← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف: فنقول: أبو عمران الجَونْي - بفتح الجيم وسكون الواو، بعدها نون ثم ياء النسبة -: مشهور بكنيته، والأشهرُ في اسمه: عبد الملك ابن حبيب، وقيل: اسمه عبد الرحمن، قال بعض الحفاظ: الكندي، وقيل: الأزدي البصري. رأى أبا نُجيد عمرانَ بن حُصين الخزاعي، وسمع أبا حمزة أنسَ ابن مالك الأنصاري، وأبا عبد الله جندبَ بن عبد الله بن سفيان البَجَلي العَلَقي، وغيرَهما. وروى عن جماعة من التابعين منهم: أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وطلحةُ بن عبد الله المزني، وعقبةُ بن وَسَّاج البُرْسَاني (١)، وغيرُهم.

стр. 1577

روى عنه: أبو المعتمر سليمان بن طَرْخَان التيمي، وأبو بسطام شعبة بن الحجاج العَتَكي، وأبو عون عبد الله بن عون، وحماد بن سلمة بن دينار، [وأبو إسماعيل بن دينار] (١)، وأبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم، وأبو قدامة الحارث بن عبيد الإِيادي البصري. يقال: إنه توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. قلت: اتَّفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه في "الصحيحين". وروى أبو إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: أبو عمران الجوني ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث. وقال النسائي في "التمييز": عبد الملك بن حبيب، أبو عمران الجوني: ليس به بأسٌ. وذكر الأَوْنبَي فيما وجدته عنه، عن ابن (٢) وضَّاح: سمعت ابن مسعود يقول: أبو عمران الجوني ثقة، قال الأَوْنبَي: وهو عندي من الطبقة الثالثة من المحدثين (٣).

стр. 1578

قلت: هذه النسبة - أعني: الجوني - مشتركة بين من ينسب إلى الجَوْنِ معاويةِ بن حجر آكلِ المراد بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن عمرو مرتع (١) بن معاوية بن ثور كندة، وبين من ينسب إلى الجَوْنِ بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، قال الرشاطي: قال أبو عبيد: منهم أبو عمران الجوني (٢). * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: قد ذكرنا أن مسلمًا أخرجه، وهو مما انفرد به [عن] (٣) البخاري (٤). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: التوقيتُ: تعليقُ الحكم بالوقت، ولما تكلم (٥) بعض فضلاء المتأخرين من المالكية على قول ابن القاسم: لم يوقِّتْ مالك في الوضوء ... إلى آخره ذكر (٦) أنَّ التوقيتَ: ذكر الوقت؛ أي: في

стр. 1579

أصل الوضع (١) وهذا غير صحيح؛ لأنا لو ذكرنا لفظ (الوقت) أو اسماً من أسماء الزمان؛ كالليل أو النهار أو الصباح أو المساء لم يكن ذلك توقيتاً، وإن كان ذكرَ وقت، والذي ذكرناه أقرب. وقال الراغب: الوقتُ: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مُقيَّدًا؛ نحو قولهم: وقَّتُّ كذا: جعلت له وقتًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] , وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. والمِيقَاتُ: الوقتُ المضروب للشيء، والوعدُ الذي جُعل له وقت، قال : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] , ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] وقد يقال: الميقات؛ للمكان الذي يجعل وقتًا للشيء؛ كميقات الحج (٢). وقال الزمخشري: شيء مَوْقُوتٌ ومُؤَقَّتٌ: محدود، وجاؤوا للميقات، وبَلَغوا الميقات، ومواقيت الحج، والهلال ميقات الشهر، والآخِرة ميقات الخلق، وهو مصير الوقت (٣). قلت: وقد يطلق التوقيت على التحديد الواجب، ويحسن أن يُحملَ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] , والله أعلم.

стр. 1580

* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسألتان: الأولى: التقدير في قوله: "وُقِّتَ لنا" أن لا نتركَ [هذه] (١) أكثرَ من أربعين ليلة، فيكون ظرفا. الثانية: المشهور في (٢) أقسام (من) أربعة: ابتداء الغاية، وبيان الجنس، والتبعيض، والزيادة. فينبغي أن ينظر في (من) المصاحبة لأفعل؛ من أيِّ هذه الأقسام هي؟ والأقرب أنها لابتداء الغاية؛ بمعنى: الأكثريةُ ابتُدِأت من كذا، فإذا قلنا: زيدٌ أفضلُ من عمرو فالتقدير: أنه ابتدأت أفضليتُهُ من عمرو (٣). * * * * الوجه الخامس: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل: الأولى: هذه الصيغة - وهي قوله: (وُقِّت) - تكلَّم الأصوليون في مثلها؛ مثلَ: أُمرنا ونُهينا وأمرَ (٤) بكذا، وأنه هل يكون مُسنداً [إلى النبي ﷺ ، كما لو صرَّح بقوله: أمر رسول الله ﷺ ؛ أعني: في الحكم بالإسناد إليه ﷺ أو لا يكون مسندًا] (٥)؛ لاحتمال (٦) غير ذلك، وأن

стр. 1581

يكونَ الآمرُ غيرَ الرسول ﷺ ؟ ورجَّحُوا الأول (١). [المسألة] (٢) الثانية: هذا الحديث يقتضي أن لا يُترَكَ ما ذُكرَ فيه أكثرَ من هذه المدة، ولا يقتضي النهيَ عن تركه في أقل منها، وأما أنه هل يقتضي الأمرَ بإزالته إذا احتيجَ إليه في أقلِّ من هذا العدد؟ فدلالةُ هذا الحديث قاصرةٌ عنه. وهل يُؤخَذُ من قوله ﵇: "الفطرة ... " كذا وكذا؟ فيه (٣) نظر، والذي يقتضي ذلك هو اتّباعُ المقصود من إزالة هذه الأشياء التي يُستقبَحُ تركها، فإن نزَّلْنا لفظ (الفطرة) [على المقيد بوصف الحاجة إلى الإزالة فيما يُستقبحُ، كان ذلك دليلاً على الطلب فيما دون هذه المدة، وإنما النظر فيما إذا أخذنا لفظ (الفطرة)] (٤) مطلقًا ونزَّلنا اللفظ فيها على المسمَّى من غير تقييد بوصف المسألة. [المسألة] (٥) الثالثة: ذكر أبو محمَّد بن أبي زيد قال: قال مالك: وليس لقصِّ الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة حدٌّ إذا انتهى إليه أعاده، ولكن إذا طال ذلك (٦). وهذا إذا (٧) كان فيما دون الأربعين فقد ذكرنا مأخذه والنظر فيه، وإن كان يدخل فيه ما زاد على الأربعين فظاهر الحديث يخالفه،

стр. 1582

ويمكن أن يقال: إنه إنما حُدِّدَ بالأربعين؛ لأن الغالب بمقتضى الطبيعة أن لا يصلَ إلى هذا الحدِّ إلا وقد طال واحتيج إلى إزالته. الرابعة: أحدُ ما عُلّقَت به أحكام في الشريعة هذا الذي نحن فيه منها، وقد جمع الحافظ أبو موسى كتابين في كل واحد منهما أربعون عُلّقت الأمور فيها على أربعين. وبعض الأكابر في الحديث والموصوفين (١) بالفقه ذكر أشياء من ذلك في مسألة اشتراط الأربعين في الجمعة، فكأنه (٢) - والله أعلم - لما شعر بضعف المستند والإسناد إلى الأثر (٣) المشهور (٤)، أراد أن يقويَ

стр. 1583

ذلك بذكر أشياء عُلّقَ الحكم فيها بالأربعين، ولا يخفى ضعف هذا، وأنه تمسَّكَ في حكم خاصٍّ يحتاجُ إلى دليل خاصٍّ بأمرٍ عام، قُصَارَاهُ مناسبةُ اعتبار الأربعين في هذا الحكم؛ لاعتباره في غيره، أو قياسٌ من غير جامع قوي (١). * * *

стр. 1584

الحديث العاشر عن ابنِ عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عَنِ القَزَعِ. مُتَّفقٌ عليه (١).

стр. 1585

الكلام عليه من وجوه: * الأول: في التعريف: فنقول: أبو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب بن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عدي بن كعب، القرشي، العدوي، المدنِيُّ.

стр. 1586

الصحابي ابن الصحابي، والإمام ابن الإِمام، أمّه وأمُّ أخته حفصة زينبُ بنت مَظْعون بن حبيب الجُمَحية. أسلم مع أَبيه قبلَ بلوغه ويقال: هاجر قبل أَبيه، واتفقوا أنَّه لم يشهدْ بدرًا لصغره، وأما ما في كتاب ["المهذب"] (١) في الفقه: أن ابنَ عمرَ عُرض على النَّبِيّ ﷺ يوم بدر وهو ابن أربع عشرة (٢)، فغلطٌ ظاهرٌ مخالف لما ثبت في "الصحيح": أن عرضه عام أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة. وأما أُحُد ففي شهوده إياها خلاف، وثبت في "الصحيح" أنَّه قال: عُرضْتُ على النبيِّ ﷺ عام أُحُد وأنا ابن أربع عشرة [سنة] (٣)، فلم يُجزني، وعُرضْتُ عليه بعد ذلك يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة [سنة] (٤) فأجأزني (٥). وعنه أَيضًا: أولُ يوم شهدته يومُ الخندق (٦)؛ وقد صُحِّح. وشهد الخندقَ وما بعدها من المشاهد مع الرسول ﷺ ، وشهد غزوة مؤتة مع من كان بها أميرًا، وشهد اليرموك، وفتح مصر، وفتح إفريقية.

стр. 1587

وكان شديدَ الاتباع لآثار رسول الله ﷺ في نزول منازله، والصلاة في مكان صلى فيه، وإبراك ناقته في مَبْرَك ناقته ﷺ ، وذُكر أنَّ النَّبِيّ ﷺ نزل تحت شجرة، وأن ابنَ عمر كان يتعاهدُها بالماء (١). روى عنه: أولادُهُ: سالمٌ، وحمزةُ، وعبد اللهِ، وبلالٌ، وخَلْقٌ من التابعين. وفي مناقبه ﵁ كثرةٌ, ولمنزلته في أئمة المتقين شهرة؛ أما الفقه فعن الزُّهري أنَّه قال: لا يُعدلُ برأي ابن عمر، فإنَّه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة، فلم يَخْفَ عليه شيء من أمره، ولا من أمر الصَّحَابَة (٢). وعن مالك ﵀ أنَّه قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدُمُ عليه الوفود (٣). وذكر أبو عمر، عن ابن وهب، عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإِسلام ستين سنة، ونشر نافع عنه علمًا جَمًّا (٤). وذكر عن ميمون بن مهران أنَّه قال: ما رأيتُ أورعَ من ابن عمر، ولا أعلمَ من ابن عباس.

стр. 1588

وفي كتاب "رفع اليدين في الصلاة" للبخاري، عن جابر بن عبد الله: لم يكنْ أحدٌ منهم ألزمَ لطريق النَّبِيّ ﷺ ، ولا أتبعَ من ابن عمر ﵄ (١). وأما العبادةُ فحسبُكَ حديثُه في رؤياه وقولُ النَّبِيّ ﷺ : "نِعْمَ الرجلُ عبد اللهِ، لو كانَ يُصَلِّي من الليلِ"، قال سالم: وكان عبد الله لا ينامُ من الليل إلَّا قليلًا (٢). وكذلك ذُكر عنه: أنَّه كان كثير الحج، وعُدَّ في الصَّحَابَة الساردين للصوم؛ منهم: عمر، وابنه، وأبو طلحة، وحمزة بن عمرو، وعائشة ﵄. وأما الصدقة والجود فقيل: كان كثيرَ الصدقات، فربَّما تصدَّقَ في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا (٣). وعن نافع: [كان ابن عمر] (٤) إذا اشتدَّ عجبُهُ بشيء من مالِهِ تقرَّبَ [به] (٥) إلى الله تعالى، وكان رقيقُهُ قد عرفوا ذلك منه، فربَّما

стр. 1589

لزمَ أحدُهم المسجدَ فإذا رآه ابنُ عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له. قال نافع: وقد رأيتنا ذاتَ ليلة، وراح ابن عمر على نَجيبٍ له قد أخذه بمال، فلمَّا أعجبَهُ سيرُه أناخه بمكانه، ثم نزل عنه فقال (١): انزعوا عنه زِمامَهُ ورحلَهُ، وأشعروه، وجلِّلوُه، وأدخلوه في البُدْن (٢). وعنه: أنَّه كاتبَ عبدًا له على خمسة وثلاثين أَلْف درهم، ثم حطَّ عنه [منها] (٣) خمسةَ آلاف (٤). وكذلك ذكر عنه: أنَّه كان كثيرَ الحج. فأما (٥) الزهادةُ والورعُ فإنَّه لم يقاتلْ في الحروب التي جرت بين المسلمين، وذكر أبو عمر (٦): أن جابر بن عبد الله قال: ما منا أحدٌ إلَّا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمرَ وابنهِ عبد الله (٧). وعن نافع: سمعتُ ابنَ عمر - وهو ساجد في الكعبة - يقول: قد

стр. 1590

تعلمُ يَا رب! ما منعني (١) من مزاحمةِ قريشٍ [على هذه الدنيا] إلَّا خوفُك (٢). وأما الخشوع فقال: وكان إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتَّى يغلبَهُ البكاءُ. والمنقبة العُظمى والفضيلة [الكبرى] (٣) قولُ (٤) النَّبِيّ ﷺ في رواية في "الصحيح": "إنَّ أخاكِ رجل صالحٌ"؛ قاله لحفصة (٥). وتوفي ابن عمر ﵄ بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزُّبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقال يحيى بن بكير: تُوفِّي ابن عمر بمكة ودفن بالمُحَصَّب، وبعض النَّاس يقول: بفَخ، وهو مفتوح الفاء وبعدها خاء معجمة موضعٌ بقرب مكة. قال بعضُ النَّاس (٦): رُوي له عن رسول الله ﷺ ألفُ حديث ولست مئة حديث وثلاثون حديثًا، اتفق البُخَارِيّ ومسلم منها على مئة وسبعين، وانفرد البُخَارِيّ بأحدُ وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين.

стр. 1591

فأما ما اتُّفقَ عليه أو انفرد به أحد الشيخين فمحصور، وأما جملة ما رواه فلا ينبغي أن نطلقَ القولَ فيه إلَّا بالنسبة إلى كتاب معلوم أو محدث معين؛ لعدم الحصر في ذلك (١). قال الغلابي: قال ابن حنبل: مات سنة ثلاث وسبعين. قال الذُّهلي: قال يحيى بن بكير: وبعض النَّاس يقول: مات سنة أربع وسبعين، وهذا الذي قاله مذكور عن خليفة، ومحمَّد بن نمير، والواقدي (٢). * * *

стр. 1592

* الوجه الثاني: في تصحيحه: قد ذكرنا أنَّه متفق عليه، وقد اختلف في إسناده، فرواه حماد بن زيد وابن جريج وسفيان، عن عبيد الله - هو ابن عمر -، عن نافع. ورواه يحيى بن سعيد ومحمَّد بن بشر فزادا: عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع (١). وقال النَّسائيّ بعد ذكره حديث حماد بن زيد وابن جريج وسفيان: حديث يحيى بن سعيد ومحمَّد بن بشر أولى بالصواب؛ يعني: [أولوية زيادتهما عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع] (٢). وكذلك رواه بزيادة عمر أبو أسامة، وهو عند ابن ماجه. ورواه عن عمر بن نافع: عثمان بن عثمان الغَطَفاني، وهو عند أبي داود وعبد الرَّحْمَن بن محمَّد بن أبي الرِّجال، وهو عند النَّسائيّ (٣). ويقوّي قولَ النَّسائيّ في [أولوية] (٤) زيادة عمر على إسقاطها؛ أعني: بين عبيد الله ونافع وجهان (٥): أحدهما: أن الطريقَ المسلوك والأكثر عبيد الله عن نافع؛ لأنه

стр. 1593

من أكابر أصحابه مقدمٌ في روايته عن نافع، والذي زاد عمر أتى بأمر على خلاف المشهور، فالسهوُ إلى الأول أقرب منه؛ لأن الثاني يدل على زيادة علمٍ وتثبيت. والثاني: ما ذكرناه من رواية غيرِ عبيد الله عن عمرَ بن نافع (١). * * * * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: [ذكر أبو محمَّد بن أبي زيد، عن مالك أنَّه قال] (٢): يُكرهُ القَزَعُ، وهو أن يحلقَ من الرأس أماكن ويتركَ أماكن (٣). [و] (٤) قال الجوهري بعد ذكر قَزَعِ السحاب: وإن القَزَع (٥) صغارُ الإبل، والقَزَعُ أَيضًا: أن يُحلقَ رأسُ الصبي ويتركَ في مواضع منه الشعر متفرقًا، وقد نُهي عنه، وقزَّع رأسه تَقْزِيعًا: إذا حلق شعره [وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه] (٦)، ورجل مُقزَّع: رقيقُ شعرِ الرأس (٧). وهذا الذي ذكره الجوهري موافق لما فسَّر به مالك القزع، وهو الأقرب. وفي كلام بعضهم تفسيره بما هو أعم من ذلك، قال

стр. 1594

الزمخشري: ونُهي عن القَزَعِ والقَنَازعِ، وهي بعض الشَّعْر يتركُ غيرَ محلوق، قال زهير (١) [من الطَّويل]: وأشعثَ قدْ طارت قَنَازِعُ رأسِهِ ... دعوتُ على طولِ الكَرَى ودَعَاني (٢) لطول اعتمامه في السفر (٣). وقال ابن سِيْدَه في "المحكم": القَزَعُ: قطعٌ من السحاب رِقاق، كأنها ظلٌّ إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة، قال [من الوافر]: مَقانِبُ بعضُها يُبْرى لبَعْضِ ... كأنَّ زُهاءَهَا قَزَعُ (٤) الظِّلالِ (٥) وقيل: القَزَعُ: السحاب المتفرق، واحدتها: قَزَعَةٌ، وما في السماء قزعةٌ، وقِزاع؛ أي: لطيخة غيم. والقَزَعُ من الصوف: ما تناتفَ (٦) في الرَّبيع فسقط، وكبش أَقْزَعُ، وناقة (٧) قَزْعَاءُ: سقط بعض صوفها وبقي بعض

стр. 1595

[صوفها] (١)، وقد قَزِع قزعًا. وقزعُ السهم: ما رقَّ من ريشه، والقزعُ أيضًا: أصغر ما يكون من الريش، وسهم مقزَّع: رِيْشَ بريش صغار. والقُزْعة والقُزَّعة: خُصَلٌ من الشعر تترك على رأس الصبي كالذوائب متفرقة في نواحي الرأس. والقزع: بقايا الشعر المتنتف، الواحدة: قَزَعة. ورجل مُقَزَّعٌ ومُتقزِّع: لا يُرى على رأسه إلَّا شعيرات (٢) متفرقة تَطَايَرُ مع الريح. والقَزَعة: موضع الشعر المتقزِّع من الرأس (٣). والمُقزَّع (٤) من الخيل: الذي تنتفُ ناصيته حتَّى ترقَّ، وقيل: هو الرقيق الناصية خِلقةً. وقَزَعَ الشارب؛ قَصَّه. والقَزَع: أخذ بعض الشعر وترك بعضه، وفي الحديث: "نهَى رسولُ الله ﷺ عن القَزَعِ"؛ يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه. والمُقزَّع (٥): السريع الخفيف من كل شيء، وقزَع الفرس،

стр. 1596

يقزَع قزعًا: مرَّ مَرًّا شديدًا أو سهلًا، وقيل: عدا عَدْوًا شديدًا، وكذلك البعير والظبي. وقَوْزَعَ الدِّيك: فرَّ من صاحبه. وقَوْزَعُ: اسم الخزي، والعار، عن ثعلب. وقال ابن الأعرابي: قلَّدْته قلائدَ قوزع؛ يعني: الفضائح (١)، وأنشد [من الطَّويل]: أبَتْ أمُّ دِينارٍ فأصبحَ فرْجُها ... حَصانًا وقُلِّدْتُمْ قلائدَ قَوْزَعَا (٢) وقال القاضي عياض: نُهي عن القزع، وهو أن يُحلقَ من رأس الصبي مواضعُ وتترك مواضع، وأصله من قزعِ السحاب، وهو قطعٌ رقاق ومتفرقة (٣)، ومنه: وما في السماء قَزَعة (٤)، وقوله: فجاءت به قزعة (٥) (٦).

стр. 1597

* الوجه الرابع: ذَكَر الزمخشريُّ القزعَ المرادَ ها هنا في المجاز وقزعَ السحاب في الأصل، فإذا جُعل مجازًا، كان [من] (١) مجاز التشبيه. ويمكن على طريقة [المتأخرين] (٢) أن يُجعلَ حقيقةً (٣) في القدر المشترك بين ما نحن فيه وبين قزع السحاب، ويقصدُ المتأخرون [بذلك] (٤) نفيَ الاشتراك والمجاز اللذين هما على خلاف الأصل (٥)، وهذا ليس بقوي في بعضٍ، وهو ما [إذا] (٦) كثُرَ الاستعمالُ، فابتدارُ الذهن إلى أحد المعنيين من اللفظ، وبُعْدُ (٧) وجود المشترك في بعض مواضع الاستعمال إلَّا بتكلُّفٍ. وفي هذا الموضع نقول: إنه قد ورد القَزَعُ منطلقًا على صغار الإبل كما قدمناه، وفي تناول القدر المشترك لهذا (٨) تكلفٌ، فليجعلْ مشتركًا. * * *

стр. 1598

* الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: مذهب الفقهاء والمختار عند الأصوليين (١): أن هذه الصيغة؛ أعني: (نهى) منزَّلةٌ مَنْزلةَ حكايته صيغة لفظ النهي من النَّبِيّ ﷺ ، وربما نازع فيه قوم؛ لاحتمال اعتقاد ما ليس بنهيٍ نهيًا، وهو ضعيف؛ لأن معرفةَ الراوي باللغة طبعًا وتحرُّزَهُ عن المجازفة شرعًا وتحسين الظن به يُبعد ذلك، فإن وقع دليلٌ يدل على هذا الاحتمال ورُجّحَ على ما ذكرناه، قُدّم حيث وُجدَ ذلك بخصوصه لا مطلقًا (٢). الثَّانية: قد ذكرنا عن مالك، وصاحب "الصحاح" ما يدلُّ على أن القَزَعَ في مواضع متفرقة، وذكرنا عن بعضهم ما هو أعم من ذلك وهو تركُ حلق بعض الشعر، فيحتمل أن يقال: إن اللفظ مشترك، وهو الذي يقتضيه كلام ابن سيده، فإنَّه ذكر الأمرين معًا؛ أعني: أن يكون القزعُ أخْذَ بعض الشعر وترْكَ بعضه، وأن يكون القزع في مواضع

стр. 1599

متفرقة وهو معنى (١) قوله: والقُزْعة والقُزَّعة: خُصَلٌ من الشعر تترك على رأس الصبي كالذوائب متفرقة. ويحتمل أن يقال: إنَّ كلَّ واحد ممن نَقَلَ أحد الأمرين مُفْردًا ذكرَ ما هو مقتضى اللغة عنده [فـ] (٢) ـكون ذلك تعارضًا في النقل عن اللغة؛ لأن أحدَ الأمرين أعمُّ من الآخر، فإن كان كذلك (٣)، فينبغي أن يُنظر فيمن زاد على صاحبه فيؤخذ بقوله؛ لأنا إنما نحن ننقل عن المتأخرين الذين يأخذون اللغة عن تتبُّع مواضع استعمال اللفظ، فإذا زاد أحدٌ على غيره دلَّ ذلك على اطلاع منه على استعمالٍ أَزْيَدَ مما اطَّلعَ عليه الآخر، والأخذُ بالزائد متعيِّن. [المسألة] (٤) الثالثة: إذا جعلناه اختلافًا في النقل عن اللغة، وتعيَّنَ الأخذ بالزائد، فيمكن أن يقال: الذي جعله دالًا على المعنى الأعم هو الزائد، وذلك بأن يكون الذي نقل أنَّه قال على التفرق في أماكنَ لم يطلعْ على استعماله في حلق البعض دون البعض من غير (٥) كثرة، واطلع هذا على استعماله في مطلق حلق البعض وترك البعض، فيكون زائدًا على الآخر.

стр. 1600

ويمكن أن يقال: إن الذي اطلع على المعنى الأعم لم يشعرْ بتخصيصه بالكثرة والتفرق، وشعر بذلك من خصَّصه بالتفرق والكثرة مما دلَّ الاستعمال عليه، فيكون زائدًا. وهذا إنما يتبيَّنُ لمن شاهدَ أحد الأمرين منفردًا عن الآخر؛ أعني: الأعم منفردًا عن الأخصِّ، ورأى الاستعمال فيه، فحينئذ يتعيَّنُ أن يكون قولُهُ هو المأخوذ به. [المسألة] (١) الرابعة: هذا الذي ذكرناه هو بالنسبة إلى الوضع ومعرفة مدلول اللفظ، وإنما ذكرناه ها هنا لما ينبني عليه من الحكم فنقول: إذا حلق نصف شعره مثلًا وترك النصف، فهل يكون ذلك مكروهًا ويحمل اللفظ عليه أم لا؟ وقد عُرف في علم الأصول الفرقُ بين الوضع والحمل، ونحن الآن نتكلم على (٢) العمل فنقول: إنْ جعلناه مشتركًا بين حلق البعض وترك البعض، وبين ذلك بقيدِ (٣) الكثرة والتفرق، بنينا ذلك على أن اللفظ المشترك يحمل على جميع مسمياته أولا. فإن (٤) قلنا: يُحمل، تعينَ كراهة كل واحد من الأمرين؛ أعني: الحلق مع الكثرة، والتفرق والحلق من غير كثرة ولا تفرق. وإن قلنا: لا يحمل على جميع مسمياته، فإن لم يقمْ دليلٌ على

стр. 1601

[تعيين] (١) أحد المعنيين للإرادة، كرهنا كل واحد منهما أيضًا؛ لا لأنه مقتضى اللفظ وضعًا، بل لأن اللفظ دلَّ على كراهة أحدهما ولم يتعينْ، ولا يُخرج عن عُهْدةِ هذه الكراهة إلَّا بترك الجميع (٢). وهكذا ينبغي أن يكون في جميع المشتركات التي لا يقوم دليل على تعيين (٣) أحد المحامل منها للإرادة (٤) بعد أن يكون ها هنا حكم أعمُّ من كل واحد منهما متبيِّن (٥)؛ لأنه لا يخرج عن العهدة إلَّا بالمجموع، ولا فرقَ في ذلك بين أن يكون الحكمُ وجوبًا أو كراهةً. ولو لم يقمْ دليل على تعيين (٦) القُرْء للطُّهر عند من يراه، ولا على تعيينه للحيض عند من يراه، لوجبَ أن تتربَّصَ المرأة بهما جميعًا؛ لأنه تبينَ تعلق الوجوب بالقرء (٧)، وإنما المبهمُ (٨) تعين المراد منهما، ولا يُخرج عن عُهدةِ وجوبِ التربصِ والحِل للأزواج إلَّا بذلك. ولذلك أقول: إن صحَّ أن (الشفقَ) مشترك بين العمرة والبياض، ولم يقم دليل على تعين أحدهما للإرادة، وجب أن لا تصحَّ صلاة العشاء

стр. 1602

إلَّا بعد غيبوبة آخرهما وهو البياض، ومن رجَّح العمل على أحدهما فلا بدَّ من دليل يدل على تعينه للإرادة بخصوصه (١). [المسألة] (٢) الخامسة: إن قلتَ: قد ذكرتَ: أنَّه يعمل على تقدير الاشتراك بالأمرين في الكراهة مع عدم تعين المراد، وعدمُ تعين المراد يوجب الإجمال، والإجمال يوجب التوقُّفَ، وذلك خلافُ ما قلتَ؟ قلتُ: هذا صحيحٌ إذا لم يكنْ تعلُّقُ [الخَطَّاب] (٣) مبيِّنًا من وجه؛ كما لو قال: ائتني بعين. أما إذا كان مبينًا من وجه؛ كالنهي عن القزع مثلًا، وكان الامتثال ممكنًا، فإنَّه يتعين الخروج عن العهدة في التكليف المتبين، وذلك ممكن بالعمل في الأمرين، وصار هذا كما قال بعض الشافعية: إنه يجب في الخُنثى المشكِلِ أن (٤) يُختَنَ في فرجيه (٥). والختانُ إنما يجب فيما هو فرج، فأحدُ الفرجين هو الفرجُ حقيقة، والآخر مشتبةٌ [به] (٦)، فلما كان وجوب الختان أمرًا متبينًا لا إجمالَ فيه، والخروج عن العُهدة ممكن بالختان فيهما (٧)، أوجبوه (٨)، والله أعلم.

стр. 1603

السادسة: هذا هو الكلام على تقدير الاشتراك، وأما إذا حملنا النقلين على الخلاف في مدلول اللفظ لغةً، فيمكن أن يقال: يحمل عليهما معًا، ويستوي الحكم في الصورة بين هذا الاعتبار وبين اعتبار الاشتراك، إلَّا أنَّ المعنى مختلفٌ، فتأمله؛ لأنَّا في تقرير الاشتراك نعلم أنَّ الوضع لكل واحد منهما، وإنما حملناه على الجميع للجهل بالدليل الدال على إرادة أحد المعنيين، وها هنا عرفنا أنَّ الوضع لواحد منهما دونَ الآخر لا لهما معًا، فحملناه عليهما للشبه في الوضع؛ لاشتباه الموضوع له بغيره. وصار هذا قريبًا مما نقول في اشتباه الزوجة بالأجنبية: إنهما معًا محرمتان على المختار، أما الأجنبية فَلِعِلَّة عدم الزوجية، وأما الزوجة فلعلَّةِ الاشتباهِ بغيرها. وها هنا حملنا النقل على الاختلاف، فأحدهما هو الواقع، فعمَّمنا (١) حكمَ الكراهة بين ما هو الواقع وغير الواقع؛ للاشتباه المذكور، ولطلب التعيين في الخروج عن الكراهة والسلامة من

стр. 1604

الوقوع فيما هو مُحتملٌ للوضع والإرادة. وقد يقال: إن كان الوضع لمطلق حَلْقِ البعض وترك البعض فالكثيرُ المتفرِّق داخل تحته فهو متيقَّن، والمعنى الآخر مشكوك فيه، فيحكم بكراهة المتفق على أنَّه داخل في الموضوع له وهو الكثير المتفرق (١)، ونبُيح (٢) المشكوك فيه وهو حلق البعض وترك البعض؛ لأن الأصلَ في الأشياء الإباحة. [المسألة] (٣) السابعة: قال أبو العباس القرطبي: لا خلافَ [في] (٤) أنَّه إذا حُلِقَ من الرأس مواضعُ وأبقيتْ مواضعُ: أنَّه القزعُ المنهيُّ عنه؛ لما عرف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير (٥) نافع له بذلك. واختلف فيما إذا حُلق جميعُ الرأس وتُرك منه موضع؛ كشعر النَّاصية، أو فيما إذا حلق موضعًا وحدَه وبقي أكثر الرأس، فمنع ذلك مالكٌ ورآه من القزع المنهي عنه. وقال ابن نافع: أما القصَّةُ والقفا للغلام، فلا بأسَ به (٦). [المسألة] (٧) الثامنة: تكلموا في تعليل هذه الكراهة، قال أبو

стр. 1605

العباس: واختلف في [هذا] (١) المعنى الذي لأجله كُره؛ فقيل: لأنه من زِيّ (٢) أهل الزَّعَارَةِ (٣) والفساد، وفي كتاب أبي داود: [و] (٤) إنه زيُّ اليهود (٥)، وقيل: لأنه تشويهٌ. وكانَّ هذه العلة أشبهُ؛ بدليل ما رواه النسائيُّ من حديث ابن عمر: أن رسولَ الله ﷺ رأى صبيًا حُلِقَ بعضُ شعره وتُرِك بعضه، فنهى عن ذلك وقال: "اتْرُكُوهُ كُلَّهُ أو احلقُوهُ كُلَّهُ" (٦). قلت: وهذا الحديث يشهدُ لمن يقول بكراهة حلق البعض وترك البعض من غير اشتراطٍ للكثرة والتفرق، إلَّا أنَّه لا يلزم أن يكون هو القزع المذكور (٧) فيه (٨) بذلك اللفظ. ويمكن عندي أن تكون العلةُ في كراهة القزعِ وحلقِ البعض

стр. 1606

وتركِ البعض دخولَهُ في تغيير خلق الله تعالى الذي دلَّت الآيةُ الكريمة على نسبته للشيطان، والذي يدلُّ عليه قولُه ﷺ : ["لعنَ اللهُ الواشمةَ والمُستوشمَةَ ... . " إلى أن قال] (١): "والمُتَنَمِّصاتِ المغيراتِ خلقَ اللهِ" (٢) فوصف جميعهن بكونهن مغيراتٍ لخَلقِ الله، ومنهنَّ (٣) من تحلِقُ بعضَ حاجبها وتترك بعضه، فالنصُّ دالٌّ على أنَّه داخل في تغيير خَلقِ الله، وهذا موجودٌ في القزع. [المسألة] (٤) التاسعة: ظاهرُ النهيِ التحريمُ، فإن ذهب إليه أحد فقد جرى على الطريق المختار عند أرباب الأصول والفقهاء، ومن أخرجه عن ذلك يحتاج إلى دليل يوجب الخروجَ عما اعترفَ بأنه الأصل، وإن انعقدَ (٥) الإجماعُ على عدم تحريمه فهو دليل على صرف هذا النهي عن ظاهره. [المسألة] (٦) العاشرة: [ في كلام بعضهم] (٧) ما يدلُّ على أن

стр. 1607

القَزَعَ راجعٌ إلى النقل، وهو قول (١) من يقول: والقزعُ: أخذُ بعضرِ الشعر، وتركُ بعضه. وفي كلام بعضهم ما يدلّ (٢) على أن القزع: [هو] (٣) الشعر المتفرق بعضه (٤)؛ كما حكيناه عن الزمخشري: أنَّه جعله مجازًا، فتكون الحقيقة هي قَزَع السحاب؛ أعني: القطعَ، فالمشبَّهُ به تكونُ أيضًا هي القطع المتفرقة من الشعر. [المسألة] (٥) الحادية عشرة: النهي عن القزع لا بدَّ فيه من إضمار بتقدير النهي عن فعل القزع، فهل تدخل تحته إزالةُ ما تقزَّع من شعر الرأس من غير فعل فاعل؛ كما لو وُلد كذلك، أو طرأت علةٌ أوجبت ذلك؟ أما على ما قررناه فلا يدخل وقد صحَّ في حديث: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى مَنْ حَلَقَ بعضَ شعره، وتركَ بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: "احْلقُوهُ كُلَّه أو اتركُوهُ كُلَّه" (٦). وهذا أَيضًا إنما تناول ما فُعل، فإن أريد الحكم فيما لم يفعله

стр. 1608

فاعل، فليطلب دليله من وجه آخر؛ مثل أن نقولَ بعد أن يصح لنا التعليل بعلة تقتضي العموم: إن الحكم يعمُّ بعموم علته، فيتناول ما فُعل وما لم يُفعل، فيقتضي إزالةَ القزع الذي لم يُفعل بالعلة وعمومها، بتناولِ اللفظ. [المسألة] (١) الثَّانية عشرة: إذا قدرنا (٢): نهى عن فعل القزع، ففيه عمومٌ يتناولُ فعلَ ذلك الإنسان (٣) بنفسه، وفعلَ غيره [ذلك] (٤) به، والحديث الذي ذكرناه آنفًا في المسألة التاسعة يتناول نهيَ الغير؛ لقوله: إنه رآه حُلق فقال: "احْلقُوهُ كُلَّه أو اتركُوهُ [كُلَّه] (٥) "، وهذا أمرٌ متوجِّهٌ إلى الفاعل. [المسألة] (٦) الثالثة عشرة: إذا نهى عن القزع، فمن لوازمه النهيُ عن التسبب (٧) إليه بالإذن فيه والتمكين منه بالقاعدة الكلية وهي: إعطاءُ الأسبابِ المتوسَّلِ [بها] (٨) أحكامَ المسببات؛ إما في الجملة أو من وجه.

стр. 1609

الحديث الحادي عشر وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "اخْتَتَنَ إبراهيمُ النَّبِيُّ ﷺ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقَدُومِ"، متفق عليه (١). الكلام عليه - بعد ما تقدم من التعريف بأبي هريرة - من وجوه: * الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا: أنَّه متفق عليه؛ أي: بين الشيخين؛ [أي] (٢): على ما هو الاصطلاح.

стр. 1610

* الوجه الثاني: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسألتان: الأولى: قال الزمخشري: ختَنَ الصبيُ واختتنَ، وصبي مختون ومختتِن، واختتنَ إبراهيمُ ﵇ بقدوم، وهو خاتن القوم، وحرفته الخِتانة، وكنا في خِتان فلان وفي عذاره، وقد برئ خِتانُهُ، وهو موضع القطع، ومنه: "إذا الْتَقَى الخِتانانِ" (١). ثم قال: ومن المجاز: عامٌ مختونٌ: للمُجدِبِ؛ كما قيل: عامٌ أغْرَلُ وأقلفُ: للمخصب (٢). الثَّانية: قال أبو عُبيد البكري: قَدُوم - بفتح أوله على وزن فَعُول -: ثنيَّةٌ بالسَّرَاةِ وهو بلد دوس. وفي حديث الطُّفيل بن عَمرو الدوسي ذي النور: فلمَّا أوفيت قَدُوم سطعَ من كُداء نور (٣)، والمحدثون يقولون: قَدُّوم، بتشديد ثانيه. وفي الحديث: عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "واخْتَتَنَ إبراهيمُ ﵇ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقَدُومِ" ورواه أبو الزِّناد: "بالقَدُوم" مخففًا (٤) وهو قول أكثر اللغويين. وقال محمَّد بن جعفر اللغوي: قَدُّوم: موضعُ معرفة (٥) لا تدخل

стр. 1611

عليه الألف والسلام، هكذا ذكره بالتشديد. قال: ومن روى في حديث إبراهيم: "اختَتَنَ بالقَدُوم" مخففًا، فإنما يعني: الذي يُنْجَرُ به. وروى البُخَارِيّ في كتاب الجهاد، في باب: الكافر يقتل المسلم ثم يسلم، من طريق عمرو بن يحيى قال: أخبرني جدي: أن أَبان بن سعيد أقبلَ إلى النَّبِيّ ﷺ وهو بخيبر بعد ما افتتحوها، فقال: يَا رسول الله! أسهمْ لي، فقال أبو هريرة: لا تسهمْ له يَا رسول الله، هذا قاتلُ ابنِ قَوْقَل، فقال أبانٌ لأبي هريرة: واعجبًا لوبرٍ تدَلَّى علينا من قَدُوم ضأنٍ ينعى عليَّ قتلَ رجل مسلم أكرمه الله على يديَّ، ولم يُهِنِّي على يديه (١). وخرَّجه البُخَارِي أَيضًا في عُرْوة خيبر (٢). هكذا رواه النَّاس عن البُخَارِيّ: "قدوم ضأنٍ" بالنُّون إلَّا الهمذاني، فإنَّه رواه: "من قدوم ضال" باللام (٣)، وهو الصواب إن شاء الله. والضَّالُ: السدر البري (٤).

стр. 1612

وأما إضافة هذه الثنية إلى الضأن، فلا أعلم لها معنى والله أعلم (١). * * * * الوجه الثالث: [في شيء من العربية]: قد ذكرنا عن الزمخشريِّ أنَّ من المجاز: عامٌ مَخْتون، وهذا ينبغي أن يكون من مجاز التشبيه؛ أي: تشبيه بالمعنى (٢) المحسوس؛ كأنه اقتطعَ في ذلك العام من الخِصب المعهود شيء، فشابه اقتطاع شيءٍ من الغُرْلة الوافية، فأطلق اسمه عليه. وقد بقي من مادة اللفظة: الأختان بمعنى: الأصهار، وقالوا: هذا خَتَنُ فلان: لصهره وهو المتزوج بنته أو أخته. وأبوا الصهر: ختناه (٣) وأقرباؤه: أختانه. وقالوا: الأختانُ من قِبلِ المرأة، والأحماء من قبل الزوج. وخَاتَنَهُ: صَاهَرهُ (٤).

стр. 1613

فمَنْ عادتُهُ أن يردَّ الاستعمالاتِ المختلفة إلى معنى واحد؛ إما لقصد أن ينفيَ الاشتراك ويجعل موضوع اللفظ القدر المشترك؛ أو ليردَّ المعنى المجازي إذا جعل أحدَ المعاني مجازًا إلى معنى الأصل، فيحتاج ها هنا إلى ردِّ (الختن)، الذي هو الصهرُ إلى معنى القطع أو الاقتطاع؛ الذي هو الأصل أو الحقيقة، وفيه هنا تكلُّف. * * * * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: هذا الحديث يدلُّ على مقدمة من مقدِّمات دليلٍ يستدلُّ به قومٌ على وجوب الختان، فنذكر حكمَهُ أولًا، واختلافَ العلماء فيه ثم نذكر وجهَ الدليل المشار إليه ها هنا. الثَّانية: اختلفوا في وجوب الختان، والمنقول فيه ثلاثة مذاهب: الوجوبُ، وهو مذهب الشَّافعيّ (١). وعدم الوجوب، وهو مذهب مالك، وعن سحنون من أتباعه ما يقتضي الوجوبَ كمذهب الشَّافعيّ (٢)، بل في المنقول عنه ما هو

стр. 1614

أشدُّ تغليظًا من المنقول عن الشَّافعيّ (١). والفرق بين الرجال والنساء؛ فالوجوب في الرجال، وعدمُه في النساء. والمالكية يقولون - أو من قال منهم -: الختان سنةٌ في الرجال، مَكرمَةٌ في (٢) النساء (٣)، وقد رُوي حديث عن النبيِّ ﷺ مثلُه أو قريب منه ولا يثبت (٤)، والله أعلم. الثالثة: كون الحديث مقدِّمة من مقدِّمات الدليل على وجوب الختان يُقرَّرُ بوجهين: أحدهما: أن الختان من مِلَّة إبراهيم، واتِّباعُ ملته واجبٌ، فالختان من ملته؛ أما أنَّه فعله، فبهذا الحديث الذي نحن فيه، وبهذا قلنا: إنه يدل على مقدمة من مقدِّمات الدليل على وجوب الختان. والمقدمة الثَّانية: وهو أن اتباع ملته واجب، فدليلها قوله تعالى:

стр. 1615

﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وهذا الدليل فيه نزاع في مواضع: أحدها: أن الملة يُراد به الأحكام الأصولية، والأحكام الفروعية، وقد مُنع ذلك وخُصِّصَ بالأصولية، واستُدلَّ عليها بأمور: أحدها: أن المُختلِفين في الفروع لا يقال: إن أحدهم على غير ملة الآخر، بل يقال: هما على ملة واحدة فنقول الشَّافعيّ ومالك وأبو حنيفة وسائر المختلفين في الفروع على ملة واحدة. الثاني: مناسبةُ (١) ما بعد هذا الكلام لكون المراد هو الأصول، وهو قوله: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]. الثالث: لو كان المراد الأصول والفروع لكان النَّبِيّ ﷺ متعبَّدًا بشريعة إبراهيم ﵊ أصولها وفروعِها، واللازمُ منتفٍ، والمسألة في الأصول معلومة، والاستدلال على انتفاء هذا اللازم مذكور في كتب الأصول، والمستدلُّون بهذا الدليل يظهر من كلامهم أنَّهم يلتزمون صحة هذا اللازم، وهو تعبُّدُ النَّبِيّ ﷺ بشرع إبراهيم، وهو خلافُ المرجَّح في الأصول (٢). وثانيها: سلَّمنا أن الملةَ تدخل تحتها الأحكام الأصولية والفروعية؛ لأن الفعل من حيث هو فعل ليس بحكم لكنه متعلق الحكم، إذ الحكمُ: خطابُ الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلَّفين، فهو
следующие страницы →