التقرير يدلُّ على جواز اليمين على حسب الظن، وأنه لا يتوقف على العلم؛ لأن عمرَ ﵁ حلف على حسب ظنه، وأقرَّه (١) عليه (٢). الرابعة: يُستدَلُّ به على أن إعدادَ الماء الكافي للطهارة مع القدرة غيرُ لازم على القاعدة الثانية والثالثة، وهو ترك الاستفصال والإقرار؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليلَ من الماء، وهو كالعامِّ في حالات حملهم، فيمكن أن يكون مع القدرة، ويمكن أن يكون بسبب العجز بسبب ضيق مَراكِبهم عن حمل الباقي، فإذا جعلناه كالعام يتناول حالَ القدرة، ولم ينكر عليهم، فدلَّ ذلك على جوازه في هذه الحالة (٣).

стр. 199

فإن قلتَ: إن كان المقصودُ الاستدلالَ على أنه: لا يجبُ الحمل للماء الكافي مع وجود الماء في الوقت، فهذا ليس فيه كبير فائدة للإجماع عليه، ولأنه يكون من بيان الواضحات، ويُجَلُّ منصبُ الرسول ﷺ عنه. وإن كان المقصود أنه: لا يجب مع عدم وجود الماء في الوقت، فلا دليلَ عليه؛ لأن ماء البحر طهور، فالماء الكافي (١) حاصل في الوقت؟! قلتُ: أما حصولُ الإجماع على الشيء، فلا يمنعْ من ذكر كونه مستفاداً من الحديث لوجوه: الأول: أن الدعوى أنَّ هذا الأمرَ مستفادٌ من الحديث، والذي يناقضه أنه لا يستفاد منه، فأما أنه يستفاد منه - وعليه دليلٌ آخرُ - فلا يناقضه، نعم يمكن أن يكون سبباً للاختصار عند من يراه، أو عندما (٢) يقتضيه الحال، أما أن يكون ذكرُه فاسدًا، فلا. الثاني: أن دعوى الإجماع دعوىً، لاسيَّما عند مَنْ يشترط [في] (٣) ذلك التنصيصَ من كل قائل من أهل الإجماع على الحكم، ولا يكتفي بالسكوت، وقد قال [الإمام] (٤) أحمدُ بن حنبل ﵀: من ادَّعى

стр. 200

الإجماعَ فقد كذب (١)، فالاستنباطُ من الحديث يفيد فائدة، وهي استخراجُ الحكم بِطريق أسهل. الثالث: أن العلماء مازالوا على ذكر فوائدَ من الكتاب والسنة متفقٍ عليها، وقد استدلوا على الأحكام المتواترة بأخبار الآحاد، كوجوب (٢) الصلاة والصوم وبقية أركان الإسلام. أما كونُه بياناً للواضحات، وهو قبيح، قلنا: متى يكون قبيحًا؟ إذا كان مقصوداً بالبيان، أم (٣) إذا وقع ضمناً؟ الأول: مسلَّم، ولكنا لا ندعي أن ذلك مقصودٌ بالبيان، وإنما ندعي أنه يُستفاد (٤) من الحديث، وكونُه مُستفاداً منه أعمُّ من كونه مستفاداً بطريق القصد. والثاني: ممنوعٌ ولا يمكن دعواه؛ لأنه إذا توجّه البيان إلى من (٥) يَحتاج إليه، ولزم من ذلك أمرٌ واضحٌ لا على سبيل القصد، لم يقبح.

стр. 201

الخامسة: يمكن أن يستدلَّ به على أن إعدادَ الماء بعدَ دخول الوقت للطهارة غيرُ واجب؛ بناءً على القاعدة الشافعية؛ لأن حالَهم صار متودداً بين أمور منها: عدم الإعداد قبل الوقت وبعدَه، فإذا تردَّد كان التقريرُ كالعام بالنسبة إليهما؛ لأنه لو اختلف لبُيِّن، فيكون كالتقرير على عدم إعداد الماء بعدَ دخول الوقت، وفيه من السؤالِ ما مرَّ من طهورية ماء البحر وجوابهِ. السادسة: يمكن أن يستدلَّ به على أن مَنْ قَدِر على إعداد الماء المطهِّر بعدَ دخول الوقت، فلم يفعل حتى تيممَ: لا تلزمه الإعادةُ بعدَ الوقت؛ لأن من جملة أحوالهم عدمَ الإعداد بعدَ دخول الوقت مع التردد في طهورية البحر (١)، [وإذا كان من جملة أحوالهم مع التردد في الطهورية] (٢) تمتنع الطهارة به؛ لأنهم مُتعبَّدون (٣) بالطهارة بما هو طَهور عندهم، وإذا امتنع التطهرُ به في حال الشك، وكان من جملة الأحوال وقوع التردد في طهوريته مع عدم الإعداد الكافي، ومشينا على القاعدة الشافعية: كان ذلك تقريرًا على عدم إعداد الماء مع عدم العلم بوجود المُطهِّر، وإذا لم يحصلِ التطهرُ به لما ذكرناه من الشك الذي قررناه، كان [ذلك] (٤) تركًا للطهارة في الوقت مع القدرة عليها

стр. 202

بإعداد الماء (١) في الوقت، فلو كان مقتضياً للإعادة بناءً على التقصير لتعيَّنَ بيانُه، ولمَّا لم يبيَّنْ، دلَّ على عدم الوجوب، وليتنبَّهْ؛ لأنا ما أخذنا [شكهم] في طهورية ماء البحر من سؤالهم عن الوضوء به، وإن كان ذلك مُشعرًا بالتردد في طهوريته؛ لأن ذلك لا يدلُّ على أن هذا الشكَّ كان حالةَ عدمِ إِعدادهم الماءَ الكافي، وإنما يدل على وجود التردد عند السؤال، ولا يلزم منه وجودُ التردد عند الركوب للبحر، وإنما أخذنا ذلك من أنه حالٌ من أحوالهم المختلفة. فإن قلتَ: هذا يتوقفُ على اعتقادهم عدمَ جواز الوضوء به عند الشكّ في طهوريته، ولا يكفي في ذلك أن يكونَ الحكمُ في نفس الأمر كذلك؛ لأن المقصودَ أن يجتمعَ حملُهم للماء القليل مع اعتقادهم إمكانَ أن لا يوجَدَ المطهِّر في الوقت، بسبب امتناع الاستعمال؛ لأجل الشك والتردد فى الطهورية، وقد لا يكون هذا الاعتقاد عندهم؛ أعني: اعتقادَ [امتناع] (٢) الوضوء بالبحر عند التردُّدِ في طهوريته. قلتُ: لا يتوقف الأمر على ثبوت هذا الاعتقاد عندهم؛ أعني: [اعتقاد] (٣) عدم جواز الوضوء بماء البحر عند التردد في الطهورية، بل يكفي إمكانُ هذا الاعتقاد في حقهم، فيصير هذا القَدْر (٤) - أعني: عدم

стр. 203

الإعداد للكافي مع اعتقاد عدم الجواز للوضوء بماء البحر عند التردد فيه - مِنْ جملة أحوالِهم الممكنة، التي يختلف الحكم باختلافها، فنرجع إلى القاعدة بعينها. ويمكنك أن تبحثَ بمثل ما ذكرناه هاهنا عن سؤال جيّدٍ يَردِ، وهو أن يقالَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونوا اعتقدوا جوازَ الوضوء بماء البحر بناءً على [أن] الأصلَ في الماء الطهوريةُ؟ ولا يقدح في العمل بهذا الأصلِ حصولُ التردد المخالف للأصل، فطريقُهُ (١): أن يُجعَلَ اعتقادُهم لامتناع الوضوء به عند التردد حالةً من أحوالهم، ويعود الكلام. واعلم أنه قد ورد في رواية (٢) سفيان بن عُيينة مع إرسالها ما يُشعِرُ من حيثُ السياقُ أنهم كانوا يتوضؤون به، فانه قال فيها: فإنَّ توضأنا، يعني: بماء البحر، وَجَدْنا في أنفسنا (٣). تنبيه: هذا الذي ذكرناه مبنيٌّ على ظاهر الكلام المنقول عن الشافعي ﵁ في تنزيل ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال منزلةَ العموم في المقال، فإنَّ ظاهرَهُ يقتضي تعليقَ هذا الحكم بالاحتمال كيف كان.

стр. 204

ولك أن تنظرَ نظرًا آخرَ: في أن الاحتمالَ المرجوح هل يُعتبر في هذا حتى يحصل التعميمُ [فيه] (١) وفي غيره، أو لا يعتبر، ويختص هذا الحكمُ بالاحتمالات المتقاربة أو المتساوية في الإطلاق؟ فإن قلتَ بذلك، بقيَ النظرُ في هذه الاحتمالات التي ذكرناها، وهل هي [في] (٢) محل البعدِ بحيث يظهرُ، أم لا؟ السابعة: قال القاضي أبو الوليدِ سليمانُ بن خَلَفٍ البَاجِيُّ المالكيُّ ﵀ في كلامه على هذا الحديث: وقوله: "فإنْ توضأْنَا بهِ عطشْنَا" دليلٌ على أن العطشَ له تأثيرٌ في ترك استعمال الماء المعدِّ للشرب، ولذلك أقره النبي ﷺ على التعلُّقِ بهِ (٣). وقال الحافظُ أبو عمر يوسفُ بن عبد الله بن عبد البرِّ النَّمْري الأندلسي رحمة الله عليه: وفي هذا الحديث - أيضاً - من الفقه: أنَّ المسافرَ إذا لم يكنْ معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه، وما لا غنى عنه، ولا فضل فيه؛ يعني: عن سقيه: أنه لا يتوضأُ به، وأنه جائزٌ له التيمم، ويترك ذلك الماء لنفسه من محل الماء، وهذا إذا لم يطمع بماء، وخشي هلاكَ نفسه (٤).

стр. 205

وأقول: في كلا الكلامين نظرٌ يُحتاج فيه إلى بيان الاستدلال وإيضاح أمره، وكلامُ القاضي أخلصُ وأحسنُ (١) من كلام الحافظ؛ لأن الحافظَ جزم بأنَّ فيه ذلك بلفظٍ صريحٍ في ادعاء دَلالته على الحكم الذي ذكره، والقاضي (٢) إنما قال: إن العطش له تأثير، وهذا أقرب إلى التقرير من الأول (٣). وإنما تَحصُل القوةُ في الكلامين معاً لو كانوا أخبروا أنهم كانوا يَتركون الماء للمشقة مع الحاجة إلى الوضوء به، فَيُقَرُّونَ على ذلك، وليس ذلك في الحديث، وليس فيه إلا الإخبارُ بأنهم إن توضؤوا عَطِشوا، والسؤال عن الوضوء بماء البحر مع تلك الحاجة، وهذا بمجردِهِ لا يقتضي إخباراً عن حفظ الماء للمشقة، وتركِ الوضوء به. وقد يقال: إنه يوجَدُ الذي ذكره القاضي من دلالةٍ سِياقية وقرينةٍ في السؤال، فإن (٤) الكلامَ يشعِرُ باعتقاد السائل أن للعطش تأثيراً.

стр. 206

وقد يقال: إنهم لم يسألوا عن استعمال الماء المُعَدِّ للشرب في الوضوء، وإنما وقع السؤال عن (١) الوضوء بماء البحر بعدَ تَعَيّنِ حفظ الماء للمشقة، ولم يقل: أنتوضأ به أو (٢) نعدّه للشرب؟ فكأنه إنما يسأل (٣) عما لم يعلمه، وتركَ (٤) الذي تقرر عنده، فيصير كأنه قال: فإن توضَّأنا به عَطِشنا، ولكن لا نتوضأ به، أفنتوضأُ بماء البحر؟ وليس (٥) يخفى عليك أن هذا ليس بالبيّنِ بياناً يتعذَّر الاعتراضُ عليه، فإنه إنما يُحمَلُ تركُ سؤالهم على تقرر (٦) تقديمه على الوضوء عند التعارض إذا لم يكن ثَمَّ واسطة، أما إذا كان ثَمَّ واسطة كان الترددُ واقعاً بين الوضوء بماء البحر وبين الشرب، فالسؤالُ عن أحدهما يستلزم السؤالَ عن الآخر؛ لأنه إذا وقعَ السؤال عن وقوع أحد النقيضين بأن يقول: أَزَيدٌ في الدار؟ فإنه يقتضي السؤالَ عن كونه في الدار أو ليس في الدار؛ لعدم الواسطة بين طرفي

стр. 207

النقيضين (١)، فلا يكون تركُ السؤالِ عن الشرب بسبب التقررِ (٢) المدَّعَى. أما إذا كانت واسطة بين الوضوء بماء البحر وبين الشرب: فقد يُدَّعَى أنَّ ترك السؤال عن الشرب لتقررِ أمرِه عند السائل. ولئن قال: الواسطةُ ثابتة، وهي التيممُ، أو الصلاةُ من غير طهارة لمن (٣) لم يجدِ ماءً، ولا ترابًا، ولا صعيداً، أو تركُ الصلاة مطلقا لسقوطها، أو في الوقت مع القضاء، وهذه وسائط، وإذا كانت الواسطةُ ثابتة انتفى المانعُ من حمل تركِ السؤال عن الشرب على تقرر (٤) أمره عندهم. فنقولُ - بعد التجاوز عن كون انتفاء المانع لا يلزم منه وجودُ المقتضي للحمل؛ لإمكان أن تُدَّعى قرينةٌ تقتضيه -: أما الصلاة بغير طهارة فمختلفٌ فيها بين العلماء، ولا يمكن إثباتُ هذه الواسطةِ عند مَنْ لا يراها اجتهاداً أو تقليداً، وكذلك إذا قام الدليلُ على بطلان هذا المذهب تكون منتفيةً عملاً بذلك الدليل، والشافعيُّ ﵀

стр. 208

لا يرى إثباتَ واسطةِ ترك الصلاة في الوقت ولا بعدَه، ومالكٌ ﵀ لا يرى إثبات واسطة الصلاة بغير طهارة، على أنه إذا آلَ الحالُ إلى الاستدلال بالقرائن السِّياقية فيمن (١) ينفي بعضَ هذه الوسائطِ بقرينة سياقية، فربما (٢) كانت أقوى من القرينة المُدَّعاة فيما تقدم، وهو أن اللفظَ يقتضي سياقُه تقرُّرَ فعل الوضوء والصلاة، فإن السؤالَ إنما وقع عن الوضوء بماء البحر، والوضوء شرطٌ للصلاة، وكونه بماء البحر كيفيةٌ له، ولم يقع السؤالُ عن إيقاع الصلاة، ولا عن إيقاع الوضوء، والسؤالُ عن إيقاع الفعل متقدمٌ على السؤال عن كيفية الفعل، والسؤال عن كيفية إيقاع الشرط متأخر عن السؤال عن إيقاع المشروط؛ [لأن الحاجةَ إلى إيقاع الشروط إنما تكون بعدَ الحاجة إلى معرفة إيقاع المشروط] (٣)؛ لأنه لو لم يكن المشروطُ لازمًا لما حَسُنَ السؤالُ عن كيفية إيقاع الشرط. هذا ما وقع ذكره الآن في المباحث على الاستنباط الذي قاله القاضي والحافظ، وقد يُمكِنُ بعضُ النُّظَّارِ أن يُبْدِيَ غيَره. الثامنة: قد تقدَّم في كلامنا تمريضُ القولِ في تقرير كلام القاضي والحافظ، وأَحلْنا الأمر في ذلك على ما يقع لبعض النظَّار،

стр. 209

فإن أمكنَ ذلك فيُبنى على تقريره مسألة، وهي أنه: إذا خاف العطش، قما هو الخوفُ المعتبر في ذلك؟ وظاهرُ اللفظ تعليقُه بمطلق العطش، والشافعية - أو من قاله منهم - يعتبرون هذه الحالةَ بحالة المرض المُبيحِ للتيمم باعتبار الخوف (١)، فينُظرُ هل يكون الخوف من التلف لنفس، أو عضو، أو منفعة، أو زيادة المرض، أو تأخُّرِ (٢) البُرء، أو بقاءِ شَيْن في عضو ظاهر؟ إذا (٣) قسناه بذلك اقتضى ذلك تقييداً في العطش، واحتاج إلى دليل، ولعله القياسُ. التاسعة: قد يُبتنىَ (٤) على القاعدتين: أنَّ المتوقعَ من خوف العطش كالواقع، والمظنونَ كالمعلوم؛ لأن قوله: "عطشنا" يَحتمِلُ العطشَ حالاً ومآلاَ، والحكمُ يحتمل العلمَ والظنَّ، فإذا فرَّعنا على وجوبِ الاستفصالِ عند اختلاف الحكم، وأنَّ تركَ الاستفصالِ يدل على عموم الحكم، جاءَ ما ذكرناه، بعدَ تسليم ما حكيناه عن القاضي والحافظ.

стр. 210

العاشرة: استُدِلَّ به على أنَّ الماءَ المطلقَ محمولٌ على الباقي على وصف خِلْقته. قال الخطابي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أنواعٌ من العلم منها: أن المعقول عند المخاطبين من الطهور [والغسول المُضَمَّنَين في قول] (١) الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، إنما كان عند السامعين له و (٢) المخاطَبِين به الماءَ [المفطورَ على خلقته، السليمَ] (٣) في نفسه، الخَلِيَّ (٤) من (٥) الأعراض المؤثرة قيه، ألا ترى أنهم ارتابوا بماء البحر لما (٦) رأَوا تغيرَهُ في اللون وملوحتَه في الطعم، حتى سألوأ رسولَ الله ﷺ ، واستفتَوْه عن جواز التطهُّر به (٧). وأقول: يُعترَض على هذا بأنَّ سؤالَهم لا يتعيَّنُ أن (٨) يكونَ لهذه الجهة؛ أعني: التغير، فقد يكون لغير ذلك، وقد ذُكِر عن عبد الله بن عمر (٩) ﵄ تعليلُ ذلك بأنه نارٌ، أو ما يقاربُ ذلك،

стр. 211

وهذه (١) علةٌ أخرى تحتمل أن تكونَ سببَ سؤالهم (٢). [قال] (٣) القاضي ابن العربي ﵀: فتوقَّوْا عنه لأحد وجهين: إما لأنه لا يُشرب، وإما أنه طَبَقُ جهنم، ورُوِي عن عبد الله ابن عمر وابن عمرو: وما (٤) كان طبقَ (٥) سَخَطِه، لا يكون طريقَ طهارةٍ ورحمة (٦). الحادية عشرة (٧): ذكر القاضي ابن العربي ﵀ الحافظ المالكي في عداد فوائد (٨) هذا الحديث: أن النبيَّ ﷺ لم يقلْ لهم: نعم، فإنه لو قال ذلك (٩) لما جاز الوضوء به إلا لضرورة؛ لأنه كان يكون جوابَ قولهم: "إنا نركب البحر، و [نحمل] (١٠) معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا"، فشكوا إليه بصفة الضرورة، وعليه وقع

стр. 212

سؤالُهم (١) فيما كان يرتبط جوابُهم لو قاله (٢)، فاستأنفَ بيانَ الحكم بجواز الطَّهارة به (٣). قلت: وفيه وجه آخر: أنه لو قال: نعم، لم يُستفَد منه - من حيث اللفظُ - إلا جوازُ الوضوءِ به، الذي وقع عنه السؤال، وإذا قال: "هو الطهور" أفاد جوازَ دفعِ الأحداث أصغرِها وأكبرِها، وإزالةِ الأنجاس به (٤) لفظًا، فكان أعمَّ [فائدةً] (٥). الثانية عشرة: استُدلَّ به على أن الطَّهور: هو ما يُتطهَّرُ به. ووجهُ الاستدلال: أن الطاهريَّةَ أعمُّ من الطُّهورية، فكلُّ طَهور طاهر، ولا ينعكس، والحكمُ على الشيء بالوصف الأعم، لا يستلزم الحكمَ [عليه] (٦) بالوصف الأخصِّ، فلا يفيد الجوابَ عن السؤال عن الأخص. وحكى القاضي أبو الطيّبِ طاهرُ بن عبد الله الطبريُّ الشافعي ﵀ عن أبي بكر الأصم، وأبي بكر بن داود، وبعض متأخري أصحاب أبي حنيفة ﵀، وطائفة من أهل اللغة: أن معنى طهور وطاهر سواء، وهو غير متعد، وقد ذكروا في حجة هذا المذهب: أنَّ

стр. 213

ما كان فاعلُهُ لازمًا، ففَعولُهُ مثلُه، كنائم ونؤوم، وصابر وصبور، وشاكر وشكور، وما كان فاعله متعدياً، ففعولُهُ مثله في التعدي، كقاتل وقتول، وضارب وضروب، وشاتم وشتوم (١). وأصل هذا: أنَّ صيغة فَعول لا تُبنى إلا من فعل ثلاثي مجرَّد عن الزيادة، وفعول: أصلُه الفاء والعين واللام، فالثلاثي في مسألتنا (طهر)، وهو قاصر، فطهور (٢) كذلك على (٣) ما تقدم. وأجاب عنه القاضي - رحمه الله تعالى - بأنْ قال: لابدَّ أن يكونَ لفَعول صفة زائدة على فاعله، ألا ترى [أنك] (٤) تقول: نائم لمن وجد منه النوم، ونؤوم: لمن كَثُر منه النوم وتكرر، وكذلك صابر لمن صَبَر مرةً، وصبور لمن تكرر منه [الصبر، وعُرِفَ هذا في اللزوم وفي التعدي، تقول: قاتل: لمن وجد منه القتل، وقَتول: لمن تكرر منه] (٥)، وشاتم: لمن وجد منه الشتمُ، وشَتوم: لمن تكرر منه ذلك، ولما كانت المياه الطاهرةُ متكافئةً؛ أي: في الطهارة، لم يكن بدٌّ من أن يُجعَلَ في الطهور مزيةٌ على طاهر، وليست تلك المزيةُ إلا تعدِّيها للتطهير. قال: وأيضًا فلا يقال: نائم ونؤوم إلا لمن وُجد منه النوم، وكذلك قاتل وقتول، وشاتم وشتوم، ولا يُوصَف صَاحبُه بذلك إلا بعدَ وجودِه منه، وأما الماء، فيقال فيه: طهور، قبل أن يوجد منه

стр. 214

التطهير، فكان بمنزلة قولنا: سَحور وفَطور؛ أي: يُتسحَّرُ به ويفطَرُ به، فكذلك طَهور؛ أي: يُتَطهَّرُ به، والله أعلم. وقد أوردَ مادةَ هذا السؤالِ بعضُ فضلاء المالكية المتأخرين فقال: لا شكَّ أن مجردَ بنائه على فَعول لا يُوجب تَعَدِّيه، كما قال السائل، لكنا نقول: استقراء لفظ طهور في عرف اللغة إنما يُطلَق (١) على ما يُتطهَّر به، فهو اسمٌ للآلة التي تَفعلُ [بها] (٢)، كالبَخور، والسَّحور، والغَسول؛ [اسم] (٣) لما يُتبخَّرُ به، ويُتسحَّرُ به، ويُغتسَلُ به، فصار كاللقب على ذلك، لا لأصل بنائه فقط، ويدلُّ عليه قوله ﷺ : "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسجداً وطَهوراً" (٤)، ثم أشار إلى الاستدلال بكونه جوابًا. وأقول: أما الوجهُ الأول الذي ذكره (٥) القاضي ﵀ فتقريرُه: أنَّ الطَّاهريةَ من حيثُ هي، لا تقبلُ التعدد الشخصي (٦)،

стр. 215

والتكرار من (١) لوازم الصيغة الزائدةِ (٢) على أصل الفعل، وإذا (٣) لم يثبت بالنسبة إلى الطاهرية، وجب أن يثبت بالنسبة إلى أمر آخر، وهو ما ادَّعيناه. ومما يرِدُ عليه: أنه إثباتُ للغة من غير طريق النقل، بل قد يُدَّعَى أنه خلافُ نصِّ أهلِها، إذا سَلِم للسائل أن هذه الصيغةَ لازمةٌ في اللازم ومتعديةٌ في المتعدي، وربما يدَّعي الخصمُ أن تلك الزيادة إنما تثْبُت حيثُ يمكن، وما لا يمكن منه لا يَثبُت، والنظائرُ المذكورة من الصَّبُور والقتول (٤) ممكنٌ فيها ذلك، فيثبت، والطاهرية غيرُ ممكن فيها ذلك، فلا يثبُت. والحاصلُ: أنَّ القاضي يدعي أن الوصفَ الزائدَ من لوازم الصيغة التي لا ينفكُّ عنها، ويثبت في كل المحالِّ، ويستدل على لزومها للصيغة بالأمثلة المذكورة. وللخصم أن يدَّعيَ أنها (٥) ليست من اللزوم (٦) إلا (٧) حيثُ
следующие страницы →