← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

بالحجارة، وفي الحديث: "إذا استجمرْتَ فأوتِرْ" (١)؛ أي: خذْ وِتْرَكَ من الحجارة، انتهى. وجعل الراغبُ أصلَ النجاء الانفصالُ من الشيء، ومنه: نجا فلان من فلان، وأنجيته، ونجَّيته، وجعل منه النَّجاةَ (٢)، والنجوةُ: المرتفع المنفصل بارتفاعه عمَّا حولَه، وقيل: سمي لكونه ناجياً من السَّيل، ونجَّيتُه: تركتُه بنَجْوة، وعلى هذا قوله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، ونجوتُ قِشرَ الشجرة، وجلدَ الشاةِ؛ لاشتراكهما في ذلك، قال الشاعر [من الطويل]: فقُلتُ انْجُوَا عنها (٣) نَجَا (٤) الجِلدِ إنَّهُ ... سيُرضِيكُما منها سَنَامٌ وغارِبُهْ (٥) (٦)

стр. 1507

وناجيته: سارَرْتُه، وأصله: أن تخلوَ به في نَجوةٍ من الأرض، وقيل: أصله من النجاة (١)، وهو أن تعاوِنَه على ما فيه خلاصُه، أو أن تنجوَ بسرِّك (٢) من أن يطلع عليه، وتناجى القوم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩]، وذىَ آياتٍ في هذا المعنى. والنَّجِيُّ: المناجي، يقال للواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وانتجيتُ (٣) فلاناً؛ [أي] (٤): استخلصته لسِرِّي. وأنْجَى فلانٌ: أتى (٥) نَجْوةً، وهم في أرضِ نجاةٍ؛ أي: في أرض تُستنجَى منها (٦) العِصِيُّ والقَسِيُّ، والنّجَاء: عيدان قد قُشِرت. وذكر الراغب عن غيره (٧): نَجوتُ فلاناً: استنكهُته، قال: واحتج بقول الشاعر [من الوافر]:

стр. 1508

نَجَوْتُ مُجاهداً وشممْتُ منهُ ... كريحِ الكلبِ ماتَ حديثَ عهدِ (١) قال: فإن يكنْ (٢) حمله (نجوت) على هذا المعنى من أجل هذا البيت، فليس في البيت حجة (٣) له، وإنما أراد: أنني ساررْتُهُ فوجدت من بَخَرِهِ ريحَ الكلب. قال الراغب: وكُنَّي عما يخرج من الإنسان بالنَّجْوِ. وقيل: شَرِبَ دواءً فما أنجاه؛ أي: ما (٤) أقامه. ثم قال: والنَّجْاةُ - بالهمز -: الإصابة بالعين، قال: وفي الحديث: "ادفَعُوا نَجْأةَ السَّائلِ باللُّقمةِ" (٥). الثالثة عشرة: قد فُسِّر انتقاصُ الماء بالاستنجاء، وفي [معنى] (٦)

стр. 1509

انتقاصِ الماء بالنسبة إلى الاستنجاء وتفسيره به خفاءٌ. الرابعة عشرة: المعروف في هذه اللفظة (١) أنها بالقاف والصاد المهملة، وذكر ابن الأثير أنه رُوي: انتفاص - بالفاء والصاد المهملة -، وقال في فصل الفاء: قيل: الصواب أنها بالفاء، قال: والمراد (٢): نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح (٣) الدم القليل نُفصَةٌ، وجمعها: نُفَص (٤). ذكر ذلك عن (٥) ابن الأثير أبو زكريا النووي ﵀، وقال: وهذا الذي نقله شاذٌّ، والصواب ما سبق (٦)، انتهى، والله أعلم. الخامسة عشرة: إذا بنينا على المشهور، فقد فسَّره وكيعٌ بالاستنجاء (٧). وقال أبو عُبيد (٨): معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره (٩).

стр. 1510

وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: "الانتضاح" (١) بدلَ "انتقاص الماء". وذكر بعضهم قال: قال الجمهور: الانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماء قليل بعد الوضوء؛ لينفيَ عنه الوسواس (٢). وقيل: هو الاستنجاء [بالماء] (٣)، والله أعلم (٤). * * * * الوجه الخامس: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: إسقاطُ التاء من "عشر" مُصيَّرٌ إلى معنى الخصلة والخصال، ولو أثبتت لكان مُصيَّراً إلى الفعل والأفعال. الثانية: (من) في: "عشر من الفطرة" (٥) للتبعيض، وهو يقتضي: أن الفطرةَ لا تنحصر فيها (٦). وقد ورد في حديث أبي هريرة الذي رواه يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الفطرةُ خمسٌ: الاختتانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشاربِ،

стр. 1511

وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ" (١). وفي رواية سفيان، عن الزُّهري بسنده: "الفطرة خمسٌ، أو خمسٌ من الفطرة: الختانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفار، ونتفُ الأبط، وقصُّ الشاربِ" (٢). فهذه ثلاثُ روايات: إثباتُ (٣) (من)، وحذفُها، والشكُّ في ذلك. فأما ما وقع من الشك والاختلاف في رواية الزُّهري بين يونس وسفيان، فيُردُّ إلى الرواية الأخرى التي (٤) أُثبت فيها لفظة (من). وأما الرواية التي فيها: "الفطرة خمس" فظاهرها يخالفُ ما في هذه الرواية من إثبات (من)؛ لما تقتضيه الألف واللام من الحصر، لكن يظهر أن دلالة (من) على التبعيض أقوى من دلالة الألف واللام على الحصر، مع ما وقع من الشك في تلك الرواية، والاتفاق على إثباتها هاهنا (٥). الثالثة: الاستنجاء ممدود، والهمزة فيه منقلبة عن واو أصلية؛ لما بيَّنا أنه من (النجو)، وانقلابها همزة على (٦) القاعدة في قلب الواو

стр. 1512

والياء إذا وقعتا طرفاً بعد ألف (١) زائدة؛ ككساء، ورداء، وبكاء. الرابعة: الاستنجاءُ مصدر استنجى، واستنجى: استفعل، وهذه الصيغة - أعني: استفعل - تَرِدُ لمعانٍ: أحدها: طلب الفعل واستدعاؤه؛ كاستخبز، واستطعم، واستسقى، واستفهم؛ أي: طلب أن يخبزَ (٢)، ويُطعَمَ، ويُسقَى، ويُفهَم، واستخرج؛ أي: طلب إليه أن يخرج، واستحقه؛ أي: طلبَ حقه. وثانيها: أن تكون بمعنى: وَجدتُهُ [كذلك؛ كاستجدته واستكرمته؛ أي] (٣): وجدته جيداً كريماً. وثالثها: أن تكون بمعنى التحوُّلِ من حال إلى حال؛ كاستنوقَ الجملُ. ورابعها: أن تكون بمعنى: تفعَّلَ؛ كتكبَّرَ واستكبر، وتيقَّنَ واستيقن، وتعظَّمَ واستعظم، وتثبَّتَ واستثبت (٤)، وفي هذا معنى تناولِ الأمر شيئاً بعد شيء. وخامسها: أن يكون بمعنى: فَعَل؛ كاستقرَّ وقرَّ. واستنجى من هذه المعاني تكون من القسم الأول، إلا أنا إذا

стр. 1513

أخذناه (١) من (النجو)؛ بمعنى (٢): المرتفع من الأرض، فليس المعنى عليه؛ لأنه يكون معناه: طلبت النجوَ؛ كما يقال (٣): تغوَّط: طلب الغائط، والاستنجاءُ يستعمل بمعنى الإزالة، لا بمعنى طلب المكان لقضاء الحاجة. وذكر الراغب: أن الاستنجاءَ: تحري إزالة النجو، أو طلبُ نجوةٍ لإلقاء الأذى؛ كقولهم: تغوَّطَ إذا طلبَ غائطاً من الأرض، أو طلب نجوة، أو قطعة مَدَرٍ؛ لإزالة الأذى؛ كقولهم: استجمر، إذا طلب جِماراً؛ أي: حجراً (٤). فإن أراد أنه يصحُّ أن يقال: استنجى؛ بمعنى: طلب النجو؛ لإزالة الحاجة، نظراً إلى الاشتقاق، فهذا خارج عن عُرف الاستعمال الشرعي والعادي. وإن أخذناه من (النجو)، الذي هو الحدث، فيحتمل أن يكون معناه طلب النجو لإزالته، فيوافق الاستعمال عرفاً وشرعاً، [ويطابق المراد بالحديث] (٥). * * *

стр. 1514

* الوجه السادس: في شيء من المعاني والبيان سوى ما تقدم، وفيه مسائل: الأولى: سيأتي ذكرُ تفسيرِ الفِطرة بالسنة عند من فسَّرَه بذلك، وعلى هذا ففيه حذفُ مضاف تقديره: عشر من خصال السنة، أو المِلة، أو ما أشبه ذلك. الثانية: هذه الخصال؛ بعضُها يتعلَّقُ بما ليس في الإنسان منه إلا شيء واحد، وبعضها بما في الإنسان منه أشياء، أو شيئان، فعُبِّرَ عمَّا في الإنسان منه شيء واحد بلفظ الإفراد، وعبر عن القسم الآخر بلفظ الجمع، فقيل في الأول: قص الشارب، وإعفاء اللحية، وقيل في الثاني: قص أظفار، وغسل البراجم، وأما ما في الإنسان منه اثنان؛ كالإبط، فإنه ذكر بلفظ الإفراد، فقيل: نتف الإبط، ولم يذكر بالتثنية. الثالثة: هذه الخصالُ تتعلق بها مصالحُ دينية ودنيوية؛ أما الدنيوية: فترجع إلى جنس التحسينات، والتزيينات، وحسن الهيئات، والنظافة. وأما الدينية: فكما سنذكر ذلك مُفصَّلًا إن شاء الله تعالى (١). الرابعة: فائدة قص الشارب: تحسينُ الهيئة، وتحصيل النظافة مما لعله يتعلَّقُ (٢) به من الأدهان، [والأضار] (٣)، وما له التصاق بما

стр. 1515

يتصل به؛ كالعسل، والأشربة، ونحوها، ومخالفةُ شعار الأعاجم، ففيه المصلحتان معاً. الخامسة: إعفاءُ اللحية وتوفيرُها قيل: كان من عادة الفرس قصُّ اللحية، فنهى الشرع عن ذلك (١). قلت: وهذه مصلحة دينية. وأما من المصالح الدنيوية: فتحسينُ الهيئة لما في اللحية من الأُبَّهةِ والجمال. السادسة: والسواك فيه استعمالُ السنة، وتطييب الفم لمناجاة الله تعالى، ورعاية حق الملائكة، وحق عباد الله الآدميين، في إزالة (٢) ما يتأذَّون به، وكلُّ هذه مصالح شرعية. وفيه حسن هيئة الإنسان، وزوال ما يُستكرَه من الروائح. السابعة: استنشاق الماء واستنثاره، فيه إزالةُ ما لعلَّه اجتمع فيه من المُخَاط والفضلات المستقذرة، وقد ينعقد بعضها، ويدخل اليُبْس، فيليِّنه الاستنشاق، ويسهل خروجه. وقد يكون فيه ما يُكره ريحه، فيدخل في باب الإحسان إلى المخالطين للإنسان، ممن يتأذى به، ويرجع إلى أمر ديني. وأيضاً فإذا حملنا قوله ﵇: "فإنَّ الشيطانَ يبيتُ على خَيَاشيمِه" (٣) [على ظاهرِ] (٤)، ففيه غسلُ محل الشيطان، وتنزيلُ ذلك

стр. 1516

منزلةَ الأنجاس والأقذار الحِسية، وذلك مؤثِّرٌ في شدة التنفير عن مثل ذلك. وقد ورد نضحُ بيتٍ عُبدتْ فيه الأوثانُ بالماء، ولعلَّه - والله أعلم - لهذا المعنى؛ تنزيلاً للآَثار المعنوية منزلةَ الأنجاس الحسية في البعد عنها، ومحو آثارها. وإن حملناه على المجاز على طريقة نسبة الأمور المكروهة إلى الشيطان، رجع إلى النوع الأول، وهو التطهيرُ من المستقذرات. الثامنة: قص الأظفار فيه من المصالح الدنيوية: تحسين الهيئة، ومن المصالح الدينية: الاحتياط للطهارة؛ أعني: طهارة الحدثِ والخَبَثِ، مما لعله يحتبسُ تحتها من الأنجاس (١) المانعةِ وصولَ الماء إلى ما تحتها، فإن انتهى إلى حالا يُسامح به؛ كالخارج عن المعتاد، فذلك من الواجبات في الطهارة، وإن لم ينتهِ إلى ذلك فهو من باب الاحتياط المندوب إليه، وقد ورد التنبيه على هذا في حديث؛ يعني (٢): إزالة ما لعله يمنع من الطهارة. وأمّا طهارة الخَبَث فيما لعله يعلقُ تحتها من النجاسة التي يضطر الإنسان إلى مباشرتها بيده. ومن المصالح الدينية أيضاً: إزالة ما لعله يشبه هيئة البهائم ذوات المخالب من الطير، وغيره من السباع، وهذا أيضاً معنى مُعتبرٌ في

стр. 1517

الشرع؛ كالنهي أن يبسطَ ذراعيه في السجود كالكلب، وورود التنبيه أيضاً على هذا المعنى في حديث (١). التاسعة: غسل البراجم: هي مطاوٍ تَحبِسُ ما لعله يحصل فيها من الأجرام، أو الأدهان السَّهْكة (٢)، فتحصل النظافةُ والاحتياطُ للعبادة؛ كقص الظفر، ولكنه بالنسبة إلى الاحتياط للعبادة أضعفُ رتبةً من الأظفار. العاشرة: الإبطُ محلُّ اجتماع الرائحة المُستكرهَة (٣)، وفي نتف

стр. 1518

الشعر منه إضعافٌ (١) له إذا نبت بعد ذلك، [ولذلك] (٢) فإن الأطباء يأمرون مَنْ قَصَدَ تقوية الشعر له وتغليظه بالحلق، وفي ضعفه تقليلُ الرائحة المكروهة؛ لقلَّةِ الاحتباس في المسامِّ عند ضعف شَعْرَته، ووجودِ الاحتباس المتعفِّن عند غلظ شَعْرته، ففيه نظافةٌ، وإحسانٌ إلى المخالطين، وتركُ سبب الأذى للمقارنين. الحادية عشرة: وحلق العانة فيه التنظيفُ مما يُكرَهُ عادةً، وفيه الإحسانُ لمن يُباشَرُ بالنكاح من المرأة والرجل جميعًا، وهو آكد في المرأة، ولذلك استمرت العوائد به في الإسلام والجاهلية وسائر الأمم السليمة (٣) الطباع، ولذلك [يقول] (٤) بعض العرب كما حكيناه لمن عرَّضه غيره للقتل: أَجِرْ لي سَرَاويلي فإني لم أستعنْ (٥)؛ هرباً من أن يظهر عليه بعد الموت ما يَقبحُ النظرُ إليه ويفحش، وهذا من طباع العرب الفاضلة التي تحافظ عليها بعد الموت. الثانية عشرة: في المضمضة إزالةُ الخلوف المتعلق بالأسنان واللسان، وتطهيرُ الفم للمناجاة، ورعايةُ حقِّ من يتأذَّى بالخلوف. الثالثة عشرة: إذا فسر انتقاص الماء بالاستنجاء، فالمصلحة

стр. 1519

الدينية [فيه ظاهرةٌ] (١)؛ لإزالة الروائح التي يتأذى بها من يلابسُ غير المزيل لها، ولا سيَّما المجامع؛ لما توجبه [من] (٢) النفرةِ عن الفَضْلة (٣) التي بلغت المبلغ العظيم في الاستقذار. الرابعة عشرة: إذا كان الاستنشاق والاستنثار بمعنى واحد؛ كما حكيناه عن بعضهم، فلفظ الاستنشاق دالٌّ عليهما؛ أعني: على الجذب والدفع. وإن كانا (٤) مختلفي المعنى - على ما نختاره - فيحتمل أن يقال: إن الاستنشاقَ يلزمه الاستنثار، فاكتُفيَ بذكر الاستنشاق، الذي هو الجذبُ، عن الاستنثار، الذي هو الدفع؛ لأنَّ الماءَ لا يمكن مقامُه في الأنف. والأقرب أنَّ الأمرَ بالاستنشاق لا يَستلزمُ (٥) الأمرَ بالاستنثار؛ لأن في لفظ الاستنثار دلالة على تعمُّلٍ وتفعُّلٍ، وليس هو مُجرَّد نزولِ الماء [فيه] (٦)، فيؤخذ الأمر بالاستنثار من الحديث الصحيح: "منْ توضَّأَ (٧)

стр. 1520

فلْيستنثِر" (١)، وفي ذلك ما يدل على طلب تحصيل أمر يقتضي زوالَ ما لعلَّه علق بالأنف مما يُحتاج إلى إزالته، ولا يكفي فيه مُجرَّدُ نزولِ الماء. الخامسة عشرة: هذه التزيينات للخلقة، ونفي ما تنبو الطباعُ عن رؤيته تحسينٌ للظاهر (٢)، ولعلك أن تفهمَ إشارةً إليه من قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] فإنه يناسب الأمرَ بما يزيد في هذا، والإبعادَ لما ينافيه ويشوهه، وكأنه يقال: قد حسَّنتُ صورَكم فلا تشوِّهوها بما يُقَبِّحُها. ويدخل هذا في جميع التحسينات التي ندب إليها الشرع، ونحن لا نخص قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] بالظاهر فقط، فإن الإحسانَ في التصوير راجعٌ إلى الصورة الظاهرة والباطنة معاً، ولعلك أيضاً أن تفهمَ مثل هذا المعنى من قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فإن إبقاء ما يشوِّهُ الخلقة ويقبحها تغييرٌ لها من وجهٍ؛ كونُهُ تغييراً لحُسنها، ونبَّه على هذا ذمُّ المغيِّرات لخلق الله (٣)، والله أعلم.

стр. 1521

السادسة عشرة: قد قدمنا بعض ما يتعلَّقُ بالخصال المذكورة في الحديث من المصالح الدنيوية والدينية (١)، ونتكلم الآن في أعم من هذا، وهو بعض ما يتعلق من المصالح بمطلق الزينة؛ لأنه يتناول هذه الخصال المخصوصة لتناوله الأعم منها، فنقول: حُسْن الظاهر عنوانُ حسن الباطن كثيراً، ومن هاهنا نشأ علم الفِراسة، وهو الاستدلالُ بالخِلْقة (٢) على الأخلاق، وقد قيل: قَلَّ صورةٌ حسنة تتبعها نفس رديئة، وحُكي أن المأمون استعرض جيشاً فمرَّ به رجل قبيح الوجه، فاستنطقه فرآه ألكنَ، فأمر بإسقاطه، وقال: إنَّ الروحَ إذا كانت طاهرةً كانت صبَّاحةً، وإذا كانت باطنة كانت فضَّاحةً، وأراهُ لا ظاهرَ له، ولا باطنَ. فجميع (٣) التحسينات الظاهرة وجمال الهيئة دالةٌ على خلق النفس، وعلى الصفة التي يشير إليها حسن الظاهر، فإذا بدا الإنسان في الهيئة الجميلة كان سبباً لقَبول (٤) رأيه عليه (٥)، وانبساطِ نفسه إليه، وكان ذلك وسيلةً إلى تحصيل المصالح التي يَحتاج تحصيلُها إلى

стр. 1522

التعاونِ، والتضافرِ، والأُلفةِ بين الناس، وقد رأيتَ تعظيمَ الشريعة للألفة، وتنفيرَهَا عن الفرقة؛ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهذا من المصالح الدنيوية بالذات، وإن كان يؤول من وجهٍ (١) إلى المصالح الدينية. السابعة عشرة: حسنُ الهيئة يؤدي إلى قبولِ قول مَنْ حَسُنتْ هيئته، وجَمُلت حالته، وامتثالِ أمره من أرباب الأمر؛ كالسلطان، والحاكم، والمفتي، والخطيب، والواعظ، فيعود ذلك إلى مصالح دينية. وإذا بدا الإنسانُ بالهيئة القبيحة دلَّ على سقاطةِ [نفسه] (٢)، والصفةِ التي ينشأ عنها ذلك القبح، فربما نشأت عن ذلك نُفرةٌ بالظاهر والباطن جميعاً، ففاتت مصالح القبول، وحصلت مفاسد النفرة، وكان مالك ﵀ مُعتنيا بحسن (٣) الهيئة، ولا سيَّما عند رواية الحديث، وقد أنتج ذلك حسنَ القبول وقوةَ الرغبة. الثامنة عشرة: اعتنى بعضُ المتأخرين من أكابر صوفية المغرب بالجمعِ بين معنى الحديث ومعنى الكتاب، وانتزاعِ معاني الحديث من القرآن الحكيم، مثل ما قال في قوله ﷺ : "منَ الكبائرِ شتمُ الرجلِ والديه" قالوا: يا رسولَ الله! [هل] (٤) يشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: "نعم،

стр. 1523

يسبُّ أبا الرجلِ فيسبُّ أباه، ويَسُبُّ أمَّه فيسُبُّ أمَّه" (١)، فقال في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ومثل قوله ﷺ : "من قتلَ نفسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيامة" (٢)، وفي هذا المعنى: "من قتلَ نفسَهُ بحديدةٍ، فحديدتُهُ في يده يتوجَّأُ بها في بطنِهِ في نارِ جهنمَ خالداً مُخلَّداً فيها أبداً" (٣)، وكذلك: "من شربَ سُماً، ومن تردَّى من جبلٍ" (٤)، فقال: في قوله : ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٥]، وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. ومثل ما قال: قوله ﷺ : "إنِّي لأعطي الرجلَ، وغيرُه أحبُّ إليَّ

стр. 1524

منْهُ" (١)، فقال: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]؛ إلى آخر المعنى. ومثل ما قال في قوله ﷺ : "المؤمنُ يأكلُ في معيٍّ واحد، والكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاء" (٢)، فقال في ظاهر قوله الحقِّ ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، وفي مفهوم قوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. وذكر (٣) كلاماً آخر، ولما ذكرَ خصالَ الفطرة وعدَّدها جعله في قوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. التاسعة عشرة: للصوفيةِ، ومن نحا نحوَهم، وصفا صفوهم (٤) نظرٌ في [الأحكام والأفعال بالنسبة إلى ردِّها لمعاني الصفات

стр. 1525

والأسماء؛ كما يقال في] (١) مصائب الدنيا وآفاتها، وشديد الموت وآلامه، والبرزخ، وشدائد المحشر (٢)، وعذاب جهنم؛ وفي الأحكام القتل، والقطع، والضرب، والحبس، والتكاليف الشَّاقَّة، والمنع من ملاذ النفوس: كلُّها راجعٌ إلى صفةِ الجلال والأسماءِ الدّالةِ عليها؛ كالقهار، والغني، والعظيم، والجليل، والمنتقم، والملك، والقوي المتين، والقادر، ومالك الملك، [و] (٣) ذي الجلال والإكرام. وكما يقال في اللذات الدنيوية؛ البدنية، والعقلية، المبهجة (٤) للأنفس، والثناء الجميل للمؤمنين، والبشارة لهم، وتخفيف التكليف، ووضع الآصار، ونعيم الجنة، وما أعد الله فيها لأوليائه، وجودة الفراغ والفهم (٥)؛ وفي الأحكام الشرعية الزكاة، والمواساة للمضطرين، والحث على الصدقات، والعتق، والوفاء بالنذور المصروفة إلى المساكين: كلُّ ذلك يرجع إلى صفة الجود (٦) والأسماءِ الدالة على ذلك؛ كالجواد، وواسع العطاء، والكريم، والوهاب،

стр. 1526

والرزاق، والفتاح، والباسط، والرافع، والمُعزِّ، واللطيف، والحليم، والبَرِّ. وبهذا الاعتبار يُنظر في هذه الخصال العشر، وإلى ما (١) يرجع [إلى] (٢) شرعيتها وندبيتها من الصفات والأسماء الدالة عليها، فنقول: يرجعُ ذلك إلى صفة الجمال والأسماءِ الدالة على ذلك؛ كالقدوس، والسلام، والمتعال (٣)، وأخصُّ من ذلك الجميل، وقد ورد به الحديث الصحيح: "إنَّ اللهَ جميل يحبُّ الجمالَ" (٤). والأغسال المسنونة، واجتناب أواني المشركين، ومن تَكْثُر مُلابَستُهُ للنجاسة، ومن هذا القَبيل في الأحكام: طهارتا (٥) الحدث والخبث، والتطيّبُ حيثُ يُندبُ إلى ذلك، وتحريم (٦) وطءِ الحائض، وتناولِ النجاسات والخبائث، والوطءِ في الدبر. وقد يكون في الشيء الواحد جهتان تمكِّنُ ردَّه (٧) إلى صفتين

стр. 1527

مختلفتين؛ كالحدود والكفارات؛ يمكن ردُّها إلى اسم المنتقم بحسب ظاهرها، ويمكن ردها إلى العدل؛ لأنها مقابلة الجنايات، ويمكن ردّها إلى معنى التطهير واسم الجمال؛ لأنها كفارات لأهلها، ويمكن ردها إلى معنى الرحمة واسم الرحمن الرحيم؛ لأنها إزالة لما (١) يوجب العقوبة. العشرون: قد رددنا هذه الأحكام إلى صفة الجمال التي هي في حق الله تعالى بمعنى: نفي النقائص، وقد اختلفوا في تفسير الجميل في حق الله تعالى سوى ما قدّمناه (٢).

стр. 1528

الحادية والعشرون: نُقل عن بعضهم أنه قال: أرجى آيةٍ في كتاب الله آية الدين، وأخذَ ذلك من حيث عناية الله تعالى بإرشاد العباد إلى مصالحهم حتى انتهت إلى كتابة الدين الصغير والكبير، وبمقتضى ذلك يُرجى العفوُ عنهم؛ لظهور أمر العناية العظيمة حتى بالمصلحة الدنيوية الحقيرة.

стр. 1529

وبهذا الاعتبار يمكن أن يقالَ في إرشاده تعالى إلى هذه الخصال التي هي في مرتبة التحسين والتزيين للهيئة الظاهرة، وبروزها فيما تَقبله النفوس، وتُقبل عليه القلوب، مثلُ هذا. الثانية والعشرون: في هذا الحديث من أنواع البديع نوعُ المُطابقة وهو اشتمال الكلام على الضِّدين على الاصطلاح المشهور، وذلك [في] (١) قوله ﷺ : "قصُّ الشارب وإعفاءُ اللحية"، فإن الإعفاءَ ضدُّ القص. وأما حديث ابن عمر ﵄ في هذا عن النبيِّ ﷺ : "أحفُوا الشواربَ، وأعفُوا اللِّحى" (٢)؛ وسيأتي ذكره عند الكلام على التعارض بين القص والإعفاء، وكذلك روايته عن النبي ﷺ : أنه أمرَ بإحفاءِ الشواربِ، وإعفاءِ اللحى (٣)؛ وكذلك الرواية الأخرى في حديثه: "خالفُوا المشركينَ؛ أحفُوا الشواربَ، وأوفُوا اللِّحى" (٤)؛ فإن في ذلك كلِّه مع المطابقة نوعاً من أنواع المُجانسة، فإنها بالنسبة إلى اتفاق الوزن والتركيب واختلافهما أربعةُ أنواع: اتفاق الوزن واتفاق التركيب؛ كالإنسان يراد به إنسان العين، والإنسان يراد به الآدمي. واتفاق الوزن واختلاف التركيب بحرف واحد، وهو ما نحن فيه من: "أحفوا" و "أعفوا"، وكذلك الخيل والخير في لفظ النبي ﷺ :

стр. 1530

"الخيلُ معقودٌ في نواصِيها الخيرُ" (١). واختلاف الوزن واتفاق التركيب؛ كالخَلْق والخُلُق. واختلاف الوزن واختلاف التركيب بحرف واحد؛ كيَحسبون ويُحسنون. وإنما قلنا: بالنسبة إلى اتفاق الوزن والتركيب؛ لأن لهم نوعين في التجنيس وسمّى بعضهم (٢) أحدَهما (٣): العكسَ؛ إما في الكلمات؛ كعادات السادات، وسادات العادات، أو في حروف الكلمة؛ كالبدر والبرد (٤)، و "اللهمَّ استرْ عَوراتِنا، وآمنْ رَوعَاتِنا" (٥). وسمى بعضهم الآخرَ (٦): المجتث (٧)؛ كالأحجار وجار.

стр. 1531

* الوجه السابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قد تقدم أنَّ (من) للتبعيض وأنه لا يقتضي الحصر، والكلام على رواية: "الفطرة خمس". الثانية: ذكر غير واحد أن الفطرةَ: السنةُ، وعن الخطابي أنه قال: ذهب [أكثرُ] (١) العلماء إلى أنها السنة (٢)، وقال الروياني الشافعي (٣) في "البحر": وقوله: من الفطرة؛ أي: من السنة؛ يعني: من سنن الأنبياء الذين أُمرنا بأن نقتديَ بهم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأول من أمر بها إبراهيم ﷺ ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] (٤). الثالثة: إذا فسَّرنا الفطرة بالسنة، فلا ينبغي أن يُحملَ على السنة بالمعنى الذي يُقابلُ به الفرضُ والواجبُ، بل أعم من ذلك وهي طريقة

стр. 1532

الأنبياء [مثلاً] (١)، أو طريقة إبراهيم الخليل ﵇. الرابعة: مقتضى الإطلاق في قصِّ الشارب أن يحصلَ تأدِّي السنةِ بمُسمَّى القص، ولكنه يُعتبر فيه المعنى الذي شُرع لأجله وهو إمّا مخالفة شعار المجوس والأعاجم، أو زوال المفاسد التي تتعلق ببقائه التي يدلُّ الشرع على اجتنابها. الخامسة: [ و] (٢) قد تقدم في المفردات تفسير الشارب، ومن ذكر أنهما شاربان وبتحصُّلِ المسمَّى يحصل تأدِّي السنة، فإنْ صحَّ أنهما شاربان؛ فإمّا أن يتناولَهما الحكم، وإمّا أن ينزَّلَ (٣) على المشهور المتبادر إلى الذهن، وإن كان الوضع اللغوي على خلافه. السادسة: قد ذكرنا أن مسمَّى القص يحصل به تأدي السنة، وأن المعنى يقتضي زيادةً على ذلك، وورد في الصحيح: "أحفُوا الشواربَ" (٤) بهمزه، و "أمرَ بإحفاءِ الشواربِ" (٥)، وظاهره يقتضي زيادةً على ما ذكرناه من مخالفة شعار المجوس وما تزول به المفاسد في طوله، فإن الإحفاءَ مشعرٌ (٦) بالاستئصال، وعن الهروي في تفسيرها جُزُّوها.

стр. 1533

قال الخطابيُّ: ويكون (١) بمعنى الاستقصاء (٢). [يقال: أحفَى شاربه ورأسه، قال ابن دُريد] (٣): يقال: أحفى شاربه يحفوه حفواً: إذا استأصلَ أخْذَ شعرِه، قال: ومنه قوله: "أحفُوا الشواربَ" (٤). [وقريبٌ من هذا في الدلالة على الزيادة على القص: "انهكوا الشواربَ" (٥)] (٦) وهو في الصحيح، وقد قيل به. قال القاضي: وأمّا الشارب فذهب كثيرٌ من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله ﷺ "أحفُوا الشواربَ" و"أنهكوا"؛ وهو قول الكوفيين (٧). السابعة: لم يقلْ مالك ﵀ بالاستئصال، وأغلظَ القول فيه، ففي (٨) كتاب "العتبية" (٩): وسئل مالك عمن أحفى شاربه، قال (١٠): يُوجَعُ ضرباً، وليس حديث النبي بالإحفاء (١١).

стр. 1534

وذَكَرَ من رواية زيد بن أسلم أثراً عن عمرَ ﵁ فيه: وهو يفتل شاربه (١)، [قال] (٢): فلو (٣) كان مملوصاً ما وجد ما يفتل، هذه بدعٌ ظهرت (٤) في الناس. قلت: وقد نُقل عن بعض العلماء التخيير بين الأمرين، وقولُ مالك ﵀: وليس حديث النبي ﷺ بالإحفاء (٥) [يحتملُ وجهين: أحدهما: أن يكون لم يبلغْهُ الحديث فيه. والثاني: أن يكون المرادُ: ليس معنى حديث النبي ﷺ في الإحفاء] (٦) الاستئصالُ، [وهذا] (٧) مُقتضى (٨) ما نقله أبو محمد بن أبي

стр. 1535

زيد المالكي [قال] (١): وسئل مالك عمن أحفى شاربه [فقال] (٢): يوجع ضرباً، وهذه بدعة، وإنما الإحفاءُ المذكور في الحديث قصُّ الإطار وهو طرف الشعر (٣)، وكان عمر ﵁ يفتلُ شاربَه إذا أكربه أمر، فلو كان مملوصاً ما وجد ما يفتلُ منه. وذكر بعضُ المتأخرين من أتباع الشافعي ﵀: أن المختارَ أن يُقصَّ حتى يبدوَ طرف (٤) الشفة، ولا يُحفيه من أصله، وأمَّا روايات: "أحفوا الشوارب"، فمعناها: أحفُوا ما طال على الشفتين والله أعلم (٥). وهذا موافقٌ لما اختاره مالكٌ وأصحابه (٦)، ولا أعلم (٧) هل قاله نقلاً [عن الرافعيّ ﵀ و] (٨) الشافعيِّ وأصحابِه، أو اختياراً منه (٩).

стр. 1536

الثامنة: هل لا تتأدى السنةُ إلا بالقصِّ، أو تتأدى بما يقوم مقامه في الإزالة؛ كما يفعل بعضُهم من قرض ما طالَ من شاربه بأسنانه، وكان مقصوده نعومته، فإن الحديد يخشّنه؟ يحتمل أن يقال بالأول؛ نظرًا إلى [اللفظ، ويحتمل أن يقال بالثاني؛ نظرًا إلى] (١) المعنى، وعلى كلِّ حالٍ فاتِّباعُ لفظ الحديث أولى. التاسعة: الإطلاقُ يقتضي تأدي السنة بالمسمَّى، وذكر بعضُ المتأخرين أنه يبدأ بالجانب الأيمن (٢)، وكأنه مأخوذ من الحديث الذي يأتي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يحبُّ التيمُّنَ في طَهوره إذا تطهَّرَ، وفي ترجُّلِهِ إذا ترجَّلَ، وفي انتعالِهِ إذا انتعَلَ (٣). وليس بهذا بأس؛ لأنه لا تنافيَ في تأدي سنة القص بالمسمَّى أن تكون ها هنا سنةٌ أخرى يُطلب أداؤها وهي التَّيامُنُ. العاشرة: قصُّ الشارب أعمُّ من قص نفسه (٤) له، أو قص غيره

стр. 1537

له، فينبغي أن يتأدَّى المقصودُ بأيّهما كان. وفي كلام بعضهم التخييرُ، فإنه قال: فهو [مخيَّرٌ] (١) بين القص بنفسه وبين أن يوليَ ذلك غيرَهُ؛ لحصول المقصود من غير هَتْك مُروءة ولا حُرمة، بخلافِ الإبطِ والعانة (٢). والأقرب عندي: أن لا يكونَ هذا التخيير بمعنى التسوية بين الأمرين، وأن يترجَّحَ (٣) قصُّه بنفسه على قصِّه من الأجانب الذين ليس بين الإنسان وبينهم حُرمة تقتضي العادةُ المسامحةَ [بذلك] (٤) منهم، ولكنه ترجيحٌ غير قوي. الحادية عشرة: ها هنا تقييدٌ لما يقتضيه الإطلاقُ من استحباب قصِّ الشارب من غير قيد، وهو ما دلَّ عليه الحديث الصحيح عن أمِّ سلمة ﵂: أن النبيَّ ﷺ قال: "إذَا رأيْتُم هلالَ ذي الحجةِ وأرادَ أحدُكمْ أن يضحِّيَ، فليُمْسِكْ عنْ شعرِ، وأظفاره" (٥). وفي كتاب "العتبية" (٦) عن مالك: لا بأسَ بذلك.

стр. 1538

ونقل ابن أبي زيد (١)، عن ابن المسيِّب أنه [قال] (٢): لا بأس بالإطلاق في العشر (٣). قال قاضي الجماعة أبو الوليد بن رُشد - بعد ذكر ما ذكره من الحديث عن أم سلمة ﵂: وإنما لم يرَ مالكٌ بهذا بأسًا؛ لأنه عارضه عنده (٤) حديثُ عائشة ﵂: أنها قالت رداً لقول ابن عباس ﵄: منْ أهدَى هديا حرمَ عليه ما يَحرمُ على الحاجِّ حتى ينحرَ الهدي: ليس كما قال ابنُ عباس، أنا فتلتُ قلائدَ هديِ رسول الله ﷺ بيدي ثم قلدها بيده (٥)، وبعث بها فلم يحرمْ عليه شيء مما أحلَّه الله (٦)، حتى ينحر الهدي (٧). فأحرى أن لا يحرمَ على الذي يريد أن يضحي أو عنده ذبح يريد أن يضحي به شيءٌ.

стр. 1539

فإن (١) قال: معنى حديث عائشةَ أنه لم يحرمْ على رسول الله ﷺ شيءٌ مما أحلَّ الله له من أهله حتى نحر الهدي على ما جاء في بعض الآثار عنها، ويحرمُ عليه ما سوى ذلك من حلق الشعر وقص الأظفار على ما حدَّثتْ (٢) أم سَلمةَ. قلت: ظاهر قول مالك ﵀ أنه لا يكره ذلك، والتعارض الذي أشار إليه القاضي أبو الوليد مشروطٌ بأن يُحملَ النهيُ في حديث أم سلمة ﵂ على التحريم، مع دلالة حديث عائشة ﵂ على الإباحة. وأما إذا حُمل حديثُ أمّ سَلمةَ على الكراهة، وحديثُ عائشةَ على الجواز، فلا تعارضَ في ذلك، وفيه جمع بين الحديثين. هذا على تقدير أن يكون الحديثان يتناولان شيئًا واحداً، وفيه نظر أيضًا؛ لأن حديث أم سلمة ﵂ لم يتناول المباشرة للأهل، وإنما تناول الشعر والظفر، فإذا حُمل حديث عائشة ﵂ على مباشرة الأهل؛ كما جاء في رواية: "لم يحرمْ على رسولِ الله ﷺ شيء مما أحلَّ اللهُ له من أهلِهِ حتى نحرَ الهديَ" واستدللنا بهذا القيد (٣) على مرادها من ذلك [الإطلاق] (٤) لم يجمعا في

стр. 1540

محل واحد، فلا تعارض. ويحتمل أن يكون قولُ مالك: [لا بأسَ] (١) بذلك، نفيُ التحريم الذي لا تناقضه الكراهةُ، ولكنه ليس الأظهر. الثانية عشرة: تخصّ منه حالة الإحرام بنص الكتاب العزيز، والله أعلم. الثالثة عشرة: اختلفوا في قص الشارب وتقليم الأظفار، في حق الميت عند غسله (٢) (٣).

стр. 1541

الرابعة عشرة: ذكر بعض الحنفية: أنه في حق المغازي في دار الحرب: أن توفيرَ (١) شاربِهِ مندوبٌ إليه؛ ليكونَ أهيبَ في عين العدو، فيحصل به الإرهاب والإرعاب، قال: ولهذا لا بأسَ بلبس ثوبٍ لُحمتُهُ حريرٌ، وسَداه غير حرير في الحرب؛ للحاجة إلى تهييب (٢) العدو إلى دفع مَعرَّةِ السيف. وقوله هذا في (٣) الشارب ضعيف (٤). الخامسة عشرة: لا أحفظُ عن أحد من العلماء أنه قال بوجوب قصِّ الشارب من حيثُ هو هو (٥)، وقد ذكرنا عن صاحب "البحر" في تفسير (الفطرة؛ يعني: من السنَّة): يعني: من سنن الأنبياء الذين أُمرنا أن نقتديَ بهم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ

стр. 1542

اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأول من أُمر بها إبراهيم - صلوات الله عليه -، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. فمقتضى (١) هذا الكلام [أن] (٢) نكونَ مأمورين باتّباعِ إبراهيم ﵇ في هذه الأشياء، والمراد بالابتلاء بالكلمات فعلُ مدلولها، وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ مفسَّرٌ بأنه أدَّاهن تامَّاتٍ غيرَ ناقصات، فإذا كان إبراهيم ﵇ قد فعلهن وأتمهن، وقد أُمرنا باتباعه كان ذلك مثلَ ما استدلَّ الشافعية - أو من استدل منهم - على وجوب الختان بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وإبراهيم ﵇ قد اختتن بالقَدُّوم (٣)، والأمر للوجوب فيجب الختان، وسيأتي الكلام على هذا [فيما] (٤) بعد في هذا الباب [إن شاء الله تعالى] (٥). وإذا كان هذا الاستدلال مُساويًا لذلك مع افتراقهما في الحكم؛ حيث وجب أحدهما وهو الختان؛ واستُحبَّ الآخرُ وهو قص الشارب وغيره، فأحد الأمرين لازم؛ إما بطلان هذا أو بطلان ذاك. هذا بالنظر إلى الشيء من حيث هو هو، وأما مع النظر إلى

стр. 1543

الموانع والشرائط الزائدة، والجدليات؛ فلا يمنع أن يفرَّقَ بينهما. ويمكن أن يقال: إن الاستدلالَ في أمر الختان أقوى من هذا؛ لأن الاستدل الذي الأمرين ينبني على مقدمتين: إحداهما: الأمر باتباع ملة (١) إبراهيم ﵇. [و] (٢) الثانية (٣): أنه ﵇ فعل ذلك. فأما الأمر بالاتباع فبالقرآن الكريم، وأما أنه فعلَهُ فبالحديث الصحيح. وأما في هذه الخصال فإنه يُحتاج إلى مقدمتين أُخريين: إحداهما: أن المرادَ بالكلمات: هذه الخصالُ، وهو يفتقر إلى دليل نقليٍّ يقوم عليه، فإنَّ الكتاب العزيز ليس بمصرِّح بها، وإنما ذكر الابتلاء بكلمات من غير بيانٍ لهنَّ. والثانية (٤): أن يكون المراد بـ (أتمهن): فعلهن. وقد تشغب في المقدمتين مُشغِّب، إلا أن الواحديَّ ﵀ ذكر أن [أكثر] (٥) المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والتي (٦)

стр. 1544

في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقف الإبطين (١). [قال الواحدي] (٢): قال عطاء عن ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي! أن (٣) تطهَّرْ، فتمضمضَ، فأوحى الله إليه أنْ تطهَّرْ، فاستنشق فأوحى الله إليه أن تطهر، ففرق شعره فأوحى الله إليه أن تطهر فاستاك، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فاستنجى، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فحلق عانته، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأخذ من شاربه، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فنتف من إبطه، فأوحى الله إليه أن تطهر، فقلَّم أظفاره، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع؟ فاختتن بعد عشرين ومئة سنة (٤)؛ أو كما قال. فكونُ أكثر المفسرين على هذا يضعف التشغيب في المقدمة

стр. 1545

الأولى، وبعدَ غلبة الظنِّ بها يضعف التشغيبُ أكثر في أن المراد ب (أتمهن) فعلهن. وهذا (١) الإلزام الذي ذكرناه في حقِّ من يسلمُ أنَّ الكلماتِ الخصال، ويستدل في مسألة الختان بذلك الدليل أقوى منه في حق من لا يقول بذلك (٢). السادسة عشرة: قد ذكرنا في معنى الإعفاء التكثير، وهو التوفير لتكثُرَ، وهو معنى (٣) "أوفوا" في الرواية الأخرى؛ أي: اجعلوها وافية، فالأمر بالإعفاء من باب إقامة المسبب في الأمر مقامَ السبب؛ لأن ترك قصها سببٌ لكثرتها، فوُضِعَ إعفاؤها وهو المسببُ موضعَ تركِ قصها، وهو السبب. وإن صحَّ أن يكون إعفاؤها من باب: أعفيت فلانًا من كذا؛ أي: تركته من طلبه منه، أو ما يقرب منه، فيكون الإعفاءُ بمعنى: ترك قصها، فلا (٤) يكون من باب إقامة المسبب [مقامَ السبب] (٥). السابعة عشرة: لم نعلمْ أنَّ أحدًا ذهب إلى أن "أعفوا اللحى" إذا كان بمعنى كثِّروها وأوفوها؛ أنه يدخل تحته معالجتُها بما يُنبت الشعرَ أو يطوِّلُه؛ كما يفعله بعضُ من ينتمي إلى التصوف من المتأخرة، وإن
следующие страницы →