← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ووليَ عليٌّ ﵁ الخلافةَ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وأقامَ خمس سنين، وقيل: خمسًا إلا أشهرًا. وتوفي ﵁ بالكوفةِ شهيدًا في التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وسنُّه فيما قيل: ابن ثلاث وستين (١) سنة، وقيل: هو قول الأكثرين، وقيل: ابن تسع وستين، وقيل: خمس وستين، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سبع وستين (٢). قيل: وكان آدمَ اللون، أصلعَ، رَبْعةً، أبيضَ الرأس واللحية، ورُبَّما خَضَبَ لحيتَه، وكانت كثةً طويلة، حسنَ الوجه، ضَحوكَ السن (٣).

стр. 1752

وأما ابن أبي ليلَى (١): فهو أبو عيسَى عبد الرحمن بن أبي ليلَى يَسَار، وقيل: بلال، وقيل: نبيل، وقيل: داود، الأنصاري، الأوسي، الكوفي، وأبوه أبو ليلَى مذكور في الصحابةِ، وأنه شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهدِ مع رسول الله ﷺ ، ثم انتقل إلَى الكوفةِ فسكنها، وحضر [مع] (٢) علي بن أبي طالب ﵁[مشاهدَه] (٣)، وقُتل معه بصفين فيما قيل. وعبدُ الرحمن ولدُه تابعيٌّ جليل كبير، قيل: ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وأنه روَى عن عمر، وعلي، وعثمان، وسعد، وأُبيّ بن كعب، وابن مسعود، وأبي ذر، وحُذيفة، وابن عمر، والمقداد، وأبي أيوب، وأبي الدرداء، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وكعب بن عُجْرة، وصُهيب، وخَوَّات بن

стр. 1753

جُبير، وأبي موسَى، والبراء بن عازب، وسهل بن حُنيف، وأبي سعيد الخُدري، وسَمُرة بن جُندب، وأبي جُحيفة، وعبد الله بن زيد، وقيس ابن سعد، وأبيه أبي ليلَى، وأم هانئ ﵃. وأنه روَى عنه ابنُهُ عيسَى، ومجاهد، وثابت، والحكم، والشعبي، وابن سيرين، وعمرو بن ميمون، وعمرو بن مُرَّة، وآخرون من التابعين. واتفقوا علَى توثيقِهِ وجلالته، قالَ يحيَى بن معين: لمْ يسمعْ عبدُ الرحمن بن أبي ليلَى عمرَ بن الخطاب، ولم يره، فقيل له: الحديث المروي: كنا مع عمرَ نتراءَى الهلالَ؟! فقال: ليس بشيء (١). وعن الشافعيِّ أنَّهُ قال: لمْ يدركِ ابن أبي ليلَى بلالاً؛ لأنَّ بلالًا توفي سنة عشرين بالشامِ، ووُلد ابن أبي ليلَى قبلَ ذلك بنحو سنة بالكوفة (٢). قال عطاء بن السائب: قالَ عبد الرحمن بن أبي ليلَى أدركتُ عشرين ومئة من أصحاب النبي ﷺ ، كلُّهم من الأنصار (٣). وقال عبد الملك بن عُمير: رأيتُ عبد الرحمن بن أبي ليلَى في

стр. 1754

حَلْقة فيها نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ يستمعون لحديثه، ويُنصتون له، منهم البراء بن عازب (١). وقال عبد الله (٢) بن الحارث: ما شعرتُ أنَّ النساءَ ولدت (٣) مثلَ عبد الرمحن بن أبي ليلَى (٤). قيل: توفي سنة [ثلاث] (٥) ثمانين رحمه الله تعالَى. * * * * الوجه الثاني: في تصحيحه: وهو حديثٌ انفرد به أبو داود عن الجماعةِ، فرواه في "سننه" عن زياد بن أيوب الطُّوسي، عن عُبيد الله بن موسَى، عن فِطْرٍ، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى، الحديث. فأما عبد الرحمن، وأبو فروة، وعبيد الله بن موسَى، فمُخرَّج لهم في "الصحيحين". وأما فِطْرٌ، وهو ابن خليفة: أبو بكر، القُرَشي، المخزومي

стр. 1755

مولاهم، الكوفي، الخياط، فقد أخرج له البخاري، وذُكر توثيقُهُ عن يحيَى القطَّان، وابن حنبل، وابن معين، وابن صالح، والسَّاجي (١). وأبو فَرْوَة هذا، اسمُهُ مسلم بن سالم، يُعرف بالجُهني، يقال: لنزوله فيهم، وأنه نهدي (٢). وأما زيادُ بن أيوب: فهو أبو هاشم زياد بن أيوب، يُعرَفُ بدَلْوَيه، فقد روَى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال: ثقة. وقال أحمد بن حنبل (٣): اكتبوا عن زياد بن أيوب؛ فإنه شعبةُ الصغير. مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٤). * * * * الوجه الثالث: من مفرداته: قوله "ثلاثًا": وقد ذكرنا ما قيل فيه من رجوعه إلَى الغَرفاتِ، أو إلَى الغَسلاتِ، ويؤكِّدُ أنَّهُ الغسلات قوله في هذا الحديث:

стр. 1756

"ومَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً". * * * * الوجه الرابع: في الفوائدِ والمباحث، وفيه مسائل: الأولَى: فيه دليلٌ علَى استحبابِ الغسل ثلاثًا، وعدمِ الزيادة عليها. الثانية: وفيه التفريقُ بين مسح الرأس وغسل الأعضاء، و (١) التكرار والإفراد؛ تصريحًا بالتفريق (٢) بقولهِ: "واحدة". وقد عرفت (٣) أنَّ الأحاديثَ في هذا [علَى] (٤) ثلاثة أقسام: تصريح بالإفرادِ، وتصريح بالتكرارِ، ودخول تحت العموم. وهذا من الأحاديثِ المصرّحة بالفرقِ، والنظرُ إليه من حيثُ هو هو يقتضي عدمَ التكرار في مسح الرأس، وهو ظاهر فيه، إلا أنْ يقوم دليلٌ من حديث آخر مصرِّح بالتكرارِ في مسح الرأس يساوي هذه الأحاديث الصحيحة، أويقاربها، فيمكن أنْ يحمل هذا علَى الجوازِ، وذلك الحديث علَى الاستحباب؛ لأنه لا يمكن حمله علَى الكراهةِ، ولا علَى الجوازِ بمعنَى: التساوي بين الطرفين، إنْ كَان المرادُ الردَّ علَى من يكره التكرارَ في مسح الرأس؛ لأنه لا يقول بالجوازِ بمعنَى:

стр. 1757

التساوي، ويمكن ذلك إذا لمْ يقصد الردَّ علَى هذا القائل، بل النظرَ في الحكمِ من حيثُ هو هو. الثالثة: هذا الحديثُ من رواية علي ﵁ يؤكِّدُ ما تقدم في رواية عثمان ﵁ من المسحِ مرة، مع زيادة التصريحِ بالوحدةِ، وذلك يقتضي إيراده معه؛ تأكيدًا للظاهر بالتصريح. وقد ورد في حديث علي ﵁ من رواية أبي حيَّةَ قال: رأيت عليًا توضَّأَ؛ ذكره أبو داود وقال: فذكر وضوءه كلَّه ثلاثًا، وقال: ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه إلَى الكعبينِ، ثم قال: إنما أحببت أن أُريَكم طُهُور رسول الله ﷺ (١). وهذا في ظهور الوحدة كحديث عثمان ﵁، وفيه زيادةٌ علَى ما في حديث عثمان ﵁ وروايةِ ابن أبي ليلَى عن علي ﵁؛ وهو ما يستفاد من قوله: طهور رسول الله ﷺ ، وما يُشعرُ به من كونه عادتَهُ؛ مُداومةً، أو كثرة، بخلاف ما تقدم من قوله: رأيت، أو توضأ، فإنه لا إشعارَ فيه (٢) بذلك. ومثلُ هذا ما عندَ أبي داود من رواية المنهال بن عمرو، عن زِر ابن حُبَيش: أنَّهُ سمع عليًا - وسئل عن وضوء النبي ﷺ قال، فذكر الحديث؛ قال: مسح علَى رأسه حتَّى الماء يقطر، وغسل رجليه ثلاثًا

стр. 1758

ثلاثًا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ (١)، مع ما فيه من الزيادةِ علَى ما قبله، وهو ما تشعر به (كان) علَى ما اختاره بعضهم من دلالتها علَى الأكثريةِ أو الكثرة. الرابعة: لمْ يُذكرْ في هذا الحديث تمامُ أفعال الوضوء، وهكذا (٢) هو في كتاب أبي داود، ولعله اختصر لأجل تعلُّقِ غرض الراوي بالفرقِ بين الإفراد والتكرار في الغسلِ والمسح. الخامسة: وقد ورد مُستوفًى (٣) من رواية علي ﵁، ثم من رواية ابن عباس قال: دخل عليٌّ؛ يعني: ابن أبي طالب ﵁، وقدْ أهراقَ [الماءَ] (٤)، فدعا بوَضوءٍ، فأتيناه بتَورٍ فيه ماء حتَّى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابنَ عبَّاس! ألا أريكَ كيف كان يتوضأُ رسولُ الله؟ قلت: بلَى، فأصغَى الإناءَ علَى يده فغسلها، ثم أدخل يده اليُمنَى، فأفرغَ بها علَى الأُخرَى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمضَ واستنثرَ، ثم أدخلَ يديه في الإناءِ جميعًا، فأخذ بهما حفْنَةً من ماءٍ فضربَ علَى وجهِهِ، ثم ألقمَ إبهاميه ما أَقْبَلَ من أُذُنيه، ثمَّ الثانيةَ ثم الثالثةَ مثلَ ذلك، ثم أخذَ بكفِّهِ اليُمنَى قبضةً من ماء، فصبَّها علَى ناصييهِ فتركَها تستنُّ (٥) علَى وجهِهِ، ثم غسلَ ذراعيه إلَى المرفقينِ ثلاثًا

стр. 1759

ثلاثًا، ثم مسحَ رأسَهُ وظهورَ أُذنيه، ثم أدخلَ يديهِ (١) جميعًا، فأخذَ حفنةً من ماء فضربَ بها [علَى] (٢) رِجله، وفيها النعلُ، ففتلَهَا بها، ثم الأُخرَى مثلَ ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قالَ: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين (٣). وكذلك أيضًا حديثُ عبد خير، عن علي في صفة الوضوء مُطولاً (٤). وذكر أبو داود اختلافًا في حديث ابن جُريج في مسح الرأس، وأنَّ حجَّاجَ بن محمد قالَ فيه عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة، وقال ابن وهب فيه: ومسح برأسه ثلاثًا (٥)، ولم يوصلِ الإسناد فيهما، والله أعلم (٦). * * *

стр. 1760

الحديث الثالث حديثُ عبد الله بنِ زبدٍ في صفةِ الوضوء، وقد ذَكَرَ فيه طُرُقاً بحسبِ روايةِ عمن (١) يرجعُ إليه الحديثُ، وهو عمرو بنُ يحيىَ المازني، وسنذكرُ تلك الطرقَ - إن شاء الله تعالَى - علَى الوجه (٢).

стр. 1761

والكلام علَى الحديثِ من وجوه: * [الوجه] (١) الأول: في التعريف: فنقول: عبد الله بن زيد، الراوي لهذا الحديث، هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن منذر بن غنم [ابن عمرو] (٢) بن مازن بن النجار، الأنصاري، المازني، يُعرَفُ بابن أمّ عَمارة، واسمُها نُسَيْبةُ، بفتح النون، وضمها، مذكورٌ فيمن شهد أُحداً وما بعدها من المشاهدِ، واختلفوا في شهودِه بدرًا، فذكر ذلك ابن مَندَه، وأبو نعيم الأصبهاني، وذكر ابن عبد البر: أنَّهُ لمْ يشهدْها، وكذلك مُقتضَى ما ذكر محمد بن سعد. قالَ خليفة بن خيَّاط، والواقدي، وغيرهما، فيما وجدته: وهو قاتلُ مُسيلمةَ الكذابَّ، شارك وحشيًّا في قتله، فرماه (٣) وحشي بالحربةِ، وقتله عبد الله بن زيد بسيفِه. روَى عن النبي ﷺ أحاديثَ.

стр. 1762

روَى عنه ابنُ أخته عبَّادُ بن تميم، ويحيَى بن عَمارة، وواسع بن حَبَّان، وغيرهم. قُتل يومَ الحَرَّة بالمدينةِ سنةَ ثلاث وستين، وهو ابن سبعين سنة، وكان أبوه زيدٌ صحابيًا ﵄ (١). وها هنا تنبيهان: أحدهما: أنَّ النسبَ المقدم (٢) في صدر الترجمة، [و] (٣) الموصل إلَى النَّجارِ، هو مَا ذَكرَهُ الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "استيعابه" في ترجمة عبد الله، وفيه ذِكْرُ كعبٍ، وكذلك ذكره في ترجمة أخيه حبيب بزيادة [كعب أيضًا (٤)، وذكر في ترجمة أبيهم زيد: زيد بن عاصم بن كعب بن] (٥) منذربن عمرو (٦).

стр. 1763

ووهَّمَه الرَّشاطي في ذكر كعب ومنذر في هذا النسب لمَّا ذَكَرَ نسبَ حبيب بن زيد فقال: حبيب بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف ابن مبذول بن غنم بن مازن، قال: كذا نسبه ابن الكلبي، قال: ووافقه أبو عمر علَى ذلك في نسب تميم بن زيد. واستدلَّ الرشاطي علَى التوهيمِ الذي ذكره بعدَ أن ذكرَ: أنَّ أبا عمر نسب أمَّهم أمَّ عمارة [فقال: هي أمُّ عمارة] (١) نسُيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف، فقال، أعني: الرشاطي: فلو كان النسب الذي ذكره أولًا في باب حبيب وعبد الله، صحيحًا، لكان أبوهما زيد قد تزوَّجَ عمَّتَه، وهذا ما لمْ نسمعْه عن (٢) العرب، ثم قال: ونسبُ أمِّ عمارة صحيح، لأنَّ كعبًا فَيه هو أخو عاصم، فيكون زيد بن عاصم (٣) قد تزوج ابنة عمّه. التنبيه الثاني: أنَّ ما تقدم من كون ابن أخي عبد الله عبَّاد بن تميم روَى عن عمه يوهِمُ أنَّ عبادًا هَو عبادُ بن تميم بن زيد بن عاصم، [وكذا قالَ الكلاباذيُّ في ترجمته: عبَّاد بن تميم بن زيد بن عاصم] (٤)، الأنصاري، المازني، المدني، حدَّث عن عمِّه عبد الله بن زيد (٥).

стр. 1764

قال أبو عمر في ترجمة تميمٍ أبيه: تميمُ المازني الأنصاري، والد عباد بن تميم، قيل فيه: تميم بن عبد عمرو، وقيل: تميم بن زيد بن عاصم، أخو عبد الله وحبيب ابني زيد بن عاصم بن [عمرو بن مازن بن النجار (١). والذي يقتضيه كلام ابن سعد: أن تميمًا ليس ابنَ زيد بن عاصم] (٢)، وإنما هو تميم بن غَزِيَّة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول (٣)، فإن مقتضاه: أن نُسيبةَ أمَّ عمارة تزوجها رجلان؛ أحدهما: زيد بن عاصم، فولدت حبيبًا، وعبدَ الله، والثاني: غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول، فولدت له أبا حيَّة وتميمًا، فعلَى هذا يكون عبدُ الله بن زيد عمَّ عباد بن تميم لأمه؛ لأنَّ عبد الله وتميمًا أخوان لأم. تنبيه آخر: عبد الله بن زيد هذا، ليس عبد الله بن زيد صاحب [حديث] (٤) الأذان، فإن ذلك عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه، ووقع في رواية سفيان بن عُيَينة: عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو غلط عندهم، لاشكَّ فيه. وعبد الله بن زيد هذا - الراوي لهذا الحديث في الوضوءِ - له أحاديثُ متعددةٌ في الاستسقاءِ وغيره، وعبد الله بن زيد بن عبد ربِّه هو الذي أُرِيَ النداء، وحديثُهُ مشهور فيه.

стр. 1765

وقد اضطربَ كلامُ الحافظ أبي عمر فيمن يُنسَبُ إليه هذا الوهمُ، فقال في موضع: ورواه ابن عُيَينة عن عمرو بن يحيَى، فأخطأ فيه في موضعين: أحدهما: أنَّهُ قالَ فيه: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه، [وهذا خطأ، وإنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم. ثم قال: وأما عبد الله بن زيد بن عبد ربه] (١)، فهو الذي أُرِي الأذان في النومِ، وليس هو الذي يروي عنه يحيىَ بن عمارة هذا الحديث في الوضوءِ وغيره، وعبد الله بن زيد بن عاصم هو عمُّ عباد بن تميم، وهو أكثرُ روايةً عن النبي ﷺ من عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقد كان أحمد [ابن] (٢) زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق وَهِمَ فيهما فجعلهما واحدًا، فيما حكَى قاسم بن أصبغ عنه، والغلطُ لا يسلم منه أحدٌ، وإذا كان ابن عُيَينة مع جلالته يغلط في ذلك، فإسماعيل بن إسحاق أين يقع من ابن عُيَينة؟ إلا أن المتأخرين أوسعُ علمًا وأقلُّ عذرًا! وأما الموضع الثاني الذي وَهِمَ ابن عُيَينة فيه في هذا الحديث: فإنه ذكر فيه: مسحَ الرأس (٣) مرتين، ولم يذكرْ فيه أحدٌ: مرتين، غيرُ ابن عُيَينة، وأظنه - والله أعلم - تأوَّلَ الحديث، قوله فيه: فمسح رأسَهُ بيديه؛ أقبلَ بهما وأدبرَ، وما ذكرناه عن ابن عُيَينة فمن

стр. 1766

رواية (١) مُسَدَّد، ومحمد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلهم ذكر فيه عن ابن عُيَينة ما حكيناه عنه. أما الحميدي فإنه متردّدٌ في ذلك فلم يذكرْه، أو (٢) حفظَ عن ابن عيينةَ أنَّهُ رجعَ عنه، فذكرَ فيه عن ابن عُيَينة: ومسحَ رأسَهُ وغسلَ رجليه؛ فلم يصفِ المسحَ، ولا قالَ: مرتين، وقال في الإسنادِ: عن عبد الله بن زيد؛ لمْ يزدْ، لمْ يقلْ: ابن عاصم، ولا ابن عبد ربه، فتخلَّص؛ هذا مَا ذَكرَهُ أبو عمر في ترجمته (٣). ونسبةُ (٤) [الوهمِ فيه] (٥) إلَى ابن عُيَينة قد ذكرها البخاريُّ في "التاريخِ الأوسط" فقال: ثنا علي قالَ: عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري من بلحارث من الخزرجِ صاحب الأذان، وهو [المدني] (٦)، روَى عنه عبد الله بن محمد بن عقيل، والآخرُ عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، قتل يوم الحرة، روَى عنه عبَّادُ بن تميم بن أخته، ويحيَى بن عمارة، وقال ابن عُيَينة: هذا صاحب الأذان، ولم يصنعْ شيئًا (٧).

стр. 1767

وأما عمرو بنُ يحيَى: فهو عمرو بن يحيَى بن عمارة بن أبي حسن، الأنصاري، [المازني، مدني، تابعي. روَى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحيَى، وعباس بن سهل، وغيرهم. روَى عنه يحيَى الأنصاري] (١)، وأيوب، ويحيَى بن أبي كثير، وابن جُريج، ومالك، والثوري، وشعبة، وابن عُيَينة، وغيرهم. قال أبو حاتم: هو ثقة. وقد روَى له البخاري ومسلم (٢). [وأبوه يحيَى بن عمارة بن أبي حسن: مدنيٌّ، سمع أبا سعيد الخدري، وعبد الله بن زيد. روَى عنه ابنه عمرو، والزُّهريّ، وعمارة بن عمير، ومحمد بن يحيَى بن حبان. وروَى له البخاري ومسلم] (٣).

стр. 1768

قالَ بعضهم: وهو ثقة باتِّفاقهم (١). وجدُّه (٢) صحابيٌّ، شهد (٣) العقبة وبدرًا، واسمه تميم بن عبد عمرو، وقيل: اسمُهُ كنيتُهُ (٤). وأما وُهَيبُ (٥): فهو ابنُ خالد بن (٦) عجلان، أبو بكر البَصْري، أحدُ الأكابر من أئمة الحديث، سمعَ أيوبَ، وعبيد الله بن عمر، وموسَى بن عقبة، وعبد الله بن طاوس، ومنصور بن صفية. روَى عنه (٧) موسَى بن إسماعيل، ومسلم بن إبراهيم الأزدي،

стр. 1769

ومعلَّى بن أسد، وسهل بن بكَّار، وعبد الأعلَى بن حماد. قالَ الكلَابَاذِيُّ: قالَ البخاريُّ: قال أحمدُ بن أبي رجاء الهَرَوي: مات سنة خصس وستين ومئة. قال: قالَ أحمدُ بن حنبل: ماتَ وهو ابن ثمان وخمسين، وقال العلائي عن ابن حنبل نحوه. قلت: وقد اتَّفقَ الشيخان علَى الإخراجِ لحديثه. وقال علي بن المديني: سمعت عبد الرحمن بن مَهدي يقول: أخبرني وُهَيبٌ، وكان من أبصرِ أصحابه بالرجالِ والحديث. وعن ابن مهدي أيضًا أنَّهُ قال: كان وُهيبٌ أبصرَهم بالرجال. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيَى بن سعيد - يعني: القطان - ذكرَ وُهيبَ بن خالد فأحسن الثناء عليه. وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن معاوية بن صالح قال: قلت ليحيَى بن معين: من أثبت شيوخ البَصْريين؟ قال: وُهيب بن خالد، مع جماعة سمَّاهم. وقال محمد بن إسماعيل الأندلسي: كان وُهيبٌ هذا من أئمة المحدثين بالبصرةِ، وكان بصيرًا بالرجالِ، قلَّما كان يروي عن ضعيف، ويقال: إنَّهُ لمْ [يكنْ] (١) بعدَ شعبةَ أعلمُ بالرجالِ منه. أخرج له البخاري ومسلم، وهو ثقة؛ قاله أبو داود الطيالسي، وابن معين، وابن صالح، وأبو حاتم الرازي، وأبو عبد الرحمن

стр. 1770

النَّسوي، وغيرهم. زاد النسوي في "مصنفه": حافظ. وزاد أبو حاتم: ما أنقَى حديثَ وُهيب! لا تكاد تجده يحدثُ عن الضعفاء (١). وأما خالد الواسطي: فهو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد، أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد، قالَ بحشل مولَى النعمان بن مقرن: سمع أبا إسحاق الشيباني، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن يحيَى، وجماعة. روَى عنه عمرو بن عون، ومسدَّد، وحفص بن عمرو، وإسحاق ابن شاهين، وغيرهم. قال الكلَابَاذِيُّ: مات سنة تسع وسبعين، [قال:] (٢) قاله البخاري عن أحمد غيرَ منسوب، قيل: وهو (٣) ابن حنبل، [و] (٤) قالَ الغلابي عن ابن حنبل مثله، وقال عمرو بن علي مثله، وقال أبو عيسَى مثله.

стр. 1771

وقال ابن سعد: توفي سنة ثنتين وثمانين ومئة. وقال بحشل: حدثني وهب بن بقية قال: ولد خالد سنة سبع ومئة، ومات في جُمادَى الأولَى سنة تسع وسبعين (١) ومئة، انتهَى. وقد أخرج روايةَ خالدٍ الجماعةُ كلُّهم. وقال أحمد بن حنبل: كان ثقةً صالحًا في نفسه، بلغني أنَّهُ اشترَى نفسَهُ من اللهِ ثلاث مرات. وقال: خالد أحبُّ إلينا من هشام. وقال أبو زرعة فيه: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، صحيحُ الحديث. وفي رواية الأخرَى عن أبي داود السِّجستاني، قالَ إسحاق الأزرق (٢): ما أدركتُ أفضلَ من خالد [الطحان] (٣)، قيل: قد رأيت سفيان؟ قالَ: سفيانُ رجلُ نفسه، وكان خالدٌ رجلَ عامَّةٍ (٤) (٥).

стр. 1772

وأما سليمان بن بلال: فهو أبو أيوب، وقيل: أبو محمد، القُرَشي، التيمي، مولاهم، [المدني] (١)، [يقال: هو مولَى] (٢) القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، [وقيل: مولَى عبد الله بن أبي عتيق بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق] (٣)، يقال: إنَّهُ كان بربريَّ الأصل، وكان علَى سوق المدينة، وكان يفتي بها، وكان جميلاً حسنَ الهيئة. روَى عن [أبي] (٤) أُسامة زيدِ بن أسلم، وأبي عبد الرحمن عبد الله ابن دينار العَدَوِيين، وأبي المنذر هشامِ بن عروة بن الزبير الأسدي، وأبي سعيد يحيَى بن سعيد بن قيس الأنصاري، وأبي عثمان ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم، وأبي عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نُمير الليثي، وغيرهم. روَى عنه [أبو محمد عبد الله بن المبارك المروزي، وأبو الهيثم خالد بن مخلد القطواني] (٥)، [وأبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري] (٦)، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة القَعْنَبِي، وأبو بكر عبدُ الحميد، وأبو عبد الله إسماعيلُ ابنا أبي أويس الأصبحي، وغيرهم. يقال: إنَّهُ مات سنة ثنتين وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين ومئة.

стр. 1773

قال الأَوْنبَي: أخرجَ له البخاريُّ ومسلمٌ، وهو ثقة؛ قاله أحمد، ويحيَى، وابن صالح، والنسوي، وغيرهم. زاد أحمد: لا بأس به. [و] (١) قالَ ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: سليمان بن بلال أحبُّ إليَّ من هشام بن سعد. وذكر عثمان الدَّارميُّ أنَّهُ سأل يحيَى بن معين قال (٢): سليمان بن بلال أحبُّ إليك أو الدَّرَاوَرْدِي؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقة. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيَى الذهلي: سليمانُ عندنا أحفظُ من الدَّرَاوَرْدِي، انتهَى (٣) (٤). وأما واسعُ بن حَبَّان - بفتح الحاء، وتشديد ثاني الحروف -: ابن مُنقذ بن عمرو بن مالك، الأنصاري، المازني، المدني، فهو أخو يحيىَ بن حَبَّان.

стр. 1774

روَى عن أبي عبد الرحمن العَدَوي، وأبي سعيد الخُدْري، وأبي عبد الله بن عبد الله السلمي، وعبد الله المازني، وغيرهم. روَى عنه ابنه حَبَّانُ بن واسع، وابن أخيه محمدُ بن يحيَى بن حبان. أخرج له الشيخان، ووثَّقَهُ ابن صالح، وأبو زرعة الرازي، قيل: وغيرهما (١) (٢). ومما يدخل في التعريفِ ما سيأتي في رواية مالك من جهة يحيى [من] (٣) قوله: مالكٌ عن عمرو بن يحيَى المازني، عن أبيه: أنَّهُ قالَ لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جدُّ عمرو بن يحيَى. [فوجدت عن القاضي الحافظ أبي بكر بن العربي قالَ: وهم، ونفسُهُ وقعَ في "الموطأ" عن عمرو بن يحيَى المازني، عن أبيه: أنَّهُ قالَ لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جدُّ عمرو بن يحيَى] (٤).

стр. 1775

[قال: وهو] (١) وهمٌ قبيحٌ من يحيَى بن يحيَى أو من غيره، وأعجبُ منه: أنَّهُ سُئِلَ عنه ابنُ وضَّاح، وكان من الأئمةِ في الحديثِ والفقه، فقال: هو جده لأمه. ورحم الله من انتهَى إلَى [ما سمعَ، و] (٢) وقفَ دونَ ما لم يعلمْ، وكيف جاز هذا عن ابن وضَّاح؟! والصواب في "المدونة" التي كان يُقرِئها ويرويها عن سُحنون، وهي بين يديه ينظر فيها كلَّ حين؛ قال: وصواب (٣) الحديث: مالك عن عمرو بن يحيىَ عن أبيه: أن رجلًا قالَ لعبد الله بن زيد، وهذا الرجل هو عمارة بن أبي حسن المازني، [وهو جدّ عمرو بن يحيىَ المازني] (٤). وظاهرُ ما في "الموطأ" في الروايةِ التي ذكرناها أنَّ يحيَى والد عمرو هو السائل لعبد الله بن زيد، و [أن] (٥) عبد الله بن زيد هو جدُّ عمرو بن يحيَى، وقد تبيَّنَ في رواية البخاري من رواية عبد بن يوسف عن مالك: أنَّ السائلَ لعبد الله بن زيد غيرُ يحيَى والد عمرو؛ فإنه قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: أنبأ مالك عن عمرو بن يحيَى المازني، عن أبيه: أن رجلًا قالَ لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيَى، فهذا

стр. 1776

يقتضي ما ذكرناه: أنَّ السائلَ غيرُ يحيَى، ويمكن أنْ يعود قوله: وهو جدُّ عمرو بن يحيَى، علَى هذا الرجل المبهم في هذه الرواية، إلا أن جد عمرو بن يحيَى هو عمارة بن أبي حسن، فيقتضي هذا أنَّ جده عمارة هو السائل، وهذا هو الذي ذكره أبو بكر بن العربي، لكنْ وقع في رواية البخاري من حديث سليمان بن بلال: أنَّ السائلَ لعبد الله بن زيد هو عمُّ يحيَى والد عمرو، وليس بجده، فإنه قال: حدثنا خالد، عن سليمان، عن عمرو بن يحيَى، عن أبيه قال: كان عَمِّي يكثرُ الوضوءَ، فقال (١) لعبد الله: أخبرني ... الحديث؛ هكذا في رواية سليمان، وكذلك في رواية وهيب، عن عمرو، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن ... الحديث. فبمُقتضَى (٢) هاتين الروايتين المتظافرتين يكون السائلُ عمَّ يحيىَ ابن عمارة، واسمُهُ عمرو بن أبي حسن، لا عَمارة، فإن عَمارة وعَمرًا هما ابنا أبي حسن علَى مُقتضَى مَا ذَكرَهُ محمد بن سعد؛ فإنه ذكر أنَّ أبا حسن اسمُهُ تميمُ بن عبد عمرو بن قيس، وأن أبا حسن هذا وَلَدَ عمارةَ، وعَمْرًا، وميمونةَ، وأنَّ عمارة ولدَ يحيَى، وأنْ يحيَى ولد عمرًا، الذي روَى عنه الثَّوريُّ، ومالك بن أنس، وغيرهما (٣). فبمُقتضَى الروايتين اللتين عندَ البخاري - أعني: رواية سليمان بن

стр. 1777

بلال [ووهيب] (١) - لا يكونُ السائل عَمارة، ولا جدَّ عمرو بن يحيَى لأمه. * * * * الوجه الثاني: في إيراد الطرق المذكورة في الأصلِ علَى الوجه: أما روايةُ مالكٍ فأخرجها الأئمَّةُ كلُّهم في كتبهم الستة من حديثه، وقال أبو عمر: لمْ يُختلَفْ علَى مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه، رواه عن عمر بن يحيَى جماعةٌ كما رواه سواء (٢). قلت: البخاريُّ أخرجه عن عبد الله بن يوسف (٣)، ومسلم من حديث معن (٤)، وأبو داود عن القَعنبِي (٥)، وابن ماجه من حديث الشافعي (٦)، والنسائي من حديث ابن القاسم (٧)، والترمذي من حديث معن (٨)، والرواية التي يوردها من جهة يحيَى بن يحيَى الأندلسي، عن

стр. 1778

مالك (١)، عن عمرو بن يحيَى المازني، عن أبيه: أنَّهُ قالَ لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جدُّ عمرو بن يحيَى -، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تستطيعُ أن تريَني كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضَّأُ؛ قالَ عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوَضوء، فأفرغَ علَى يده فغسَلَ يديه مرَّتين مرَّتين، [ثم مضمضَ واستنثرَ ثلاثًا، [ثم غسل وجهه ثلاثًا] (٢)، ثم غسَلَ يديه مرتين مرتين] (٣) إلَى المِرفقينِ، ثم مسحَ رأسَهُ بيديه فأقبلَ بهما وأدبرَ، بدأَ بمُقدَّمِ [رأسِهِ] (٤)، ثم ذهبَ بهما إلَى قفاه، ثم ردهما حتَّى رجعَ [إلى] (٥) المكانِ الذي بدأَ منه، ثم غسَلَ رِجليه. قلت: [ومسلمٌ] (٦) في روايته هذا الحديثَ من طريق مالكٍ لمْ يسقْهُ بتمام لفظه. وأما روايةُ سليمانَ بنِ بلال: فأخرجها الشيخان أيضًا، ولم يسقْ مسلمٌ تمامَ ألفاظها، وساقها البخاريُّ فرواها عن خالد بن مخلد، عن سليمان قال: حدثني عمرو بن يحيَى، عن أبيه قال: كان عمِّي يكثرُ من الوضوءِ، قالَ لعبد الله بن زيد: أخبرني كيفَ رأيتَ النبيَّ ﷺ

стр. 1779

يتوضَّأُ؟ فدَعَا بتَوْرٍ من ماء، فكَفَأَ علَى يديه فَغَسلهما ثلاثَ مرَّات، ثم أدخلَ يدَهُ في التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ واستنثرَ ثلاثَ مراتٍ من غَرْفة واحدة، ثم أدخلَ يديه فاغترفَ بهما فغسل وجهَهُ ثلاثَ مرات، ثم غسل يديه إلَى المرفقينِ مرتين مرتين، ثم أخذ بيديه ماءً فمسحَ رأسَه (١)، فأدْبَرَ بيديه وأقبَلَ، ثم غسل رِجليه، وقال: هكذا (٢) رأيتُ النبيَّ ﷺ يتوضَّأُ (٣). وأما رواية خالد الواسطي فاتفق الشيخان عليها وبقيةُ الجماعة إلا النَّسائيُّ (٤)، فعند البخاري من روايته عن مسدد قال: ثنا خالد بن عبد الله قال: ثنا عمرو بن يحيَى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أنَّهُ أفرغ من الإناءِ علَى يديه فغسَلَهُما، ثم غسل أو مَضْمَضَ واستنشقَ من كفَّةٍ (٥) واحدةٍ، ففعل ذلك ثلاثًا، فغسل يديه إلَى المرفقينِ مرتين

стр. 1780

مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبلَ وما أدبر، وغسل رجليه إلَى الكعبينِ، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ . وعند مسلم من روايته عنْ محمدِ بن الصَّبَّاح قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيَى بن عمارة، عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وكانت له صحبة، قال: قيل له: توضَّأْ لنا وُضوءَ رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء، فأكفأَ منه علَى يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخلَ يدَهُ فاستخرجَهَا، [فمضمضَ واستنشقَ (١) من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهَهُ ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلَى المرفقينِ مرَّتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسهِ، فأقبلَ بيديه وأدبرَ، ثم غسل رجليه إلَى الكعبينِ، ثم قال: هكذا كانَ وُضوء رسول الله ﷺ . وأما رواية وُهيب فأخرجوها إلا النَّسائيُّ (٢)، ومسلمٌ لمْ يسقْها بتمام لفظها، وأحال علَى [ما] سبقها قال: واقتصَّ الحديث وقال فيه: فمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ من ثلاثِ غرفات، وقال أيضًا:] (٣) فمسَحَ

стр. 1781

برأسِهِ، فأقبلَ به وأدبرَ مرةً واحدة. قالَ بَهْزٌ: أملَى عليَّ وُهيب هذا الحديث، [وقال وُهيب: أملَى عليَّ عمرو بن يحيَى هذا الحديث] (١) مرتين. والبخاريُّ أخرجها بتمامها، فقال: ثنا موسَى، ثنا وهيب، عن عمرو، عن أبيه قال: شهدتُ عمرو بن أبي حسن سألَ عبد الله بن زيد عن وُضوء رسول الله ﷺ ، فأكفأَ علَى يدهِ من التَّوْرِ فغسلَ يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التورِ، فمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ ثلاثَ غرفات، ثم أدخلَ يده فغسَلَ وجهَهُ ثلاثاً، ثم أدخل فغسل يديه مرَّتين إلَى المرفقينِ، ثم أدخل يده فمسح رأسَهُ، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسَلَ رجليه إلَى الكعبين. ورواه البخاري عن سليمان بن حرب، عن وهيب، عن عمرو بن يحيَى، عن أبيه: شهدتُ عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله ﷺ : فدَعَا بتَوْرٍ من ماء فتوضَّأَ لهم، فكفأه علَى يديه فغسَلَهُما ثلاثاً، ثم أدخلَ يده في الإناءِ، فمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ بثلاثِ غرفات من ماء، ثم أدخل يده فغسلَ وجهَهُ ثلاثاً، ثم أدخل يدَهُ في الإناءِ [فغسل يديه إلَى المرفقينِ مرتين مرتين، ثم أدخل يده في الإناءِ] (٢) فمسح برأسه، فأقبل بيديه (٣) وأدبر

стр. 1782

[بهما] (١)، ثم أدخل يده في الإناءِ فغسَلَ رجليه (٢). وأما رواية واسع بن حَبَّان فأخرجها مسلم في "صحيحه" من حديث ابن وَهْبٍ قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن حبان بن واسع حدثه: أن أباه حدثه: أنَّهُ سمع (٣) عبد الله بن زيد بن عاصم، المازني، [ثم الأنصاري] (٤)، يذكر أنَّهُ رأَى رسولَ الله ﷺ توضَّأَ، فمضمضَ، ثم (٥) استنثر (٦)، ثم غسلَ وجهه ثلاثاً، ويدَهُ اليُمنَى ثلاثاً، والأخرَى ثلاثاً، ومسحَ برأسِهِ بماءٍ غيرِ فضلِ يديه، وغسلَ رجليه حتَّى أنقاهما (٧). * * * * الوجه الثالث: في تصحيحه: وقد أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وبقيةُ الجماعة في كتبهم.

стр. 1783

* الوجه الرابع: في قاعدة تتعلق بهذا الحديث وغيره: لما كانت روايةُ مالك وخالد ووهيب وسليمان راجعةً إلَى عمرو ابن يحيَى، وكان في الألفاظِ اختلاف أفاد بقولِه: في (١) رواية خالد الواسطي في هذا الحديث، وفي رواية وُهيب في هذا الحديث، وفي رواية سليمان بن بلال في هذا الحديث: أنَّ الاختلافَ الذي وقع في الألفاظِ اختلافٌ في حديث واحد؛ لأنَّ هذه الروايات كلَّها عن يحيَى ابن يحيَى (٢)، عن أبيه، وهذا يتعلقُ بقاعدة صناعية لا يكادُ أهل الفقه يعتبرونها، ولا تكاد توجدُ في تصرفاتهم، وكذلك في تصرف بعض أهل الحديث ممَّن يتكلَّم في الفقهِ. والذي يُعْهَدُ من تصرُّفِ أهل الفقه غالباً أنهم يجعلون اختلاف الألفاظ في الرواياتِ كاختلاف الأحاديث، ويستدلون بكل لفظة علَى الحكمِ الذي يُستفاد منها. ولأهل الحديث نظرٌ في اتحاد الحديث واختلافه يتصرَّفون بسببه فيما يتعلق بصناعتهم عندَ اختلاف الروايات، ويوجدُ في كلام بعضهم فيما يتعلَّقُ بالأحكامِ، وليس ذلك بالكثيرِ جداً، فلنتكلمْ فيما يتعلق بهذه القاعدة لتكرُّرِها في الأحاديثِ والحاجةِ إليها في الصناعتينِ جميعاً؛ أعني: في الإسنادِ وفي الاستدلال، والله الموفق للصواب (٣).

стр. 1784

فنقول: إن اختلف مخارجُ الحديث، أو (١) تباعدت ألفاظُهُ، فينبغي أنْ يُجعلا حديثين مُستقلين، وإن اتحد مخرجُهُ، وتقاربت ألفاظُهُ، فالغالبُ علَى الظنِّ أنَّهُ حديثٌ واحدٌ وقعَ الاختلافُ فيه علَى شيخ واحد، لا سيَّما إذا كان ذلك في سياقةِ واقعةٍ [واحدةٍ] (٢) يَبعُد أنْ يتعدَّدَ مثلُها في الوقوعِ. وإذا تبيَّنَ أنَّهُ حديثٌ واحدٌ اختلفَ (٣) الرواةُ في لفظِهِ فيُنظر؛ إن (٤) أمكنَ الجمعُ في اللفظِ بأنْ تزيدَ أحَدُ الروايتين لفظاً في روايةٍ لا يبعُدُ أنْ يُجمع (٥) مع اللفظ الآخر قبل الزائد، وجعل بعض الرواة تاركاً لبعض اللفظ؛ إما لعدم سماعه، أو لنسيانه، أو لسببٍ [آخر] (٦). وإن تعذَّرَ الجمعُ في اللفظِ ظاهراً نظرنا في أحد اللفظين، وهل يمكن أنْ يعبَّر بأحدهما عن معنَى الآخر، أو لا؟ فإنْ كَان الأولُ جمعنا، وردَدْنا إحدَى الروايتين إلَى الأخرَى. وإنْ كَان الثاني فحينئذ نرجع إلَى الترجيحِ بزيادة الحفظ، أو الكثرة، أو غير ذلك من أسباب الترجيح. هذا فيما إذا اتَّحدَ الحديث ظناً برجوعِهِ إلَى مخرج واحد،

стр. 1785

وتقارُبِ ألفاظه، أو اتحادِ واقعته. وأما إنْ لمْ يكنْ كذلك فهما حديثان يُؤخَذُ من كلِّ واحد منهما ما يقتضيه، وهذا الذي نقوله بناءً علَى غالب الظنِّ لا علَى الجزمِ، فإنه يجوزُ في أكثر هذه الاختلافاتِ أنْ تكونَ كرواياتٍ متعددة، وإن بَعُدَ (١) ذلك. مثال ما يتَّحدُ مخرجُهُ ويظهر أنَّهُ حديثٌ واحد مع إمكان اجتماع اللفظين: حديث يحيَى بن [أبي] (٢) كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مسِّ الذَّكَرِ باليمينِ (٣)، فإنَّ الرواياتِ ترجعُ إلَى يحيَى هذا، فإذا رواه بعضهم بالنهي عن مسِّ الذكر باليمينِ مُطلقاً (٤)، ورواه بعضهم بالنهي عن مسِّهِ باليمينِ في الاستنجاء، أو في البولِ، فهذا يمكن أنْ يكونَ جميعاً ملفوظاً بهما، فتُحمل روايةُ من تركه علَى رواية من ذكره، ونجعله (٥) [دليلاً على] (٦) تقييد النهي بالاستنجاءِ أو البول (٧). ولو جعلناهما كالحديثينِ لمْ نَحكمْ بتقييد النهي بحالة الاستنجاء أو البول؛ لأنَّ الحديثَ الذي فيه النهي مُطلقاً لا يُعارِضُ الذي فيه

стр. 1786

النهي مُقيداً بالاستنجاءِ أو البول، وإنما يُرَدُّ أحدُ اللفظين إلَى الآخرِ في العموم [إلَى] (١) الخصوص، أو الإطلاق إلَى التقييدِ، عندَ التعارض والتنافي في بعض المدلولات، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ التقييد يقتضي مفهومُهُ مخالفةً للمُطلقِ أو العامِّ عندَ من يقول بالمفهومِ، ويرَى أنَّهُ يُخصِّصُ العمومَ. ومثالُ ما لا يتأتَى فيه الجمعُ من الألفاظِ: ذكر حديث الواهبةِ نفسَها وما اختلفت الرواة فيه عن علي بن أبي حازم (٢)، عن أبيه، عن سهل بن سعد؛ فإنها قصة واحدة، يقول بعضهم: "أنكحتُكَهَا (٣) " (٤)، وبعضهم: "زوَّجتُكَهَا" (٥)، وبعضهم: "مَلَّكْتُكها (٦) " (٧)، إلَى غير ذلك من الاختلافات (٨)، فهذا لا يتأتَّى أن تكون هذه الألفاظُ كلُّها قالها

стр. 1787

الرسول (١) ﷺ في تلك الواقعة وتلك الساعة، إلا علَى سبيل التجويز العقلي المخالف للظنِّ القوي جداً، فينبغي علَى هذا أنْ يُنظرَ إلَى الترجيحِ الذي أشرنا إليه؛ لأنه ليست دلالة كل واحدٍ من هذه الألفاظ كدلالة الأخرَى في الحكمِ الذي يُؤخَذُ منها، فتقفُ الدلالةُ بلفظ: "ملَّكتُكَها" علَى انعقاد النكاح بلفظ التمليك علَى هذا التقدير إذا لمْ يتبينِ الترجيح. وما ذهب إليه بعضُهُم - أو من (٢) يذهب إليه - من أنَّ النكاحَ انعقد في القصةِ بلفظ النكاح أو التزويج، وأن لفظَ التمليك تعبيرٌ عن معنَى ما وقع، لا لفظِهِ (٣)، ينعكسُ (٤) عليه، ويقلبُهُ خصمُهُ عليه، وإنما الطريق في سبيل هذا الترجيح. ولو ذهب ذاهبٌ إلَى ما يفعله الفقهاءُ من جعل الروايات المتعددة في الطرقِ للحديث الواحد كالأحاديثِ المتعددة، لزمَهُ أنْ يجيزَ النكاحَ بكل لفظةٍ من هذه الأحاديث المذكورة في الحديثِ لرواية (٥) كلِّ لفظةٍ من جهة العدلِ الثقة (٦). قد نبَّهْنا علَى اختلاف الروايات في هذا الحديث، ولا تغفلَنَّ

стр. 1788

فيه، وفي غيره، عن أن تنظرَ إلَى الاختلافِ، وأنه علَى من يرجعُ إليه الحديث، فإنه قد يقع [فيه] (١) الاختلافُ (٢) فيما بعد ذلك من المُتأخِّرينِ الذين يَروونه (٣) بوسائط إلَى من يرجعُ إليه الحديث، فإنَّ رواةَ "الموطأ" قد يختلفون في بعض الألفاظ، فلا يلزم أنْ يكونَ ذلك اختلافاً علَى مالك، وقد يكون ذلك اختلافاً عمَّنْ دونه (٤)، فإذا نسبتَ الاختلافَ إلَى مُخرجِ الحديث كان خطأً. مثالُهُ في هذا الحديث: قوله: "فغسَلَ يدَيهِ مرَّتين مرَّتين": نُسِبَ إلَى كتاب أحمد بن مطرف: "يده"، فإذا حملتَ هذا الاختلافَ علَى من يرجعُ إليه الحديثُ، وهو عمرو بن يحيَى، كان ذلك خطأً، فتحرَّزْ من أمثاله. * * * * الوجه الخامس: في [شيء من] (٥) مفرداته؛ أعني: مفردات حديث عبد الله بن زيد في الجملة، وفيه مسائل: الأولَى: قوله في رواية وُهيب: "فدَعَا بتَوْرٍ منْ ماءٍ"؛ التَّوْرُ: بالتاءِ المثناة، والواو الساكنة، آخرُهُ راءٌ مهملة، قالَ ابن سِيدَه: هو

стр. 1789

الرسولُ بين القوم، عربيٌّ صحيح، قال [من السريع]: والتَّوْرُ فيما بَيْنَنَا مُعْمَلُ ... يَرضَى بِهِ المَأتِيُّ والمُرْسِلُ (١) والتَّورُ: من الأواني مذكَّرٌ، قيل: هو عربي، وقيل: هو دخيل (٢). الثانية: قالَ صاحب "ديوان الأدب" (٣): وكفأت القَدْرَ؛ أي: قلبتها. قلتُ: ويقال: كَفَأْتُ القومَ؛ [أي:] (٤) إذا أرادوا وَجْهاً وصرفْتُهُم إلَى غيرِهِ، وكفأت العودَ: إذا (٥) قشرته، وكفأ [ت] (٦) اللحمَ عن العظمِ؛ أي: نزعتهُ عنه. ذَكَرَ ذلك الفارابيُّ، ويمكن أنْ يُرجعَ كلُّه إلَى أصل واحد، فإن [في] (٧) صرفِ وجههم إلَى غيره قُرباً من (كفأت الإناء)، وأبعد منه

стр. 1790

الوجهان الآخران، وليس يمتنعُ تحيُّلُ أن يُردَّ إليه. الثالثة: قوله: "فأكْفَأَ منه علَى يديه" فيه إشكالٌ؛ لأنَّ الإكفاءَ للإناءِ لا للماءِ، والمُفْرَغُ الذي تقتضيه (من) علَى اليدِ هو الماءُ، وهو لا يُكفأ. الرابعة: وقال ابن سِيدَه: وفَرَغَ عليه الماءَ، وأَفْرَغَهُ (١): صبَّه؛ حكَى الأولَى ثعلب، وأنشد [من الطويل]: فَرَغْنَ الهوَى في القلبِ ثمَّ صَببْنَهُ ... صباباتِ ماءِ الحُزْنِ بالأعينِ النُّجْلِ (٢) وفي التنزيل: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]؛ أي: أنزلْ علينا صبراً [يشتمل علينا] (٣)، وهو علَى المثل. وافْتَرَغَ: أفرغَ علَى نفسه [الماء] (٤). وأَفْرَغَ عندَ الجِماع: إذا صبَّ ماءَه (٥)، وأَفْرَغَ الذهبَ والفضةَ ونحوهما من الجواهرِ الذائبة: صبَّها في قالب. وحَلْقَةٌ مُفْرَغَةٌ: مُصْمَتَةُ الجوانب (٦) غير مقطوعة.
следующие страницы →