← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الرابعة عشرة: ذكر بعض الحنفية: أنه في حق المغازي في دار الحرب: أن توفيرَ (١) شاربِهِ مندوبٌ إليه؛ ليكونَ أهيبَ في عين العدو، فيحصل به الإرهاب والإرعاب، قال: ولهذا لا بأسَ بلبس ثوبٍ لُحمتُهُ حريرٌ، وسَداه غير حرير في الحرب؛ للحاجة إلى تهييب (٢) العدو إلى دفع مَعرَّةِ السيف. وقوله هذا في (٣) الشارب ضعيف (٤). الخامسة عشرة: لا أحفظُ عن أحد من العلماء أنه قال بوجوب قصِّ الشارب من حيثُ هو هو (٥)، وقد ذكرنا عن صاحب "البحر" في تفسير (الفطرة؛ يعني: من السنَّة): يعني: من سنن الأنبياء الذين أُمرنا أن نقتديَ بهم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ

стр. 1542

اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأول من أُمر بها إبراهيم - صلوات الله عليه -، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. فمقتضى (١) هذا الكلام [أن] (٢) نكونَ مأمورين باتّباعِ إبراهيم ﵇ في هذه الأشياء، والمراد بالابتلاء بالكلمات فعلُ مدلولها، وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ مفسَّرٌ بأنه أدَّاهن تامَّاتٍ غيرَ ناقصات، فإذا كان إبراهيم ﵇ قد فعلهن وأتمهن، وقد أُمرنا باتباعه كان ذلك مثلَ ما استدلَّ الشافعية - أو من استدل منهم - على وجوب الختان بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وإبراهيم ﵇ قد اختتن بالقَدُّوم (٣)، والأمر للوجوب فيجب الختان، وسيأتي الكلام على هذا [فيما] (٤) بعد في هذا الباب [إن شاء الله تعالى] (٥). وإذا كان هذا الاستدلال مُساويًا لذلك مع افتراقهما في الحكم؛ حيث وجب أحدهما وهو الختان؛ واستُحبَّ الآخرُ وهو قص الشارب وغيره، فأحد الأمرين لازم؛ إما بطلان هذا أو بطلان ذاك. هذا بالنظر إلى الشيء من حيث هو هو، وأما مع النظر إلى

стр. 1543

الموانع والشرائط الزائدة، والجدليات؛ فلا يمنع أن يفرَّقَ بينهما. ويمكن أن يقال: إن الاستدلالَ في أمر الختان أقوى من هذا؛ لأن الاستدل الذي الأمرين ينبني على مقدمتين: إحداهما: الأمر باتباع ملة (١) إبراهيم ﵇. [و] (٢) الثانية (٣): أنه ﵇ فعل ذلك. فأما الأمر بالاتباع فبالقرآن الكريم، وأما أنه فعلَهُ فبالحديث الصحيح. وأما في هذه الخصال فإنه يُحتاج إلى مقدمتين أُخريين: إحداهما: أن المرادَ بالكلمات: هذه الخصالُ، وهو يفتقر إلى دليل نقليٍّ يقوم عليه، فإنَّ الكتاب العزيز ليس بمصرِّح بها، وإنما ذكر الابتلاء بكلمات من غير بيانٍ لهنَّ. والثانية (٤): أن يكون المراد بـ (أتمهن): فعلهن. وقد تشغب في المقدمتين مُشغِّب، إلا أن الواحديَّ ﵀ ذكر أن [أكثر] (٥) المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والتي (٦)

стр. 1544

في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقف الإبطين (١). [قال الواحدي] (٢): قال عطاء عن ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي! أن (٣) تطهَّرْ، فتمضمضَ، فأوحى الله إليه أنْ تطهَّرْ، فاستنشق فأوحى الله إليه أن تطهر، ففرق شعره فأوحى الله إليه أن تطهر فاستاك، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فاستنجى، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فحلق عانته، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأخذ من شاربه، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فنتف من إبطه، فأوحى الله إليه أن تطهر، فقلَّم أظفاره، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع؟ فاختتن بعد عشرين ومئة سنة (٤)؛ أو كما قال. فكونُ أكثر المفسرين على هذا يضعف التشغيب في المقدمة

стр. 1545

الأولى، وبعدَ غلبة الظنِّ بها يضعف التشغيبُ أكثر في أن المراد ب (أتمهن) فعلهن. وهذا (١) الإلزام الذي ذكرناه في حقِّ من يسلمُ أنَّ الكلماتِ الخصال، ويستدل في مسألة الختان بذلك الدليل أقوى منه في حق من لا يقول بذلك (٢). السادسة عشرة: قد ذكرنا في معنى الإعفاء التكثير، وهو التوفير لتكثُرَ، وهو معنى (٣) "أوفوا" في الرواية الأخرى؛ أي: اجعلوها وافية، فالأمر بالإعفاء من باب إقامة المسبب في الأمر مقامَ السبب؛ لأن ترك قصها سببٌ لكثرتها، فوُضِعَ إعفاؤها وهو المسببُ موضعَ تركِ قصها، وهو السبب. وإن صحَّ أن يكون إعفاؤها من باب: أعفيت فلانًا من كذا؛ أي: تركته من طلبه منه، أو ما يقرب منه، فيكون الإعفاءُ بمعنى: ترك قصها، فلا (٤) يكون من باب إقامة المسبب [مقامَ السبب] (٥). السابعة عشرة: لم نعلمْ أنَّ أحدًا ذهب إلى أن "أعفوا اللحى" إذا كان بمعنى كثِّروها وأوفوها؛ أنه يدخل تحته معالجتُها بما يُنبت الشعرَ أو يطوِّلُه؛ كما يفعله بعضُ من ينتمي إلى التصوف من المتأخرة، وإن

стр. 1546

كان اللفظ يحتمله على هذا التقدير وكان الصارف عنها أحد وجوه: منها: قرينةُ السياق في قوله ﵇: "قص الشارب [وإعفاء اللحية"، فإنه يُفهَمُ منه مقابلة القص من الشارب] (١) بالإعفاء (٢) في اللحية، ولا مدخلَ للعلاج في هذا، والسياق يُرشد إلى إيضاح المبهمات، وتعيين المحتملات. وثانيها: ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "جزُّوا الشواربَ، وأرخُوا اللِّحى، خالفُوا المجوسَ" (٣)، والمنقولُ عن المجوس قصُّ اللّحى. [و] (٤) ذكر الروياني: أنه كان من زيِّ كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب، فندب ﷺ أمتَهُ إلى مخالفتهم في الزي والهيئة؛ أو كما قال (٥). والمخالفة (٦) في القصِّ بترك ذلك، وليس ذلك بسبيل من المعالجة. وثالثها: العملُ المستمر من السلف الصالح والناس، ولم يُنقل أن أحدًا من الناس المتقدمين المُقتدَى بهم كان يعالج هذا الأمر.

стр. 1547

وأمَّا إذا صحَّ حملُ إعفائها على معنى قَصّها؛ كما قال الشاعر [من السريع]: وكَلَّ مِقْرَاضِي فأعفيتُه (١) فهذا ظاهر في البعد عن معنى المعالجة. الثامنة عشرة: الأمرُ بإعفائها؛ بمعنى تكثيرها أو تركها، يمنعُ من نتفها وحلقها؛ كما يفعله من يريد بقاءَ المُرُودة، وتحسينَ الصورة بعدم اللحية. وقد استثنى بعضهم إذا نبتت (٢) للمرأة لحية، وقال: إنه يستحب لها حلقها (٣)، والله أعلم. التاسعة عشرة: ذكر القاضي عِياض: أنَّ الأخذَ من طولها وعرضها حسن، قال القاضي عياض: ومنهم من كَرِهَ الأخذَ منها إلا في حج أو عمرة (٤). وذكر غيره من المتأخرين عنه: أنَّ المختارَ تركُ اللحية على

стр. 1548

حالها، وأن لا يتعرضَ لها بنقص شيء أصلًا (١). وهذا يتعلق بالألفاظ التي (٢) رويت في هذا المعنى، واختلف فيها الرواة على خمسة [أوجه] (٣): "أعفوا"، و"أوفوا"، و"أرخوا"، و"أرجوا"، و"وفّرُوا"؛ فأما (أعفوا) إذا كان من (كثروا) فيقتضي تركَ الأخذ منها، وكذا إن كان من (اتركوا)، وكذا (٤) (أوفوا)؛ أي: اتركوها وافية، وأما (أرخوا) فيتناول ترك الأخذ من طولها، ولا تعرض له لعرضها، و (أرجوا) - بالجيم - يقتضي التركَ من كلها؛ لأنه من الإرجاء الذي هو التأخير، وكذلك (وفروا). العشرون: ذكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد المالكي [قال] (٥): وسئل - يعني: مالكاً - عن طول اللحية إذا طالت (٦) جداً، فكرهه، قيل: أفَتَرَى أن يؤخذ منها؟ قال: نعم، انتهى. وهذا يخالف ظاهر الحديث في الأمر بإعفائها وغير ذلك مما يقتضي تركها, ولكنه تخصيص بالمعنى؛ لأن المقصود الأصلي بهذه الخصال تحسينُ الهيئة وتجميلها، ونفيُ ما تُكره رؤيتُه منها، وتَنفِر

стр. 1549

الطباعُ منه، فلا يكون ما يقتضي ضدَّ هذا المعنى مما يُستقبحُ في العرف مشروعاً مقصودًا بالأمر الذي عليه ضدُّه، والله أعلم. الحادية والعشرون: ممن أجاز الأخذَ مِن طولها مَنْ حدَّدَ بما زاد على القبضة فيُزال، ومنهم من لم يحدِّدْ شيئًا في ذلك، إلا أنه لا يتركها لحدِّ الشهرة، ويأخذ منها، ذكر ذلك القاضي، قال: وكره مالك طولَها جداً (١). الثانية والعشرون: قد ذكرنا في المفردات عن ابن سيده تحديدَ اللحية وتعريفها: بأنه (٢) الشعر الثابت على الخدين والذقن، فكلُّ ما دخل في حد اللحية فيكون أخذه مخالفًا للحديث؛ كما قيل في أخذ بعض العِذَارِ في حلق الرأس إن كان العِذارُ من اللحية، وكما قيل في نتف جانبي العنفقة. الثالثة والعشرون: قال بعض الشارحين: وقد ذكر العلماءُ في اللحيةِ عشرَ خصال مكروهة بعضُها أشدُّ قبحًا من بعض: إحداها: خضابها بالسواد إلَّا لغرض الجهاد. الثانية: خضابها بالصُّفْرة تشبيهًا بالصالحين لا لاتِّباع السُّنَّة. الثالثة: تبييضها بالكبريت وغيره استعجالاً للشيخوخة؛ لأجل

стр. 1550

الرياسة والتعظيم، وإيهام لقي المشايخ (١). الرابعة: نتفها أوَّلَ طلوعها؛ إيثارًا للمُرودةِ وحسنِ الصورة. الخامسة: نتف الشيب. السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنيعا تستحسنُه (٢) النساء وغيرهن. السابعة: الزيادة فيها، والنقص منها؛ بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العِذَار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنقفة، وغير ذلك. الثامنة: تسريحها تصنُّعا لأجل الناس. التاسعة: تركها شَعِثَة منتفشة (٣) إظهاراً للزهادة وقلة المبالاة بنفسه. العاشرة: النظر إلى سوادها أو بياضها إعجابا [وغرة] (٤) بالشباب، أو (٥) فخراً بالمشيب وتطاولا على الشباب. الحادية عشرة: عَقدُها وضَفْرُها. الثانية عشرة: حلقها إلا إذا نبتت للمرأة [لحية] (٦)، فيُستحبُّ

стр. 1551

حلقها، والله أعلم (١). وكثيرٌ من الأمور لا تعلُّقَ لها بالشرح لهذه الأحاديث، وإنما هي إن ثبتت [ثبتت] (٢) بدلائل خارجة، ويكون ذكرها استطراداً لا شرحًا، و [بعضُها] (٣) يمكن أن يرجعَ إلى الحديث، وقد ذكرنا منه شيئًا (٤)، وبعضها في رجوعه إلى الحديث تكلفٌ شديد، فإن أردته فتكلَّفْه. الرابعة والعشرون: الذين يجيزون الأخذ منها؛ إما مطلقًا أو في حال (٥) الكلام على مذهبهم في التقييد بما عدا عشرِ ذي الحجة، وما ذكرناه مع ذلك كما قلناه في قص الشارب. الخامسة والعشرون: استنشاقُ الماء قد ورد في شرعنا استعمالُهُ في الوضوء، ء واستحبابه عند الاستيقاظ (٦) من النوم، فيحتمل أن يكون [المرادُ] (٧) ها هنا استعمالَهُ في الوضوء بخصوصه (٨) إن ثبتَ أنه (٩) كان في شريعة إبراهيم ﵇، وحُملت الفطرةُ على الخصال التي أُمر بها إبراهيمُ - صلوات الله عليه - وإن لم يثبتْ، فشرعُنا دلَّ على

стр. 1552

الاستحباب في الوضوء. ويحتمل أن يكون المرادُ استعمالَهُ حيثُ يُحتاجُ إليه باجتماع ما يكره اجتماعه في الأنف، ويكون ذكره عند الاستيقاظ من النوم من باب التنبيهِ على ما هو في معناه. ويحتمل أن يكونَ الحكمُ معلقاً بمطلق الاستنشاق، ولا شكَّ أن المطلق يحصلُ عند استحباب هذا المقيد؛ لحصول المطلق في المقيد. السادسة والعشرون: بعضُ العلماء يوجب الاستنشاق في الوضوء، وهو مذهب الإِمام أحمد ﵀ (١)، ودلالةُ الحديث قاصرةٌ عمَّا زاد على مُجرَّدِ الطلبية، فإن أُخذَ الوجوبُ، فَمِن صيغة الأمر به في الوضوء، ويلزم عليه وجوبُه عند الاستيقاظ من النوم؛ لوجود صيغة الأمر فيه، والتفرقةُ بينهما في الحكم - مع اشتراكهما في صيغة الأمر التي هي منشأُ القول بالوجوب - تَحتاجُ إلى دليل يدلُّ على إخراج صيغة الأمر في حالة الاستيقاظ من النوم عن ظاهرها، وإلا فالتحكمُ حاصل إلا أن يبديَ سببَه (٢).

стр. 1553

السابعة والعشرون: استنشاقُ الماء: جذبُه بالخياشم، ومن حيث اللفظ يتأدَّى المطلوب بذلك، وإن أريد تمامُه بالاستنثار فيؤخذ من دليل آخر، وهو الدليل الخاص بلفظ الاستنثار. ولا يُؤخذُ الاستنشاق من الاستنثار على مذهب من يقول: إن الاستنثار من التنزُّه، فيدخل فيه الاستنشاق؛ لأن الاستنثار على ذلك المذهب يدخل تحته الاستنشاق، ولا ينعكس. وكذلك إن أُخذَ زائدٌ على جذب الماء من الفعل الذي يزيل الوسخ المتعلق بالأنف، فذلك يكون بدليل آخر لفظي إن وجد، وإلا فبالنظر إلى المعنى المقصود من التنظيف. الثامنة والعشرون: الفقهاءُ يرَون أنَّ اسم الماء مطلقًا يُحمل على الماء المطهِّرِ الذي لم تتغيَّرْ (١) أوصافُه بما يزيل طهورَّيتَه، وقد ورد ها هنا تعليق الحكم باستنشاق الماء، فعلى [مقتضى] (٢) ما ذكروه: لا تتأدَّى السنة [فيه] (٣) إلا بالماء المطلق، فأما الاستنشاق في الوضوء فظاهر [أنه] (٤) كذلك على ما هو المعلوم عند الفقهاء، فيؤخذ أيضًا الاستنشاق عند الاستيقاظِ من النوم، وأنه لا تتأدَّى السنة فيه إلا بالماء المطهر [من] (٥) مجموع الحديثين:

стр. 1554

أحدهما: هذا الحديث المقتضي لتعلق (١) الحكم بالماء. والثاني: الحديث الدالُّ على طلب الاستنشاق عند الاستيقاظ من النوم (٢). هذا إن كان لفظ (استنشاق الماء) متناولاً لحالة الاستيقاظ من النوم بوجه من الوجوه، وفيه نظر، والله أعلم. التاسعة والعشرون: قد تقدم في السواك مسائلُ عديدة، والذي نقوله ها هنا ما قلناه في الاستنشاق، وهو [أنه] (٣) يُحتملُ أن يكون المراد مطلق السواك، ويتأدَّى ذلك بالأماكن التي يستحبُّ فيها [السواك] (٤)، لكنه لا يدلُّ بنفسه على الخصوص في تلك المواضع. ويحتمل أن يقيَّدَ بالأماكن التي يستحبُّ فيها السواكُ مثل الصلاة والوضوء، وما ذكره الفقهاء مع ذلك؛ كالقيام من النوم وقراءة القرآن وتغيُّر الفم. والأول هو الأظهر. الثلاثون: قصُّ الأظفار مذكور في الحديث، وهو دليل على تأدِّي السنة بالقص. وورد في "الصحيح" من حديث سعيد (٥)، عن أبي هريرة:

стр. 1555

"تقليم الأظفار" (١)، ومن الناس من يقصد إزالة ما زاد من الأظفار بالقَلْم وجعله غيرَ القصِّ بالمقص، ويعتقده السنة فيه، وهذا الحديث يدل على تحصيل المقصود بالقص. وقد ذكر الراغب أن أصلَ القَلم: القصُّ من الشيء الصلب؛ كالظفر، وكَعب الرُّمحِ، والقصب، ويقال للمقلوم: قلم؛ كما يقال للمنقوضِ: نقضٌ (٢)، وخُصَّ ذلك بما يكتب به، وبالقدح الذي يضرب به، وجمعه: أقلام (٣). وليس فيما ذكره الراغب ما يقتضي [أن] (٤) القلم غير (٥) القص بل يقتضي عكسه فعلى من ادَّعى تغايره مع القص البيانُ بالنقل عن أهل اللغة. وكذلك قال غير الراغب: إن التقليمَ تفعيلٌ من القلم وهو القطع (٦)، وهذا أيضا لا يخص اللفظ بهيئة غير القص، والله أعلم. الحادية والثلاثون: الجمعُ في (الأظفار) يدل على العموم في كلِّ فرد منها، ويتناول اليدين والرجلين معًا، فلو اقتصر على بعضها

стр. 1556

مع استوائها في الحاجة إلى القصِّ، لم يحصلِ المقصودُ على الظاهر، ولا يبعد أن يقاس على المشي في النعل (١) الواحدة (٢) إن كان يشترك معه في وجهِ قُبحٍ أو حاجة. الثانية والثلاثون: ويدخل تحت العموم قصُّ أظفار اليد الزائدة وقصُّ ظفرِ الإِصبع الزائدة، ويرجع ذلك إلى مسألة أصولية في حمل الألفاظ العامة على المعتاد الوجودي، أو يعمل بالعموم. الثالثة والثلاثون: مقتضى الإطلاق أن يحصل تأدي المأمور بمطلق القصّ دونَ اعتبار هيئة مخصوصة، وقد ذُكر في هيئة قصِّها على وجه مخصوص ما لا أصلَ له في الشريعة، ولا دليلَ يدلُّ عليه، وقد نُظم في ذلك أبيات: ابدأْ بيُمناكَ وبالخِنْصرِ ... في قصِّكَ الأظفارَ واستبصرِ وثنِّ بالوُسطى وثلِّثْ كما ... قد قيل (٣) بالإبهامِ والبِنْصرِ واختمْ بسبَّابتها هكذا ... في اليدِ والرجلِ ولا تمتَرِ وابدأْ بإبهامِكَ من بعدهِ ... بالإصبعِ الوُسطَى وبالخِنْصرِ

стр. 1557

وأتبعِ (١) الخنصرَ سبَّابةً ... بنصرُها خاتِمُها (٢) الأيسرِ (٣) وذُكرت هيئةٌ أخرى. وهذا كلُّه لا يجوز أن يُعتقَدَ (٤) مُستحباً؛ لأن الاستحبابَ حكمٌ

стр. 1558

شرعي لا بدَّ أن يستندَ قائله إلى دليل، وليس استسهال ذلك بصواب، بل هذا التقييدُ بما لا دليلَ عليه يجب صونُ الشريعة المطهرة عن قبوله. الرابعة والثلاثون: وذَكَر آخرُ: أنَّ المستحبَ أن يبدأَ باليدين قبل الرجلين (١)، وهذا نريد دليلاً عليه، فإن الإطلاق لا يدل عليه. الخامسة والثلاثون: وقال هذا الآخر: فيبدأ بمُسبِّحة (٢) يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم البِنْصِرِ، ثم الخِنْصِرِ، ثم الإبهام، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها، [ثم ببنصرها إلى آخرها، ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها] (٣)، ويختم بخنصر اليسرى (٤)، والله أعلم. وهذه هيئة غير الأولى، وتحكُّمٌ بعد تحكم، وإحداث طِلبة (٥) لا يُعلم لها أصل، وهو عندي قبيح بالعلماء، وإن تَخَيَّلَ (٦) في الابتداء بمسبحة اليمنى معنى التشريف بالبدأة؛ لأنها محل التسبيح ففي باقي الهيئة [المذكورة] (٧) ما يُحِيلُه (٨).

стр. 1559

وأما البُدأة بيُمنى اليدين ويُمنى الرجلين فله أصل، وهو الحديث على التيمُّن. السادسة والثلاثون (١): تُستثنَى حالة الإحرام عن مطلق قصِّ

стр. 1560

الأظفار بالدليل الدال على تحريمه، والله أعلم. السابعة والثلاثون: قصُّ الأظفار من حيثُ هو هو لا نعلم نقلًا في وجوبه عن أحد، ولكنه قد يعرِضُ ما يقتضي الوجوبَ، وقد قالوا: إنها إذا طالت وخرجت عن العادة منعت صحةَ الوضوء إذا كان ما اجتمع تحتها يمنع من وصول الماء، وفي ذلك حديثٌ نشيرُ إليه، أو إلى بعضه، نبهنا عليه فيما تقدم. فإن افتُقِرَ في إزالة ما يمنع الطهارة إلى القصّ، وجبَ [لا لنفسه، بل لأنه لا يتمُّ الواجبُ إلا به، وكذلك إذا افتقرت الطهارةُ (١) من الجنب إلى القصِّ وجبَ] (٢) لا لعينه، وإن لم تفتقرْ إلى القصِّ لم يجب، وكان الواجبُ إيَّاه أو ما يحصل به المقصودُ من إزالة ما يَمنع الطهارة أحدُهما لا بعينه (٣). الثامنة والثلاثون: يُقيَّدُ بما عدا عشرِ ذي الحجة على الوجه الذي ذكرناه في قص الشارب. التاسعة والثلاثون: قص أظفار الميت مُختلَفٌ فيه. الأربعون: المغازي بالنسبة إلى قص الأظفار قد يَحتاجُ إلى طولها؛ للاستعانةِ على بعض أعمال الجهاد، وضبطِ غريمه عند عدم السلاح، فقد لا يستوي أمره في ذلك مع أمر غيره، وقد أشار إلى هذا

стр. 1561

- أو ذكره - بعضُ المصنفين من الحنفية، وهو صاحب "المحيط" فيما وجدته [عنه] (١) فقال: ذُكرَ أنَّ عمرَ ابن الخطاب، (٢) ﵁ كتب: أن وفّرُوا الأظافر في أرض العدو فإنها سلاح (٣). قال: وهذا مندوب إليه للمجاهدة (٤) في دار الحرب وإن كان قصُّ الأظافير من الفطرة؛ لأنه إذا سقطَ السلاحُ من يده وقرب العدو منه ربما يتمكن من دفعه بأظافيره. فليُراجَعْ ويحقَّقْ. الحادية والأربعون: غسل البراجمِ، وقد بينا مدلولَ لفظها ومقتضاه تأدي السنة بمجرَّدِ الغسل، غيرَ أنه لما كانت البراجمُ تُغسَلُ في الوضوء، أشعرَ إفرادُها بالذكر بأمر زائد على مُجرَّد الغسل. الثانية والأربعون: ذكر الرويانيُّ: أن غسلَ البراجم تنظيفُ المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ (٥). وهذا بظاهره غيرُ الغسل، وينبغي أن يُحملَ على الغسل للتنظيف، كما ذكر. وذكر القاضي عياض ﵀ بعد تفسيره البراجم بمفاصل (٦)

стр. 1562

الأصابع: وقد تقدم أنه ﵇ أمرَ بغسل ما يجتمعُ على الجلد المُتشنجّ هنالك من الأوساخ لتعفنها (١). وهذا الكلام يقتضي تخصيصَ الأمر بحالة اجتماع الوسخ، وقريب منه كلام الروياني، لكنَّ الإطلاقَ لا يدل عليه. الثالثة والأربعون: إذا كان المقصود هو إزالة الوسخ والتنظيف، فلو حصل بغير الغسل يمكن أن يقال: يكفي لحصول المقصود، ويمكن أن يقال: لا تتأدَّى السنة إلا بالغسل، وهو الأولى. الرابعة والأربعون: يجعل غسل (٢) البراجمُ أصلًا لغيره، وعُدِّيَ (٣) عن محل النص بالمعنى، فألحقَ به ما يلتحقُ من الوسخ بمعاطف البدن وقعر الصِّماخ فيزيله بالمسح؛ لأنه ربما أضرَّتْ كثرتُه بالسمع، وكذلك ما يجتمع داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ على أيِّ موضع كان من البدن بالغبار والعرق ونحوهما، وكثير من هذا بالقياس، والله أعلم. الخامسة والأربعون: هذا الأمرُ يدل على تعظيم أمر الطهارة والاحتياط لها؛ لأنَّ ما يجتمعُ في البراجم من الأوساخ قدرٌ يسير، وتحريكها وغسلها في الوضوء يزيلُ كثيرًا منه، فإذا أخذنا بالإطلاق، دلَّ ذلك على شدة الاعتناء بالطهارة؛ لأنه (٤) ربَّما يتوهم أن ذلك داخل

стр. 1563

في باب التنطُّعِ والتقزُّزِ، وقد دل الشرعُ على إبطال (١) هذا الوهم، هذا إذا حُمل على الإطلاق دونَ التقييد بحالة اجتماع الوسخ، وهو ظاهر إطلاق اللفظ. السادسة والأربعون: الكلام في وجوبِ هذه الخصلة واستحبابِها كالكلام في قص الأظفار؛ لأن اليدين والرجلين (٢) محلُّ الطهارة، فنقول في اجتماع الوسخ فيهما (٣) ما نقول في اجتماعه تحت الأظفار: إن منعَ من إيصال المطهِّرَ وجبَ إزالتُه، وإلا كان مندوباً؛ إما قصدًا للاحتياط على الإطلاق، أو تقييدًا لحصول وسخٍ لا يمنع من الطهارة؛ إمالك ونه غيرَ حائل أو لكونه معفواً عنه لقلته، واسم الغسل حاصل معه عرفاً. السابعة والأربعون: الكلام في البدأةِ بغسل براجم اليد اليمنى للحديث الدال على استحباب التيمن، كالكلام فيما تقدم. الثامنة والأربعون: نتف الإبط مطلوب بالحديث المذكور. التاسعة والأربعون: إزالةُ شعر الإبط قد تكون بالحلق والتنوير مثلًا، فيمكن أن يقال فيه كما قلنا في غيره؛ بأنه يُكتفى به نظرًا إلى المعنى، ويمكن أن يقال: إن الأَولى أن يكونَ بالنتف، والسنةُ تتأدى به بخصوصِهِ. وهذا في هذا المحل أولى مما قدمناه في غيره؛ لأجل حصول

стр. 1564

الفرق بين اللفظين في الحديث، فخصَّ النتف بالإبط والحلق بالعانة، وفي افتراقهما مع مقاربتهما في الذكر وحصولهما (١) في العلم ما يدلُّ على اعتبار الخصوصية في كلِّ واحد منهما، وعلى هذا تدلُّ الحكايةُ عن الشافعي ﵁. الخمسون: فيما ذكر عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي ﵁ وعنده المزيِّنُ يحلق إبطه، فقال الشافعي ﵀: علمتُ أن السنةَ النتفُ، ولكن لا أقوى على الوجع (٢). الحادية والخمسون: ما ذكرناه من أولوية النتف وترجُّحِهِ بسبب ظاهرِ اللفظ، وافتراق الحكم مع مقاربتهما (٣) في الذكر والعلم، يتأيدُ في المعنى (٤) أيضًا؛ لأن الإبط موضع الرائحة المتغيرة، واحتباس الأبخرة عند المسام يوجب التعفُّن، والشعر المحلوق تقوى أصولُه، ويغلظُ جِرْمُه (٥)، فيقع (٦) الاحتباس المعفن، ونتفه يضعف أصولَه، ويرقق جِرْمَه، فيخفُّ الاحتباس، فتحصل المصلحة من تقليل الرائحة المتعفنة، وهذا معنى ظاهر لا ينبغي أن يُهملَ ويلغى، وموردُ النص إذا

стр. 1565

احتمل معنىً مناسباً يُحتمل أن يكون المقصود (١) في الحكم لا يُترك ويهمل (٢). الثانية والخمسون: هذا المعنى الذي ذكرناه يخصُّ الترجيحَ بالنتف على الحلق، ولا يجري في التنوير. الثالثة والخمسون: [ الحكاية] (٣) التي ذكرناها عن الشافعي تدلُّ على أن المشقة في النتف (٤) إذا قويت تكون سببًا مرخِّصاً في تركه، وليس مقتضى الإطلاق، لكنه يُخصُّ بدلائل نفي الضرر، والعُسر، والقاعدة الكلية. الرابعة والخمسون: فيها استنابةُ الغيرِ في إزالته، وهو أقربُ إلى الكراهة من قص الأظفار؛ لقرب ستره عن الأعين من (٥) حفظ المروءة، والجواز جارٍ على مقتضى الإطلاق في نتف الإبط، وقد تقدم مثل هذا. الخامسة والخمسون: قيل: يُستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن، وهذا مُقتضى الحديث الآخر في استحباب التيمن، فيستحبُّ بمقتضى ذلك الحديث، ويزاد على الإطلاق الذي يقتضيه هذا الحديث، وهو حصولُ المقصود بالمسمَّى من النتف.

стр. 1566

السادسة والخمسون: ومثل هذا ينبغي أن يقال: إنه ينتف إبطه الأيمن بيسار يده تشريفاً لليمنى، وللحديث الآخر: "كانت يمين رسول الله ﷺ ... ... (١) "، إلا أنه أيسرُ، وغيرُهُ أعسر. وأما نتف اليسار باليمين مع تشريفها فيُخصّ من ذلك الحديث للتيسير، وعسرِ النتف للإبط الأيسر باليد اليسرى. السابعة والخمسون: الكلام في تقييده بما عدا عشرِ ذي الحجة، كالكلام فيما تقدم. الثامنة والخمسون: استحبابُ حلق العانة من الحديث، كغيره مما ذكرناه. التاسعة والخمسون: الكلام في تأدِّي السنة بغير الحلق؛ كالنتف والتنوير (٢) كالكلام في نتف الإبط، والترجيح ها هنا باتباع اللفظِ والعادةِ القديمة، قال ﵊: "وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ" (٣). وقال في رواية في هذا الحديث: "والاستحداد"، وهو (استفعال) من الحديد؛ أي: استعماله في الإزالة.

стр. 1567

قال الهروي: الاستحداد: حلق العانة بالحديد (١). وهذا يدلُّ على أن المعتادَ في ذلك الزمان كان الإزالةَ بالحلق في حقّ الرجال والنساء؛ أعني: قوله ﵊: "وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ". وكذلك قال العربي يصفُ عضوه [من الكامل]: أُدني لهُ الرَّكَبَ الحَلِيقَ كأنَّمَا ... أُدنِي إليهِ عَقَارِبًا وأفاعِيا (٢) الرَّكَب: منبت [شعر] (٣) العانة، مفتوح الراء والكاف معًا. والترجيحُ بما ذكرناه في نتف (٤) الإبط من تغير الرائحة في ذلك المكان، وكون الحلق ربَّما زادها، مُنتفٍ ها هنا؛ لأن العانةَ ليست موضعَ تغير الرائحة بسبب احتباس الأبخرة، ولعله السبب في افتراق الحكم فيهما (٥). وأشار بعضُهم إلى ترجيح الحلق في حقِّ المرأة، بأن النتفَ يرخي المحل، أو ربما يرخيه، أو كما قال (٦).

стр. 1568

وقال بعضُ الشارحين من الفقهاء: وأما الاستحدادُ فهو حلق العانة، سُمِّي استحدادًا لاستعمال الحديدة (١)؛ وهي الموسى، وهو سنة، والمراد [به] (٢) نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحلق، ويجوز بالقص والنتف والنورة (٣). الستون (٤): البداية (٥) بالجهة اليمنى في ذلك كما قيل في حلق الرأس، [و] (٦) كما جاء في الحديث، والإطلاق ها هنا لا يقتضيه، فيُؤخذ من الحديث الآخر ويُزاد على الإطلاق. الحادية والستون: والكلام في الوجوب والاستحباب، كالكلام فيما تقدَّم في نتفِ الإبط وغيرِه: أنَّه لا يجبُ من حيثُ هو هو، [وقد يعرِضُ ما يوجبه لا من حيث هو هو] (٧)؛ كما لو التصق بالشعر غراءٌ أو مُصْطَكَى (٨) أو غيرُ ذلك مما يتعذَّرُ زوالُهُ إلا بالنتف أو الحلق،

стр. 1569

فيتعيَّنُ لا لنفسه بل لغيره. الثانية والستون: والكلام في تقييده بما عدا الشعر، كالكلام المتقدم في قص الشارب وقص الأظفار. الثالثة والستون: الكلام في البداية (١) بالجانب الأيمن كالكلام في قص الشارب، وقد حكينا ما قيل فيه. الرابعة والستون: أما الاستنابةُ فيه فمحرَّمٌ في حقِّ من لا يجوزُ له النظرُ إلى عورة المستحدِّ؛ كالأجنبي، وأما الزوج والزوجة فالناسُ [مختلفون] (٢) في نظر الرجل إلى فرج امرأته؛ بالمنع والكراهة والإباحة؛ فمن أباح فلا بأس باستنابته، ومن منع أو كره فينظر في اسم الفرج، هل يدخل تحته الركَب؟ فإن دخل فحكمه المنع أو الكراهة على اختلاف المذهبين، وإن لم يدخل وأمكن أن يحصل المقصود من غير نظرٍ إلى ما هو المرادُ بالفرج (٣)، جازَ ذلك. الخامسة والستون: قد ذكرنا أن العانة إما اسم الشعر النابت، أو المحل الذي ينبت فيه الشعر، وإذا كان كذلك لم يتناول الحكم ما عداه من حيث اللفظ، ولكن ذُكر عن بعض أكابر الشافعية (٤): أنه

стр. 1570

ذكر الشعرَ الثابت حول حلقة الدبر، ولعله بطريق القياس (١). السادسة والستون: انتقاصُ الماء يدلُّ الحديث على طلبيته كما دل على غيره، وقد فسَّرَه وكيع بـ: الاستنجاء، فيدخلُ تحت الطلبية بالأمر أعمُّ (٢) من الوجوب والاستحباب. والاستنجاءُ إن كان منطلقاً على استعمال الماء والحجر؛ كما قدمنا حكايته عمَّن قاله، لكنَّ ذكرَ الماء ها هنا يدلُّ على الاستنجاء بالماء. والاستنجاءُ بأحد الأمرين واجبٌ عند الشافعي؛ أعني: بالحجر أو الماء (٣)، والمنقولُ فيه خلافُ أبي حنيفة. السابعة والستون: وإن كان كما ذكرنا مدلولاً عليه من تفسير وكيع، فقد نُصَّ عليه في الحديث الصحيح من فعل النبي ﷺ ، وقد قالوا: إنه الأفضلُ لإزالة العين والأثر. الثامنة والستون: ذُكر عن بعض السلف ﵏ ما يقتضي تضعيفَ الاستنجاء بالماء، فروى مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أنه سمع سعيد بن المسيب يُسأل عن الوضوء من الغائط بالماء، فقال سعيد: إنَّما ذلك وضوء النساء (٤). وفي كتاب "العتبية" (٥): أن مالكاً بلغه: أن ابن شهاب قال لابن

стр. 1571

هُرْمُزَ: نشدتك الله! أما علمت أن الناسَ كانوا يتوضؤون فيما مضى ولا يستنجون بالماء، فسكت ابنُ هُرْمُزَ ولم يُجبْهُ بشيء. والذي فهمتُهُ من كلامهم في سكوت ابن هرمز: أنه موافقٌ لابن شهاب في عمل الماضين وسكوته لترك العمل به واستعمال الماء. وكلامُ ابن شهاب ومناشدتُهُ (١) تُشعِرُ بتضعيف الاستنجاء بالماء، وهذا ينبغي أن يُحملَ على أنه خرج مخرجَ التبكيتِ (٢) على المتنطعين والمتقززين، ومن لا يرى الاستنجاءَ بالحجر رغبةً ونفرةً عنه بعد ثبوت جوازه شرعًا، فإنه قد يُبالغُ في مثل هذا الغرض. [المسألة] (٣) التاسعة والستون: هذه القرائنُ التي ذكرت في خصال الفطرة، بعضُها يُتَّفقُ على استحبابه وعدم وجوبه؛ أعني: من حيث هو هو، وبعضها يُختلف فيه، فقد يُستدَلُّ من جانب مَن لا يرى الوجوبَ في محلِّ الخلاف بقرائنها بما لا يجبُ، بدلالة القِرانِ (٤) وهي ضعيفةٌ عند أكثر الفقهاء والأصوليين، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] , وإيتاء الحق واجب، [والأكل غير واجب] (٥).

стр. 1572

وعن أبي يوسفَ القولُ بدلالة الاقتران، وعلى هذا يُستدَلُّ له في مسألة الماء المستعمل بالحديث: "ولا يَبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابَةِ" (١)، والبول فيه يفسده، فكذلك الغسل (٢)، والله أعلم.

стр. 1573

السبعون: ومن هذا ينشأ النظرُ فيمن استدلَّ على عدم وجوب الختان بقِرانِهِ مع ما ليس بواجب، وسيأتي بسط الكلام فيه. الحادية والسبعون: قد تبيَّنَ بهذه الرواية أنَّ مصعباً شكَّ في العاشرة، فظهر (١) من لفظه ظنُّهُ أنَّها المضمضة، وقيل: [إن] (٢) في رواية عمار بن ياسر عن النبي ﷺ ، فذكرَ "المضمضة" من غير شكِّ، وذكرَ "الخِتان" بدلَ "إعفاء اللحية" (٣). الثانية والسبعون: استدل بعض أكابر الفقهاء القائلين بوجوب الختان بالحديث الذي فيه: "الفطرة خمس ... " وفيه: "الختان". قال: ووجهُ الاستدلال بالخبر: أنَّ الفطرةَ لما كانت الدينَ والملة كان ما قيل: إنه منها، فالظاهر أنه من أركانها لا من زوائدها إلا أن يقومَ الدليل على خلافه، والدليلُ على ذلك أنَّ كلَّ نبيٍّ بُعثَ وشُرعت له شِرعة، فإنما يُبعثُ على أن يكونَ على قومه اتباعُهُ، لا على أن يكونوا مُخيَّرين في طاعته، وأوجبَ هذا أن يكونَ الأصلُ في كلِّ ما شرع له الوجوبَ حتَّى يقومَ الدليل على غيره.

стр. 1574

قال: وأيضًا فإنَّ اتباعَ الملة في الجملة (١) إذا كان واجبًا، فما ثبتَ أنَّه منها فإنما هو جزءٌ من جملةٍ قد ثبتَ لها حكمُ الوجوب، فالظاهر أن حكمَه (٢) الوجوبُ؛ يعني: ما لم يصرفه عن سائر الأجزاء دليلٌ، وبالله التوفيق. وهذا الذي قاله ليس بقوي عندي، والله أعلم [بالصواب] (٣). * * *

стр. 1575

الحديث التاسع عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ قال (١): قال أنسٌ: وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشَّارِبِ، وتَقليم الأظْفَارِ، ونتفِ الإبِطِ، وحَلقِ العَانةِ أنْ لا نتَرَك أكثرَ مِنْ أربعينَ ليلةً. أخرجه مسلم (٢).

стр. 1576

الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو عمران الجَونْي - بفتح الجيم وسكون الواو، بعدها نون ثم ياء النسبة -: مشهور بكنيته، والأشهرُ في اسمه: عبد الملك ابن حبيب، وقيل: اسمه عبد الرحمن، قال بعض الحفاظ: الكندي، وقيل: الأزدي البصري. رأى أبا نُجيد عمرانَ بن حُصين الخزاعي، وسمع أبا حمزة أنسَ ابن مالك الأنصاري، وأبا عبد الله جندبَ بن عبد الله بن سفيان البَجَلي العَلَقي، وغيرَهما. وروى عن جماعة من التابعين منهم: أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وطلحةُ بن عبد الله المزني، وعقبةُ بن وَسَّاج البُرْسَاني (١)، وغيرُهم.

стр. 1577

روى عنه: أبو المعتمر سليمان بن طَرْخَان التيمي، وأبو بسطام شعبة بن الحجاج العَتَكي، وأبو عون عبد الله بن عون، وحماد بن سلمة بن دينار، [وأبو إسماعيل بن دينار] (١)، وأبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم، وأبو قدامة الحارث بن عبيد الإِيادي البصري. يقال: إنه توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. قلت: اتَّفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه في "الصحيحين". وروى أبو إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: أبو عمران الجوني ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث. وقال النسائي في "التمييز": عبد الملك بن حبيب، أبو عمران الجوني: ليس به بأسٌ. وذكر الأَوْنبَي فيما وجدته عنه، عن ابن (٢) وضَّاح: سمعت ابن مسعود يقول: أبو عمران الجوني ثقة، قال الأَوْنبَي: وهو عندي من الطبقة الثالثة من المحدثين (٣).

стр. 1578

قلت: هذه النسبة - أعني: الجوني - مشتركة بين من ينسب إلى الجَوْنِ معاويةِ بن حجر آكلِ المراد بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن عمرو مرتع (١) بن معاوية بن ثور كندة، وبين من ينسب إلى الجَوْنِ بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، قال الرشاطي: قال أبو عبيد: منهم أبو عمران الجوني (٢). * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: قد ذكرنا أن مسلمًا أخرجه، وهو مما انفرد به [عن] (٣) البخاري (٤). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: التوقيتُ: تعليقُ الحكم بالوقت، ولما تكلم (٥) بعض فضلاء المتأخرين من المالكية على قول ابن القاسم: لم يوقِّتْ مالك في الوضوء ... إلى آخره ذكر (٦) أنَّ التوقيتَ: ذكر الوقت؛ أي: في

стр. 1579

أصل الوضع (١) وهذا غير صحيح؛ لأنا لو ذكرنا لفظ (الوقت) أو اسماً من أسماء الزمان؛ كالليل أو النهار أو الصباح أو المساء لم يكن ذلك توقيتاً، وإن كان ذكرَ وقت، والذي ذكرناه أقرب. وقال الراغب: الوقتُ: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مُقيَّدًا؛ نحو قولهم: وقَّتُّ كذا: جعلت له وقتًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] , وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. والمِيقَاتُ: الوقتُ المضروب للشيء، والوعدُ الذي جُعل له وقت، قال : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] , ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وقد يقال: الميقات؛ للمكان الذي يجعل وقتًا للشيء؛ كميقات الحج (٢). وقال الزمخشري: شيء مَوْقُوتٌ ومُؤَقَّتٌ: محدود، وجاؤوا للميقات، وبَلَغوا الميقات، ومواقيت الحج، والهلال ميقات الشهر، والآخِرة ميقات الخلق، وهو مصير الوقت (٣). قلت: وقد يطلق التوقيت على التحديد الواجب، ويحسن أن يُحملَ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] , والله أعلم.

стр. 1580

* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسألتان: الأولى: التقدير في قوله: "وُقِّتَ لنا" أن لا نتركَ [هذه] (١) أكثرَ من أربعين ليلة، فيكون ظرفا. الثانية: المشهور في (٢) أقسام (من) أربعة: ابتداء الغاية، وبيان الجنس، والتبعيض، والزيادة. فينبغي أن ينظر في (من) المصاحبة لأفعل؛ من أيِّ هذه الأقسام هي؟ والأقرب أنها لابتداء الغاية؛ بمعنى: الأكثريةُ ابتُدِأت من كذا، فإذا قلنا: زيدٌ أفضلُ من عمرو فالتقدير: أنه ابتدأت أفضليتُهُ من عمرو (٣). * * * * الوجه الخامس: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل: الأولى: هذه الصيغة - وهي قوله: (وُقِّت) - تكلَّم الأصوليون في مثلها؛ مثلَ: أُمرنا ونُهينا وأمرَ (٤) بكذا، وأنه هل يكون مُسنداً [إلى النبي ﷺ ، كما لو صرَّح بقوله: أمر رسول الله ﷺ ؛ أعني: في الحكم بالإسناد إليه ﷺ أو لا يكون مسندًا] (٥)؛ لاحتمال (٦) غير ذلك، وأن
следующие страницы →