← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

النهي مُقيداً بالاستنجاءِ أو البول، وإنما يُرَدُّ أحدُ اللفظين إلَى الآخرِ في العموم [إلَى] (١) الخصوص، أو الإطلاق إلَى التقييدِ، عندَ التعارض والتنافي في بعض المدلولات، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ التقييد يقتضي مفهومُهُ مخالفةً للمُطلقِ أو العامِّ عندَ من يقول بالمفهومِ، ويرَى أنَّهُ يُخصِّصُ العمومَ. ومثالُ ما لا يتأتَى فيه الجمعُ من الألفاظِ: ذكر حديث الواهبةِ نفسَها وما اختلفت الرواة فيه عن علي بن أبي حازم (٢)، عن أبيه، عن سهل بن سعد؛ فإنها قصة واحدة، يقول بعضهم: "أنكحتُكَهَا (٣) " (٤)، وبعضهم: "زوَّجتُكَهَا" (٥)، وبعضهم: "مَلَّكْتُكها (٦) " (٧)، إلَى غير ذلك من الاختلافات (٨)، فهذا لا يتأتَّى أن تكون هذه الألفاظُ كلُّها قالها

стр. 1787

الرسول (١) ﷺ في تلك الواقعة وتلك الساعة، إلا علَى سبيل التجويز العقلي المخالف للظنِّ القوي جداً، فينبغي علَى هذا أنْ يُنظرَ إلَى الترجيحِ الذي أشرنا إليه؛ لأنه ليست دلالة كل واحدٍ من هذه الألفاظ كدلالة الأخرَى في الحكمِ الذي يُؤخَذُ منها، فتقفُ الدلالةُ بلفظ: "ملَّكتُكَها" علَى انعقاد النكاح بلفظ التمليك علَى هذا التقدير إذا لمْ يتبينِ الترجيح. وما ذهب إليه بعضُهُم - أو من (٢) يذهب إليه - من أنَّ النكاحَ انعقد في القصةِ بلفظ النكاح أو التزويج، وأن لفظَ التمليك تعبيرٌ عن معنَى ما وقع، لا لفظِهِ (٣)، ينعكسُ (٤) عليه، ويقلبُهُ خصمُهُ عليه، وإنما الطريق في سبيل هذا الترجيح. ولو ذهب ذاهبٌ إلَى ما يفعله الفقهاءُ من جعل الروايات المتعددة في الطرقِ للحديث الواحد كالأحاديثِ المتعددة، لزمَهُ أنْ يجيزَ النكاحَ بكل لفظةٍ من هذه الأحاديث المذكورة في الحديثِ لرواية (٥) كلِّ لفظةٍ من جهة العدلِ الثقة (٦). قد نبَّهْنا علَى اختلاف الروايات في هذا الحديث، ولا تغفلَنَّ

стр. 1788

فيه، وفي غيره، عن أن تنظرَ إلَى الاختلافِ، وأنه علَى من يرجعُ إليه الحديث، فإنه قد يقع [فيه] (١) الاختلافُ (٢) فيما بعد ذلك من المُتأخِّرينِ الذين يَروونه (٣) بوسائط إلَى من يرجعُ إليه الحديث، فإنَّ رواةَ "الموطأ" قد يختلفون في بعض الألفاظ، فلا يلزم أنْ يكونَ ذلك اختلافاً علَى مالك، وقد يكون ذلك اختلافاً عمَّنْ دونه (٤)، فإذا نسبتَ الاختلافَ إلَى مُخرجِ الحديث كان خطأً. مثالُهُ في هذا الحديث: قوله: "فغسَلَ يدَيهِ مرَّتين مرَّتين": نُسِبَ إلَى كتاب أحمد بن مطرف: "يده"، فإذا حملتَ هذا الاختلافَ علَى من يرجعُ إليه الحديثُ، وهو عمرو بن يحيَى، كان ذلك خطأً، فتحرَّزْ من أمثاله. * * * * الوجه الخامس: في [شيء من] (٥) مفرداته؛ أعني: مفردات حديث عبد الله بن زيد في الجملة، وفيه مسائل: الأولَى: قوله في رواية وُهيب: "فدَعَا بتَوْرٍ منْ ماءٍ"؛ التَّوْرُ: بالتاءِ المثناة، والواو الساكنة، آخرُهُ راءٌ مهملة، قالَ ابن سِيدَه: هو

стр. 1789

الرسولُ بين القوم، عربيٌّ صحيح، قال [من السريع]: والتَّوْرُ فيما بَيْنَنَا مُعْمَلُ ... يَرضَى بِهِ المَأتِيُّ والمُرْسِلُ (١) والتَّورُ: من الأواني مذكَّرٌ، قيل: هو عربي، وقيل: هو دخيل (٢). الثانية: قالَ صاحب "ديوان الأدب" (٣): وكفأت القَدْرَ؛ أي: قلبتها. قلتُ: ويقال: كَفَأْتُ القومَ؛ [أي:] (٤) إذا أرادوا وَجْهاً وصرفْتُهُم إلَى غيرِهِ، وكفأت العودَ: إذا (٥) قشرته، وكفأ [ت] (٦) اللحمَ عن العظمِ؛ أي: نزعتهُ عنه. ذَكَرَ ذلك الفارابيُّ، ويمكن أنْ يُرجعَ كلُّه إلَى أصل واحد، فإن [في] (٧) صرفِ وجههم إلَى غيره قُرباً من (كفأت الإناء)، وأبعد منه

стр. 1790

الوجهان الآخران، وليس يمتنعُ تحيُّلُ أن يُردَّ إليه. الثالثة: قوله: "فأكْفَأَ منه علَى يديه" فيه إشكالٌ؛ لأنَّ الإكفاءَ للإناءِ لا للماءِ، والمُفْرَغُ الذي تقتضيه (من) علَى اليدِ هو الماءُ، وهو لا يُكفأ. الرابعة: وقال ابن سِيدَه: وفَرَغَ عليه الماءَ، وأَفْرَغَهُ (١): صبَّه؛ حكَى الأولَى ثعلب، وأنشد [من الطويل]: فَرَغْنَ الهوَى في القلبِ ثمَّ صَببْنَهُ ... صباباتِ ماءِ الحُزْنِ بالأعينِ النُّجْلِ (٢) وفي التنزيل: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]؛ أي: أنزلْ علينا صبراً [يشتمل علينا] (٣)، وهو علَى المثل. وافْتَرَغَ: أفرغَ علَى نفسه [الماء] (٤). وأَفْرَغَ عندَ الجِماع: إذا صبَّ ماءَه (٥)، وأَفْرَغَ الذهبَ والفضةَ ونحوهما من الجواهرِ الذائبة: صبَّها في قالب. وحَلْقَةٌ مُفْرَغَةٌ: مُصْمَتَةُ الجوانب (٦) غير مقطوعة.

стр. 1791

ومَفْرَغ الدَّلوِ: ما يلي مُقدمَ الحوض، والمَفْرَغُ والفرَغُ: مَخرجُ الماء من بين عَرَاقي (١) الدَّلوِ، والجمع: فُرُوغ، وفِرَاغ الدَّلوِ: ناحيتُها التي يصبُّ منها الماء. والفِرَاغُ: الإناءُ بعينه؛ عن ابن الأعرابي (٢). الخامسة: قالَ ابن سِيدَه: (القَفَا) وراء العنق، [ثم] (٣) قال: فما المَوْلَى وإِن عَرُضَتْ قَفَاهُ ... بأَحْمَلَ للمَلاوِمِ من حِمَارِ (٤) ويروَى: للمحامد. وقال اللحياني: (القَفا) يذكر ويؤنث، [و] (٥) حكي عن عكل: هذه قفا، بالتأنيثِ، وحكَى ابن جِنِّي المدَّ في القفا، وليست بالفاشية (٦). فأما قوله [من الرجز]: يا ابنَ الزُّبَير طَالَما عَصَيْكا ... وطَالَما عَنَّيْتَنا إلَيْكا لَنَضْرِبَنْ بسَيْفِنا (٧) قَفَيْكا (٨)

стр. 1792

أَراد: قَفَاكَ، فأَبدل الأَلفَ ياءً للقافية، وكذلك أَراد: عَصَيْت، فأَبدل من التاءِ كافاً؛ لأَنها أُختها في الهمسِ. والجمع: أَقْفٍ وأَقْفِيةٌ؛ الأَخيرة عن ابن الأعرابي، وأَقْفَاء، والكثير: قِفَا (١)، وقِفِيٌّ، وقِفِين، الأخيرةُ نادرةٌ لا يوجبها القياس (٢). السادسة: قال ابن طريف (٣): بَدَأَ اللهُ الخَلْقَ، وأَبْدَأَهمْ: خَلَقَهم، وفي القرآن: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، وفيه: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]، في موضع آخر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، وبَدَأَ بالأمرِ وأَبْدَأَ: قدَّمه، وعاد. وأَبْدَأَ وأَعَادَ، وما أَبْدَأ فلانٌ وما أَعَاد: إذا لمْ يأتِ بشيءٍ، ولم يقدرْ عليه. السابعة: قالَ ابن سِيدَه: و (أَخْرَجَه) و (استَخْرَجَهُ): طلبَ إليه، أو منه، أنْ يخرجَ (٤). وقالَ الجَوهَرِيٌّ: والاستخراجُ كالاستنباطِ (٥)، انتهَى.

стр. 1793

ولبُنْيَةِ (١) (اسْتَفْعَلَ) معانٍ في لسان العرب: تكون بمعنَى الإصابة؛ كقولك (٢): استجَدْتُهُ (٣)؛ أي: أصبته جيداً، واستكرمته، واستعظمته: أصبته كريماً، وعظيماً. وتكون بمعنَى الطلب؛ كقولك: استعطيتُ العطيةَ، واستعتبْتُهُ؛ أي: طلبتُ له العُتبَى، واستفهمْتُهُ؛ أي: طلبتُ أنْ يُفهمَنِي. قال الشيخ أبو عمرو: و (اسْتَفْعَلَ) للسؤال غالباً؛ إما صريحاً نحو: استكتبته، أو تقديراً نحو: استخرجته (٤)، وذكرنا في الكلامِ، وقال في شرحه: لأنَّ معنَى (استكتبته): طلبت منه أنْ يكتب، فهو صريحٌ في طلب الكتابة، وإذا قلت: استخرجته، فقد لا يكون (٥) طلبٌ، بل مُجرَّدُ تخيُّلٍ في قصد [الخروج] (٦)، ولكن يُنزَّلُ التخيلُ منزلةَ الطلب؛ كقولك: استخرجت الوتِدَ من الحائطِ (٧)، [انتهَى] (٨). وتكون (اسْتَفْعَلَ) بمعنَى التحولِ من حال إلَى حال؛ نحو: استنوق الجملُ، واستَتْيَستِ الشاةُ.

стр. 1794

وتكون بمعنَى تَفَعَّلَ؛ كقولهِم: تعلَّم واستعلم، وتكبَّر واستكبر. وتكون بمعنَى فَعَلَ؛ كقولك قَرَّ واستقَرَّ، ومرَّ واستمرَّ (١). وينبغي أنْ تكونَ هاهنا بمعنَى: أخرج؛ كـ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بمعنَى: أجاب، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]؛ أي: أجابوا. [وقول الشاعر] (٢): فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (٣) أي: لمْ يجبه. ولو حملناها علَى طلبِ الفعل، لقيلَ: إنَّهُ من باب التعبير عن الفعلِ بإرادته، وهو مجازٌ. * * * * الوجه السادس: في شيء من العربية: قد ورد في الحديث: "فغَسَلَ يدَيه مَرَّتَين مرتين"، فلا بدَّ من النظرِ في مُقتضَى هذا اللفظِ، وهل يقتضي غَسْلَ كلِّ واحد منهما مرتين بسبب تكريرِ اللفظ، أم يجوز أنْ يكونَ غَسَلَهُما معاً مرتين، فيكون

стр. 1795

تكرار (مرتين) تأكيداً لفظيًّا؟ فنقول: المنقولُ عن بعض أكابر الفضلاء من المتأخرينِ - وهو أبو محمد بن بري -: أنَّهُ إذا كُرِّرَت الأجناس، أو المصادر، أو أسماء العدد، كان المرادُ حصولَهَا مكررةً؛ نحو: جاء القوم رجلاً رجلاً، وجماعةً جماعةً، وزُمرةً زمرةً؛ أي: رجلاً بعد رجلٍ، وجماعةً بعد جماعةٍ. وكذلك: ضربت زيداً ضرباً ضرباً، وضربتين، وجاؤوا رجلين رجلين، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ أي: ضرباً بعد ضربٍ، واثنين بعد اثنين، ومنه قوله تعالَى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]؛ أي: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ. وعن الشيخ أبي محمد وابن الحاجب: ولا يحسنُ التوكيدُ اللفظيُّ إلا حيثُ لا يكونُ للكلام مَحْملٌ غيرُهُ. ومن ثَمَّ لمْ يَحملْ أبو عليٍّ التكرير في المصادرِ والأعداد وأسماء الأجناس عليه في قولك: جاؤوا رجلاً رَجلاً، وحَسَبْتُهُ (١) باباً باباً، وضربته ضرباً ضرباً (٢)، وأنفقت الدراهمَ ثلاثةً ثلاثةً؛ لأنَّ المقصودَ في هذه الأمثلة وشبهها حصولُ الفعل علَى هيئة التكرير الواقعِ بعضُهُ بعدَ بعض؛ لأنَّ المعنَى: رجلاً بعد رجلٍ، وباباً بعد باب، وضرباً بعد

стр. 1796

ضرب، وثلاثةً بعد ثلاثةٍ، وهو معنى مُستقلّ (١). والتأكيد اللفظي قليل الفائدة (٢)؛ لأنَّ الغرضَ إبلاغُ المخاطَب ما لَعَّله لمْ يسمعْهُ، ومثلُ ذلك عندي قوله تعالَى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]، لا يُحمل اللفظ المكرر فيها علَى التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّ المقصودَ تكرير وقوع الدَّكِّ والصَّفِّ؛ أي: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ، وهو معنى مستقلٌّ ينافيه التأكيدُ اللفظي؛ لأنَّ حمله عليه يبطلُ قصدَ التكرير لفظاً، وإبطالُه مُبطلٌ قصدَ التكرير معنى، وهو المقصود من الأمثلةِ المذكورة. وعن أبي عبد الله ابن مالك: يعدُّ ذكرُ المعطوفِ في حكم التكرير (٣)، وقد يُغني في هذا النوع التكريرُ عن العطفِ، ومنه قوله تعالَى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]؛ أي: دكاً بعد دكٍّ، وصفاً بعد صفٍّ (٤)، ويجري هذا المجرَى أسماءُ الأجناس، وأسماء العدد؛ نحو: جاء القوم رجلاً رجلاً، وجماعةً جماعةً، وأقبلوا اثنينِ اثنينِ، وثلاثةً ثلاثةً، ولا يُحمل الاسم الثاني في هذه الأمثلة علَى التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّهُ لا معنى للتأكيد اللفظيِّ سوَى إبلاغ المخاطب ما لعله لمْ يسمعْه،

стр. 1797

وهذا النوع له معنى مُستقلٌّ غير ذلك. * * * * الوجه السابع: [في شيء من علم المعاني والبديع]: المتكلمون علَى علم البديع يَجعلون منه نوعاً يُسمَّى التفسير، ورُبَّما رسَمَهَ بعضهم بأنْ يستوفيَ الشاعرُ شرحَ ما ابتدأ به مُجملاً، وهذا من نوع تساهلهم في الرسومِ لفظاً ومعنى، فإنه لا خصوص للشاعر بهذا النوع، بل هو كذلك في النثرِ والنظم معاً، وقد قالَ تعالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ثم فسره تعالَى بما أتَى بعده. وذكروا منه قولَ المُتنبِّي [من الطويل]: فتًى كالسَّحَابِ الجَوْنِ يُرْجَى ويُتَّقَى ... يُرَجَّى الحيا منهُ وتُخْشَى الصَّوَاعقُ (١) ولم يُحسنْ من ذكر في هذا الباب قولَ المتنبي [من البسيط]: إنْ كُوتِبُوا أو لُقُوا أو حُورِبُوا وُجِدُوا ... في الخَطِّ واللَّفْظِ والهَيْجَاءِ فُرْسَانَا (٢) ولا مَن أدخلَ فيه قولَهُ تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا

стр. 1798

وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]. (١) * * * * الوجه الثامن: في المباحثِ والفوائد، وفيه مسائل: الأولَى: قالَ قائلٌ: لفظُ (هل يستطيع) يقتضي في العُرفِ تعذُّراً أو تعسُّراً فيما يُسأل عنه، أو كون الشيء بعرضية ذلك، ألا ترَى أنَّهُ لا يصلحُ في العُرفِ أنْ يُقَال للصحيح البِنيَة الذي لمْ تقمْ قرينةٌ علَى عجزه: هل تستطيع أن تقوم؟ هل تستطيع أن تتكلم؟ هل تستطيع أن تُحرِّك يدَك؟ إلَى غير ذلك من الأمثلةِ، والمسؤول هاهنا راجعٌ إلَى رؤية الوضوء، وإلَى حكاية ما رأى (٢)، ولا عسرَ، ولا تَعَذُّرَ (٣)، في واحدٍ [منهما] (٤). وأجيب من وجوه: أحدها: أنْ يكونَ المرادُ: هل رأيتَ الفعلَ فتستطيعُ أن تحكيَهُ، أم لمْ ترَه فلا تستطيع ذاك (٥)؟ ولا شكَّ أنَّ حكايةَ ما لمْ يرَ (٦) محالٌ في إخبار من لمْ يرَهُ (٧) عمَّا

стр. 1799

رأَى، فالسؤال حقيقة عن وقوع الرؤية التي ينشأ عنها إمكانُ الاستطاعة في الحكايةِ، ولو قيل: هل رأيت كذا، فتستطيع أن تحكيه؟ لمْ يكنْ ذلك خارجاً عن استعمال أهل العرف، ولا مُستكرهاً عندهم. ولو قالَ قائل: كيف [يمكن أن] (١) يكونَ الصحابيُّ المصاحبُ لرسول الله ﷺ مدةً لا يرَى وضوءَهُ ﷺ ؟ فيقال: إنما يمتنعُ ذلك إذا لمْ يكنْ حكمُ الوضوء متبيناً مِن غيرِ الفعل، لكنه متبَيِّنٌ بالآيةِ الكريمة، فلا يمتنعُ مع البيان أن لا يرَى اكتفاءً بالمتبين (٢) من الآيةِ، أو من قولٍ آخرَ من الرسولِ ﷺ . وثانيها: أنْ يكونَ السؤالُ عن دوام الذكرِ لفعله ﷺ إلَى حين السؤال، فكأنَّهُ يقول: هل أنت مُستحضِرٌ (٣) لما رأيت؟ أو طرَأَ عليك نسيانٌ يمنع من الاستطاعةِ لحكايته؟ وثالثها: أنْ يُحملَ علَى أنَّ السؤالَ عن تأمله لأفعال رسول الله ﷺ [في الوضوء] (٤)؛ كُلِّيِّها وجزئيِّها (٥)؛ ظاهرِها وخفيِّها، حتَّى يأتيَ بذلك علَى الوجهِ الذي وقع بكماله وتمامه، وذلك أنَّ الأفعالَ قد يقعُ

стр. 1800

منها ما لمْ يعلمْ أنَّهُ مقصودٌ إلا بتأمل، فيحتمل أنْ يكونَ السؤال لأجل ذلك. ورابعها: أنْ يكونَ السؤال عن ذكرها مجموعةً مسرودةً، [أو فعلها كذلك علَى معنَى الجمع] (١)، فقد (٢) يكون الإنسان عالماً بأجزاء الشيء، ولو سُئِلَ عن ذكره مجموعاً لتوقفَ، وإنْ كَان لو سئل عن كل فردٍ لأجاب. وخامسها: إذا قلنا: إنَّ (كَان) تقتضي المداومةَ أو الأكثريةَ، فيكون السؤال عن ذلك، ولا شكَّ أنَّ الفعلَ قد يختلف بالدوامِ وعدمِه، فيمكن أنْ يكونَ السؤال: هل وقع (٣) دوامٌ علَى فعلٍ فتستطيعُ أنْ تُخبِرَ به، أو لمْ يقعْ فلا تستطيع؟ الثانية: هذا وضوءُ التعليم، وقد تكلموا في أنَّهُ هل تُستباحُ به [الصلاةُ] (٤)، أم لا؟ وكذلك [صلاةُ] (٥) التعليم. والمنقولُ عن سفيان الثوري ﵀: أنَّ من علَّمَ غيرَهُ الوضوءَ [أجزأه] (٦)، ومن علَّم غيرَهُ التيممَ [لم يُجزِئْ] (٧).

стр. 1801

قالَ بعض المالكية: إن نوَى الطُّهرَ استباحَ به الصلاة، وإنْ لمْ يُرِدْ إلا التعليمَ لمْ يستبحْ به الصلاة (١)، وكذلك مَن نوَى بوضوئِهِ تعلُّمَ (٢) الوضوءِ، قال: قاله ابن القاسم في "العتبية" (٣). والمسألة تتعلَّقُ بأصلين: أحدهما: اشتراطُ النية في الطهارةِ، أو عدم ذلك. والثاني: التشريكُ فيها، هل يَضير، أم لا؟ وقد حُملَ قولُ سفيان ﵀ علَى أنَّهُ كقول أبي حنيفة: أنَّ التيممَ لا بدَّ فيه من نيَّة، وأما الوضوء فلا (٤)، وفي هذا نظرٌ. وأما التشريكُ فظاهر ما نُقِلَ عن ابن القاسم أنَّهُ لا يضرُّ؛ لأنه علَّقَ الاستباحة بمُجرَّدِ نيةِ الطهر، ولم يعرضْ؛ لأنَّ التشريكَ مانعٌ، وظاهر هذا: أنَّهُ لا يضر. والصحيحُ عندَ الشافعية: أنَّ نيةَ التَّبَرُّدِ (٥) مع نيةِ الاستباحة لا تضر، وعُلِّلَ ذلك بأنَّ ما يَحصلُ، وإنْ لمْ يُنوَ، [لا تضرُّ نيَّتُهُ، والتبردُ حاصلٌ، وإنْ لمْ ينوَ] (٦) (٧).

стр. 1802

وليس في الحديثِ دليلٌ علَى أن وضوءَ التعليم يُجزئ أو لا يجزئ، لكنَّه فيه دليلٌ علَى أنَّهُ يجوز فعل ذلك؛ أي: التعليم، وقد يمكن أنْ تُضمَّ إليه مقدمةٌ أخرَى، ويُستدلَّ بذلك علَى الجوازِ؛ أي: جواز الصلاة به، أو عدم إفساد التشريك، لكنه (١) نذكره في مسألة تلي هذه. الثالثة: صرَّحوا بأنَّ الوضوءَ عبادة، وأقاموا خلاف الحنفية في ذلك؛ أعني: الخِلافيِّين، فإذا كان عبادةً، وشرطُهَا أحدُ النياتِ المذكورة، ففعلُ (٢) العبادة بغيرِ شرطها ممتنعٌ، وقد جعلوا كونَهُ عبادةً دليلاً علَى اشتراط النية، واللازمُ أحدُ أمرين؛ إما بطلان هذا الاستدلال، أو مخالفة تلك القاعدة التي قلناها، وهو أنَّ فعلَ العبادة بغيرِ شرطها ممتنعٌ؛ لأنه إنِ اشترطنا النيةَ وجب أن لا يكون الوضوءُ عبادةً إلا بها، ولو ثبت ذلك، وكان هذا التشريكُ في النيةِ [مُبطلاً] (٣)، لكانت العبادةُ قد فُعلت بدون شرطها، وهو الأمر الثاني الممتنع. وهذا بناء علَى أنَّهُ قصد الوضوءَ بهذا الفعل، ولعله الأظهر. الرابعة: الخلافُ مشهورٌ في دلالة (كان) علَى الدوامِ أو الأكثرية، أو عدم دلالتها علَى سوى (٤) اقترانِ مضمون الجملة بالزمنِ الماضي، ومعرفةُ ما وقع عنه السؤالُ ينبني علَى ذلك.

стр. 1803

الخامسة: فيه البيانُ بالفعلِ عما سئل عنه، وقد تكلم الأصوليون في بيان المُجمل بالفعلِ؛ هل يحصل؟ وقسموا القول في الدليلِ الدالِّ علَى البيانِ إلَى: ما يحصل بالمواضعةِ؛ كالكتابةِ، وعقد الأصابع، وإلَى شيء تتبعه المواضعة (١)، وفُسِّرَ بالإشارة؛ لأنَّ المواضعةَ مُفتقِرَةٌ إليها، وهي غيرُ مفتقرةٍ إلَى المواضعةِ، وإلا لافتقرت إلَى مواضعة أخرَى، ولزم التسلسلُ، وهو محال، وإلَى ما يكون تابعاً للمواضعة؛ كما في قوله (٢) ﵇: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي" (٣)، ولو قالَ ﵇: هذا الفعلُ بيانٌ لكذا (٤). وقد نُقِلَ عن قوم أنَّ الفعلَ لا يكون بياناً، والمختارُ عند الأصوليين خلافُهُ (٥). فإن قلت: كلام الأصوليين في بيان المُجمل بالفعلِ، وليس كذلك ما في الحديث! قلت: هو في معناه؛ لأنَّ السؤالَ مُقتضٍ لإبهام الأمر عندَ السائل، ومُحوجٌ إلَى بيان ما هو الواقعُ، وما هو مُحتملٌ مع غيره في السؤال. السادسة: لقائل أنْ يقول: البيانُ بالقولِ أظهرُ من البيانِ بالفعلِ، فِلمَ عُدِلَ عنه إلَى البيانِ بالفعل؟

стр. 1804

والجواب: أنَّهُ لو عدل عنه إلَى البيانِ بالقولِ لمْ يكنْ جواباً للسؤال؛ لأنه سأله عن الرؤيةِ، والقولُ لا يرَى، وقد يتعلقُ للسائل غرضٌ في البيانِ [بالفعل] (١)، فإنَّ البيان (٢) بالقولِ قد يكونُ أطولَ ومحتاجاً في الزمانِ إلَى مُدَّةٍ أكثرَ من زمان مدة الفعل، فيكون غرضُ السائلِ (٣) متعلقاً بالأخصرِ في البيانِ. وقد حُكيَ في الاحتجاجِ لمن منعَ البيانَ بالفعل بأنَّهُ يكون أطولَ، فيتأخرُ (٤) عن وقت الحاجة، وأجيب بالمنعِ، وأنه قد يكون القولُ أطولَ (٥). وقد أورد بعضهم السؤال فقال: فإن قيل: البيانُ يحصل بالقولِ، فالجواب: أنَّهُ بالفعلِ أوقعُ في النفوسِ، وأبعدُ من التأويلِ، والله أعلم (٦). وما ذكرناه أولَى. السابعة: قد ذكرنا تفسير (التَّورِ)، والحديثُ الذي جاء فيه: "من صُفْرٍ" (٧) يدلُّ علَى جواز الوضوء من آنية الصفر؛ كما يجوزُ

стр. 1805

الوضوء بسائر الأواني الطاهرةِ سوَى الذهب والفضة، والظاهريةُ لا تستثنيهما (١) أيضاً. الثامنة: قوله: (فأفرغ) يقتضي عدمَ إدخالِ اليد في الإناءِ عندَ ابتداء الوضوء قبلَ غسلهما، وقد ذكرنا أنَّ ذلك مستحبٌّ، وأنه لا يتوَقَّف علَى الاستيقاظِ من النومِ، و [قد] (٢) ذُكِرَ فيه أنَّ العلةَ في المستيقظِ جاريةٌ في غيره، فيعمُّ الحكمُ بعموم علته. التاسعة: ذكر الشيخ أبو زكريا النواوي في شرحه لكتاب "مسلم" قال: قوله: (فدَعَا بإناءٍ فأَكْفَأَ منها)؛ هكذا هو في الأصولِ: (منها)، وهو صحيح؛ أي: من المِطْهَرَةِ، أو الإداوة (٣). ولم نقفْ علَى هذا، بل عندنا في حديث خالد الواسطي في كتاب "مسلم": (فدَعَا بإناءٍ فأكفَأَ منه)، ولعلَّه وقع له في أصوله، وأراد ذلك بقولِه: الأصول. العاشرة: غسلُ الصحابيِّ لهما في ابتداء الوضوء، وإدراجُهُ تحتَ فعل النبي ﷺ دليلٌ علَى ما ذكرناه من عموم الاستحباب في ابتداء الوضوء؛ لأنه إما أنْ يكونَ رأَى النبيَّ ﷺ غسلهما مِن غيرِ استيقاظ من النومِ، أو بعد الاستيقاظ من النومِ، فإنْ كَان الأول فهو

стр. 1806

المقصود، وإنْ كَان بعد الاستيقاظ من النومِ كان المتعيِّنُ أنْ يحكيَ ذلك؛ لأنه سئل عن كيفية الوضوء الذي تدخل تحته (١) هذه الهيئة؛ أعني: الغسلَ بعد الاستيقاظ من النومِ، فلو كان [ذلك] (٢) كذلك تعيَّنَ ذكرُه لبيان الكيفية؛ لا سيَّما وهو [صفة] (٣) يمكنُ أن تُعتبرَ في الحكم، [وعدمُ] (٤) اعتبارها إنما يكون بطريق نظريٍّ، ولا يدخل في الحكايةِ عدمُ ذكرها. [ذلك] (٥) كذلك تعيَّنَ ذكرُه لبيان الكيفية؛ لا سيَّما وهو [صفة] (٦) يمكنُ أن تُعتبرَ في الحكم، [وعدمُ] (٧) اعتبارها إنما يكون بطريق نظريٍّ، ولا يدخل في الحكايةِ عدمُ ذكرها. الحادية عشرة: اختلف المالكيةُ في غسلهما؛ هل يكون علَى الاجتماعِ، أو الانفراد؟ ورُبَّما بُنِي [علَى] (٨) أنَّ غسلَهُما للنظافة، أو للعبادة، وأنَّ الأول: يقتضي الجمع؛ لأنَّه أبلغ في النظافةِ، والثاني: يقتضي الإفراد (٩).

стр. 1807

والكلامُ الآنَ فيما يقتضيه لفظ الحديثِ من الجمعِ والإفراد. الثانية عشرة: الرواية التي فيها: "علَى يده" تقتضي الإفراد في الإفراغِ، وحصول مُسمَّى الغسل لليد، لكنَّه لا ينافي الاجتماعَ في الغسلِ بعد الإفراغ علَى إحدَى اليدين، وحصولُ مُسمَّى الغسل [بالصبِّ علَى إحدَى اليدين عندَ من يرَى أنَّهُ يكفي في مُسمَّى الغسل] (١) بذلك، يقتضي الإفراد ظاهراً. والمحكيُّ من رواية أشهب، عن مالك: يستحبُّ أنْ يفرغ علَى يده اليمنَى فيغسلها، ثم يدخلها في إنائِهِ ثم يصبُّ علَى اليسرَى (٢)، وهذا (٣) مطابقٌ لرواية: "أفرَغَ علَى يده". وأما الرواية التي فيها: "علَى يديه"، وهي رواية خالد الواسطي عندَ البخاري ومسلم، فقد يفهم منها الاجتماعُ، لكنْ في الحملِ عليه تكلُّفٌ في تصوير الإفراغ عليهما معاً، مع احتمال أنَّهُ يكون من باب الجمع في الإخبارِ، لا في المُخبَرِ عنه، فإنه يصحُّ أنْ يقال: أفرغ علَى يديه، إذا أفردَ كلَّ واحد منهما في الفعلِ. والمحكيُّ عن رواية عيسَى، عن ابن القاسم: أحبُّ إليَّ أنْ يُفرغَ علَى يديه فيغسلهما؛ كما جاء في الحديث (٤). الثالثة عشرة: قوله: "مرتين مرتين" يقتضي الإفرادَ في غسل كل

стр. 1808

واحد منهما ظاهراً؛ لأنه لو غسلهما مرتين، [وهما] (١) مَجموعتان، لمْ يبقَ لقوله: (مرتين) ثانياً فائدةٌ، لأنه لو زادهما (٢) علَى المرتين (٣) الأوليين مجموعتين لكان قد غسلهما أربعاً، ومُقتضَى اللفظ خلافُهُ، والله أعلم. الرابعة عشرة: فيه غسلُ الكفَّين مرتين، وفي حديث آخر: ثلاثاً، وهو المستحبُّ عندَ الجمهور، وعن بعض المالكية أنَّهُ أشارَ إلَى غسلهما مرتين أخذاً بحديث (٤) ابن زيد (٥)، والأخذ بالزائدِ أولَى، [و] (٦) يؤيده من حيثُ المعنَى القياسُ علَى سائر الأعضاء. الخامسة عشرة: قد ورد غسلُهُما ثلاثاً في حديث آخر، وهو المستحبُّ عندَ الفقهاء، فيحتمل أنْ يكونَ غَسَلَهُما مرتين لبيانِ الجواز. السادسة عشرة: فيه دليلٌ علَى [جواز] (٧) اختلافِ عدد المرات في غسلات الأعضاء، وسيأتي مثله. السابعة عشرة: فيه دليلٌ علَى أنَّ اسمَ اليد ينطلقُ علَى الكفين؛

стр. 1809

لأنه المرادُ بهذا اللفظ، فإنه ذكر غسل اليدين إلَى المرفقينِ بعد غسل الوجه، لكنْ [هل] (١) هو منطلقٌ علَى الكفينِ عندَ الإطلاق علَى سبيل الحقيقة، أو لا؟ فيه كلام تقدم. الثامنة عشرة: قد ذكرنا في حديثِ عثمانَ ﵁: أنَّ فيه دليلاً علَى جواز الاستعانة في أسباب الطهارة، وهو جارٍ في هذا الحديث، إلا أنَّهُ فعل صحابيٍّ في الحديثينِ معاً، والله أعلم. التاسعة عشرة: فيه تقديمُ غسل اليدين قبلَ إدخالهما في الإناءِ، وهو مُقتضَى المعنَى الذي لأجله شُرِعَ الحكم أيضاً، وهو صيانةُ [الماء] (٢) عن احتمال النجاسة. العشرون: فيه دليلٌ علَى ترتيب المضمضةِ علَى غسل الكفين مِن غيرِ توسُّطٍ بينهما (٣). الحادية والعشرون: قوله: "ثم تمضمضَ، واستنثرَ"، فقد يُتمسَّكُ به فيما [قيل:] (٤) إنَّ الاستنثارَ يدخلُ تحته الاستنشاقُ أخذاً من النَّثرةِ، التي هي (٥) طرفُ الأنف، ويُقَال عليه: إنَّ الاستنثارَ يلزمُهُ الاستنشاقُ، فاكتفَى بذكره عن ذكر الاستنشاق.

стр. 1810

ولا (١) يلزمُ ما ادُّعيَ من إطلاق الاستنثارِ علَى الاستنشاق؛ لأنَّ لازمَ الشيء وجوداً لا يلزمُ أنْ يكونَ مدلولاً عليه باسم الملزوم لفظاً. الثانية والعشرون: قد يُفهمُ من قوله: "مضمضَ، واستنثرَ ثلاثاً": أنَّ ذلك علَى سبيل الجمع بين المضمضة والاستنثار من حيثُ إيرادُ العدد المذكور علَى مجموع الأمرين، ولو افترقا لكان الأشبه أنْ يقول: ثلاثاً ثلاثاً؛ كما ادعي في قوله: "غَسَلَ يديه مرَّتين مرتين": أنَّهُ يقتضي الإفرادَ بكل واحدة منهما، ولأنه لو كان الواقعُ تفريقَهما لمْ يكنْ في لفظِهِ ما يدلُّ علَى ذلك، فيكون مُخِلًّا في حكاية (٢) الفعل الذي سُئِلَ عنه [بتقصيره في الدلالةِ علَى هذا التقدير عما سئل عنه] (٣). وهذا الذي ذكرناه من الحكايةِ عمن ادَّعَى أنَّ قوله: "مرتين مرتين" يقتضي الإفرادَ لكل (٤) واحدة من اليدينِ، [وقد ذكرنا فيما مرَّ: أنَّ هذا التكرارَ في المصدرِ وأسماء الأجناس والأعداد يدلُّ علَى ما ذكر، ويبقَى التأكيدُ اللفظيُّ] (٥). الثالثة والعشرون: قالَ أبو زكريا النووي: قوله: "ثمَّ أَدخلَ يدَهُ فاستخرجَهَا، فغَسَلَ وجهَهُ ثلاثاً"؛ هكذا وقع في "صحيح مسلم": "أدخلَ يدَهُ" بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري.

стр. 1811

[ووقع في رواية البخاري] (١) في حديث عبد الله (٢) بن زيد هذا: "ثم أدخلَ يدَيهِ فاغترفَ بهما، [ثم] (٣) غَسَلَ وجهَهُ ثلاثاً" (٤). وفي "صحيح البخاري" أيضاً من رواية ابن عباس ﵄: "ثمَّ أخذَ غَرفةً، فجعلَ بها هكذا؛ أضافَهَا إلَى يده الأخرَى، فغسل بها وجهَهُ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأُ" (٥). قال: وفي "سنن أبي داود" و"البَيهَقِيِّ" من رواية عليٍّ ﵁ في صفة وضوء رسول الله ﷺ : "ثمَّ أدخلَ يديه في الإناءِ جميعاً، فأخذَ بهما حفنةً من ماء، فضربَ بها علَى وجهِهِ" (٦). قالَ: فهذه أحاديث في بعضها: (يده)، وفي بعضها: (يديه) (٧)،

стр. 1812

(وضمَّ إليها الأخرَى)، فهي دالةٌ علَى جواز الأمور الثلاثة، وأنَّ الجميعَ سُنَّةٌ، ويُجمعُ بين الأحاديث بأنَّهُ ﷺ فعلَ ذلك في مرات، وهي ثلاثهُ أوجه لأصحابنا، ولكن الصحيحَ منها، والمشهورَ الذي قطع به الجمهورُ، ونصَّ عليه الشافعيُّ في "البويطي" و"المُزَنِيِّ": أنَّ المستحبَّ أخذُ الماء للوجه باليدينِ جميعاً؛ لكونه [أسهلَ، وأبلغَ] (١)، وأقربَ إلَى الإسباغِ، والله أعلم (٢). الرابعة والعشرون: قد ذكرنا الكلامَ علَى (الوجهِ) في المفردات، واختلافَ الفقهاء في حدِّه، ولفظُ الحديثِ يقتضي أنَّ اسمَ الوجه معلومُ الدلالة عندهم، وإلا لمْ يكنْ قولُه: "وغَسَلَ وجهَهُ" بياناً؛ لاحتماله للأقوالِ المقولةِ فيه، فيجبُ حملُهُ علَى المتعارفِ الأشهر في العرفِ، وإلا لزم النقلُ، وهو خلاف الأصل. الخامسة والعشرون: فيه دليلٌ علَى الترتيبِ بين غسل الوجه والمضمضة والاستنشاق. السادسة والعشرون: وفيه دليلٌ علَى تكرار الغسل للوجه ثلاثاً، ولا خلافَ في استحباب تكرار المغسول، فيشتركُ فيه الوجهُ وسائرُ المغسولات؛ أعني: في التكرارِ. السابعة والعشرون: فيه دليلٌ علَى ترتيب غسل اليدين علَى الوجهِ كما تقدم.

стр. 1813

الثامنة والعشرون: فيه دليلٌ علَى تفاوت مراتِ الغسل في الوضوءِ الواحد؛ بكونِ الوجهِ مغسولا ثلاثاً، واليدين مرتين مرتين، في حكاية هذا الوضوء. وقال القُرطبي: وقوله: "فغَسَلَ يدَيه إلَى المِرفَقينِ مرَّتين [مرَّتين] (١) " دليلٌ علَى عدم كراهة الشفعِ في الغسلاتِ، قال: ولا خلافَ أنَّهُ يجوز الاقتصارُ علَى الواحدةِ إذا أسبغَ (٢)، وأنَّ الاثنتينَ أفضلُ من الاقتصارِ علَى الواحدةِ، وأنَّ الثلاثَ أفضلُ من الاثنتين (٣). التاسعة والعشرون: هذا معلَّلٌ بأنَّ الوجهَ لما فيه من الاختلافِ في آحاد أجزائه بالنِّسبَةِ إلَى [....] (٤) والبروز، وتيسيرِ وصول الماء إلَى بعضها دونَ بعض؛ كما في الوبر (٥)، والشعور التي عليه، وما عساه يحدثُ في العينينِ من حائل (٦)، يقتضي زيادةَ الاعتناء بغسله، ليحصلَ الاستيعابُ، وذلك معدومٌ في اليدين. الثلاثون: أصلُ التكرار فيما (٧) ذكر فيه دليلٌ علَى استحباب عدم

стр. 1814

تركه، وقد قالَ بعض المالكية: لا يجبُ النقصانُ عن (١) اثنتين. واختلف في تعليله؛ فقيل: لأنَّ التكرارَ محبوب، وترك المحبوب غير محبوب، وقيل: لأنه يُخشَى من الاقتصارِ علَى المرةِ عدمُ الاستيعاب؛ هذا، أو معناه، أو قريب منه. ويؤيدُ هذا التعليلَ الثاني قولُ مالك ﵀: لا أحبُّ المرةَ إلا من العالمِ، ولو كانت العلةُ هو الأول، لمْ يحبَّ لا من العالمِ، ولا مِن غيرِ العالم. ويَرِدُ علَى هذا أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ مرةً مرة، فيُحملُ علَى بيان الجواز علَى مُقتضَى التعليل الأول، ولا يردُ علَى مُقتضَى التعليل الثاني، والله أعلم. الحادية والثلاثون: قوله: "إلَى المرفقين" فيه من الكلامِ ما في الكلامِ علَى الآيةِ الكريمة، واقتضَى ذلك دخولَ المرفقين [في الغسل] (٢)، أو عدم اقتضائه من حيثُ إنَّ (إلَى) لانتهاء الغاية، أو تُحملُ علَى معنَى (مع). ولا بيانَ في لفظ الرواة (٣) لشيء من ذلك، ويجب أنْ يكونَ مُتبيناً عندَ إطلاقه، وليس وجوبُ إدخال المرفقين، أو عدمُ إدخالِهما، مأخوذاً من لفظ الراوي، فيُحتاج إلَى ذكر المباحث المتعلقة بلفظ الآية الكريمة؛ لأنَّ تلك مقتضيةٌ للوجوب، اللهمَّ إلا أنْ يسلك طريقة من

стр. 1815

يقول: إنَّ الآيةَ مُجملةٌ تتبيَّنُ بالفعلِ، فيمكن أنْ يكونَ ما وقع من الفعلِ دالاً علَى الوجوبِ إنْ كَان ثابتاً (١)، وكان المرفقان داخلين في الغسلِ، لكن الراوي لمْ يبينْ ذلك؛ أعني: دخول المرفقين في الغسلِ، فيرجع (٢) البحثُ إلَى مُقتضَى (إلَى) في لسان العرب. الثانية والثلاثون: [ قوله: "ثمَّ مَسَحَ رأسَهُ بيدَيهِ" يدلُّ علَى ترتيب مسح الرأس علَى غسل اليدين] (٣). الثالثة والثلاثون: قوله: "مسح" يقتضي الفعلَ منه، ولم يشترطُوه في الإجزاءِ؛ أعني: الشافعية، حتَّى لو قطرَ علَى رأسه الماءُ من مطر أو ميزابٍ أجزأه (٤). قالَ في "الاستقصاء" (٥) من كتب الشافعية: وسواءٌ أجَرَى الماءُ علَى رأسه، أو لمْ يُجْرِ. وقيل: لا يُجزئه حتَّى يمسحَ بيده (٦) علَى رأسه، ويجريَ (٧) الماء بطبعه عليه.

стр. 1816

ورأيتُ في كتاب "الأنوار" (١) لأبي الحسين بن زرْقُون المالكي: أنَّهُ لا يُجزئُهُ أنْ يُمرَّ يدَه جافةً علَى بلل رأسه؛ حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون، والذي يتوضأُ بالمطرِ يَنصِبُ يده (٢) للمطر، فيمسح بالبللِ رأسه، وأما الغَسلُ فيجزئُه فيه أنْ يمرَّ يده علَى جسده بماء صار فيه من ماء المطر أو غيره؛ لأنَّ ماءَ الغسل كثيرٌ يتعلق باليدِ، ويتصرف معه علَى العضوِ، وليس كذلك ماءُ المسح ليَسارته (٣). وإذا لمْ يُشترطِ الفعلُ في الإجزاءِ، فهل يقال: هل هو (٤) مُعتبَر في الكمالِ حتَّى إنه (٥) من فعل هذه الصورةَ لمْ يأتِ بالسنة؟ هذا محتمل، ولو قيل به لمْ يَبعدْ، والله أعلم. الرابعة والثلاثون: قوله: "بيده" لمْ يشترطُوه في الإجزاءِ، حتَّى لو مسح بعُودٍ أو آلةٍ غيرِهِ أجزأه، وهذا ظاهرٌ في الإجزاءِ لانطباقه تحت مُقتضَى الأمر، وظاهرٌ في الكمالِ أيضاً، حتَّى يُقَال في مَن مسحَ رأسَهُ

стр. 1817

بعود أو خشبة: إنَّهُ لمْ يأتِ بالسنَّة. الخامسة والثلاثون: في الحديثِ إدخالُ اليد في الإناءِ بعد غسل الوجه، وإخراجُها، وتكميلُ الطهارة، وعند الشافعية [في المسألة] (١) تفصيلٌ وتقسيمٌ إلَى ثلاثة أحوال: أحدها: أنْ ينويَ رفعَ الحدث، فيصيرُ الماء مُستعمَلاً إذا انفصلت اليدُ من الماء. والثاني: أنْ يقصدَ الاغترافَ، فلا يصيرُ الماء مستعملاً. والثالث: أنْ يَغفُلَ عن نيَّةِ رفع الحدث، و [عن] (٢) قصد الاغتراف، فالمشهورُ أنَّهُ يصير مستعملاً (٣). إذا ثبت هذا فيمكنُ من يرَى أنَّ الماءَ المستعملَ طهورٌ لا يفسدُه الاستعمالُ أنْ يقولَ: لو كان الاستعمالُ مُفسداً للماء، لكان بعضُ صور الاغتراف مفسداً للطهارة، [ولو كان بعضُ صور الاغتراف مفسداً للطهارة، لوجب البيانُ وتمييزُ تلك الصورة، فلو كان الاستعمالُ مفسداً لوجب البيان، ولم يجبْ، فلا يكونُ الاستعمالُ مفسداً للماء. وإنما قلنا: إنَّهُ لو كان الاستعمال مفسداً للماء، لكان بعضُ صور الاغتراف مفسداً للطهارة] (٤)؛ لأنَّ من جملة صور الاغتراف ما إذا نوَى

стр. 1818

رفعَ الحدث عن اليدِ (١)، أو غفلَ عن التبيينِ علَى المشهورِ، وذلك مفسد للماء، فتفسدُ الطهارةُ إذا وقع غسلُ بقية الأعضاء بذلك [الماء] (٢)؛ كما وقع (٣) في الحديثِ، فثبت أنَّهُ لو كان الاستعمالُ مفسداً لكان بعضُ صور الاغتراف مفسداً للطهارة. وإنما قلنا: إنَّهُ لو كان بعضُ صور الاغتراف مُفسداً للطهارة، لوجب البيان؛ لأنَّ من لوازم فعلِ الرسول ﷺ جوازَ الاتِّباع، لا سيَّما في الفعلِ الذي قُصِدَ بوصفه الاتِّباع، وفعلُهُ ﷺ في (٤) هذا متردِّدٌ بين صور عديدة، فلو حصل الاتباع في صورة الفعل المتردِّدِ، لأمكنَ وقوعُ المكلَّفِ في الصورِ الممنوعة (٥) علَى تقدير أنْ يكونَ بعضُ صور الاغتراف مفسداً، فوجب البيان علَى ذلك التقدير. وأيضاً فلو فرضنا نيَّةَ الاغتراف حتَّى لا يصيرَ [الماءُ مُستعملاً] (٦)، لوجب تجديدُ النية بعد إخراج اليد؛ أعني: وجوب نية الاغتراف، والتجديدُ بعد إخراج اليد من الأحكامِ الخفية التي لا يدلُّ عليها مُطلقُ الفعل، فلا يمكن إهمالُ بيانها. وإنما قلنا: إنَّهُ لمْ يجبِ البيانُ؛ لأنه لو وجبَ لوقع، ولم

стр. 1819

يقعْ لانتفاء نقل البيان في شيء من الرواياتِ. وأيضاً: فإنَّ الوضوءَ من الأمورِ المتكرِّرةِ التي لا تُحصَى مرَّاتُ (١) تكررِها، فتقتضي العادةُ بأن تكون أحكامُها منتشرةً، فلو كان الحكمُ وجوبَ قصد الاغتراف، وقصدُ نيةِ [رفع] (٢) الحدث أو استصحابُها مفسداً للطهارة، ووقع (٣) بيانُ ذلك، لاقتضت العادةُ أنْ يُشتَهَر، وحيث لمْ يشتهرْ [دلَّ] (٤) علَى عدم البيان، وهذا استدلالٌ جيد متبين، وليس من الجَدَلياتِ التي لا تفيد في النظرِ قوة يُعتمَدُ عليها، والذي يُعترَضُ [عليه] (٥) به وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبنيٌّ علَى [أنَّ] (٦) هذا الفعل وقع (٧) من النبي ﷺ ؛ أعني: إدخال اليد بعد غسل الوجه وإخراجها، ويكون قوله: "هكذا كانَ وضوءُ النبيِّ ﷺ " لا يدخلُ تحته هذا الفعل، وإنما هو من فعل الراوي. والثاني: [أنَّا] (٨) لا نسلمُ عدم البيان، وما ذكرتمُوه من عدم النقل

стр. 1820

نجيب عنه: بأنَّهُ لا يلزمُ من عدم العلمِ العلمُ بالعدم. والجواب عن الأول: أنَّ الظاهرَ من الإشارةِ في قوله: "هكذا" عَودُها إلَى جميع ما فعله الراوي، إلا ما يعلم أنَّهُ غيرُ مقصود. وعن الثاني من وجهين: أحدهما: أنَّ الفقهاءَ قد استعملوا مثلَ ذلك فيما لا يُحصَى؛ أعني (١): أنَّهم يقولون: [لو كان] (٢) لنُقِلَ، وأيضاً: فالأصلُ في العدمِ يعضدُهُ، والمقصود الظنُّ، فقد (٣) زدنا زيادةً علَى ذلك، وهو أنَّهُ مُقتضَى العادة: أنَّهُ لو كان وقعَ البيانُ أنْ يُشتَهَرَ (٤). واعلم أنَّهُ لمْ يتحررْ لي دليلٌ متبيِّنٌ يقتضي عدمَ طهورية الماء المستعمل، والعللُ التي تذكر في ذلك من تأدِّي العبادة، وانتقال المانع؛ وبيانُ مناسبة تأدِّي العبادة لعدم الطهورية به؛ لأنَّ الآلةَ الحسية إذا استعملت في مقصودها أثَّرَ ذلك ضعفاً؛ كالسكينِ إذا استعملت في مقصودها، فكذلك [في] (٥) الآلة الشرعية، وأنَّ الأعضاءَ يقوم بها مانع تقديري، وبالوضوءِ ينتقل المانع إلَى الماء (٦) عينها، فزادها، [و] (٧)

стр. 1821

لا سيَّما الأولَى، ونحن نعلمُ بالضرورةِ أنَّهُ لمْ يقمْ بالأعضاءِ شيء، وليس إلا منع شرعي من أمور مَدَّه الشرع إلَى استعمال المطهر، ولو قدرنا شيئاً من هذا قائماً بالأعضاءِ، لمْ يتصورْ فيه الانتقال، بل لو نصَّ الشارعُ علَى فساد الماء المُستعمل لمْ يلزمْ شيءٌ من هاتين العلتين. وأقوَى ما قيل علَى فساد الماء المستعمل: إنَّ الأولينَ لمْ يجمعوا المياهَ المستعملة مع مبالغتهم في الاحتياطِ للعبادة (١)، ولو كان طهوراً لجمعوه، ولم ينتقلوا إلَى التيمم. فيُقَال علَى هذا: أنَّهُ استدلالٌ بفعل الأولين لعدم الجمع والتيمم، فالمشار إليهم بذلك؛ إما أنْ يكونوا كل الأمة أو بعضهم؛ فإنْ كَانوا كلَّ الأمة فالملازمةُ بين كونهم لمْ يجمعوا وبين فساد الماء إنْ كَانت ثابتةً يلزم أنْ يكونوا أجمعوا علَى أنَّ الماءَ المستعمل فاسد، وذلك باطلٌ لنقل الخلاف في المسألةِ؛ أعني: عن المتقدمين، ولا يلزم (٢) أنْ يكونَ من رأَى طهوريتَهُ بعدهم خارقاً للإجماع، ويجب تنزيهُ أئمة الفُتيا (٣) عنه، وإنْ لمْ تكنْ هذه الملازمة ثابتةً جاز أنْ يكونوا أجمعوا علَى عدم الجمع، وأنهم - أو بعضهم - لمْ يروا (٤) ثبوتَ هذه

стр. 1822

الملازمة، وأنه لا يلزم الجمع، فيبطلُ الدليلُ. [و] (١) إن كان المشارُ إليهم بعضَ الأمة، فلا حُجَّةَ في ذلك (٢) في محلِّ الخلاف. السادسة والثلاثون: قولنا: (فعل) يُحتملُ أنْ يُرادَ به شَرَعَ، ويحتمل أنْ يُرادَ به فَرَغَ، [ويحتمل أنْ يُرادَ أَرَادَ، وهذا مجازٌ لا شكَّ فيه، وكونه بمعنَى (فرغ)] (٣) حقيقةٌ؛ لأنَّ الفعلَ الماضي: ما تقدم زمنُ وجوده علَى زمن الإخبار عنه، فإذا انتهَى الفعل، كان إطلاقُ الفعل الماضي عليه حقيقةً، إلا أنَّ الحقيقةَ هاهنا لا يمكن أن تراد؛ لأنا (٤) إذا اعتبرنا التعقيبَ في الفاءِ في قوله: "فأقْبَلَ بهِمَا، وأَدْبَرَ" لا يجوزُ أنْ يكونَ معه تقُّدمُ المسحِ عليه حتَّى يكونَ الإقبالُ والإدبار تعذَّرَ من المسحِ. وإذا تعذَّرت الحقيقةُ فلا ضرورةَ تدعو إلَى أنْ يُحمل علَى (أراد)؛ لإمكان أنْ يحمل علَى (شَرَعَ)، فيكون أقربَ إلَى الحقيقةِ لوجود المسح فيه، إلا أنَّهُ يعارضه أنَّا إذا حملناه علَى (أراد) تحصَّلَ (٥) الوفاءُ بأنَّ الإقبالَ والإدبار فيما يُسمَّى مسحَ الرأس حقيقةٌ، [بخلاف

стр. 1823

ما إذا حملناه علَى (شرع)، فإنه لا يكون الإقبالُ والإدبار معاً فيما يُسمَّى مسحَ الرأس حقيقةً] (١)، لا سيَّما مع مراعاة تعقيب الفاء. السابعة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى [أن] (٢) وظيفةَ الرأس المسحُ دون الغسل، كما دلَّ عليه القرآن المجيد، وعند المالكية والشافعية اختلافٌ في أنَّ الغسلَ [فيه] (٣)؛ هل يجزِئُهُ، أو لا؟ ورُجِّحَ عندَ الشافعية الإجزاءُ، ووُجِّهَ بأنَّ الغسلَ مسحٌ وزيادة، فإنه (٤) أبلغ؛ أي: من المسحِ، فكان مُجزئاً بطريق الأوْلَى (٥). وهذا عندنا ضعيف؛ أما أنَّ الغسلَ مسح وزيادة فممنوع، وإنما (٦) يكونُ كذلك، لو كانَ المسحُ [هو] (٧) مُجرَّدُ إمساس (٨) العضو

стр. 1824

بالماءِ، الذي هو أعمُّ من الغسلِ، فيمكنُ حينئذٍ أنْ يدَّعيَ أنَّ الغسلَ الأخصَّ هو الأعمُّ وزيادة، ونحن نمنعُ ذلك، بأنْ (١) نأخذ في المسحِ قيد الاقتصار علَى ما دون الإسالة والصبّ، وهو مع هذا القيد مقابلٌ للغسل المأخوذ فيه [قيد الإسالةِ والصَّبِّ، لا داخلٌ فيه] (٢)، ويدلُّ علَى ذلك أنَّ الغسلَ لا يُسمَّى مسحاً عُرفاً، ولو حلف: لا يمسح رأسه، فغسله، لمْ يحنَثْ. الثامنة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى المدِّ في المسحِ، وللشافعيةِ وجهٌ في اشتراطه (٣)، وهذا الخلافُ في المدِّ مذكورٌ (٤) عندَ الحنفية، وأنَّ في بعض الروايات عن أصحابهم: لا يجوز إلا أنْ يكونَ ممدوداً ليَبلُغَ ربعَ الرأس، وفي بعض الروايات: يجوز وإنْ كَان موضوعاً غيرَ ممدود، مأخوذٌ (٥) من أنَّهُ لا يُسمَّى مسحاً، والحديثُ لا يدلُّ علَى ذلك إلا علَى طريقةٍ سنذكرها. التاسعة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى مسح الرأس باليدينِ معاً دونَ أحدهما.

стр. 1825

الأربعون: مُقتضَى الحديثِ مسحُ جميع الرأس، ومالكٌ ﵀ يوجبه، واختاره المُزَنِيُّ من أصحاب الشافعي، وهو رواية عن أحمد. ومذهب الشافعي: أنَّ الواجبَ المُسمَّى. وعن أبي حنيفة ﵀: أنَّ الواجبَ ربعُ الرأس، ورُبَّما عُبِّر عنه بالناصية. ولأتباعِ مالكٍ ﵀ اختلافٌ فيما يُجزِئ عندَ الاقتصار علَى البعضِ، فمنهم من يقول: الثلثان، ومنهم من يقول: الثلث، ومنهم من يقول: الناصية (١)، ولا يلزم من هذا أن تكون هذه المقادير هي القَدْرُ الواجب علَى أصولهم، والله أعلم. الحادية والأربعون: من أراد الاستدلالَ بالحديثِ علَى وجوب التعميم فله مسلكان: المسلك الأول: أنْ يذهبَ إلَى أنَّ الفعلَ للوجوب، والقاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي يفعل ذلك، إلا أنَّ المرجَّح في الأصولِ خلافُهُ؛ أعني: عدم دلالة الفعل علَى الوجوبِ. المسلك الثاني: أنْ يذهبَ إلَى الإجمالِ في قوله تعالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد نُقِلَ ذلك عن بعض الحنفية، ووُجِّهَ بأنَّهُ مُحتملٌ لأنْ يكونَ المرادُ منه مسحَ جميع الرأس، وأنْ يكونَ
следующие страницы →