← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ها هنا (١) لِتفاوتِ روتبة الخلق والجعل من روتبة العدل، مع السكوت عن وصف العادلين، ومثل ذلك الآية المسؤولُ عنها؛ لأن (ثم) فيها [تُثبت تفاوتَ رتبةِ الفَكِّ والإطعام من مرتبة الإيمان, إلا أنَّ فيها] (٢) زيادةَ تعرضٍ لوصف المؤمنين بقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: ١٧، ١٨]. ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل بالنسبة إلى فعله، نحو قولك: قارئُ القرآن في الصلاة له بكلّ حرفٍ [مئةُ حسنة، ثم قارئ القرآن في غيرِ صلاةٍ له بكلِّ حرفٍ] (٣) عشرُ حسنات، والمُصلِّي بالمسجد الحرام أفضلُ من المصلي بغيره (٤)، ثم المصلي بمسجد رسول الله ﷺ أفضلُ من المصلى بغير المسجد الحرام، ثم المصلي بالمسجد الأقصى أفضلُ من المصلي بغير المسجدِ الحرام والمسجد النبوي، فـ (ثم) ها هنا لتفاوتِ رتبة مُصَل من مصلٍّ بالنسبة إلى صلاته، وقارئٍ من قارئٍ بالنسبة إلى قراءته. ويجيءُ هذا المعنى أيضًا مقصودًا بالفاء العاطفة؛ نحو: خذِ الأفضلَ فالأكملَ، واعملْ الأحسنَ فالأجمل، ونحو: "رحم الله المحلقين فالمقصرين" (٥)، فالفاء في المثال الأول لتفاوتِ رتبة الفضلِ

стр. 1682

من (١) الكمال، والحسنِ من الجمال، وفي المثال الثاني لتفاوت رُتبة المحلِّقين من المقصِّرين، بالنسبة إلى تحليقهم وتقصيرهم. وقولُهُ تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ [الصافات: ١ - ٣] تحتمل الفاء فيه المعنيين معًا، فيجوزُ [أن يُرَادَ بها تفاوتُ رُتبةِ الصفِّ من الزجر، ورتبة الزجر من التلاوة] (٢)، ويجوزُ أن يُرادَ بها تفاوتُ رُتبةِ الجنسِ الصافِّ من رتبة الجنس الزاجر، بالنسبة إلى صفِّهم وزجرهم، ورُتبة الجنس الزاجر من التالي، بالنسبة إلى زجره وتلاوته. ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل، لا بالنسبة إلى فعله؛ [نحو] (٣): مات الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الصالحون، و (ثم) هاهنا لتفاوت رُتبَةِ المذكورين بخصائصهم في صفاتهم، لا بالنسبة إلى الموت؛ لأنه لا يقبل التفاوت بدليل امتناع: زيدٌ أَمْوَتُ من عمرو، ولو

стр. 1683

جيءَ بالواو موضعَ (ثم) في هذه الأقسام لم تُفدْ تفاوتًا، ولم تُفهمْ منها رُتب، وهذا أولى من قول من يقول: هي لترتيب الجمل في الأخبار، لا لترتيب المخبَرِ به في الوجود؛ لأنه ضعيفٌ في المعنى لبعدِ المهلة (١) حقيقة فيه، - واستدلَّ القائلون به بقول: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبوه وأجيب: إنها (٢) لتفاوت رُتبةِ الابن من أبيه، أو لتفاوتِ رُتبةِ سيادته من سيادة أبيه، ومجازُ استعمالها للتفاوتِ أنها موضوعة للمُهلة، والتفاوتُ مهلةٌ في المعنى، ولأنَّ بينهما قَدْرًا مُشتَركًا، وهو الانفصالُ. وتستعمل [ثم] (٣) أيضًا في التفصيل في أفعالٍ مُبِيْنَةٍ لمبهَمٍ مُتقدم، نحو قولك: زيدٌ كريمٌ يعطي المال، ثم يحمِلُ الكَلَّ، ثم يفكُّ العاني، وزيد ليس بظالم، لا يَغصِبُ المال، ثم لا يقتل الجار، ثم لا يسبي الحريمَ، فـ (ثم) في هذا ونحوه لا يُقصَدُ بها (٤) ترتيبٌ (٥) ولا مُهلةٌ زمانية، وإنما يُراد تبيينُ الوصف المتقدم بما بعده، وتفصيلُهُ به، وفيها

стр. 1684

تراخٍ معنوي، وهو أنَّ كل فعل ذكر يفيد (١) في إثبات الوصف المذكور أولًا إن كان مثبتًا، وفي نفيِهِ إن كانَ منفيًا، ألا ترى أن قولَك: يعطي المالَ، مثبتٌ لصفة الكرم (٢)، وقولك: لا يغصبُ المال، نافٍ لصفة الظلم، فكأن المتكلمَ قصد بالفعل الأول الاستقلال بالبيان، ثم لما فرغ منه قصد بيانًا ثانيًا مستقلًا بالبيان (٣)، فتركُ الانتقالِ عن قصد الاستقلال بالأول إلى قصد إنشاء بيان ثانٍ [نزَّله] (٤) منزلة تراخٍ في الوجود، كما عطف (الآخِرَ) على (الأول) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، لما قُصد الاستقلالُ بكل منهما، وامتنع العطف في قولك: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، لما قُصِدَ عدمُ استقلال كلٍّ (٥) منهما. وهذا المعنى بعينهِ يستعملُ في الفاء؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فالفاء دخلت لتبيينِ حكمِ المُولي في زمن التربّصِ بجملتي الشرط بعدها، لا لتعقيبهما زمنَ التربص؛ هكذا قال أبو حنيفةَ ﵀ (٦)، ومثلُهُ قولُ العرب:

стр. 1685

أقيم عندَكُمْ (١) شَهْرًا فإنْ أحمدتُ مقامي وإلا تحوَّلت. ولا يُقصَدُ بـ (ثمَّ) والفاء في هذا المعنى ترتيبٌ وجودي، بل تفصيل معنوي، ألا ترى أن قولك: اغتسلَ وأفاضَ الماءَ على شقِّهِ الأيمن، ثم على الشق (٢) الأيسر، [ثم على رأسه]، (٣) ثم على بطنه، ثم على ظهره، لم يكنْ قصدُك إلا البيانَ، لا الترتيبَ، ولو قَدَّمتَ وأَخَّرتَ جاز. وكذلك لو أتت (الفاء) (٤) موضعَ (ثم)، فإن كان الموضعُ يحتمل ترتيبًا جاز أن يُقصَدَ الترتيبُ، وجاز أن يُقصَدَ التفصيلُ؛ نحو: توضأَ فغسلَ وجهه، ثم يديه، فإن أردتَ الترتيبَ لا يجوز لك التقديمُ والتأخير، [أوإن أردت التفصيلَ، جاز التقديمُ والتأخير] (٥). وإنما استُعْملَت (ثم) و (الفاء) للتفصيل حَمْلًا على (أو) في نحو قولك: الجسمُ ساكنٌ أو متحرك، الإنسان ذكر أو أنثى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، (أو) منها عندَ الشافعيِّ ﵀ للتفصيل، وهي عند مالك ﵀ للتخيير (٦). وهذا الذي ذكرناه عن الشيخ أبي محمد بن بَري في أن التفصيلَ

стр. 1686

للمبهم لا يُوجبُ (١) الترتيبَ ولا بدَّ، قد (٢) وجدناه عن بعض من أدركناه، وتأخَّرَ عن زمن أبي محمد، فلا أدري أذكره تقليدًا له، أو من وجه آخر؟ ونسوق ما وجدناه عنه، وإن كان فيه زيادة عما ذكرناه من أمر التفصيل. قال: الفاءُ للترتيبِ، وهو على ضربين (٣): ترتيب في المعنى، وترتيب في الذِّكْر. والمرادُ بالترتيب في المعنى أن يكونَ المعطوفُ بها لاحقًا متصلًا بلا مُهْلةٍ، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، والأكثرُ على كون المعطوف [سببًا] (٤) عمّا قبله، كقولك: أملته فمال، وأقمته فقام، وعطفته فانعطف. وأما الترتيبُ في الذكر فنوعان: أحدهما: عطفُ مُفصَّلٍ على مُجمل هو هو في المعنى؛ كقولك: توضَّأَ فغسلَ وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] الآية. الثاني: عطفٌ لمجرد المشاركة في الحكم بحيث يَحسنُ بالواو، كقول امرئ القيس [من الطويل]:

стр. 1687

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ (١) ثم قال: وأما (ثم) فللترتيب في المعنى بانفصال؛ أي: يكون المعطوفُ بها لاحقًا للمعطوف عليه في حكمه، متراخيًا عنه بالزمان؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. وقد تأتي للترتيب في الذِّكر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. وقد تقعُ موقعَ (الفاء) كقول الشاعر [من المتقارب]: كَهَزِّ الرُّدَيْنيِّ تَحْتَ العَجَاجِ ... جَرَى في الأَنابِيبِ ثمَّ اضْطَرَبْ (٢) وفي التفصيل المذكور؛ كقولك: توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم مسح رأسه، ثم رجليه. وقد تعطف بـ (الفاء) متراخٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] (٣). التاسعة: في طريق أخرى لتخريج (٤) الألفاظ المنافية للتعقيب في

стр. 1688

(الفاء)، والترتيب والتراخي في (ثم)، وهو حَملُ الترتيبِ على الترتيب في الإخبار، وقد ذكرنا آنفًا عن هذا الذي أدركناه من المتأخرين الترتيبَ في الذكر. وقال أبو الحسن بن أبي الربيع النحويُّ الأندلسيُّ لما تكلَّمَ على الفاء: اعلم أن (الفاء) تقتضي أن الثاني بعد الأول بغير مُهلة، فإذا قلت: قام زيد فعمرو، فمعناه أن عَمْرًا قام بعد زيد مُتصلًا [به] (١)، وقد يكون الترتيبُ للإخبار، تقول: مُطرنا مكانَ كذا فمكانَ كذا، إذا أردتَ أن تستوعبَ جميعَ الأماكن التي أخذها المطرُ، [فأخذتَ جهةً، ثم فَرَوَتْ شيئًا بعد شيء إلى أن تنتهيَ إلى آخرها، وربما أصابها المطرُ] (٢) كلَّها في وقت واحد، [ولم تدرِ كيفَ نزل المطرُ فيها؟. وكذلك تقول: شتمني زيد، فعمرو، فخالد، فلا تزال تتخبطُ من واحد] (٣) إلى آخرَ حتى تنتهي إلى أقلِّهم منزلةً، وربما الذي شتمك أولاً ذكرتَهُ (٤) آخرًا، لكنك قصدتَ أن تخبر بالأمر على هذا التدريج، وعلى حسب مراتبهم، ولو جئت بالواو لم يكنْ فيه إلا الجمع، وأنَّ الفعلَ وقع بالجميع، ولم تقصدْ إلى هذا التدريج، ولم يكنْ ذكرك الأولَ، والثاني بعده، والثالث بعده، بالقصد، وإنما كان باتفاقٍ، إذ لابدَّ من تقديم واحد على آخر، إذا أخبرتَ أنَّ الفعلَ وقع بالجميع.

стр. 1689

[ثم] (١) لما تكلَّمَ على ذكر أنَّ (ثم) يكون الترتيبُ فيها على وجهين: ترتيب الإخبار، وترتيب الوجود، قال: ويجوز أن [يكون] (٢) على هذا (٣) قولُهُ سبحانه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. قال: وقد يكون الترتيب بالنظر إلى شخصٍ [دونَ شخص] (٤)، تقول: ساد زيد عندي، ثم عمرو، ثم خالد؛ أي: علمتُ سيادةَ زيد أولاً، ثم سيادة عمرو، ثم سيادة خالد، وإن كان خالد قد ساد قبلهما، ومثلُ هذا موجودٌ في كلام العرب، إذا اعتبرته وجدته (٥). فهذا مع كلامِ مَنْ قدَّمنا رضًى بكونِ الترتيبِ يكونُ في الذكر، وقد وردَ هذا، وذكرنا تضعيفَهُ عن أبي محمد بن بري فيما سبق. ووجدتُ عن أبي الحسن بن عُصفور أنه لما تكلَّمَ على قوله: بلغني ما صنعتَ اليومَ، ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، وهو (٦) أحدُ ما ذُكِرَ في الاستدلال لمن يقول: إن (ثم) [تكونُ] (٧) بمعنى الواو، وخرَّجه على أن (ثم) لتفاوت ما بين الصُّنعين.

стр. 1690

قال: وما ذكره الفرَّاءُ من أن المقصودَ بـ (ثم) ترتيبُ الإخبار، لا ترتيبُ الشيء في نفسه، وكأنه قال: اسمعْ مني هذا الخبرَ الذي هو: بلغني ما صنعتَ اليوم، ثم اسمعْ مني هذا الخبرَ الآخرَ الذي هو (١): ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، ليس بشيء؛ لأن (ثم) تقتضي تأخيرَ الثاني عن الأول بمُهلة، ولا مُهلة بين الإخبارين (٢). فأقول: أما إبطالُ حملِ التراخي، والمُهلةِ على التراخي بين الإخبارين، فصحيحٌ لاشكَّ فيه، وأما على الترتيب فلا، وأبو الحسن لم يذكرْ عن الفراء أن المقصودَ بـ (ثم) تراخي الإخبار، وإنما ذكر أن المقصودَ فيها (٣) ترتيبُ الإخبار، والترتيبُ في الإخبار أعمُّ من التراخي (٤)، فلا يلزمُ من إبطال التراخي في الإخبار إبطالُهُ في الترتيب. ولئن قال: إن (ثم) مُقتضيةٌ للتراخي في نفس الأمر، فإذا جعلها للترتيب في الإخبار لزمَهُ الترتيبُ في التراخي، قيل له: إذا كان مدلولها الشيئين؛ الترتيب، والتراخي، وتعذَّرَ التراخي، جرَّدناها عن دلالتها عليه، وأثبتنا دلالتها على الترتيب، الذي هو أحدُ مدلوليها، وهو أقربُ من تجريدها عنهما معًا. العاشرة: في ذكر طريق أُخرى في تخريج ما ظاهرُهُ المخالفةُ

стр. 1691

[لقاعدتي (الفاء) و (ثم)، وهو احتمالُ المخالفة] (١) اليسيرة: فذكر (٢) عن عبد القاهر في (الفاء): أنَّ أصلَها الإتباعُ، ولذلك لا تَعْرى عنهُ (٣) مع تَعَرِّيها عن العطفِ في جواب الشرط، ولكنها مع ذلك لا تُنافي التراخيَ اليسير. وقال ابن أبي الربيع: الاتصالُ يكون حقيقة، ويكون مجازًا؛ فإذا كان حقيقةً فلا تراخيَ فيه، وإذا كان مجازًا ففيه تراخٍ بلا شكٍّ، ألا ترى أنَّ قولك: دخلتُ البصرة، فالكوفة، فيه تراخٍ، فإنما جاءت (الفاء)؛ لأن سببَ دخول الكوفة اتصلَ بدخول البصرة، لم [يكنْ] (٤) بينهما مُهلة، فلذلك جاءت (الفاء)، وقد يكون التراخي قليلًا، فيكون كالمُستهلَكِ لكونه غيرَ معتبر لقلته، فتَدخلُ الفاء كذلك (٥). الحادية عشرة: [ في] (٦) طريق أُخرى للتخريج في المخالف لظاهر (ثم) أو (الفاء) أو هما، وهو حملُ الترتيب أو التراخي، [على

стр. 1692

الترتيب أو التراخي في الرُّتبة] (١)، وقد ذكرنا عن أبي الحسن بن عصفور من النحاة تسليمَ ذلك، وهو مجاز (٢) في (ثم)، وأما أهلُ صناعة البيان فهو مشهورٌ بينهم، مُتَداوَلُ (٣) الذكر، يُبدونَ [فيه] (٤) معانيَ حسنة، ويستخرجون بلطف (٥) الذهن محاسنَ الكلام، ويأتي بعضُهم فيه بأشياءَ مهمة، فمنه قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ لبعد ما بين الكفرِ، وبين خَلْقِ السموات والأرض وجَعْلِ الظلمات والنور. ومن لطيف هذا ما قاله الزمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]؛ فإنه قال: وفي (ثم) ما فيها من تعظيمِ منزلةِ محمد ﷺ وإجلال محله، والإيذانِ (٦) بأنه أولى وأشرفُ ما أُوتَي خليلُ الله من الكرامة، وأجلُّ ما أوتي من النعمة اتِّباعُ رسول الله ﷺ له في ملته (٧). وأمثالُ هذا كثيرٌ في كلام أهل البيان. الثانية عشرة: الذي أوجب لنا أن نتكلمَ في (ثم) [ومدلولها ما جاءَ

стр. 1693

في الحديث الذي نحن في شرحه من قوله: "ثم تمضمضَ،] (١) ثم غسلَ وجهَهُ ثلاثَ مراتٍ"، وكذلك [كل] (٢) ما ورد فيه (ثم) في هذا الحديث، فإن (٣) التراخيَ غيرُ مراد من هذه اللفظة في هذه الأماكن، إذ الموالاةُ هي المطلوبةُ؛ إما وجوبًا، أو ندبًا، ولا نَظُنُّ أنَّ النبيَّ ﷺ راخى بين غسل هذه الأعضاء عن بعض، فيحتاج إلى تخريج ذلك، والذي نذكرُ فيه وجوهٌ: أحدها: أنْ تُجعل (ثم) بمعنى الواو بناءً على جواز ذلك مطلقًا. وثانيها: (٤) أن تُجعلَ بمعناها في التفصيل، للمُجمَل الذي تقدمها؛ كما حكينا عن كلام ابن بري، والمتأخر عنه. وثالثها: الترتيبُ في الإخبار، أو التراخي، وهو باطلٌ في التراخي كما قدمناه. ورابعها: التراخي في الرُّتبة (٥)، ويحتاج إلى تأمُّلٍ في تراخي ترتيب (٦) غسل هذه الأعضاء بعضها عن بعض، وقد يظهر ذلك في بعضها، فإنه لما ناسبَ أن يكون الوضوءُ لأجل الوَضاءة، وهي

стр. 1694

النظافة، ولا يكون الدخول في العبادة على الوجه المستحسن في العادة، كان هذا معنى يُلحَظُ في سببِ الترتيب، والتقديمِ والتأخيرِ في هذه الأعضاء. ومن (١) أسباب ما ذكرنا أيضًا الشرفُ، ومنه مطابقةُ الترتيب اللفظي للوضع الخارجي، فإذا ثبت هذا، فقد جَمَعَ الوجهُ [أشياء] (٢) لم تجتمع في غيره؛ منها: الشرفُ، ومنه: التعبيرُ به عن الجملة، [﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، (٣)، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ومنها: بروزُهُ غالبًا، ومنها: علوُّهُ في وضع الخِلقة، ومنها: أنه المقصودُ بالرؤية والمباشرة بها عند التخاطب؛ قصدًا، أو عادة وملكة، وذلك يرجِّح طلبَ الوَضاءة فيه، فباجتماع هذه الوجوه فيه، ناسبَ تقديمُهُ على جميع هذه الأعضاء الأربعة، وتراخت عنه رُتبة اليدين لعدم مُساواتها له في البروزِ [للمعتبرات، وتأخرِها عنه في الشرف والرؤية، ولها حظٌّ من التقديم بسبب المطابقة للخِلْقة، وتقدمت على الرأس؛ لأنها (٤) مستورةٌ غالبًا، فلا يحصلُ فيها معنى البروز للمعتبرات] (٥)، ولا هي أيضًا مما تقع عليها الرؤيةُ عند التخاطب غالبًا، وإنما لها الشرف والعلو بحسب الخِلقة، وهاتان المناسبتان متأخرتان عن

стр. 1695

معنى الوَضاءة والنظافة الذي جُعِلَ سببَ الوضوء وعُمدته، فتقدمت (١) اليد على الرأس ترجيحًا لأظهرِ المناسبتين. وأما تقديمُ الرأس على الرجل فيمكنُ أن يكونَ باعتبار مناسبةِ الشرف [والرفعة، واعتبار الوضع الخَلْقي، فإنها لو تأخرت لتُرِكَ اعتبارُ مناسبة الشرف] (٢)، والمطابقة للوضع الخَلْقي من كل وجه، بخلاف ما إذا تقدمت على الرجلين، فإن في ذلك اعتبارَها بين المناسبتين من [كل] (٣) وجه، وتُؤَخَّرُ الرِّجلُ لاعتبار الوضع الخَلقي إذ (٤) لم يبقَ غيرُهما. وقد بلغني أنه تناظرَ شافعيٌّ وحنفيٌّ في مجلس الشيخ أبي الحسن علي بن عيسى الربعي ﵀ (٥) - في ترتيب الأعضاء في الوضوء، واستدلَّ الشافعي بالحديث: "توضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثمَّ يَدَيْهِ، ثم مَسَحَ برأسِهِ، ثم غَسَلَ رِجْلَيه" أو كما قال. قال: و (ثم) للترتيب، فقال أبو الحسن: مُحتملٌ أن يُراد بالترتيب

стр. 1696

في هذا الحديث: ترتيبُ الأعضاء في شرفها لا في غسلها، وبيان ترتيب شرفها من وجهين: الأول: أن أعاليَ الإنسان [خيرٌ و] (١) أشرفُ من أسافله، بدليل أن المشروعَ للمصلي أن يكونَ أعاليه في السجود أخفضَ من أسافله، قالوا: لأن أشرفَ [الإنسان] (٢) إذا كان منخفضًا كان أبلغَ في التذلل، فقدم في الحديث ذكرَ الوجه على اليدين؛ لأنه أعلى، واليدين على الرجلين؛ لأنهما أعلى، وقد تبين أن العلوَّ في الخِلْقة شرف. الثاني: أنَّ شرفَ الوجه على اليدين: أنه جمعَ السمع والبصر والنُّطق، وهي من أجل الأدوات المستعملة في العبادات؛ ولأن به يكونُ الاستقبال والاستدبار، فكان لذلك أعزَّ الأعضاء، ويؤيده قوله ﷺ : "أقربُ ما يكونُ العبدُ مِنَ اللهِ وَهُوَ سَاجِدٌ" (٣). قالوا: لأنه وضعَ أعزَّ الأعضاء في الأرض، وهو غايةُ التذلل، فكان سببًا لزيادة القُرب. واليدان بهما يكون البطش، وهو أَعْوَنُ شيء على العبادة، وأَدْخَلُه فيها؛ لاستيعابه كثيرًا منها، والرجلان يكون بهما السعي، وهو دونَ

стр. 1697

البطش في ذلك، بدليل أن أقطعَ الرجلين [أقدرُ] (١) على العبادات من أقطع اليدين، ويؤيدُه قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآية، وبُدِئَ (٢) فيها بالأدنى لغرض الترقي؛ لأنَّ منفعةَ الوصف الرابع أعمُّ من منفعة الثالث؛ فهو أشرفُ منه، ومنفعة الثالث أعمُّ من منفعة الثاني؛ فهو أشرفُ منه، ومنفعة الثاني أعمُّ من منفعة الأول، فهو أشرفُ منه، وقد قُرِنَ السمع بالعقل، ولم يُقرنْ به البصرُ في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، وما قُرِنَ بالأشرف كانَ أشرفَ. قال: فإن قيل: كان الأَولى أن يُقدَّمَ في الآية المذكورة الوصفُ الأعلى، ثم ما دونه حتى يُنتهى إلى أضعفِها؛ لأنه إذا بُدِئَ (٣) بسلب الوصف الأعلى، ثم سُلِبَ ما دونه، كان ذلك أبلغَ في الذم؛ لأنه لا يلزمُ من سلب الأعلى سلبُ ما دونه، كما تقول: ليس زيدٌ بسلطانٍ، ولا وزيرٍ، ولا أمير، ولا والٍ، والغرضُ من الآية المبالغة في الذم. قلت: ما ذكرتَهُ طريقة حسنة في علم المعاني، والمقصودُ من الآية طريقةٌ أخرى، وهي أنه - تعالى - أثبت أن الأصنامَ التي يعبدها

стр. 1698

الكفار -[أمثالُ الكفار] (١) في أنها مقهورةٌ مربوبةٌ، ثم حطَّها عن درجة المثلية بنفي (٢) هذه الصفات الثابتة للكفار عنها، وقد علمتَ أنَّ المماثلةَ بين الذوات المتباينة إنما تكون باعتبار الصفات الجامعة بينها، إذْ هي أسبابٌ في ثبوت المماثلة بينها، وتقوى المماثلةُ بقوة أسبابها، وتضعُفُ بضعفها، فإذا سُلِبَ وصفٌ ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى، انتفى وجهٌ من المماثلة بينهما، ثم إذا سُلِبَ وصفٌ أقوى من الأول، انتفى وجهٌ من المماثلة أقوى من الأول، ثم لا تزالُ تُسلَبُ أسبابُ المماثلة أقواها فأقواها، حتى تنتفيَ [المماثلةُ كلُّها بهذا التدريجِ، وهذه الطريقةُ ألطفُ من] (٣) سلبِ أسباب المماثلة أقواها، ثم أضعفها، فأضعفها، فُقدِّمَ الوجهُ على اليدين، واليدان على الرجلين كذلك. وكان ينبغي على الوجهِ الأولِ أن يُبدأَ بذكر الرأس؛ لأنه أعلى الأعضاء، إلا أن الوجهَ هو معظمُهُ، وقد قُدِّمَ، ولم يَبْقَ منه إلا منبتُ الشعر، وأُخِّرَ ذكرُهُ بعد ذكر الأعالي تتمةً لها. وعلى الوجه الثاني لا ينبغي أن يُبدأَ منه (٤) إلا بالوجهِ لخلوِّ ما عداه منه من الأدواتِ المُعِيْنَةِ ظاهرًا على العبادات (٥)، بل ينبغي أن

стр. 1699

يؤخَّرَ ما عدا الوجهِ منه بعد الرجلين؛ لأن منهما بطشًا دونه، وهو مُعتَبر في الوجه، لكنه ذُكِرَ قبلهما؛ ليكون الافتتاحُ بذكر عضو فيه أداةٌ من أدوات العبادات، والاختتامُ بذكر عضوٍ كذلك، ليتشاكلَ الطرفان، وإنه أنسبُ، وأَدْخَلُ في الفصاحة. ومَنْ قال باستفادة ترتيب الأعضاء في الغسل في هذا الحديث من (ثم)، أمكنَهُ أن يستنبطَ من (ثم) تكرارَ الغسل؛ لأنها حينئذٍ تفيدُ تراخيًا ومُهلة في الزمان، فإذا لم يحصلْ تكرارٌ، لم يكنْ بين غسل العضو الأول والثاني مُهلة زمانية، فإذا حصل التكرار، كان بين الشروع في الغسلة الأولى من العضو الأول، وبين الشروع في الغسلة الأولى من العضو [الثاني] (١) مُهلة زمانية؛ لأن ذلك التكرارَ يتخللُ بين الشروعين، فيتحقَّقُ به التراخي، والله أعلم، انتهى. وقد ذكرنا ما وجدناه على الوجه، مع ما فيه من الاستطراد بما لا يتعلَّقُ بغرضنا. وخامسها: ما ذكره بعضُ المتأخرين في اعتبار معنى المُهلة في (ثم)، ومعناه: أن يجعل (غسل) [بمعنى: شرع، وبين الشروعِ في غسل الوجه، والشروعِ في] (٢) غسل اليدين مُهلة. وسادسها: ما ذكرَهُ غيرُهُ من المُتأخرين (٣)، ومعناه: أن حقيقةَ

стр. 1700

غسل وجهه في تمام غسله، وحقيقةُ غسل يديه [بتمام غسلهما] (١)، وبين التمامين تراخٍ ومُهلة. وهذان الوجهان معًا مردودان، فإنه يكون حينئذ إخبارُ الراوي بما أخبرنا به من بيان الواضحات، ومما لا فائدةَ فيه؛ لأنه معلومٌ جزمًا أن بين الشروعين وبين التمامين مُهلة قطعًا، وقد ذكرنا فيما بلغنا عن الربعيِّ قريبًا من هذا حيثُ يقول: إنه يمكن أن يُستنبطَ من (ثم) تكرارُ الغسل، ولا يُرَدُّ على الربعي ما رددنا به على المباحثين؛ لأن التكرارَ، إذا كان فائدةً، لم يكنِ الإخبارُ بما يفيد عَرِيًّا عن الفائدة. الثالثة عشرة: قد ذكرنا الكلامَ في الوَضوء، والوَضوء على المشهور يدل على (٢) اللفظ، وهو أن الوَضوء - بفتح الواو - هو الماء؛ لأنَّ الفعلَ لا يُدْعَى به. الرابعة عشرة: لابدَّ من الحذف في قوله: دَعَا بوَضُوءٍ فتوضَّأَ، تقديره: فحضرَ فتوضأَ. الخامسة عشرة: يقال: فعل بمعنى: شرع، وفعل بمعنى: فرغ، وقوله: فتوضأ، محمولٌ على الأول؛ أي: شرع في الوضوء؛ لتفصيله ذلك بقوله: فغسل كفيه ... إلى آخره.

стр. 1701

* الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قيل: الوضوءُ تعبُّدٌ، وأُخذَ منه تعيُّنُ الماء له. وقيل: معقولُ المعنى معلَّلٌ، ومقصوده النظافة، ولذلك خص الأعضاء البارزة، [و] (١) الرأسُ لما استترَ بالعمامة غالبًا كفاه المسحُ، قيل: ويؤيده ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. واعتُرِضَ عليه: بأنه لا يطَّرِدُ؛ فإن المتوضِّئَ المنطلي بالأوساخ لا يتوضَّأ. وأجيب بأنها نادرة، وفي النفس وازع [عنها] (٢) فأغنى، بخلاف العِبرات الخفية، ونُظِّرَ ذلك بإيجاب الإجابة على المرأة للواطئ لا العكس؛ أي: عدم الإجابة على الرجل، وإن كانا في مقصود التحصين سواءً، لكن أغنى عن الإيجاب عليه باعثُهُ على الوطءِ ليعتاضَ عما يختصُّ (٣) به من الكلف، ولا سيَّما إذا انحصر مطلَبُهُ في الحلال. ومُثِّلَ أيضًا بالبيع على معنى أنه شُرِعَ للحاجة، فلو عكس فباع المُحتاج إليه بالمُستغني عنه لصحَّ، وأغنى النُّدور والوازع عن المنع. واعتُرِضَ أيضًا بالإجماعِ على اختصاص الوجوب بالحَدَثِ وليس مُلطخًا، وعلى سقوط الوضوء بالملطخ؛ أي: من غير الأحداث،

стр. 1702

وجوابه: أن ظهورَ المعنى في الأصل (١) لا يمنعُ [من] (٢) التعبُّدِ في التفصيل، فرُبَّ أصلٍ [معنوي] (٣) تعبدي من وجهين؛ كالنُّصُبِ المُزكَّاة والمسروقة، أصلُها معنويٌّ، وتحديداتها تعبدية (٤)، وقيل في هذا: إنه قام الوضوءُ مقامَ الزاجر عن الحَدَث لغير حاجة لفحشه حينئذٍ. الثانية: في قوله: دعا بوَضُوء، دليلٌ على جواز الاستعانةِ في أسباب الطهارة؛ لدلالةِ لفظ (دعا) على عدمِ حضوره عنده، وعدمِ ذهابه لتحصيله، وعند الشافعية في كراهة الاستعانة في الوضوء وجهان (٥)، وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان ﵁، وقد جاء عن النبي ﷺ الاستعانةُ في الوضوء في حديث المغيرةِ ابن شُعبةَ لما ضاق كُمُّ الجُبَّةِ (٦)، وحديث أسامة بن زيد (٧)، وكلا

стр. 1703

الحديثين صحيحُ السند، وحديث الرُّبيع بنت معوِّذ [بن عفراء] (١) (٢)، والذين كرهوا أوردوا حديثَ النبي ﷺ : "أَنَا لا أَسْتَعِينُ على وُضُوئي بِأَحَدٍ" (٣)، وليس سندُهُ في الصحةِ كسندِ حديث الاستعانة التي دلَّ

стр. 1704

عليها هذا الحديثُ، وهذا أُخِذَ من فِعلِ الصحابي، لا من (١) اللفظ المرفوعِ إلى النبي ﷺ في هذا الحديث. الثالثة: فيه دليلٌ على أنَّ غسل اليدين في ابتداء الوضوء من الأمور المطلوبة شرعًا؛ لفعل النبي ﷺ ، والفقهاءُ أطلقوا القول بذلك، ولم يخصُّوه بحال القيام من النوم؛ لما جاء في الحديث الآخر، لدلالة فعل النبي ﷺ عليه. قال القاضي أبو محمد المالكي في غسل اليدين في ابتداء الوضوء: وذلك من سنن الوضوء لكلِّ طاهرِ اليدين، يريد الوضوءَ بأيِّ نوعٍ كان انتقاض وضوئه به من الأحداث وأسبابها، وقوله: طاهر اليد، يحترزُ به عن النَّجِس اليد. قال المازري: إنما قَيَّدَ بقوله: طاهر اليد؛ لأنَّ مَنْ كان نَجِسَ اليد فغسلُ يده (٢) واجبٌ، إذا كان الماء الذي أعده (٣) لوضوئه قليلًا. قال: هذا على طريقةِ مَنْ قال من أصحابنا: إنَّ الماءَ القليل تنجِّسه النجاسة القليلة، ومَنعَ الاعتدادَ بالوضوء. قال: فعلى هذه الطريقةِ يكون غسلُ اليد واجبًا؛ لأنَّ بغسلِ يده يُتَوَصَّلُ إلى صحة وضوئه. قال الرافعي: قال الشافعيُّ ﵀: ولا فرقَ في استحبابه

стр. 1705

بين القائم من النوم وغيرِهِ، ولا بينَ أن يتردَّدَ في طهارة يديه، أو يتيقنهما، ولا بينَ مَنْ يُدخِلُ يديه في الإناء [في] (١) توضُّئِهِ، و [بين] (٢) من لا يفعلُ ذلك (٣). الرابعة: هذا الذي ذكرناه من الاستحباب مُطلقًا، ولو مع تيقُّنِ الطهارة، يقتضي أن يكونَ غسلُهما من طهارة الحَدَث، ومن يعلِّلُ الاستحبابَ عند ابتداء الوضوء؛ بأنَّ علةَ الطواف، وجَوَلانِ اليد موجودٌ مع اليقظة كما في النوم تقتضي أنَّه من طهارة الخَبَث. وذكر بعضهم: أنَّ كلَّ من وصفَ وضوءَ رسول الله ﷺ ذكر هذا الغسل (٤)؛ يعني: غسلَ اليدين؛ وليسَ كما قال الحافظُ (٥) أبو عمر أحمد بن هارون بن أحمد المعروف بابن عَاتٍ (٦)، فيما وجدته عنه

стр. 1706

منسوبًا إلى شرحه "للتهذيب" المالكي: وفي أكثر الأحاديث: إنَّ رسولَ الله ﷺ غَسَلَ يديه قبلَ إدخالهما في الإناءِ، وأخرجَ البخاريُّ، عن ابن عباس ﵄ حديثًا واحدًا: أنه وصفَ وُضوءَ رسولَ الله ﷺ ، فابتدأَ بالمَضْمَضَةِ (١). الخامسة: اختلف الشافعيةُ في أن غسلَ اليدين في ابتداء الوضوء من سنن الوضوء، أم لا؟ مع الاتفاقِ على نَدبيَّتِهِ (٢) في ابتداءِ الوضوء، وأجرَوا هذا الخلافَ في التسمية والسواك. قيل: فلمْ يعدَّها كثيرون من سننه، وإن كانت مندوبةً في ابتدائِهِ، وعدَّها آخرون من سننه، وهو الوجهُ، ولهذا يقعُ معتدًا به مُثابًا عليها، إذا نوى (٣) مُطلَقَ الوُضوء، ولو لم تكنْ معدودةً من أفعاله لما اعْتُدَّ بنيَّةِ الوضوء، وبنوا على هذا الخلافِ ما إذا اقترنت النيةُ بغسل اليدين، وعَزَبت قبلَ غسلِ الوجه؛ هل يصحُّ الوضوء على أحد الوجهين، وهو الذي صحح؟ (٤) قلت: الفرقُ بين كونها معدودةً من سنن الوضوء، وكونها مندوبةً

стр. 1707

[في ابتدائه، يَحتاجُ إلى تأمل، فإنه يقتضي أن تكونَ مندوبةً] (١) في ابتداءِ الوضوء، ولا تكونَ من سننه وقد تُشُغِّبَ في ذلك. السادسة: لا خفاءَ بأن مراتبَ السنن متفاوتةٌ في التأكد، وانقسامَ ذلك إلى درجة عاليةٍ، ومتوسطةٍ، ونازلةٍ، وذلك بحسب الدلائل الدَّالةِ على الطلب، فمِن الناس [مَنْ] (٢) لا يُفرِّق، ويَتَسامح (٣) في إطلاق لفظ واحد على الجميع؛ كما فعله (٤) من عدَّ سننَ [الوضوء] (٥) ثماني عشرة، ونسقَها نسقًا واحدًا، وهذه الطريقةُ لا تُعدَمُ في كلام أصحاب الشافعي، ولم تظهرْ قوةُ اعتنائهم بالتفريق بين المراتب باختلاف اللفظ الدالِّ على مرتبةٍ مرتبةٍ، وربما فرقوا بلفظ (الهيئاتِ). وأما التفرقة بين السنن والفضائل، كما يفعلُ المالكيةُ، فلم أرَهُ إلا في كلام صاحب "الذخائر" (٦)، فإنه ذكر الوجهين: في أن غسلَ

стр. 1708

اليدين (١) من سنن الوضوء، أو فضائله. وأما المالكيةُ فإنه كَثُرَ تفريقُهم بين المراتب، ووضعُ الألفاظ المخصوصة بإزاء هذا الاختلاف، فوضعوا لفظ (السنة) للمتأكَّدِ، ولفظ (الفضيلة) و (٢) (المستحب) لما دون ذلك، واستعملوا ذلك في الوضوء والصلاة؛ أعني: تقسيمَهم إلى السنن، وإلى الفضائل، وتفريقَهم بين كل واحد منهما، وذكروا خلافًا في هذا الغسل للكفين؛ هل هو سنة، أو مستحب؟ وذكر أبو الطاهر بن بشير (٣) (٤) منهم ضابطًا فقال: [ما واظب ﷺ ، مظهرًا له في جماعة، فهو سنة، وما لم يواظب عليه، وعدَّه في نوافل الخير، فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره ففيه قولان: أحدهما:

стр. 1709

أنه سنة، والثاني: أنه فضيلة، انتهى] (١). وهذا إن كان راجعًا إلى اصطلاح مُجرَّدٍ من غير اعتبار لما به يقعُ التأكدُ، فهذا قريبٌ لا مشاحَّةَ (٢) فيه، لكن لابدَّ من بيان انحطاط الرتبة فيما عدُّوه منحطًا، وإن كان مع اعتبار الأسباب التي يُعلَمُ بها التأكُّدُ، فمنِ ادَّعى انحصارَ ذلك في شيء معين، ونفى غيره، فلا بدَّ له من دليل. السابعة: فيه دليلٌ على استحبابِ التكرار في غسل الكفين ثلاثًا؛

стр. 1710

كما في لفظ الحديث. قال القاضي عياض: واختلفت عبارة شيوخنا في الزائد على واحدة، هل هو سنة، أو فضيلة، أو الثانية سنة، والثالثة فضيلة؟ (١) ذكرَه في مطلقِ تكرار الغسل، ولم يقيِّدْه بغسل الكفين، وهو على اصطلاح المالكية في الفرق بين السنة والفضيلة؛ كما قدمناه، وليس في الحديثِ وغيرِ؛ ممَّا هو مثلُهُ من الأفعال النبويَّة ما يُشعِرُ بهذه الرتبة التي تُدَّعَى، فمن ادَّعى دليلًا على ذلك، فعليه بيانُهُ. وقد يمكنُ أن يقالَ من جانب من يرى الثانيةَ سنةً، والثالثةَ فضيلةً: إن احتمالَ النقصان من الواجب عندَ الاقتصار على واحدة أقوى من احتماله بالنسبة إلى الثالثة، فالحاجةُ إلى الثانية أمسُّ بالنسبة إلى تحصيل الواجب منها إلى الثالثة؛ لأنَّ الظاهرَ الاستكمالُ في الغسل مرتين، فتأخرت رتبة الثالثة عن الثانية في هذا المعنى، وإلى هذا يشيرُ قولُ مالكٍ: لا أُحِبُّ المرَّةَ إلا مِنْ العالمِ (٢)، يعني: لاحتمال نقص غير العالم، عن الغسل الواجب. الثامنة: اختلف أصحابُ الشافعيِّ فيمن على محلِّ الطهارة من بدنه نجاسة؛ هل يكتفي بغَسْلةٍ عن طهارة الحَدَث والخَبَث فيه، أم لابدَّ [من] (٣) غسلتين؟ (٤)

стр. 1711

ويمكن أن يُؤخَذَ من الحديث أنه [يكتفي] (١) بغسلة واحدة، وذلك [لأن] (٢) التعليلَ في حديث المستيقظ من نومه؛ لأنه لا يدري أين باتت يده؟ يومِئُ إلى احتمال النجاسة، وأنه العلةُ في الأمر بغسل اليد ثلاثًا، فلا بدَّ من اعتبار هذا المعنى بالنسبة إلى طهارة الخَبَث، فلو لم يُجْزِ غسلٌ واحدٌ عن الحَدَث والخَبَث؛ لكان استحبابُ التثليثِ في الغسل عن الخبث لا يقتضي الاكتفاءَ به عن الغسل في الحديث، وإلا لتُطلبْ دلالةُ الحديث على استحباب التثليث في الطهارة عن الخبث التي دلَّ عليها حديثُ المستيقظ، وإذا لم يُكتفَ به وجبَ أن يُزادَ (٣) عليه لأجل الطهارة عن الحديث، [فيغسلَ] (٤) ستًّا أو أربعًا؛ لأنه إذا دلَّ الدليلُ على استحباب التثليث [في طهارة الحَدَث كانت ستًّا، وإن لم يكُ كانت أربعًا؛ وفاءً بالدليل الدالِّ على استحباب التثليث] (٥) في الطهارة عن الخَبَث. التاسعة: قد ذكرنا أنَّ اسمَ اليد عند الإطلاق؛ هل ينصرِفُ إلى الكفين فقط، أو إلى جملةِ العضو إلى المنكب؟ ونسبنا إلى الحنابلة الأوَّلَ، ثم رأيتُ في تصنيف لبعض المتأخرين من الشافعية في شرح "المُهذَّبِ" ذَكَرَ عن أبي عُبيد بن حربويه (٦) أنه قال: ينصرفُ - يعني:

стр. 1712

اسمَ اليد - إلى جميعها. قال: واستدلَّ بأنَّهُ لما نزلت آيةُ التيممِ باليدِ مطلقًا مسحت الصحابةُ إلَى المناكبِ، قال: ونحن نقول: إنما قصدوا به الإسباغَ؛ أو كما قال (١). العاشرة: إنْ لمْ يُقصَرِ اسمُ اليد علَى الكفينِ عندَ الإطلاق؛ كما هو الصوابُ، فحقيقةُ قوله: (غسل يديه) يدلُّ علَى المجموعِ لا علَى البعضِ، فإذن يقتضي ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ عندَ غسل اليدين بعد الوجه

стр. 1713

غَسَلَ جميعَ ما يُراد باليدِ عندَ ذلك، وهو المُغَيَّى بالمرافقِ كما في الآيةِ الكريمة. إذا تبيَّنَ هذا، فقد اختُلِفَ فيما إذا غسل يديه قبلَ إدخالهما في الإناءِ، ثم يعيدُ (١) غسلَهما مع ذراعيه؛ هل يجزئُهُ ذلك، أم لا؟ فذكر الحافظُ أبو عمرو بن كتاب عنْ محمدِ بن عمر بن لُبابة أنَّهُ قال: لا يُجزئه، قال: قالَ محمد بن يحيىَ: لأنه بمنزلة من صلَّى نافلةً، فلا (٢) تجزئُهُ من فريضة. قال: وفي "مصنف عبد الرزاق" عن عطاء: أنَّهُ تُجزئُهُ. وقال ابن عبد الحكم: إنْ كَان قصدَ (٣) بذلك السنةَ، فلا يُجزئه، ويعيدُ من صلَّى بذلك، وإن قصدَ بذلك الفرضَ، فلم يعدْها، فتجزئه صلاتُهُ، إلا أنَّهُ يصير (٤) كمَن نكس وضوءَهُ؛ لأنَّهُ غسل يديه قبلَ وجهِهِ، وإلَى هذا رجع أبو محمد (٥) بعد أن قال: تجزئه. انتهَى ما وجدته في هذا. فلقائل أنْ يقول: هل يدلُّ هذا الحديث علَى أنَّهُ لا يُجزِئ، أم لا يدلُّ؟ فيُقَال علَى هذا: أمَّا مَنْ قالَ بأنَّ أفعالَ الرسول ﷺ علَى الوجوبِ فالدلالة ظاهرةٌ، وأما من لمْ يقلْ بذلك - علَى ما هو المختار في

стр. 1714

الأصولِ (١) - فظاهرُهُ أنَّهُ لا يدلُّ. ويمكن أنْ يقالَ: بل يدلُّ، ووجهُ الدليل منه أنْ يقولَ: عدمُ وجوبِ غسل الكفين مع الذراعين مع دلالة الحديث علَى غسلهما ثانيًا عندَ غسل اليدين، يلزمُ منه أمر ممتنع، فيمتنعُ عدمُ الوجوب مع ما ذكرناه. [وإنما قلنا: إنَّهُ يلزم منه أمرٌ ممتنعٌ علَى هذا التقدير؛ لأنه يلزمُ منه] (٢) الزيادةُ علَى الثلاثِ (٣) في غسلِ الكفين، وهو مكروهٌ؛ أعني: الزيادة علَى الثلاثِ في غسل أعضاء الوضوء؛ كما دلَّ عليه الحديثُ الآتي: "فمَنْ زَادَ علَى هذَا أو نَقَصَ فقدْ أسَاءَ وظَلَمَ"، أو "ظَلَمَ وأَسَاءَ" (٤). الحادية عشرة: للمالكيةِ طريقٌ في الاستدلالِ بالعددِ علَى التعبُّدِ، حيثُ يكون أصلُ الفعل محصلاً للمقصود علَى تقدير فهمِ المعنَى. مثالُهُ: أنَّهم لمَّا قالوا: إنَّ غسلَ الإناء من ولوغ الكلب تعبدٌ،

стр. 1715

لا للنَّجاسةِ، استدلُّوا عليه بالأمرِ بالغسل سبعًا، وسلكوا هذه المادةَ حيثُ رأوا المعنَى معقولًا كغسل الرجلين، وهو كثيرٌ مباشرتُهما للأوساخ، واقتضَى ذلك أنْ يكونَ المقصودُ النظافة، فلم يستحبُّوا التثليث في غسلها (١)، وإنْ كَان صحيحًا في الحديثِ، فقد استعملوا هذه المادةَ طردًا وعكسًا؛ أي: حيثُ فُهِمَ المعنَى لمْ يروا بالعددِ، وحيث تعيَّنَ العدد لمْ يروا بكونِ المعنَى مفهومًا. وسلك هذه الطريقةَ في حديث عثمان ﵁ أبو محمد عبد الواحد بن عمر السَّفاقسيُّ فيما وجدناه [عنه] (٢)، فقال: وقوله في حديث عثمان: غسل يديه ثلاثًا، فيه حجة لابن القاسم، أنها عبادةٌ لتوفيتِهِ العددَ؛ هذا أو معناه. وهذه الطريقةُ عندنا ضعيفةٌ؛ لأنه لا منافاةَ بين فهمِ أصل المعنَى، وطلبِ التأكيدِ فيه والاستظهار بالزيادةِ في تحصيل المقصود [منه] (٣). وأيضًا فلو سلَّمنا أنَّ العددَ دليلُ التعبُّد، لمْ يقدحْ ذلك في فهم أصل المعنَى، فقد يكون الأصلُ معقولًا، والتعبُّد في التفصيلِ، هذا يُفهمُ إذا لمْ يتوجهِ (٤) المعنَى في التفصيلِ، فكيف إذا احتمل أنْ يكونَ مؤكدًا للأصل، أو غير ذلك من المعاني؟!

стр. 1716

الثانية عشرة: فيه دليلٌ علَى استحباب تقديم غسل الكفين علَى المضمضةِ، والاستنشاق؛ كما تقدم، وعلَى الوجهِ. الثالثة عشرة: ودليلٌ علَى استحباب تقديم المضمضة والاستنثارِ علَى الوجه. الرابعة عشرة: ودليل علَى الترتيبِ بين المسنوناتِ والمفروضات؛ كما بين المفروضات بعضها مع بعض، حتَّى لو أخَّرَ غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، لمْ يتأدَّ هذا الاستحبابُ. الخامسة عشرة: قد ورد في هذا الحديث التثليث في الغسلِ في الوجه واليدين والرجلين، وقد وقعَ اختلافٌ في بعض الرواياتِ والأحاديثِ بالنِّسبَةِ إلَى عموم التثليث في الأعضاءِ كلها، أو عدمه، وغسلِ بعضها ثلاثًا، وبعضها اثنين. قال القاضي عِياض ﵀: قالَ علماؤنا: فإنما الاختلافُ في فعل النبيِّ ﷺ في الوضوءِ مرةً أو مرتين أو ثلاثًا؛ ليُرِيَ الرخصةَ لأمته، والتسهيلَ، وبيانَ الفرض من الزيادة عليه. [قال:] (١) وأمَّا ما جاء من الاختلافِ في حديث عثمان، وعبد الله ابن زيد ﵄، في (٢) ذكرِ الثلاث (٣) في بعضها (٤)، وتركها (٥) في

стр. 1717

بعض (١)، فإنَّ ذلك من الرواةِ، [فمرةً ذكر بعضُهم العددَ، ومرةً تركه، ومنهم من نسي ذلك في بعضه، إذ قد وجدنا هذا الخلاف في الحديثِ الواحد، وفي القضيةِ المعينة التي إنما فُعِلت مرَّة، فدلَّ أنَّ الاختلافَ من الرواة] (٢). ويصحُّ التأويلُ المتقدم فيما جاء منها في غير الحديث الواحد؛ كحديث ابن عباس، مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد، فأمَّا (٣) إذا وجدنا الخلاف في حديث عثمان بعينه، وحديث عبد الله بن زيد، [و] (٤) لم يكونا إلا في مرة واحدة، [وصفة واحدة]، علمنا أنَّهُ من الرواةِ، وأثبتنا ما زادَ ثقاتُهُم (٥). السادسة عشرة: قالَ القاضي: والأظهر (٦) فيما فعله ﷺ وما حُكِيَ عنه في ذلك من قولهم: (فغسلَ وجهَهُ ثلاثًا)، ومثلِهِ: أنَّها أعدادُ الغسلات، لا أعدادُ الغَرَفات؛ كما ذهب إليه بعضُهم، وأنه أتَى بما بعد الأولى (٧) للكمال والتمام. وهذا احتمالٌ بعيد؛ لقولهم: غسل، ولم يقولوا: غرف، ولعدم

стр. 1718

الزيادة علَى الثلاثِ، ولو كان؛ يعني: للتمام، لمْ يقفْ علَى حدٍّ، ولأنه موضعُ بيانٍ وتعليم لا يمكن إغفالُهُ بتَّةً (١). وهذا الذي حكاه (٢) عن بعضهم قد وجدته في كتاب "عارضة الأحوذي" للقاضي أبي بكر بن العربي مُختارًا له، قال: قالَ الرواةُ عن النبي ﷺ : إنَّهُ توضأ مرة، ومرتين، [وثلاثًا]، وذلك من قولهم لا يخلوا أنْ يخبروا به عن الغَرفاتِ، أو عن استيعابِ العضو (٣) كلَّ مرة، ولا يجوز أنْ يكونَ اختيارًا عن استيعاب العضو، فإن ذلك أمرٌ مغيَّبٌ لا يصحُّ لأحد أنْ يعلمه، فعاد القولُ إلَى أعداد الغرفات، فلأجل ذلك قالَ ابن القاسم: لمْ يكنْ مالكٌ يوقتُ في الوضوءِ مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، إلا ما أسبغ، وقد اختلفت الآثار في التوقيتِ، إشارةً إلَى أنَّ المعوَّلَ علَى الإسباغِ، وذلك يختلف بحسب اختلافِ قدر الغرفة، وحال البدن في الشعثِ والسلاسة (٤)، وحال العضو في الاعتدالِ أو الاختلاف (٥). وقال أبو العباس القُرطبي: قوله: ثلاث مرات، هو تعديدُ الغسلات، لا تعديدُ الغرفات؛ كما ذهب إليه بعضهم، وليس بشيء، إذا لمْ يجرِ للغرفات في هذا الحديث ذكر، وإنما قال: غسل يديه ثلاثَ مرات،

стр. 1719

و (ثلاث) منصوب بنصب المصدر؛ لإضافته إليه، فكأنَّهُ قال: غسلات ثلاثًا، ومن ضرورة ذلك تعديدُ الغَرَفات (١). قلت: الذي قاله القاضي أبو بكر في تعذُّرِ الحمل علَى الغسلاتِ (٢)، وهو: أنَّهُ أمر مغيَّبٌ لا يصح لأحد أنْ يعلمَهُ، لمْ يتعرضِ القاضي عِياضٌ ولا أبو العباس القرطبي لردِّه، ولم يظهر لي وجهُهُ، فإن غسلَ الوجه أمر محسوسٌ يدركه البصرُ استيعابًا وتقصيرًا، فما المانعُ من الإحاطةِ به؟ السابعة عشرة: قد عُرف الكلام في المضمضةِ، وما قيل: إنَّ أصلَها التحريكُ، ومنه قولُ بعضهم: المضمضةُ: وضعُ الماء في الفمِ، ومضمضَتُهُ فيه، وهذا يقتضي أنَّ السنةَ لا تتأدَّى إلا بالتحريكِ للماء في الفم، وفيه نظر. الثامنة عشرة: ذكرُ الاستنثارِ في هذا الحديث دونَ الاستنشاق، هو الروايةُ التي أوردناها (٣) عن مسلم، وهو عندَ أبي داود أيضًا من رواية مَعْمر، عن الزُّهريّ، عن عطاء بن يزيد، كذلك ليس فيه ذكر الاستنشاق (٤)، ومَن جعل الاستنثارَ مأخوذًا من النَّثْرةِ جعله مُنطلقًا علَى استنشاق الماء ودفعه. قالَ بعضُهم: والاستنثارُ: إيصالُ الماء إلَى الأنفِ ونثرُه منه بنَفَسٍ

стр. 1720

أو بإصبعه، وسُمِّيَ استنثارًا بآخر الفعل، و [قد] (١) سُمِّي استنشاقًا بأوله، وهو استدعاءُ الماء بنَفَس الأنف (٢). وقال غيره: وأما الاستنثارُ؛ فتارةً يُراد به الاستنشاقُ، وهو اجتذابُ الماء بالنَّفَسِ إلَى باطن الأنف، وتارةً يراد به رمي ما في الأنفِ من الأذَى، والنَّثْرَةُ الأنف. والقاضي عِياض خالفَ في هذا وحكَى عن ابن قُتيبة أنَّهُ قال: الاستنشاقُ والاستنثار سواء، مأخوذٌ من النَّثرة، وهو طرف الأنف، قال: ولم يقلْ شيئاً، بل الاستنشاقُ من النَّشْق، وهو جذبُ الماء إلَى الأنفِ بالنَّفَسِ، والنشوقُ الدواءُ الذي يصبُّ في الأنفِ، والاستنثارُ من النَّثرة، وهو الطرح، وهو هنا طرحُ الماء الذي نشُقَ قبلُ ليُخرِجَ ما تعلق به من قذر الأنف، وقد فرَّقَ بينهما النبي ﷺ بقولهِ: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بمنخَرَيْهِ من الماءِ، ثمَّ لِيَنْتَثِرْ (٣) " (٤). التاسعة عشرة: إفرادُ الاستنثار بالذكرِ كما في هذه الرواية يدلُّ علَى أنَّها سنةٌ مُستقلةٌ، إذا حملناه علَى الدفعِ، هكذا ظاهره، ويكون الدليلُ علَى أن الاستنشاقَ سنةٌ من وجه آخر. وإن جعلنا الاستنثارَ يتناولُ الأمرين معًا؛ أعني: الجذب
следующие страницы →