← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أي: القوة في طاعة الله، والأبصار في الحق؛ عن مجاهد (١). ومنها: الشروعُ في شيء، يقال: وضع يده في كذا؛ أي: شرع فيه. ومنها: الولايةُ والنصرة، فلان يد فلان؛ أي: وليّه [وناصره] (٢)، وذكر بعضهم: أنه يقال لأولياء الله: هم أيدي الله. ومنها: الاهتمامُ بالشيء وفعله بغير واسطة: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فإول خُلِقَ باختراع الله تعالى الذي ليس إلالله تعالى. قال بعضهم: وخُصَّ (٣) لفظَ (اليد) إذْ صوَّرَ لنا المعنى، [إذ هي أجلُّ الجوارح التي يُتَوَلَّى بها الفعلُ فيما بيننا، ليتصوَّرَ لنا [اختصاص] (٤) المعنى] (٥)، لا لنتَصَوَّرَ [منه] تشبيهًا (٦). الحادية عشرة: اليمينُ: حقيقةٌ في العضو المخصوص، وأما اليمينُ بمعنى: الحَلْفِ، فجعله بعضُهم مستعاراً من اليد اعتبارًا بما يفعله المُعاهِدُ والمُحالف؛ أي: عند العهد أو الحلف، ولما كان من صفات اليمينِ الشرفُ بالنسبة إلى اليسار، جُعِلَ علاقةً لاستعمال اليمين في غيرِ الجارحة. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] فُسِّرَ بأصحاب

стр. 1647

السعادات والميامن، على حسب تعارُفِ الناس في العبارة عن الميامن [باليمين] (١)، وعن الأشائم (٢) بالشمال. وأمّا ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] , ففسر اليمينُ بالناحية التي كان منها الحقُّ، والإتيانُ بالصرف، فقيل: أي: الناحيةُ التي كان منها الحقُّ فتصرفوننا عنها (٣). وهذا عندي يرجعُ إلى علاقة الشرف بين الحق واليمين. وقد حُمِلَ قولُ الشاعر [من الوافر]: إذا ما رَايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ ... تَلَقّاهَا عَرابةُ باليَمِينِ (٤) أي؛ على معنى التيمن للشرف والسعادة. وأما قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] فقال بعضهم: أي: منعناه ودفعناه، يُعبَّرُ عن ذلك بالأخذ (٥) باليمين؛ كقولك: خذ بيدِ فلان. وما شاعَ من: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ" (٦)، ففُسِّرَ

стр. 1648

بأنه يُتوصلُ به إلى السعادةِ المقرِّبة [إليه] (١) (٢). الثانية عشرة: المِرْفَقُ ينطلق على أشياء: منها - وهو المراد في هذا الحديث -: عضو مخصوص من الإنسان والدابّة، وعرَّفه ابن سِيدَه بأنه: أعلى الذراع، وأسفل العضد (٣). وعرَّفه غيُره بأنه: مُوْصِل الذراع في العضد، ذكره الجوهريّ في "الصحاح"، وغيره من بعده، ويقال فيه بهذا الاعتبار: مَرْفِق - بفتح الميم، وكسر الفاء -، ومِرْفَق - بكسر الميم، وفتح الفاء -، وقد قُرِئَ بهما معًا في الآية الكريمة (٤). ومنها: ما هو من مادة (الرفق)، قال الصَّغَاني في "العُباب الزاخر": وقال أبو زيد: يقال: رَفَقَ الله بك، ورَفَقَ عليك رِفْقَا ومِرْفقاً ومَرفَقاً، قال: وزاد غيره مَرْفِقاً، بفتح الميم، وكسر الفاء. وقُرئ قوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] بالوجهين؛ أي: ما يرفقون به؛ [قرأ] (٥) بفتح الميم وكسر الفاء: أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، والأعشى، والبرجمي، عن أبي بكر، عن عاصم،

стр. 1649

والباقون بكسر الميم وفتح الفاء، ولم يقرأْ بفتح الميم والفاء أحد (١). وكذلك ذكر ابن سِيدَه ثلاثَ لغات (٢) فقال: الرفق، والمِرْفَق، والمَرْفِق، والمَرْفَق: ما استُعينَ به، وقد تَرفَّقَ (٣) به وارْتَفَقَ. ومنها: المرفق: المغتسل؛ ذكره ابن سِيدَه (٤)، وقال صاحب "العُباب": [و] (٥) مَرَافِقُ الدار: مَصابُّ الماء ونحوها، [وقال] (٦): كان ابن سيرين إذا دخل المِرْفَقَ لفَّ (٧) كمَّهُ على كَفِّهِ (٨). [وفي] (٩) حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبلَ القِبلَة ببولٍ أو غائطٍ، فلما قدمنا الشام، وجدنا مرافقهم - ويُروى: مراحيضهم (١٠) - قد اسُتقبلَ بها القبلة، فكنا ننحرف ونستغفرُ الله (١١).

стр. 1650

وقال عقب ذلك: المِرْحَاضُ: موضعُ الرحضِ، كنى بها عن مَطرَح العَذِرَة، وجميعُ أسمائِهِ كذلك، نحو: الغائط، والبراز، والكنيف، والحُشّ، والخَلاء، والمخرج، والمُسْتراح، والمتوضَّأ، كلما شاع استعمال واحد وشُهِرَ انتُقِلَ إلى آخر. ومنها: مرفق: اسمُ رجل من العرب من بني بكر بن وائل، قتلته بنو فقعس. ومنها: المتَّكَأ، قال ابن سِيدَه: وقد ترفَّقَ عليه، وارتفق: توكّأ (١). الثالثة عشرة: اليُسْرَى: أختُ اليُمنى، يقال: يَسار، وِيسار - بفتح الياء، وكسرها -، واللفظةُ مشتركة في أصول حروفها مع اليُسْرِ، الذي هو ضد العُسر: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] , ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨] , ومع السهل: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] , ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] , ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ومع الشيء القليل: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] (٢) (٣).

стр. 1651

فأما معنى اليُسر، الذي هو ضد العُسر، ومعنى السهل، فمتقاربان، وقد يُردُّ إليهما معنى القلة بملاحظة، وأما رَدُّ اليَسار إلى معنى السهل والقليل، فيحتاج إلى تأملٍ. الرابعة عشرة: الرأس: حقيقةٌ في العضو المخصوص من الحيوان بجملته، وكذلك ما يرجع إليه، كرجلٍ أَرْأَسُ ورَأْسيّ: عظيم الرأس، وشاة رَأْسَاء: سوداء الرأس، ورئسَ الرجل فهو مرؤوس، ورَأَسَهُ بالعصا: ضرب رأسه، وغير ذلك. ويستعمَلُ مجازًا في قولك: عندي رَأسٌ من الغنم، ورؤوس؛ من مجاز التعبير بالبعض عن الكل. وفي قولك: فلان رَأْسُ القوم (١)، وعلاقته الرفعةُ والعلو، وكذلك ما يرجع إليه كَرَأَسْتُ القومَ. قال النَّمِر [من المتقارب]: وَيوْمَ الكلاَبِ رَأَسْنَا الجُموع (٢) وترأَّسَ، ورَأَّسَهُ القومُ: [كتأمَّر وأمَّروه] (٣). وفي قولك: حدُّهُ من رأس، وعلاقتُهُ الأوَّلية (٤). وقولهم: القومُ رأسٌ عظيمٌ؛ أي جيشٌ على خيالة، لا يحتاجون إلى أحلاف، قال عمرو [من الوافر]:

стр. 1652

بِرأْسٍ (١) مِن بَني جُشَمَ بنِ بكرٍ ... نَدُقُّ بِهِ السُّهُولَةَ والحُزُونَا (٢) يحتمل أن تكون علاقتُهُ الرفعةَ والعلو، ويعتقد ذلك بالنسبة إلى غيرهم، ولو وُجِدَ أخصّ من هذا من العلاقة كان (٣) أولى. ورَأَسَ: يحتمل أن تكون علاقتُهُ الارتفاع (٤)، فيرجع إلى العلاقة الحِسِّية (٥). الخامسة عشرة: الرِّجْل: بكسر الراء، وسكون الجيم (٦)، وقول الشاعر [من المتقارب]: أرتنيَ حِجْلاً على سَاقِهَا ... فهشَّ الفؤادُ لذاكَ الحِجِلْ فقلتُ ولم أُخفِ عَنْ صاحبي ... ألا بأبي حُسْنُ تلكَ الرِّجِلْ (٧) فليس بناء أصلياً، ولكنه من النقل؛ أعني: نقل الحركة.

стр. 1653

السادسة عشرة: جُمعَ الرجلُ على أَرْجُل، وعن سيبويه أنه قال: [لا] (١) نعلمه كُسِّرَ على غير ذلك. وعن ابن جني: استغنوا فيه بجمع القِلة عن جمع الكثرة (٢). السابعة عشرة: [ الرّجل] (٣): تطلق في اللغة على وجوه: منها: العضو المخصوص، وهو حقيقةٌ فيه، قال ابن سِيدَه: والرِّجْل: قدم الإنسان وغَيره، قال أبو إسحاق: الرِّجْل: من أصل الفخذ إلى القدم أُنثى (٤). ومنها: الطامةُ من الجراد يقال لها: رِجْل، والأقربُ أن يكون حقيقةً فيه؛ كما في العضو المخصوص؛ لخفاء العلاقة على تقدير جعله مجازًا. ومنها: إطلاقُ الرّجْل على السراويل، يقال: بزَّ عنه رِجله؛ أي: سراويله، وقال عمرو بن قمئة [من الطويل]: وقد بُزَّ عنهُ الرّجْلُ ظُلمَا ورَمَّلُوا ... علاوتَهُ يومَ العَروبةِ بالدَّمِ

стр. 1654

ولا شكَّ في أن هذا مجازٌ، [ويشبهُ أن يكون للمجاورة] (١)، ويجوز (٢) أن يكون للتشبيه. ومنها: قولهم: صرَّ ناقته رجْلَ الغُراب، وهو ضربٌ من الصرِّ شديدٌ، قال الكُمَيتُ [من الخفيف]: صرَّ رجلَ الغُرابِ مُلكَكَ في النّاسِ ... على مَنْ أَرَادَ فِيْهِ الفُجُورَا (٣) أي: منعهم من الفجور؛ كما يمنع هذا الصَرُّ الفصيلَ من الرضاع. وهذا مجاز؛ لأن رجلَ الغراب حقيقةٌ في عضوه المخصوص (٤)، ثم استُعمِلَ في هذا الصرِّ مجازًا، ولعله من مجاز المشابهةِ؛ بأن تكون هيئةُ هذا الصر تشبهُ رجلَ الغراب، أو غيرِ ذلك من العلاقات، ثم تجوَّزَ بهذا الصرِّ عن المنعِ من الفُجور بعلاقة (٥) المنع. ومنها: قولهم: فلان لا يعرِفُ يدَ الفرس من رِجْلِهَا؛ أي: شفتها العليا من السفلى. وهذا مجاز، إذا عرف أعلاها من أسفلها فهو من مجاز التشبيه. ومنها: قولهم: كان ذلك على رِجْلِ فلان؛ أي: عهده، وهذا معدودٌ في المجاز؛ ذكره الزمخشري، ولم يذكر العلاقة.

стр. 1655

ومنها: قولهم: قام على (١) رِجْلٍ، إذا جدَّ في أمر حَزَبَه (٢)، وذلك مجاز. الثامنة عشرة: قال ابن سِيدَه: الكَعْبُ: كل مفصل للعظام، وكعبُ الإنسان [العظمُ] (٣) الناشزُ فوق قدمه، وقيل: الكعبان من الإنسان: العظمان الناشزان (٤) من جانبي (٥) القدم، ومن الفَرَس: ما بين الوَظِيفَين والسَّاقين، وقيل: ما بين عظم الوظيف (٦) وعظم الساق، وهو الناتئُ من خلفه، والجمع: أكعُب، وكُعُوب، وكِعَاب (٧). وقال الجوهري: الكَعْبُ: العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول الناس: إنه في ظهر القدم. وكُعُوب الرُّمح - بالضم -: النواشز في أطراف الأنابيب. والكَعاب - بالفتح -، والكَاعِبُ: وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وقد كعُبَتْ تكعُب - بالضم - كُعوباً، وكعَّبت - بالتشديد - مثله. وبُرْدٌ مكعَّبٌ: فيه وشْيٌ (٨) مربَعٌّ، وثوب مكعَّبٌ؛ أي: مطويٌّ

стр. 1656

شديدُ الإدراج، والكَعْبُ: القطعةُ من السمن. ثم قال: والكَعْبَةُ: البيت الحرام، وذو الكِعَاب: بيتٌ كان لربيعة، وكانوا يطوفون به (١). قال الراغب: كَعْبُ الرجل: العظم الناتئ عند ملتقى القدم والساق. قال: وكلُّ ما بين العقدتين من القصب والرمح يقال له: كعب، تشبيهًا بكعب، يعني: في الفصل بين العقدتين؛ كفصل الكعب بين الساق والقدم (٢). وقال بعضُ الفُضلاء: إن أصلَ الكتب الارتفاعُ والظهور، ومنه الكعبة، وامرأةٌ كَاعبٌ: إذا برز ثديها. قلتُ: ومن المجاز رجل عليُّ الكعب، قال ابن سيده: يوصَفُ بالشرف والظفر، قال (٣) [من الرجز]: لمَّا عَلاَ كَعْبُكَ لي عَلِيْتُ أراد: لما أعلاني كعبك (٤). التاسعة عشرة: [ قال ابن سِيدَه] (٥): سَبَغَ الشيءُ يَسبُغُ سُبوغاً: طال إلى الأرض، واتسع، وأَسْبَغَهُ هو، وإِسْبَاغُ الوضوء: المبالغةُ

стр. 1657

فيه، وأَسْبَغَ الله عليه النعمة: أكملها ووسَّعها، وإنه لفي سَبْغَةٍ [من العيش] (١)؛ أي: سَعَة، ودلْوٌ سابغة: طويلة، قال [من الرجز]: دلْوُكَ دَلْوٌ يا دُلَيحُ سَابِغَهْ ... في كُلِّ أرجاءِ القَلِيبِ والِغَهْ وسَبَغَ المطرُ: دنا إلى الأرض، وامتدَّ (٢). وقولُ ابن سِيدَه: طال إلى الأرض] (٣)، في دخول الطول إلى الأرض في حقيقة السُّبوغ [نظر] (٤)، وكذا أيضًا ما حكاه ابن سِيدَه: إنه لفي سَبْغَةٍ من العيش؛ أي: سعة، وإسباغ النعمة، مجاز، وظاهر (٥) ما ذكره الزمخشريّ: أن أسبغَ الوضوء، وقد سَبُغَ شعرُهُ، وله شعر سابغ، وعجيزة سابغة، وهو سابغ، ومطر سابغ: مجاز؛ لأنها اندرجت تحت ترجمة المجاز. ومما اشتُقَّ من السُّبوغ: كَمِيُّ مُسْبغٌ: عليه سَابِغَة. وهي الدرع، والجمع: السوابغ، وسالت [تسبيغتُهُ] (٦) على سابغتِهِ، وهي رفرف البيضة، قال [من الطويل]: وتَسْبِغَةٌ يَغْشَى المناكِبَ ريْعُهَا (٧)

стр. 1658

ورَيْعُ الدِّرع - أول مفتوح، وبعده ياء ساكنة، وآخره عين مهملة -: فضولُ أكمامها (١). * * * * الوجه الرابع: شيء مما يذكر في علم العربية، وما يتعلق به من المفردات سوى ما تقدم، وفيه مسائل: الأولى: في (ثم) لغتان؛ الثاءُ والفاءُ، ومعلوم أن الفاءَ تُبدَلُ من الثاء في غير ما موضعٍ، وليس بقياس، فيستفاد النقلُ بذلك في بعض المفردات. الثانية: ذكر بعضُ المتأخرين ما يدلُّ على أن بعضهم قال: إن (ثم) مركبة، فإنه قال: إن المعوَّلَ عليه أن (ثم) ليست مركبة كما ذكر بعضهم، وإنما هي حرفٌ موضوع للمعنى الذي تختص به؛ كسائر الحروف، فلم يذكر كيفيةَ تركيبها. الثالثة: ليس يخفى [اشتهارُ] (٢) نصوصِ أهل العربية في (ثم)، [و] (٣) أنها للترتيب والتراخي، وأصلُها التراخي في الزمان، قال الله

стр. 1659

تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] , ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فاطر: ٢٦] , ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] , فلأجلِ هذا المعنى؛ أعني: التراخي، امتنعَ أن تقعَ في جواب الشرط، فلا تقول: إن تعطني، ثم أنا أشكرك، كما تقول: فأنا أشكرك؛ لأن الجزاءَ لا يتراخى عن الشرط، فالمعنيان مُتنافيان، وكذلك أيضًا لا تقعُ في باب الافتعالِ والتفاعل؛ لمنافاة معناها معنى الافتعالِ والتفاعل، وتُفارِقُ في هذا الفاء، وتفارقها أيضًا في أن لا يعطفَ بها ما لا يصلحُ كونه صلةً على ما هو صلة، كقولك: الذي يطير، ثم يَغْضبُ زيد، الذباب (١)، بخلاف فيغضب زيد؛ لأن (يغضب) جملة لا عائدَ فيها على (الذي)، فلا يصحُّ أن تعطف [بـ (ثم)] (٢) على الصلة؛ لأن [من] (٣) شرط ما عُطِفَ على الصلة أن يَصلُحَ وقوعُهُ صلةً، والعطفُ بالفاء لا يشترط فيه ذلك؛ لأنها تجَعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة؛ لإشعارها بالسببية. الرابعة: [ ذُكِرَ لتعليلِ الفرق] (٤) بين (ثم) و (الفاء) في التراخي وعدمه: أنه لما تراخى لفظُها بكثرة حروفها تراخى معناها؛ لأن قوةَ اللفظ مؤذنةٌ بقوة المعنى؛ ذكره ابن يعيش (٥).

стр. 1660

وهذا يقتضي أن تراخيَ معناها تبع لتراخي لفظها، ومعلولٌ له، وهو عكسُ ما وجدته عن أبي الحسن بن عصفور أنه لما تعرض لبيان قول أبي علي: إن (ثم) مثل الفاء إلا أن فيها مُهلة، قال: فإنما يعني: أنها مثلها في الترتيب، إلا أنه ترتيبٌ فيه مُهلة وتراخٍ، وكأنه لمّا اختصت بمعنى يزيد على معنى الفاء، خُصَّ لفظُها بلفظ أَزيدَ من لفظ الفاء، فكانت على أكثر من حرف، والفاء على حرف واحد (١). وهذا يقتضي أن تكونَ زيادةُ اللفظ تبعًا لزيادة المعنى، وتوافقُ (٢) ما ذُكِرَ عن ابن درستويه: أنَّ الواوَ هي الأصلُ؛ أي: من هذه الثلاثة (الواو) [و ﴿الفاء)، و (ثم)] (٣)، [و (الفاء) و (ثم) فرعان على (الواو)؛ لأن (الواو) و (الفاء) و (الميم)، (٤) متقاربات من جهة المخرج، إذ (الفاء) من باطن الشفة، و (الواو) و (الميم) من نفس الشفة، فلذلك هذه الحروف الثلاثة تجمع ما بين الشفتين في اللفظ والمعنى، وخصت بالاستعمال دون غيرها, ولما اختصت (ثم) بمعنى زائد على (الفاء)، خُصَّت بالثاء المقاربة لمخرج الفاء؛ لتدلَّ على معنى ثالث. الخامسة: قد يأتي في الاستعمال ما (٥) يَبْعُدُ حملُ ظاهرِهُ على

стр. 1661

التراخي الزماني مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] , وأمرُ الملائكةِ بالسجود لآدمَ إنما كان قبل خلقنا. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وجَعلُ زوجها [قُبَيلَ] (١) خَلقِها. ومنه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] وبعده: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] [والسماءُ] (٢) مخلوقة قبل الأرض بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] , ثم قال تعالى] (٣): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. ومنه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، والاهتداء هو ما تقدم ذكره، فلا يتصوَّرُ تراخيه عنه. ومنه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ولم ينقطعْ الاتقاءُ والإيمان, ثم حدثَ بعد ذلك اتقاءٌ وإيمان آخر، ثم حدث اتقاءٌ وإحسان.

стр. 1662

ومنه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] والتوبةُ لا تتراخى عن الاستغفار. ومنه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩] والتسويةُ والنفخُ لآدمَ المتقدم ذكره في قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، وقد قدّم عليهما: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، وهو متأخر عنهما. ومنه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] وإنكارُهُم غيرُ متراخٍ عن معرفته. ومن الشعر [من المتقارب]: سَأَلْتُ رَبِيْعَةَ مَنْ خَيْرُهَا ... أَباً ثُمَّ أُمًّا فقَالوُا لِمَهْ (١) لأنَّ كونَ الشخصِ خيراً أُمًّا [من غيره] (٢)، لا يتأخرُ عن كونه خيراً أباً من غيره. ومنه: [من الخفيف]: إنَّ مَنْ سَادَ ثمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قدْ سَادَ قبلَ (٣) ذلك جَدُّهْ (٤)

стр. 1663

فإن المدحَ إنما هو بتوارثِ السؤدد، وقد عطف بالمتقدم على المتأخر. السادسة: هذه ظواهرُ قويةٌ في أنَّ (ثم) قد تكونُ بمعنى (الواو)، وفيها كثرة، وقد قال بذلك بعضهم (١) (٢).

стр. 1664

[و] (١) المتأخرون من نحاة الأندلس - أو من شاء الله منهم - لا يختارون مثل هذا، من إبدال معنى حرف بغيره، ويرون أن كلَّ موضع يوجدُ في القرآن، وفي الكلام الفصيح من الكلام، قد عُدِلَ به في القياس عن ظاهره أوحقيقته إلى معنى آخرَ لا تقتضيه حقيقةُ الظاهر] (٢) في تلك الكلمة، فإنه ينبغي أن يتأوّلَ الكلامُ تأولاً يُبقي تلك الكلمةَ على حقيقتها، كما فعلوا في ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] بأن أخذوا معنى الكلام وقدروه تقديرًا يصح أن يتعدى بـ (إلى) حتى كأنه قيل: مَنْ يُضيفُ نصري إلى الله؛ أي: إلى نصرة الله، [و] (٣) كما فعل في: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] نظرًا إلى أن المصلوب لازم للجذع، ثابت فيه، فصحَّ أن يتعدى بـ (في).

стр. 1665

وقال بعضهم: وهذا أولى من قولِ مَنْ أخرجها إلى معنى (على). وكذلك يُضمّنون الأفعالَ معنى الأفعالَ التي تتعدى بذلك الحرف، وهو كثيرٌ في تصرفهم؛ كما فعلوا في تأويلِ ما استُدِلَّ به على أن (على) توضع مكانَ (عن)، كقولِ (١) قحيف [من الوافر]: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَني رِضَاهَا (٢) فضمَّنوا (رضيت) معنى (عطفت) لتتعدى بـ (على). وكما تأولوا ما استدلَّ به من قال: إن (على) توضع موضعَ الباء من قول أبي ذؤيب [من الكامل]: وكأنَّهنَّ رِبابَةٌ وكَأنَّهُ ... يَسَرٌ يُفيضُ على القِداحِ وَيصْدَع (٣) يصف ابنًا وحماراً فضمنوا (تفيض) معنى (يدفع) لتتعدى بـ (على). وكما تأولوا قوله تعالى: المُستَدَلُّ به على أن (على) يوضع موضع [(من)] (٤): ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي: من الناس، وضمنوا (اكتالوا) معنى (حكموا)؛ أي: إذا حكموا على الناس في الكيل استوفوا. وهذا كثير في تصرفهم (٥)؛ كما قدمناه.

стр. 1666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1667

وأقول: إن كان مخالفوهم يدَّعون أن اللفظَ حقيقةٌ فيما يذكرونه لظهور المعنى فيه، وكون الأصل في الإطلاق الحقيقةَ، فقد يجاب عن ذلك على طريقة الأصوليين، بأنَّ الأصلَ عدمُ الاشتراك، وأنَّ المجازَ أولى منه، لكن التصريحَ بهذا الترجيح عزيزٌ في كلام النحاة، أو معدومٌ. وإن كان مخالفوهم يدعون الاستعمالَ المجازيَّ بهذا المعنى، وليس في ألفاظهم - فيما عَلمتُ - تصريحٌ بدعوى الحقيقة والاشتراك، بل يقولون: يجيء كذا لمعنى كذا، أو يوضع كذا موضعَ كذا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس بتصريح بكونه (١) حقيقةً فيه، والتأويلاتُ التي يبدونها مجازٌ أيضا، فيلزمهم إقامةُ دليلٍ على ترجيح المجاز الذي التزموه على المجاز الذي يدعيه خصومُهم، [وأن يحيل في ترجيح التضمين بكونه في الأفعال أو الأسماء على المجاز في الحروف، فلهم تأويلات يلزم منها المجازُ في الحروف، وتأويلاتٌ تقتضي تعدُّدَ المجاز بالنسبة إلى المجاز الذي يدعيه خصومهم] (٢)، وتوجبُ احتياجاً إلى زائد على مُجرَّدِ التضمين؛ ليصحَّ المعنى، ويطابق اللفظ. فمما يلزم فيه المجازُ في الحرف ما قيل في ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [طه: ٧١]، وصرفُهُمْ لـ (في) عن معنى (على)، فإن (في) للظرفية حقيقةً، وليست حقيقةُ الظرفية موجودةً في الجذع للمصلوب، فهو مجازٌ في (في)،

стр. 1668

لكنه غيرُ المجاز الأول. ومن هذا النوع أنهم سلَّمُوا، [أو مَنْ سلَّم] (١) منهم، حملَ التراخي [في] (٢) (ثم) على التراخي بين الرُّتبتين، أو البُعدِ المعنوي؛ كما سيأتي تأويلُهم في: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] وأن (ثم) فيه للبعد المعنوي الذي بين المعطوف والمعطوف عليه، وتأويلهم في: سَألْتُ رَبِيْعَةَ ... البيت، أنه للبُعد المعنوي، فقد جعلوا (ثم) - وهو حرف - مستعمل (٣) مجازًا، وهو يجوز في الحرف؛ لأن الحقيقةَ هو التراخي في الزمان. ومما يحتاجون إلى تعدُّدِ المجاز، لينطبقَ (٤) اللفظُ على المعنى قولُ الراعي [من الوافر]: رَعَتْهُ أَشْهُرًا وخَلاَ عَلَيهَا ... فطَارَ النِّيُّ فِيهَا واسْتَعَارَا (٥) والنِّي: الشحمُ، ومعنى فطار النِّي: أنها سمنت بسرعة، وقوله: فاستعارا: من السعر (٦)، كما قالوا: ناقة مِشْيَاطٌ، وهو من: شَاطَ

стр. 1669

يَشِيطُ، ووزنه: افتعل (١)، وكان أصلُه: استعر، ثم أشبعَ الفتحةَ فصارت ألفًا، فتُؤوِّلَ ذلك بأنْ ضُمّنَ الكلام فعلًا يتعدى بـ (على) ليخرجَ عن أن يكونَ بمعنى [اللام] (٢)، فإن الظاهرَ أن المرادَ: خلا لها، فقيل: لأنَّ المكانَ إذا خلا لها فرَعَتْهُ وحدَها، فقد صار النِّي عليها لكثرتها, وليس هناك ما يرعاه غيرُها، وهذا انتقال من كون الشرعي (٣) خلا لها إلى كون النِّي صار عليها؛ لأن الرعي (٤) الخاليَ لها لما كان سببا لعلوِّ النَّي عليها صار كأنه على عليها، وهذا مجاز، ليس بمجازِ التضمين، الذي ادُّعي أنه كذلك، وأنه ضَمَّنَ الكلامَ فعلًا، يتعدى بـ (على). ومن ذلك ما قالوه في قول ذي الإِصبع [من البسيط]: لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفضَلْتَ في حَسَبِ ... عَنّي ولا أَنْتَ دَيَّاني فتَخْزُوني (٥) أنه من التضمين؛ لأنه إذا كان أفضلَ فكانَ فوقَهُ في الحَسَب، فقد زال عنه، وصار عنه في حَيِّزٍ، فكأنَّهُ قال: لاهِ ابنُ عمِّكَ ما زال قدرُك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني.

стр. 1670

السابعة: في ذكر تأويلاتِ من أبي أن تكون (ثم) بمعنى الواو في الاستعمالات التي ذكرناها، أما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فيقول: على [تقدير:] (١) خلقنا أباكم، ثم جعلناه صورةً ناطقة حية، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، إلا أنه حُذِفَ المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مقامَهُ، فيكون إذ ذاك مثلَ قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ألا ترى أن التقديرَ: خَلَقَ أباكم من طين، وهذا أولًا قد يُنازَعُ في أن التقدير: خلق أباكم من طين؛ لأن ابتداءَ الغاية الذي تشرَّبَ معنى التسبب (٢) لا يوجبُ أن لا يكونَ ثَمَّ واسطةٌ. ثم نقول: الذي ذكر من التأويل لا يكفي في الخروج عن السؤال؛ لأن التراخي الذي بين التصوير والخلق، وبين السجود، إن صحَّ بهذا التأويل أنْ [يكونَ] (٣) المرادَ، فيحتاج إلى تأويل آخر في التراخي بين الخلق والتصوير، إذا (٤) جعل التصوير لآدمَ ﵇ كما قيل؛ لأن الخلقَ بمعنى: الإيجاد للجملة، لا يتراخى عنه التصوير، بل هو معه، فإن أُوِّلَ بمجاز (٥) زاد المجاز، وإن كان المرادُ تصويرَ بنيه، فهو متراخٍ

стр. 1671

عن سجود الملائكة لآدم، فالسؤالُ المهروبُ [منه] (١) في (ثم) بالنسبة إلى تَأخُّرِ خلق البنين (٢) عن السجود عائدٌ فيها بالنسبة إلى تراخي التصوير عن الخلق. وأما ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] [فقيل فيه بأن معناه: خلقكم من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها] (٣) بعد التوحدِ، فعطف الجملة التي هي: ﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ على ﴿وَاحِدَةٍ﴾؛ لأنها صفة، والجملةُ إذا كانت صفةً في تأويل المفرد، فشاع عطفُهَا على المفرد [لذلك] (٤)، وعبَّر بعضهم عن هذا (٥): بأن الفعلَ، الذي هو (جعل)، معطوف على ما في (واحدة) من معنى الفعل، وكأنه قال من نفسٍ وُحِّدَتْ، أي: أفردت، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، ومعلوم أن جعل زوجها منها إنما كان بعد إفرادها. وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآية، واقتضاؤها؛ لأن خلقَ الأرضَ متقدّمٌ على خلق السماء، وهو متأخر بدليل: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] , فأُجيب عنه بوجهين:

стр. 1672

أحدهما: أن الدَّحوَ غيرُ الخلق، فإنه البَسطُ، والمعنى: بعد خلق السماء بَسَطَها، وإذا كان غيرَهُ، لم يلزمْ تأخرُ خلقِ الأرض عن خلق السماء، بل جازَ أن يتقدمَ خلقُها خلقَ السماء، و [يتأخرَ] (١) بسطُها عن ذلك. والثاني: أن تكون (بعد) بمعنى (مع)، فيكون التقدير: والأرضَ مع ذلك دحاها، واستُشْهِدَ [على] (٢) أنَّ (بعد) بمعنى (مع) بقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] وبقولِ الشاعر [من الطويل]: فَقُلْتُ لها فيئِي إِليكِ فإِنّنَي ... حَرامٌ وإنّي بَعْدَ ذاكِ لَبِيبُ (٣) وفُسِّرَ اللبيبُ بالملبي، والتلبيةُ مع الإحرام، وعن قراءة مجاهد: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ (٤) [النازعات: ٣٠]. والوجه الأول ينبني على أنَّ خلقَ الأرض قبل خلق السماء، وقد رُوي ذلك عن غير واحد من المفسرين (٥).

стр. 1673

وأما قولُهُ تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] فَأُوِّلَ بأن المرادَ دائمٌ على الاهتداء، وكذلك: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠]؛ أي: دوموا، وكذلك: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]: ثم داموا على الانتقاء والإيمان, ثم داموا على الانتقاء والإحسان. ولقائل أن يقول: ليس في هذا بيانٌ واضحٌ يُتخلَّصُ به عن سؤال التراخي، فإن الدوامَ هو الاستمرارُ في الزمان، فإذا أُخذَ فيه الزمن الأول بعد انقضاء زمن المعطوف عليه، فالذي هُرِبَ منه في أمر التراخي بالنسبة إلى الاهتداء عائدٌ بالنسبة إلى الدوام. وأما قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩] , فقد أُوِّل بأن معناه: وبدأ خلق آدمَ من طين، ثم [جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فيكون النفخُ والتسوية متأخرين عن] (١) حكم الله (٢) بجعل نسله من سلالة من ماء مهين، وذكر هذا [المؤوِّلُ أنه بيّنٌ] (٣) أنَّ العربَ تقول: فعل، بمعنى: حكم بالفعل، قال: إن جعلت النفخ والتسوية لآدم ﵇؛ كما أنهما له في قوله : ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

стр. 1674

فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢] وإن جعلتهما لنسله (١) لم نحتج في الآية إلى تأويلٍ. ولا يخفى عليك أن (٢) هذا ليسَ من باب تضمين الفعل معنى فعلٍ آخرَ ليُعدَّى تعديتَهُ؛ لأنَّ تعدي ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة: ٨] لا يحتاج في التعدي إلى تضمين، وإنما هذا تَجَوُّزٌ بجعل فَعْل موضعَ فِعْل، ثم لا بيانَ فيما ذكر يَخلُصُ به من معنى التراخي، فإن (٣) الحكمَ بجعلِ منسله من سلالة يسأل عنه، وهل حملُهُ [على (٤) العلم، أو] (٥) على ما يلازمُ العلمَ على مذهب المتكلمين المثبتين لكلام النفس، أو على غير هذين؟ والأولان يستحيلُ فيهما التراخي عن شيء من الأشياء، وغيرُهُما يحتاج إلى ذكره وبيانه. وأما قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] , فقد أُوِّل على أن (ثم) فيه للبُعدِ المعنوي الذي بين المعطوف والمعطوف عليه، لا للبُعدِ الزماني؛ لأن من عرف شيئًا ينبغي أن يكونَ أبعدَ الناس من إنكاره، واستعمالُها حيثُ زاد (٦) البعدُ بين الشيئين من

стр. 1675

غير جهة الزمان سائغٌ في الكلام نحو قول القائل: أشعرُ الناسِ فلانٌ، ثم فلان (١)، إذا تباعدَ ما بينهما في جودة الشعر. وهذا أيضًا ليس إلا مجازًا في استعمال التراخي، الذي هو حقيقة في الزمان، في البعد المعنوي، فلابد فن ترجيحه على المجاز الذي ادعاه خصومهم. وأما قول الشاعر: سألتُ ربيعةَ ... البيت. فقد حمله على البعدِ المعنوي، وَوُجِّهَ: بأن الشرَّ الذي يلحق الشخصَ في الانتساب من قبل أبيه أشدُّ من الشر الذي يلحقه من قبل أمِّهِ من جهة: أن الاعتمادَ في الانتساب إنما هو على الآباء، فتفاوتُ ما بين الشرين كذلك، وهذا كالذي قبله في أنه مجاز يقابَلُ بمجاز (٢)، ويحتاج إلى الترجيح. وأما [قوله] (٣): إنَّ منْ سَادَ ثمَّ سادَ أبوه ... البيت. فقال أبو الحسن الأُبَّدِي (٤)، فيما وجدتُهُ عنه: وأما البيتُ فيتخرجُ

стр. 1676

على ظاهره من سؤدَدِ الممدوحِ أولًا، ثم سؤدَد أبيه بعده، ثم سؤددِ الجدِّ بعده، فيكون مثل قول الآخر [من البسيط]: وكمْ أبٍ قدْ عَلاَ [بابْنٍ] (١)، ذُرَى حَسَبٍ ... كَمَا عَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ عَدْنَانُ (٢) لِتَبقَى (ثم) على بابها، ومما يبينُ أن (ثم) على بابها قولُهُ بعد ذلك: (جده). وهذا الذي ذكره من العمل والاستشهاد بالبيت، فقد وجدناه عن أبي الحسن بن عُصفُور أيضًا، وأنشدَ في البيت: ذُرَى شَرَفٍ (٣). ولقائل أن يقول: لا نسُلِّمُ أنه تبقَى (ثم) (٤) على بابها على تقديرِ

стр. 1677

الحملِ على هذا المعنى الذي استشهدَ بالبيت عليه، وذلك لأنَّ المعطوفَ هو سؤددُ الأب على سؤدَدِ الابن، ثم سؤدَدُ الجدِّ على سؤدد الأب، أو على سؤدد الابن. وإذا اعتبرتم هذا المعنى الذي ذكرتموه، فلا يتراخى سؤدَدُ الأب، ولا سؤددُ الجدِّ الممدوح، بل يحصلان معًا، نعم يتراخى سؤددُ الأب والجد عن وجود الممدوح، ولم يقعِ العطفُ بـ (ثم) بين سؤدد الأب والجد، وبين وجود الممدوح، وإنما وقعَ بين السؤددين. فإن قال: ها هنا ترتُّب بين السؤددين، وهو الترتبُ (١) بين العلة والمعلول. قلنا: وهذا قد يمكنُ في الترتيب، فأين التراخي بين العلة والمعلول؟ فيحتاج إلى أن يَرُدَّ الأمرَ إلى الترتيب، لا إلى التراخي، إلا على استكراهٍ وتعقيدٍ. وأيضًا فذُروةُ الشيء أعلاه، ولا تَتساوى دلالةُ هذا اللفظ مع دلالة لفظِ (ساد)؛ لأن ظاهرَ لفظ (ساد) حصولُ أصل السيادة، [والعلوُّ إلى الذروة، لا يقتضي ظاهرُه عدمَ حصولِ أصل الشرف؛ لأن العلوَّ إلى الذروة أخصُّ من مطلق العلو، فإذا قيل: إن المفهومَ يقتضي عدمَ الحصول في أعلى الذروة، فلم يقتضِ حصولَ أصل العلو؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.

стр. 1678

إذا كان الأمرُ كذلك، وأن ظاهرَ (ساد) يقتضي حصولَ أصل السيادة] (١)، واعتبرتم هذا المعنى الذي ذكرتموه، لزم أن لا تكونَ لأبي هذا الممدوحِ وجدِّهِ سيادةٌ قبلَ وجود سيادة هذا الممدوح، وهذا رديءٌ في المدح، بل هو ذمٌّ، أو قريبٌ من الذم؛ لاقتضائه أن هذا الممدوح ليس له أصلٌ في السيادة بسؤدد أبيه وجده، وأيضًا فإذا جَعلتَ سؤددَ الجدِّ متراخياً عن سؤدد الأب لم يستقمْ مع اعتبارك هذا المعنى الذي استشهدْتَ على البيت [به] (٢)، فإنه على هذا التقدير يكونان معًا ناشئين عن سؤدد الممدوح. وأما قوله: ومما يبينُ أنَّ (ثم) على بابها قولُه بعد ذلك: (جده)، فهذا قد يكفي في نفي كون (ثم) بمعنى الواو, لكنه لا يعين المعنى الذي ذكره للإرادة. ولئن قال (٣): ما ذكرتموه من الفرق بين علوِّ ذروة الشرف، وبين (ساد) مغالطةٌ؛ لأنا إنما نظرنا بين (على) و (ساد) الذي ذكر في الشعر، وهما سواء بالنسبة إلى الدلالة على أصل السيادة والعلو، [وعلى الريادة] (٤). قلنا: لابدَّ أن يكونَ المرادُ علوَّ عدنان في ذُروة الشرف، وعلى

стр. 1679

هذا (١) يتأتَّى ما ذكرناه من الفرق، وإنما يتعينُ حملُ (على) على ذروة الشرف؛ لأنه لو لم يكنْ كذلك لما حصل الاستشهادُ الذي قصدَهُ الشاعرُ، ونظرَ به. قال الأُبَّدي، فيما وجدناه عنه: أو يكون الترتيب بالنسبة إلى النظر في السيادة، فكأنه يقول: إن من نظر في سيادته، فوجده سيداً، ثم نظر في سيادة أبيه، فوجده كذلك، ثم نظر في سيادة جدِّهِ (٢) فوجده كذلك، وهذا ممكنٌ - أيضًا -. الثامنة: في ذكر طريق أُخرى يَخرجُ بها بعضُ الألفاظ التي تنفي الترتيب أو التراخي، والفرقُ بين هذه الطريقة، وبين الطريقةِ السابقةِ من جَعْلِ [(ثم)] (٣) بمعنى الواو: أن (٤) هذه الطريقةَ تُخصِّصُ جعلَها بمعنى الواو ببعض المواضع، وهذه الطريقة وجدناها في كلامٍ منسوبٍ إلى العلامة أبي محمَّد بن بري النحوي المصري (٥)، فأردتُ أن أذكرَ

стр. 1680

كلامه بكماله (١)، وإن كانَ المقصودُ [الآن] (٢) بعضَهُ لغرابته، وحصولِ (٣) فوائدَ أخرى منه. والذي وجدناه: أنه سُئِلَ أبو محمَّد بن بري ﵀ عن قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] إلى قوله : ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]؛ ما معنى (ثم) (٤) هنا؟ فقال: الجواب: اعلمْ أنَّ الأصلَ السابعَ في (ثم) أن تكونَ لترتيب الثاني على الأول في الوجود لمُهلَةٍ بينهما في الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] وكقولك: جاء زيد، ثم جاء عمرو، قال سيبويه: هما مَجيئان، ويجيءُ كثيرًا لتفاوتِ ما بين رتبتين (٥) في قصد المتكلم، وهذا على أقسام: فمنه: تفاوتٌ بين رتبتي الفعلِ مع السكوت عن تفاوتِ رتبتي الفاعل؛ نحو قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] فـ (ثم)

стр. 1681

ها هنا (١) لِتفاوتِ روتبة الخلق والجعل من روتبة العدل، مع السكوت عن وصف العادلين، ومثل ذلك الآية المسؤولُ عنها؛ لأن (ثم) فيها [تُثبت تفاوتَ رتبةِ الفَكِّ والإطعام من مرتبة الإيمان, إلا أنَّ فيها] (٢) زيادةَ تعرضٍ لوصف المؤمنين بقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٧، ١٨]. ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل بالنسبة إلى فعله، نحو قولك: قارئُ القرآن في الصلاة له بكلّ حرفٍ [مئةُ حسنة، ثم قارئ القرآن في غيرِ صلاةٍ له بكلِّ حرفٍ] (٣) عشرُ حسنات، والمُصلِّي بالمسجد الحرام أفضلُ من المصلي بغيره (٤)، ثم المصلي بمسجد رسول الله ﷺ أفضلُ من المصلى بغير المسجد الحرام، ثم المصلي بالمسجد الأقصى أفضلُ من المصلي بغير المسجدِ الحرام والمسجد النبوي، فـ (ثم) ها هنا لتفاوتِ رتبة مُصَل من مصلٍّ بالنسبة إلى صلاته، وقارئٍ من قارئٍ بالنسبة إلى قراءته. ويجيءُ هذا المعنى أيضًا مقصودًا بالفاء العاطفة؛ نحو: خذِ الأفضلَ فالأكملَ، واعملْ الأحسنَ فالأجمل، ونحو: "رحم الله المحلقين فالمقصرين" (٥)، فالفاء في المثال الأول لتفاوتِ رتبة الفضلِ

стр. 1682

من (١) الكمال، والحسنِ من الجمال، وفي المثال الثاني لتفاوت رُتبة المحلِّقين من المقصِّرين، بالنسبة إلى تحليقهم وتقصيرهم. وقولُهُ تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ [الصافات: ١ - ٣] تحتمل الفاء فيه المعنيين معًا، فيجوزُ [أن يُرَادَ بها تفاوتُ رُتبةِ الصفِّ من الزجر، ورتبة الزجر من التلاوة] (٢)، ويجوزُ أن يُرادَ بها تفاوتُ رُتبةِ الجنسِ الصافِّ من رتبة الجنس الزاجر، بالنسبة إلى صفِّهم وزجرهم، ورُتبة الجنس الزاجر من التالي، بالنسبة إلى زجره وتلاوته. ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل، لا بالنسبة إلى فعله؛ [نحو] (٣): مات الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الصالحون، و (ثم) هاهنا لتفاوت رُتبَةِ المذكورين بخصائصهم في صفاتهم، لا بالنسبة إلى الموت؛ لأنه لا يقبل التفاوت بدليل امتناع: زيدٌ أَمْوَتُ من عمرو، ولو

стр. 1683

جيءَ بالواو موضعَ (ثم) في هذه الأقسام لم تُفدْ تفاوتًا، ولم تُفهمْ منها رُتب، وهذا أولى من قول من يقول: هي لترتيب الجمل في الأخبار، لا لترتيب المخبَرِ به في الوجود؛ لأنه ضعيفٌ في المعنى لبعدِ المهلة (١) حقيقة فيه، - واستدلَّ القائلون به بقول: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبوه وأجيب: إنها (٢) لتفاوت رُتبةِ الابن من أبيه، أو لتفاوتِ رُتبةِ سيادته من سيادة أبيه، ومجازُ استعمالها للتفاوتِ أنها موضوعة للمُهلة، والتفاوتُ مهلةٌ في المعنى، ولأنَّ بينهما قَدْرًا مُشتَركًا، وهو الانفصالُ. وتستعمل [ثم] (٣) أيضًا في التفصيل في أفعالٍ مُبِيْنَةٍ لمبهَمٍ مُتقدم، نحو قولك: زيدٌ كريمٌ يعطي المال، ثم يحمِلُ الكَلَّ، ثم يفكُّ العاني، وزيد ليس بظالم، لا يَغصِبُ المال، ثم لا يقتل الجار، ثم لا يسبي الحريمَ، فـ (ثم) في هذا ونحوه لا يُقصَدُ بها (٤) ترتيبٌ (٥) ولا مُهلةٌ زمانية، وإنما يُراد تبيينُ الوصف المتقدم بما بعده، وتفصيلُهُ به، وفيها

стр. 1684

تراخٍ معنوي، وهو أنَّ كل فعل ذكر يفيد (١) في إثبات الوصف المذكور أولًا إن كان مثبتًا، وفي نفيِهِ إن كانَ منفيًا، ألا ترى أن قولَك: يعطي المالَ، مثبتٌ لصفة الكرم (٢)، وقولك: لا يغصبُ المال، نافٍ لصفة الظلم، فكأن المتكلمَ قصد بالفعل الأول الاستقلال بالبيان، ثم لما فرغ منه قصد بيانًا ثانيًا مستقلًا بالبيان (٣)، فتركُ الانتقالِ عن قصد الاستقلال بالأول إلى قصد إنشاء بيان ثانٍ [نزَّله] (٤) منزلة تراخٍ في الوجود، كما عطف (الآخِرَ) على (الأول) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، لما قُصد الاستقلالُ بكل منهما، وامتنع العطف في قولك: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، لما قُصِدَ عدمُ استقلال كلٍّ (٥) منهما. وهذا المعنى بعينهِ يستعملُ في الفاء؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فالفاء دخلت لتبيينِ حكمِ المُولي في زمن التربّصِ بجملتي الشرط بعدها، لا لتعقيبهما زمنَ التربص؛ هكذا قال أبو حنيفةَ ﵀ (٦)، ومثلُهُ قولُ العرب:

стр. 1685

أقيم عندَكُمْ (١) شَهْرًا فإنْ أحمدتُ مقامي وإلا تحوَّلت. ولا يُقصَدُ بـ (ثمَّ) والفاء في هذا المعنى ترتيبٌ وجودي، بل تفصيل معنوي، ألا ترى أن قولك: اغتسلَ وأفاضَ الماءَ على شقِّهِ الأيمن، ثم على الشق (٢) الأيسر، [ثم على رأسه]، (٣) ثم على بطنه، ثم على ظهره، لم يكنْ قصدُك إلا البيانَ، لا الترتيبَ، ولو قَدَّمتَ وأَخَّرتَ جاز. وكذلك لو أتت (الفاء) (٤) موضعَ (ثم)، فإن كان الموضعُ يحتمل ترتيبًا جاز أن يُقصَدَ الترتيبُ، وجاز أن يُقصَدَ التفصيلُ؛ نحو: توضأَ فغسلَ وجهه، ثم يديه، فإن أردتَ الترتيبَ لا يجوز لك التقديمُ والتأخير، [أوإن أردت التفصيلَ، جاز التقديمُ والتأخير] (٥). وإنما استُعْملَت (ثم) و (الفاء) للتفصيل حَمْلًا على (أو) في نحو قولك: الجسمُ ساكنٌ أو متحرك، الإنسان ذكر أو أنثى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، (أو) منها عندَ الشافعيِّ ﵀ للتفصيل، وهي عند مالك ﵀ للتخيير (٦). وهذا الذي ذكرناه عن الشيخ أبي محمد بن بَري في أن التفصيلَ
следующие страницы →