← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الثانية عشرة: فيه دليلٌ علَى استحباب تقديم غسل الكفين علَى المضمضةِ، والاستنشاق؛ كما تقدم، وعلَى الوجهِ. الثالثة عشرة: ودليلٌ علَى استحباب تقديم المضمضة والاستنثارِ علَى الوجه. الرابعة عشرة: ودليل علَى الترتيبِ بين المسنوناتِ والمفروضات؛ كما بين المفروضات بعضها مع بعض، حتَّى لو أخَّرَ غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، لمْ يتأدَّ هذا الاستحبابُ. الخامسة عشرة: قد ورد في هذا الحديث التثليث في الغسلِ في الوجه واليدين والرجلين، وقد وقعَ اختلافٌ في بعض الرواياتِ والأحاديثِ بالنِّسبَةِ إلَى عموم التثليث في الأعضاءِ كلها، أو عدمه، وغسلِ بعضها ثلاثًا، وبعضها اثنين. قال القاضي عِياض ﵀: قالَ علماؤنا: فإنما الاختلافُ في فعل النبيِّ ﷺ في الوضوءِ مرةً أو مرتين أو ثلاثًا؛ ليُرِيَ الرخصةَ لأمته، والتسهيلَ، وبيانَ الفرض من الزيادة عليه. [قال:] (١) وأمَّا ما جاء من الاختلافِ في حديث عثمان، وعبد الله ابن زيد ﵄، في (٢) ذكرِ الثلاث (٣) في بعضها (٤)، وتركها (٥) في

стр. 1717

بعض (١)، فإنَّ ذلك من الرواةِ، [فمرةً ذكر بعضُهم العددَ، ومرةً تركه، ومنهم من نسي ذلك في بعضه، إذ قد وجدنا هذا الخلاف في الحديثِ الواحد، وفي القضيةِ المعينة التي إنما فُعِلت مرَّة، فدلَّ أنَّ الاختلافَ من الرواة] (٢). ويصحُّ التأويلُ المتقدم فيما جاء منها في غير الحديث الواحد؛ كحديث ابن عباس، مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد، فأمَّا (٣) إذا وجدنا الخلاف في حديث عثمان بعينه، وحديث عبد الله بن زيد، [و] (٤) لم يكونا إلا في مرة واحدة، [وصفة واحدة]، علمنا أنَّهُ من الرواةِ، وأثبتنا ما زادَ ثقاتُهُم (٥). السادسة عشرة: قالَ القاضي: والأظهر (٦) فيما فعله ﷺ وما حُكِيَ عنه في ذلك من قولهم: (فغسلَ وجهَهُ ثلاثًا)، ومثلِهِ: أنَّها أعدادُ الغسلات، لا أعدادُ الغَرَفات؛ كما ذهب إليه بعضُهم، وأنه أتَى بما بعد الأولى (٧) للكمال والتمام. وهذا احتمالٌ بعيد؛ لقولهم: غسل، ولم يقولوا: غرف، ولعدم

стр. 1718

الزيادة علَى الثلاثِ، ولو كان؛ يعني: للتمام، لمْ يقفْ علَى حدٍّ، ولأنه موضعُ بيانٍ وتعليم لا يمكن إغفالُهُ بتَّةً (١). وهذا الذي حكاه (٢) عن بعضهم قد وجدته في كتاب "عارضة الأحوذي" للقاضي أبي بكر بن العربي مُختارًا له، قال: قالَ الرواةُ عن النبي ﷺ : إنَّهُ توضأ مرة، ومرتين، [وثلاثًا]، وذلك من قولهم لا يخلوا أنْ يخبروا به عن الغَرفاتِ، أو عن استيعابِ العضو (٣) كلَّ مرة، ولا يجوز أنْ يكونَ اختيارًا عن استيعاب العضو، فإن ذلك أمرٌ مغيَّبٌ لا يصحُّ لأحد أنْ يعلمه، فعاد القولُ إلَى أعداد الغرفات، فلأجل ذلك قالَ ابن القاسم: لمْ يكنْ مالكٌ يوقتُ في الوضوءِ مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، إلا ما أسبغ، وقد اختلفت الآثار في التوقيتِ، إشارةً إلَى أنَّ المعوَّلَ علَى الإسباغِ، وذلك يختلف بحسب اختلافِ قدر الغرفة، وحال البدن في الشعثِ والسلاسة (٤)، وحال العضو في الاعتدالِ أو الاختلاف (٥). وقال أبو العباس القُرطبي: قوله: ثلاث مرات، هو تعديدُ الغسلات، لا تعديدُ الغرفات؛ كما ذهب إليه بعضهم، وليس بشيء، إذا لمْ يجرِ للغرفات في هذا الحديث ذكر، وإنما قال: غسل يديه ثلاثَ مرات،

стр. 1719

و (ثلاث) منصوب بنصب المصدر؛ لإضافته إليه، فكأنَّهُ قال: غسلات ثلاثًا، ومن ضرورة ذلك تعديدُ الغَرَفات (١). قلت: الذي قاله القاضي أبو بكر في تعذُّرِ الحمل علَى الغسلاتِ (٢)، وهو: أنَّهُ أمر مغيَّبٌ لا يصح لأحد أنْ يعلمَهُ، لمْ يتعرضِ القاضي عِياضٌ ولا أبو العباس القرطبي لردِّه، ولم يظهر لي وجهُهُ، فإن غسلَ الوجه أمر محسوسٌ يدركه البصرُ استيعابًا وتقصيرًا، فما المانعُ من الإحاطةِ به؟ السابعة عشرة: قد عُرف الكلام في المضمضةِ، وما قيل: إنَّ أصلَها التحريكُ، ومنه قولُ بعضهم: المضمضةُ: وضعُ الماء في الفمِ، ومضمضَتُهُ فيه، وهذا يقتضي أنَّ السنةَ لا تتأدَّى إلا بالتحريكِ للماء في الفم، وفيه نظر. الثامنة عشرة: ذكرُ الاستنثارِ في هذا الحديث دونَ الاستنشاق، هو الروايةُ التي أوردناها (٣) عن مسلم، وهو عندَ أبي داود أيضًا من رواية مَعْمر، عن الزُّهريّ، عن عطاء بن يزيد، كذلك ليس فيه ذكر الاستنشاق (٤)، ومَن جعل الاستنثارَ مأخوذًا من النَّثْرةِ جعله مُنطلقًا علَى استنشاق الماء ودفعه. قالَ بعضُهم: والاستنثارُ: إيصالُ الماء إلَى الأنفِ ونثرُه منه بنَفَسٍ

стр. 1720

أو بإصبعه، وسُمِّيَ استنثارًا بآخر الفعل، و [قد] (١) سُمِّي استنشاقًا بأوله، وهو استدعاءُ الماء بنَفَس الأنف (٢). وقال غيره: وأما الاستنثارُ؛ فتارةً يُراد به الاستنشاقُ، وهو اجتذابُ الماء بالنَّفَسِ إلَى باطن الأنف، وتارةً يراد به رمي ما في الأنفِ من الأذَى، والنَّثْرَةُ الأنف. والقاضي عِياض خالفَ في هذا وحكَى عن ابن قُتيبة أنَّهُ قال: الاستنشاقُ والاستنثار سواء، مأخوذٌ من النَّثرة، وهو طرف الأنف، قال: ولم يقلْ شيئاً، بل الاستنشاقُ من النَّشْق، وهو جذبُ الماء إلَى الأنفِ بالنَّفَسِ، والنشوقُ الدواءُ الذي يصبُّ في الأنفِ، والاستنثارُ من النَّثرة، وهو الطرح، وهو هنا طرحُ الماء الذي نشُقَ قبلُ ليُخرِجَ ما تعلق به من قذر الأنف، وقد فرَّقَ بينهما النبي ﷺ بقولهِ: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بمنخَرَيْهِ من الماءِ، ثمَّ لِيَنْتَثِرْ (٣) " (٤). التاسعة عشرة: إفرادُ الاستنثار بالذكرِ كما في هذه الرواية يدلُّ علَى أنَّها سنةٌ مُستقلةٌ، إذا حملناه علَى الدفعِ، هكذا ظاهره، ويكون الدليلُ علَى أن الاستنشاقَ سنةٌ من وجه آخر. وإن جعلنا الاستنثارَ يتناولُ الأمرين معًا؛ أعني: الجذب

стр. 1721

والدفعَ، فيُحتملَ أنْ يقال: إنهما سنتان، ويحتمل أنْ يُقَال: إنها سنةٌ واحدة. والقاضي عِياض ﵀ قال: وهما عندنا سنَّتان؛ يعني: الاستنشاق والاستنثار، قال: وقد (١) عدَّها بعضُ شيوخنا سنةً واحدة (٢). والأمرُ في هذا قريبٌ بعد ثبوت استحباب فعل كل واحد منهما. العشرون إلَى الخامسة والعشرين: فيه دليلٌ علَى أصل المضمضة، وعددها، وأصل الاستنثار، وعدده، فهي أربعُ مسائلَ، وإن دخلَ (٣) فيه الاستنشاقُ، وعدده، كانت ستًّا. السادسة والعشرون: تقديمُ المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه يعلَّلُ بأنَّ الصفاتِ المعتبرةَ في طهورية الماء وعدم طهوريته وجودًا وعدمًا ثلاثٌ: اللونُ، والطعمُ، والرائحةُ؛ فاللونُ يُدرَكُ بالبصرِ، والطعمُ بالذوقِ، والرائحةُ بالشمِ، فقُدِّمَتْ علَى الفرض؛ ليُعلَمَ اجتماعُ صفاتِ الطهورية في الماءِ قبل الشروع في أداء الفرض به، ولو لم تسنَّ هاتان السنَّتانِ لأمكنَ أنْ يكونَ الماءُ علَى صفة لا يُدفَعُ بها الحَدَث، ولو سُنَّتا متأخرتين لاحتيج إلَى الإعادةِ للفرض، وفي ذلك عسرٌ، فمشروعيتهما مُتقدّمتين محصِّلٌ لمقصود اعتبار صفة الماء

стр. 1722

المعتبرة في التطهيرِ، نافٍ للعسر الناشئِ من (١) الإعادة. السابعة والعشرون: [ قوله] (٢): (إلَى المرفقين) في اليدينِ، ليس فيه بيانٌ لدخولهما أو عدم دخولهما؛ كما في الآيةِ الكريمة، غير أنَّهُ يدل علَى أنَّ المرفقَ معلوم عندَ الراوي، غيرُ مُشتبِهٍ؛ لأنه ذكره مُعْلِمًا ومُخْبرًا عن فعل الرسول ﷺ الذي المقصودُ منه القدوة، وذلك ينافي اشتباهه عنده، وذكر عن أبي إسحاق الزجَّاج أنَّهُ قال (٣). الثامنة والعشرون: قوله: (ثم مسح رأسه)، يستدِلُّ به مَن لا يرَى تكرارَ مسح الرأس، وهو مذهبُ أبي حنيفة، ومالكِ، والشافعيُّ يستحبُّه ثلاثًا، وعن الإمام أحمد روايتان (٤). وليس وجهُ الدليل من هذا الحديث مجرَّدَ عدمِ الذكر، بل معه قرينةٌ زائدة علَى ذلك، وهو ذكرُ التكرار في جميع الأعداد، وإفرادُ الرأس عمَّا تقتضيه قرائنُهُ في الذكر. وقد [تنبَّهَ، و] (٥) نبَّهَ علَى ذلك أبو داود السِّجستاني ﵀ فقال: أحاديثُ عثمان ﵁ الصّحاح، كلُّها تدلُّ علَى مسح الرأس

стр. 1723

أنَّهُ مرةٌ؛ فإنهم (١) ذكروا الوضوءَ ثلاثًا، وقالوا فيها (٢): (مسح رأسه)، ولمْ يذكروا عددًا (٣)؛ كما ذكروا في غيره (٤). ورجَّحَ بعضُ الحنابلة (٥) (٦) التكرارَ بأنَّهُ قد روَى مسلم من حديث عثمانَ أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، قالَ: ورواه أبو داود من حديث حُمران، وشقيق، عن عثمان: أنَّهُ وصفَ وُضوءَ رسول الله ﷺ ، فمسح برأسه (٧) ثلاثًا (٨). ورواه الدارقُطني من حديث حُمران، وشقيق، وعبد الله بن جعفر، وابن دارهَ مولَى عثمان، وابن البيلماني، عن أبيه؛ كلهم عن عثمان: أنَّهُ حكَى وضوء رسول الله ﷺ ، ومسح برأسه ثلاثًا (٩).

стр. 1724

قال: والأخذُ بهذه الزيادةِ وهذا البيانِ أولَى من الأخذِ بأمر مُحتمل؛ لأنَّ من لمْ يذكرْ في المسحِ عددًا يُحتملُ أنَّهُ لمْ يحفظِ العدد، ويُحتمل أنْ يكونَ أحالَ به علَى العددِ المتقدم. قلت: الأحاديثُ التي لمْ يذكرْ فيها التكرارُ في مسح الرأس علَى وجهين: أحدهما: سُكِتَ عن العددِ فيه، وذكر في غيره. والثاني: نُصَّ فيه علَى المرة. والأحاديثُ التي تدلُّ علَى التكرارِ أيضًا علَى وجهين: أحدهما: ما يدلُّ بطريق العموم؛ كالذي ذكره عن مسلم، فإنه ليس بنصٍّ في التكرارِ في مسح الرأس بخصوصه. والثاني: ما نُصَّ فيه علَى التكرارِ في مسح الرأس. وإنما نتكلم الآنَ علَى حديث عثمان ﵁ خاصَّة، فإنه [الذي] (١) تكلَّم (٢) عليه هذا الحنبلي، فنقول: ترجيحُهُ الأخذَ بهذه الزيادة وهذا البيان علَى الأخذِ بأمرٍ مُحتمل، فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ يحتاج إلَى ثبوت بعضِ هذه الروايات المقتضية للتكرار، وقد ذكرنا قول أبي داود: أحاديث عثمان الصحاح ... إلَى آخره، وفيه تعريضٌ بالتمريضِ في غيرها، والذي صُرِّحَ فيه بالمسحِ

стр. 1725

ثلاثًا في رواية حُمران هو من رواية عبد الرحمن بن وَرْدَان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن (١) حمران. وأما رواية شقيق التي أشارَ إليها، فمن طريق عامر بن شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سَلمة قال: رأيتُ عثمانَ بن عفان ﵁ غسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا، قالَ أبو داود عقيبَ هذه الرواية: رواه وكيع، عن إسرائيل قال: [توضَّأَ ثلاثًا فقط (٢). وأمَّا [ما] (٣) ذَكَرَهُ من روايات الدارقُطني، وروايات حُمران، فهذا ما يتعلق بالتصحيحِ، أو عدمه. والوجه الثاني: إن قوله: بأمر مُحتمِل، متوجهٌ أيضًا في الحديثِ الذي نسبه إلَى مسلم، فإنه مُحتمِلٌ للتخصيص بإخراج الرأس عن جملة الأعضاء، فيحتاج إلَى ترجيح أحد المُحتمِلين علَى الآخرِ بالنِّسبَةِ إلَى هذه الرواية العامة الصحيحة] (٤). التاسعة والعشرون: هكذا في هذه الرواية عندنا في كتاب مسلم: ثم مسح رأسَهُ بغيرِ ماء، وكذلك من رواية أبي داود، من رواية معمر، عن الزُّهريِّ: مسح رأسه، وظاهرُهُ يقتضي مسحَ الجميع، إذْ هو

стр. 1726

الحقيقةُ في مُسمَّى الرأس مع سلامته عن معارضة دخول الباء، فمَن زعم من الأصوليين (١): أنَّ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مُجمَلٌ، فمُقتضَى ظاهر هذا الحديث: أنَّ المرادَ مسحُ الجميع، قد يُدَّعَى أنَّهُ بيان للمُجمَلِ؛ كما زعموا في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]: أنَّهُ مُجْملٌ بالنِّسبَةِ إلَى دخول المرفقين وعدم دخولهما، يبيِّنُهُ: أنه ﷺ أدارَ الماءَ علَى مرفقيهِ، لكنا لا نرغبُ في هذا لوجهين: أحدهما: أنَّ المختارَ في علم الأصول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ليس بمُجمل (٢)؛ لأنه لا يخلو أنْ يثبتَ عُرْفٌ في ظهور استعماله في بعضٍ؛ أي: بعضٍ كان، أو لا، فإن ثبتَ فلا إجمالَ؛ لأنَّ المرادَ حينئذ البعضُ؛ أي: بعضٌ كان، وإنْ لمْ يثبتْ فلا إجمالَ أيضًا؛ لأنَّ الباءَ [فيه] (٣) للإلصاق، والرأسُ حقيقةٌ في كله، فيكون المرادُ كلَّه. والثاني: المطالبةُ بكون هذا الفعل وقع بيانًا، فإنه ليس كلُّ فعل كذلك. الثلاثون: اختلف الناسُ في وظيفة الرِّجل، والمنقولُ فيه (٤) أربعةُ مذاهبَ:

стр. 1727

أحدها: الغسلُ عينًا، وهو مذهب فقهاء الأمصار، وجمهور علماء الأمة. والثاني: المسحُ عينًا، وهو مذهب المبتدعة الإمامية. والثالث: التخييرُ بينهما، وهو مشهور عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري. والرابع: الجمعُ بينهما، ويُعزَى لبعض أهل الظاهر، وهو أغربُ الأقوال (١). والحديثُ يدل علَى الغسلِ؛ كما هو المذهب المشهور، ويبطل مذهب الإمامية في تعيينِ المسح للفرضية، ومنعِ إجزاء الغسل. الحادية والثلاثون: المتحققُ من الحديثِ هو إجزاءُ الغسل، وإبطالُ مذهب من نفى الإجزاءَ به؛ كما ذكرناه، ولا يلزم من ذلك الإيجابُ لأحد الأمرين عينًا؛ أعني: المسح أو الغسل؛ لأنَّ الواجبَ المخيَّرَ فيه تجزِئُ كل خصلة منه مِن غيرِ إيجاب لعينها، فلا يكون مُبطلًا لمذهب ابن جرير. وأما المذهب الرابع، وهو وجوب الأمرين، ففي كون الحديث مبطلاً له نظرٌ، إلا أنْ يريدَ أنَّهُ لا بدَّ من وقوع الأمرين، بمعنَى: أنْ يُقيِّدَ المسحَ بقيد يُنافي الغسلَ، فحينئذٍ يكون مُبطلًا لقوله.

стр. 1728

وبالجملة فظاهرُ قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]- بالجرِ - تعارضُ هذا الحديثَ، وسنتكلمُ علَى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالَى. الثانية والثلاثون: فيه دليلٌ علَى استحباب التكرار في غسل الرجلين، وهو مذهبُ الشافعيِّ (١) وغيره. والمالكيةُ لا يرَون (٢) بذلك، ويقولون: المقصودُ فيهما الإنقاءُ، فيتبعُ، ولا يُتقيَّدُ بعدد (٣)، ومعلوم أنَّ هذا المقصود لا يُنافيه الاستظهارُ بزيادة العدد، وما لا ينافي الشيءَ لا يمتنع اجتماعُهُ معه، وقد يكون الأمران مقصودَين. الثالثة والثلاثون: الكلام في (إلَى) بالنِّسبَةِ إلَى الكعبينِ كالكلامِ فيه بالنِّسبَةِ إلَى المرفقينِ؛ أعني: في اقتضائها دخولهما، وفي وجوب كون الراوي عالمًا بمدلول لفظ الكعبين (٤)، غير مشتبه عنده؛ لتعيّنِ مقصودِه في الإخبارِ بما يُقتدَى به من فعل النبي ﷺ ، ومنافاةِ ذلك للاشتباه. الرابعة والثلاثون: قد تكلمنا في لفظ (الكعب)، والذين يقولون: إنَّهُ الناتِئ، عندَ مَفصِلِ الساق والقدم، فيستدلون بحديث النُّعمان بن بَشير، وهو ما رُوِيَ عنه: أنَّ النبيَّ ﷺ أقبلَ علينا بوجهه، وقال:

стр. 1729

"أَقيمُوا صُفُوفَكُمْ"، فلقد رأيتُ الرجلَ منا [يُلزِقُ] (١) كعبَهُ بكعبِ صاحبه، ومَنكِبَهُ بمنكبه (٢). وقد يقال: إنَّ هذا إنما يدلُّ علَى أن اسمَ الكعب ينطلقُ عليهما، وهذا قد لا يُنازعُ فيه، وهو (٣) كلامٌ في الوضعِ، والخلافُ إنما هو في الحملِ، وهو لا يدلُّ عليه بنفسه، وفي هذا نظر. وقد يُستدلُّ عليه من خارج بقوله ﵇: "ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٤)؛ فإنه لو كان الكعبُ هو الناتئُ عندَ مَعقِدِ الشِّراك، واقتصر الوجوبُ عليه، لمْ يلزمْ غسلُ العقب، واللازمُ منتفٍ بالحديثِ، ولكنه لا يدل علَى الفعلِ إلا بضميمةِ مقدمةٍ أُخرَى. الخامسة والثلاثون: لفظ (المثل) و (النحو) ليسا مُترادفين، فلفظ (المثل) دالٌّ علَى المساواةِ بين الشيئين، إلا فيما لا يقعُ التعددُ إلا

стр. 1730

به، هذا حقيقته، ويستعملُ مجازًا فيما دونَ ذلك من المقاربةِ للفعل. ولفظ (النحو) يدل علَى المقاربةِ في الفعلِ، لا علَى المماثلةِ، وإن استعملَ في المثلِ بملاحظةِ معنى آخر يصحُّ استعمالُهُ فيه. السادسة والثلاثون: قد عُلِّقَ الثوابُ المذكور في الحديثِ علَى (النحو)، وقد بيَّنا أنَّهُ لا يدل علَى المماثلةِ، فيحتمل أنْ يكونَ ذلك من باب التسهيل والتيسير؛ أي: تعلق الثواب علَى المقاربةِ، لا علَى المماثلةِ، وإن فاتَ بعضُ ما يمكنُ أنْ يكونَ مقصودًا من الفعلِ الذي فعله النبي ﷺ تسهيلًا وتيسيرًا. ويحتمل أنْ يكونَ ذَكَرَ النحوَ هاهنا لإخراجِ ما لا يُعتبرُ في معنَى المماثلة بالنِّسبَةِ إلَى هذا المقصود؛ أعني: الثواب المذكور، فإنه لو أُطلقتِ المماثلةُ لتناولت جميع الصفات التي تفتقر المماثلة إليها، مع أن بعضَهَا غيرُ معتبر في المقصودِ، فذَكَرَ (١) النحوَ لإخراج ما لا يُعتبر (٢).

стр. 1731

السابعة والثلاثون: الحديثُ يدل علَى أنَّ الثوابَ المذكور مرتَّبٌ علَى الوضوءِ بالصفةِ المذكورة، والصلاةِ الموصوفة معه، فمن ذكره في فضائل الوضوء بمجرَّدِهِ، يُعترَضُ عليه بأنَّ الثوابَ مرتبٌ علَى المجموعِ لا علَى الوضوءِ بمفرده. وقد يجاب عنه بأنَّ ذِكْرَه في سِياق الفضيلة يدلُّ علَى أنَّ له فضلَهُ، لكنه لا يدلُّ علَى هذه الفضيلة المخصوصة؛ أعني: تحصيلَه للثواب المذكور، ومطلقُ الفضيلة أعمُّ من الفضيلةِ المخصوصة، فيحصل المقصودُ من الاستدلالِ به على مطلقها، ولكن ليتنبَّهْ لِما ذكرناه من الفرقِ بين مطلق الفضيلة والفضيلة المخصوصة بالنِّسبَةِ إلَى الاستدلالِ بهذا الحديث. الثامنة والثلاثون: لا شكَّ أنَّ حقيقةَ التراخي التي يدلُّ عليها لفظ (ثم) غيرُ مُعتبَرة، ولا مقصودة، فيعود الكلام المذكور في (ثم) إلَى هذا الموضع. التاسعة والثلاثون: يتعلَّقُ الثوابُ بمسمَّى ركعتين، وهو يَنفي (١) اشتراطَ الزائد في تحصيل هذا الثواب، واعتبارَ الناقص في ذلك أيضًا،

стр. 1732

والمُسمَّى لا يدلُّ علَى الفرضية (١) ولا علَى النَّفليةِ، لكن قد يسبق إلَى الذهنِ أنَّ المرادَ النفليةُ. الأربعون: ويسبق أيضًا أنَّ المرادَ به صلاتُهما بهذا الوضوء، حتَّى لو توضَّأَ هذا الوضوءَ، ثم أحدثَ، وتوضأ وضوءًا آخر بغيرِ هذه الصفة، لمْ يحصلِ المقصودُ وإنْ كَان اللفظُ يقتضيه، لكنَّ مقاصدَ الكلام، وما يُفهم منه ومن القرائنِ، قد تَدلُّ علَى ما لا يُشعرُ به وضعُ اللفظ، ولتُعتبرْ في مثل ذلك القرائنُ وقوةُ دلالتها، وضعفُه (٢). الحادية والأربعون: المقصودُ باشتراط نفيِ حديث النفس حضورُ القلب والخشوعُ، الذي ظهر الاعتناءُ به، وأنه مقصودٌ أعظم في الصلاة، [وإنما يُكتبُ ما حضرَ منها، ورُبَّما نُقِلَ عن بعضهم اشتراطُهُ في الصلاة] (٣)، وبعضهم يقول: إنَّهُ مُشترَطٌ في تكبيرة الإحرام لا غير، يعني به: النية. الثانية والأربعون: حديثُ النفس: هي الوساوسُ الطارقةُ للقلب، وهو لها بمنزلة النهر، وهي بمنزلة السيل المتوجِّهِ إليه، ويتعذَّرُ خلوُّ النفس عنها تعذرًا شديدًا، لكنه غيرُ مُمتنعٍ في حقِّ من أكثرَ ذكرَ الله تعالَى [كثيرًا] (٤)، حتَّى غمرَ قلبَهُ، وغلب عليه، وليس البابُ بابَ

стр. 1733

تكليف حتَّى تقول: هو عَسِرٌ (١)، فلا يعلَّقُ الحكم به، وإنما هو ترتيبٌ لثواب مخصوص علَى فعلٍ مخصوصٍ ممكنٍ في نفسه، فمَن حصل له ذلك حصل ثوابُهُ، ومَن لا فلا. الثالثة والأربعون: ويمكن أنْ يقال: إنَّ الثوابَ متَرَتِّبٌ علَى عدم تحديث النفس لا علَى عدم حديثها، وبينهما فرقٌ؛ لما يقتضيه التحديثُ من التَّفعّلِ، وعدمِ الاجتهاد في دفع ما يرِدُ علَى النفسِ من تلك الوساوس، وعدم الإصغاءِ إليها بالاستمرارِ فيها، وتشهد له لفظة (٢): "يُحَدّثُ فيهِمَا نَفْسَهُ ". الرابعة والأربعون: السابقُ إلَى الفهمِ من الحديث، أنَّ المُعتبَرَ والمشترطَ نفيُ الحديث في جميع الركعتين، ودخول النفي علَى الفعلِ المقتضي للعموم، يقتضي العموم في الحديثِ، والنظرُ إنما هو في الظرفِ، و [هو] (٣) الركعتان، هل يقتضي ذلك العمومُ في الحديثِ العمومَ في الركعتين، حتَّى يكونَ المشترطُ أن لا يقعَ حديثٌ ما في شيءٍ من الركعتينِ؛ كما سبق إلَى الفهمِ، أو يكون العمومُ في الحديث لا يقتضي العمومَ في الركعتين، ويكون المُعتبَرُ المرتَّبُ [عليه] (٤) الثوابُ أن لا يقعَ حديثٌ ما في بعض الركعتين؟ فيه نظر، فعليك بتأمّلِهِ.

стр. 1734

فرُبَّما يقال: إنِّهُ لا يقتضي عدمَ الحديث في جميع الركعتين؛ لأنَّ الركعتينَ ظرف ومظروفهما (١) عدمُ كلِّ حديث، وليس من شرط الظرفِ أنْ يستوعبَ المظروف، فيمكن أنْ يكونَ هذا المظروفُ، الذي هو عدم [كلِّ حديث] (٢)، لا يعمُّ الظرفَ، الذي هو كل الركعتين، ويكون مُقتضَى اللفظ أنْ يكونَ الشرطُ عدمَ كل حديث، لكن لا في كلِّ الركعتين، بل (٣) في بعضها، والذي يناقضُ هذا هو وجودُ الحديث في كلِّ الركعتين، لا في بعضهما؛ أعني: في بعض أجزاء الركعتين. الخامسة والأربعون: قد تقدَّم الكلامُ [فيما يقتضي] (٤) الترتيبَ بين المفروضات وبين المسنونات، وبين المسنونات والمفروضات، والحديثُ يدلّ علَى جميع ذلك، ومما يدلّ [عليه] (٥) الترتيبُ بين اليُمنَى واليُسرَى في اليدينِ والرجلين، ومَن يشترطُ الترتيبَ في المفروضاتِ لا يشترطه (٦) فيهما، وعُلّلَ ذلك بجمعهما في الآيةِ الكريمة، لكن الحديثَ دالٌّ علَى ترجيح الترتيب فيهما. السادسة والأربعون: الغَفْرُ: هو السَّترُ في الأصلِ، ثم يستعملُ

стр. 1735

في المحوِ والإزالة كثيرًا، [حتَّى] (١) غلب ذلك في الاستعمالِ، غير أنَّهُ إذا جُمعَ معه في اللفظِ المتقارب دلَّ علَى التغايرِ في المعنَى احترازًا عن التكرارِ مِن غيرِ فائدة زائدة. وأما عندَ الإطلاق فهل يُحملُ علَى الوضعِ الأصلي، أو علَى ما غلبَ في الاستعمال؟ فيه احتمالٌ يَنبنِي عليه أنَّهُ هل يحتاج إلَى نبة تَصْرِفُه إلَى معنَى المحو؟ ولنا في هذا المعنَى كلامٌ في غير هذا الموضع. السابعة والأربعون: ظاهرُ الحديث يقتضي غفرانَ جميع الذنوب؛ صغيرِها وكبيرِها، مرتبًا علَى ما ذُكِرَ، ولكنهم يحملونه علَى الصغائرِ، وقد ورد مقيدًا بذلك في مواضعَ؛ كرمضان إلَى رمضان (٢)، فطُرِدَ ذلك القيدُ فيما لمْ يقيَّدْ، وحُمِلَ عليه فيما هو مثلُ ذلك، وفي هذا نظر. لكنَّهُ ادُّعيَ أنَّ الكبائرَ لا يمحوها إلا التوبةُ، ورُبَّما أشير إلَى أنَّهُ متفقٌ عليه، نعم هاهنا حديثٌ خاصٌّ مقيد بعدم إتيان الكبائر، قريب من المشترطِ في هذا الحديث، وهو قولُ النبي ﷺ : "مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوؤَهَا، وخُشُوعَهَا، ورُكُوعَهَا، إلا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا منَ الذُّنُوبِ، ما لمْ يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدَّهْرَ كلَّهُ" (٣).

стр. 1736

الثامنة والأربعون: قولُ ابن شهاب: قالَ علماؤنا: هذا أسبغُ ما يتوضَّاُ به أحدٌ للصلاة، يمكن أنْ يُرادَ به من حيثُ العددُ في المراتِ [إشارًة] (١) إلَى كراهة ما زاد علَى ذلك، وسيأتي ما يدلُّ علَى الكراهةِ في الزيادة. ويمكن أنْ يُرادَ به ما ذُكِرَ فيه من الزيادةِ علَى الواجبات؛ كغسل الكفين، والمضمضة، والاستنشاق، علَى مذهب من لا يرَى وجوب ذلك، ويكون معنَى الإسباغ: الإتمامَ والإكمالَ لوظائف الوضوء، سننِها (٢) ومفروضِها، لا إلَى ما يرجع إلَى عدد مرات الغسل. التاسعة والأربعون: لا شكَّ أنَّ ترتيبَ الثواب علَى الفعلِ يلزمه صحةُ الفعل، فعلَى هذا كلُّ ما اختُلِفَ [فيهِ] (٣) من وظائف الوضوء، هل هو واجب، أم لا؟ وليس مذكورًا في الحديثِ يمكن أنْ يُستدلَّ بالحديث علَى عدمِ وجوبه، ومن ادَّعَى وجوبَ شيء زائد فعليه الدليلُ. الخمسون: تكلَّمَ بعضُ الفضلاء في حكمة غسل أعضاء الوضوء، وذكر وجوها: منها اثنان يأتيانك في شرح حديث عمرو بن عبسة. ومنها: أنَّ الصلاةَ وجبت شكرًا لنعمةِ البدن لنوع خاص، وهو أنَّهُ رُزِقَ من الأعضاءِ اللينة المفاصلَ التي بها يقدر علَى الأحوالِ

стр. 1737

المختلفة من القيام، والقعود، والركوع، والسجود، ونحو ذلك، أُمِرَ بصرف هذه الأعضاء، واستعمالِها في خدمة الربِّ ﷻ في هذه الأحوال شكرًا، إذِ الشكرُ استعمالُ النِّعَمِ في خدمته وطاعته. ولله تعالَى علَى المرءِ نِعَمٌ أخرَى في البدنِ، لمْ تُجعلِ الصلاةُ شكرًا لَها، وهي كونُ هذه الأعضاء وسائلَ إلَى استيفاء نعمٍ عظيمةٍ، بل بها يُنال جُلُّ نِعَمِ الله تعالَى. أما اليدُ فبها يَتناولُ ويقبض، وأما الرِّجلُ فبها يمشي، وبها يصل إلَى مقاصده، وأما الوجهُ والرأسُ فهما محلُّ الحواس ومَجمعها، التي تُعرَفُ بها (١) عظيمُ نعم الله تعالَى من نحو: العين، والأنف، والفم، والشمِّ، والذوق، والسمع، [التي] (٢) بها يكون التلذُّذُ، والتشهي، والوصولُ إلَى جميع النعم، فأمرَ بغسل هذه الأعضاء شكرًا؛ لما يتوسَّلُ بها إلَى (٣) هذه النعم. ومنها: أنَّ الأمرَ بغسل هذه الأعضاء [ليطهرَها من الدرنِ والأوساخ التي تتصل بهذه الأعضاء] (٤)، فإنها هي البادية من الأعضاءِ فيتحقَّقُ التزيينُ والنظافة لها، والصلاةُ خدمةُ الله تعالَى والقيامُ بين يديه، فكأنَّ [القيامَ] (٥)

стр. 1738

بين يديه متطهرًا من الأوساخِ أقربُ إلَى التعظيمِ والحرمة، فيكون ذلك سببَ كمال الخدمة، ولهذا في الشاهد: من أرادَ أنْ يقومَ بين يدي الملك للخدمة يتكلَّفُ مثل هذا التنظيفِ (١) والتزيُّن، ويلبسُ أحسنَ ثيابه ثم يدخل عليه تعظيمًا له (٢)، فهذا مثله، ولذلك قيل: الأولَى أنْ يصليَ الرجلُ في أحسن ثيابه التي أعدَّها لزيارة العظماء، ولمحافل الناس، وإنَّ الصلاةَ متعمَّما أفضل من الصلاةِ مكشوفَ الرأس، لما أنَّ ذلك أبلغُ في الاحترامِ، والله أعلم (٣). * * *

стр. 1739

الحديث الثاني وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى قالَ: رأيتُ عليًّا ﵁ توضَّأَ فَغَسَلَ وجهَهُ ثلاثًا، وغسلَ ذراعيهِ ثلاثًا، ومسحَ برأسِهِ واحدةً، ثم قالَ: هكذا توضَّأَ رسولُ اللهِ ﷺ . أخرجه أبو داود (١). الكلامُ عليه من وجوه:

стр. 1740

* [الوجه] (١) الأول: في التعريف: فنقول: أما عليُّ بن أبي طالبٍ: فهو أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مُناف القُرَشي، المُنَافي، القُرَشي، الهاشمي، المكي، ثم المدني، ثم الكوفي، واسمُ أبيه أبي طالب عبدُ مناف، وقيل: اسمُهُ كنيتُهُ، وكنيةُ علي أبو الحسن، وخَاطَبهُ رسول الله ﷺ : بأبي تُراب، فكان (٢) أحبَّ ما يُنادَى به إليه (٣). ومرتبتُهُ في هذه الملة عليَّةٌ، وفضائلُهُ وخواصُّهُ جليةٌ، كتب التواريخ والأحاديث بذكرِ مناقبِهِ مليَّة، فمنها: تقدُّمُهُ في الإسلامِ وهذا لا خلافَ فيه، وإنما اختُلِفَ في الأولِ مُطلقاً؛ فقيل: إنَّهُ أولُ من أسلم؛ رُوي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، رواه التِّرمذي عنه (٤)، ورواه الطبراني عن سلمان الفارسي (٥)، وذُكر عنْ محمدِ بن كعب القرظِيّ أيضًا، وقيل: خديجة، وقيل: أبو بكر، وقيل: خديجةُ ثم علي، ويروَى عن بُريدة، وعن أبي ذر،

стр. 1741

والمقداد (١)، وخباب، وجابر، والحسن البَصْري، وغيرهم. ونقل بعضُهُم إجماعَ العلماء علَى أن أولَ من أسلم [خديجة، وإنما الخلافُ في الأولِ بعدها، وقيل: الأورع أنْ يقال: أولُ منْ أسلمَ] (٢) من الرجالِ الأحرار أبو بكر، ومن الصبيانِ علي، ومن النساءِ خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيدِ بلال (٣). وقال قوم: أوَّلُهم إسلامًا أبو بكر ﵁. ومنها: حداثةُ سنِّه عندَ الإسلام، وهو داخل في باب الفضائل، واختلفوا في مقدار سنه حينئذ، فقيل: عشر، وقيل: خمس عشرة، حكي ذلك عن الحسنِ البَصْري، وعن أبي الأسود يتيم عروة أنَّهُ قال: أسلم عليٌّ والزبير، وهما ابنا ثمان سنين (٤). ومنها: سعة العلم، ونُقِلَ عن ابن مسعود أنَّهُ قال: كنا نتحدث أنَّ أقضَى أهل المدينة عليٌّ ﵁ (٥). وعن ابن المسيب قال: ما كان أحدٌ يقول: سلوني غيرَ علي ﵁ (٦).

стр. 1742

وعن ابن عباس ﵄ قال: أُعطيَ عليٌّ تسعةَ أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العُشْرِ الباقي (١)! وعنه أنَّهُ قال: [و] (٢) إذا ثبت لنا الشيء عن علىٍّ، لمْ نعدلْ إلَى غيره (٣). وروي له عن النبيّ ﷺ خمس مئة حديث وستة وثمانون حديثًا (٤)، اتفق البخاري ومسلم منها علَى عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر. قالَ بعضُهم: روَى عنه بنوه الثلاثة؛ الحسن، والحسين، ومحمد ابن الحَنَفِيَّة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسَى، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله، وأبو أُمامة، وصُهيب، وابن رافع، وأبو هُريرة، وجابر بن سَمُرة، وحُذيفة بن أُسيد، وسفينة، وعمرو بن حُريث، وأبو ليلَى، والبراء بن عازب، وطارق بن شهاب، وطارق بن هُشَيم، وجرير ابن عبد الله، وعمارة بن رؤيبة، وأبو الطُّفيل، وعبد الرحمن بن أبزَى،

стр. 1743

وبِشر بن سُحَيم، وأبو جُحيفة، الصحابيون ﵁ إلا ابن الحنفية، فإنه تابعي، وروَى عنه من التابعين خلائقُ مشهورون (١). ومنها: قِدَمُ الهجرة، والمشاهدُ الإسلامية، وقد شهدَ مع رسول الله ﷺ بدرًا، وأحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وخيبر، والفتح، وحنينًا، والطائف، وكل المشاهد إلا تبوك، فإنَّ النبيَّ ﷺ استخلفه علَى المدينةِ. قالَ بعضهم: وله في جميع المشاهد آثارٌ مشهورة، وأجمعَ أهل التواريخ علَى شهوده بدرًا، وسائرَ المشاهد غيرَ تبوك. قالوا: وأعطاه النبي ﷺ اللواء في مواطنَ كثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليًا ﵁ يومَ أُحدٍ ست عشرة ضربة. وثبت في "الصحيحينِ": أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه الرايةَ يوم خيبر، وأخبر أنَّ الفتحَ يكون علَى يديه (٢)، انتهَى. ومنها: استخلافُ النبي ﷺ إيَّاه حين هاجر من مكة إلَى المدينةِ، قالَ بعضهم: أنْ يقيمَ بعده بمكة أيامًا، حتَّى يؤديَ عنه أمانتَهُ، والودائعَ والوصايا التي كانت عندَ النبي ﷺ ، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك (٣).

стр. 1744

ومنها: ما تواترَ من شجاعته المضروبِ بها المثلُ، وآثارُهُ المشهورة في الحروب. ومنها: ما اشتُهر من [زهدِهِ، و] (١) طلاقِهِ للدنيا، ورُبَّما اعتُرِضَ علَى هذا بما روي عنه أنَّهُ قال: لقد رأيتُنِي وإني لأرْبِطُ الحجرَ علَى بطني من الجوعِ، وإنَّ صدقتي لتبلغُ اليومَ أربعة آلاف دينار (٢)، وفي رواية: أربعين ألف دينار (٣). وقيل في جوابه: إنَّهُ لمْ يردْ به زكاةَ مالٍ يملِكُهُ، وإنما أراد الوقوفَ التي تصدَّقَ بها، وجعلها صدقةً جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر. قالوا: ولم يدخر قطُّ ما لا يقاربُ هذا المبلغ، ولم يتركْ حين تُوُفِّيَ إلا ست مئة درهم (٤). وعن سفيان بن عُيَينَة: ما بنَى [عليٌّ] [لبنةً] (٥) علَى لبنة، ولا وضع قصبةً علَى قصبة (٦).

стр. 1745

ورُوي أنَّهُ كان عليه إزارٌ غليظٌ اشتراه بخمسة دراهم (١). ومنها: مصاهرتُهُ للنبي ﷺ علَى فاطمة سيدة نساء العالمين. ومنها: ما جاء في حديث المؤاخاة، فروَى الترمذي عن ابن عمرَ قال: آخَى رسولُ الله ﷺ بين أصحابه، فجاء عليٌّ ﵁ تدمع عيناه، وقال يا رسول الله! آخيت بين أصحابِكَ [ولم] (٢) تؤاخِ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله ﷺ : "أَنْتَ أَخِي في الدُّنْيَا والآخِرَةِ"، واستحسنه (٣). ومنها: الأحاديثُ الواردة في فضائله؛ فمن صحيحها الحديثُ المعروف بحديث المَنْزِلة، وقوله ﷺ : "أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ مِنِّي بمنزلةِ هارونَ من مُوسَى، غيرَ أنَّهُ لا نبيَّ بعدي" (٤). وحديث سهل بن سعد أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يوم خيبر: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا [رجلاً] (٥) يفتحُ اللهُ على يديْهِ، يُحِبُّ اللهَ

стр. 1746

ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ"، وكان الذي أعطاه الرايةَ عليًّا ﵁ فهو في "الصحيحِ" بتمامه (١). ومنها: حديث المُباهلة؛ لما نزلتْ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسولُ الله ﷺ عليًا، وفاطمة، وحسنًا، وحُسينًا، فقال: "اللهُمَّ هؤلاءِ أَهْلِي"، وهو في "الصحيحِ" أيضًا (٢). ومنها: في مسلم قوله ﷺ : والذي فلقَ الحبةَ وبرأَ النَّسَمَةَ، إنَّهُ لعهدُ النبيِّ الأميِّ إليَّ، أنْ لا يحبَّني إلا مؤمنٌ، ولا يبغضَني إلا منافقٌ (٣). ومن المشهور: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فعليٌّ مَولاه"؛ ذكره الترمذيُّ، واستحسنه [أيضًا] (٤) (٥).

стр. 1747

وذكر أيضًا - واستحسنه - من رواية بُريدة قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ أمرَني بحبِّ أربعةٍ، وأخبرني أنَّهُ يحبُّهُم"، قيل: يا رسولَ الله! سمِّهم لنا، قال: "عليٌّ منهم" يقول ذلك ثلاثًا، "أبو ذرّ، والمقداد، وسلمان، أمرَني بحبِّهم، وأخبرني أنَّهُ يحبُّهم" (١). ومما استحسنَ أيضًا [من] (٢) حديث أمِّ عطية قالت: بعثَ النبي ﷺ جيشًا فيهم عليٌّ (٣)، فسمعت النبيَّ ﷺ ، وهو رافع يديه، يقول: "اللهُمَّ لا تُمِتْنِي حتَّى تُرِيَنِي عَليًا" (٤). ومما استحسن أيضًا حديثَ حُبْشي بن جُنادة قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عليٌّ مِنِّي، وأنَا منْ عليٍّ، ولا يؤدِّي عنِّي إلا أنا، أو عليٌّ"، [و] (٥) رواه النَّسائيُّ وابن ماجه (٦). وللنسائي كتاب "الخصائص" في هذا المعنَى (٧).

стр. 1748

وأما ما اشتُهِرَ بين الناس من: "أنَا دارُ الحكمةِ وعليٌّ بابُها" (١)، روفي رواية: "أنا مدينةُ العلمِ [وعليٌّ بابها] (٢) " (٣)، فلم يثبتوه، وقيل [فيه] (٤): إنَّهُ حديثٌ باطل، وقال الترمذي: حديثٌ منكَرٌ (٥).

стр. 1749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1750

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1751

ووليَ عليٌّ ﵁ الخلافةَ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وأقامَ خمس سنين، وقيل: خمسًا إلا أشهرًا. وتوفي ﵁ بالكوفةِ شهيدًا في التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وسنُّه فيما قيل: ابن ثلاث وستين (١) سنة، وقيل: هو قول الأكثرين، وقيل: ابن تسع وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سبع وستين (٢). قيل: وكان آدمَ اللون، أصلعَ، رَبْعةً، أبيضَ الرأس واللحية، ورُبَّما خَضَبَ لحيتَه، وكانت كثةً طويلة، حسنَ الوجه، ضَحوكَ السن (٣).

стр. 1752

وأما ابن أبي ليلَى (١): فهو أبو عيسَى عبد الرحمن بن أبي ليلَى يَسَار، وقيل: بلال، وقيل: نبيل، وقيل: داود، الأنصاري، الأوسي، الكوفي، وأبوه أبو ليلَى مذكور في الصحابةِ، وأنه شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهدِ مع رسول الله ﷺ ، ثم انتقل إلَى الكوفةِ فسكنها، وحضر [مع] (٢) علي بن أبي طالب ﵁[مشاهدَه] (٣)، وقُتل معه بصفين فيما قيل. وعبدُ الرحمن ولدُه تابعيٌّ جليل كبير، قيل: ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وأنه روَى عن عمر، وعلي، وعثمان، وسعد، وأُبيّ بن كعب، وابن مسعود، وأبي ذر، وحُذيفة، وابن عمر، والمقداد، وأبي أيوب، وأبي الدرداء، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وكعب بن عُجْرة، وصُهيب، وخَوَّات بن

стр. 1753

جُبير، وأبي موسَى، والبراء بن عازب، وسهل بن حُنيف، وأبي سعيد الخُدري، وسَمُرة بن جُندب، وأبي جُحيفة، وعبد الله بن زيد، وقيس ابن سعد، وأبيه أبي ليلَى، وأم هانئ ﵃. وأنه روَى عنه ابنُهُ عيسَى، ومجاهد، وثابت، والحكم، والشعبي، وابن سيرين، وعمرو بن ميمون، وعمرو بن مُرَّة، وآخرون من التابعين. واتفقوا علَى توثيقِهِ وجلالته، قالَ يحيَى بن معين: لمْ يسمعْ عبدُ الرحمن بن أبي ليلَى عمرَ بن الخطاب، ولم يره، فقيل له: الحديث المروي: كنا مع عمرَ نتراءَى الهلالَ؟! فقال: ليس بشيء (١). وعن الشافعيِّ أنَّهُ قال: لمْ يدركِ ابن أبي ليلَى بلالاً؛ لأنَّ بلالًا توفي سنة عشرين بالشامِ، ووُلد ابن أبي ليلَى قبلَ ذلك بنحو سنة بالكوفة (٢). قال عطاء بن السائب: قالَ عبد الرحمن بن أبي ليلَى أدركتُ عشرين ومئة من أصحاب النبي ﷺ ، كلُّهم من الأنصار (٣). وقال عبد الملك بن عُمير: رأيتُ عبد الرحمن بن أبي ليلَى في

стр. 1754

حَلْقة فيها نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ يستمعون لحديثه، ويُنصتون له، منهم البراء بن عازب (١). وقال عبد الله (٢) بن الحارث: ما شعرتُ أنَّ النساءَ ولدت (٣) مثلَ عبد الرمحن بن أبي ليلَى (٤). قيل: توفي سنة [ثلاث] (٥) ثمانين رحمه الله تعالَى. * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: وهو حديثٌ انفرد به أبو داود عن الجماعةِ، فرواه في "سننه" عن زياد بن أيوب الطُّوسي، عن عُبيد الله بن موسَى، عن فِطْرٍ، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى، الحديث. فأما عبد الرحمن، وأبو فروة، وعبيد الله بن موسَى، فمُخرَّج لهم في "الصحيحين". وأما فِطْرٌ، وهو ابن خليفة: أبو بكر، القُرَشي، المخزومي

стр. 1755

مولاهم، الكوفي، الخياط، فقد أخرج له البخاري، وذُكر توثيقُهُ عن يحيَى القطَّان، وابن حنبل، وابن معين، وابن صالح، والسَّاجي (١). وأبو فَرْوَة هذا، اسمُهُ مسلم بن سالم، يُعرف بالجُهني، يقال: لنزوله فيهم، وأنه نهدي (٢). وأما زيادُ بن أيوب: فهو أبو هاشم زياد بن أيوب، يُعرَفُ بدَلْوَيه، فقد روَى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال: ثقة. وقال أحمد بن حنبل (٣): اكتبوا عن زياد بن أيوب؛ فإنه شعبةُ الصغير. مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٤). * * * * الوجه الثالث: من مفرداته: قوله "ثلاثًا": وقد ذكرنا ما قيل فيه من رجوعه إلَى الغَرفاتِ، أو إلَى الغَسلاتِ، ويؤكِّدُ أنَّهُ الغسلات قوله في هذا الحديث:
следующие страницы →