← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

لا سيَّما الأولَى، ونحن نعلمُ بالضرورةِ أنَّهُ لمْ يقمْ بالأعضاءِ شيء، وليس إلا منع شرعي من أمور مَدَّه الشرع إلَى استعمال المطهر، ولو قدرنا شيئاً من هذا قائماً بالأعضاءِ، لمْ يتصورْ فيه الانتقال، بل لو نصَّ الشارعُ علَى فساد الماء المُستعمل لمْ يلزمْ شيءٌ من هاتين العلتين. وأقوَى ما قيل علَى فساد الماء المستعمل: إنَّ الأولينَ لمْ يجمعوا المياهَ المستعملة مع مبالغتهم في الاحتياطِ للعبادة (١)، ولو كان طهوراً لجمعوه، ولم ينتقلوا إلَى التيمم. فيُقَال علَى هذا: أنَّهُ استدلالٌ بفعل الأولين لعدم الجمع والتيمم، فالمشار إليهم بذلك؛ إما أنْ يكونوا كل الأمة أو بعضهم؛ فإنْ كَانوا كلَّ الأمة فالملازمةُ بين كونهم لمْ يجمعوا وبين فساد الماء إنْ كَانت ثابتةً يلزم أنْ يكونوا أجمعوا علَى أنَّ الماءَ المستعمل فاسد، وذلك باطلٌ لنقل الخلاف في المسألةِ؛ أعني: عن المتقدمين، ولا يلزم (٢) أنْ يكونَ من رأَى طهوريتَهُ بعدهم خارقاً للإجماع، ويجب تنزيهُ أئمة الفُتيا (٣) عنه، وإنْ لمْ تكنْ هذه الملازمة ثابتةً جاز أنْ يكونوا أجمعوا علَى عدم الجمع، وأنهم - أو بعضهم - لمْ يروا (٤) ثبوتَ هذه

стр. 1822

الملازمة، وأنه لا يلزم الجمع، فيبطلُ الدليلُ. [و] (١) إن كان المشارُ إليهم بعضَ الأمة، فلا حُجَّةَ في ذلك (٢) في محلِّ الخلاف. السادسة والثلاثون: قولنا: (فعل) يُحتملُ أنْ يُرادَ به شَرَعَ، ويحتمل أنْ يُرادَ به فَرَغَ، [ويحتمل أنْ يُرادَ أَرَادَ، وهذا مجازٌ لا شكَّ فيه، وكونه بمعنَى (فرغ)] (٣) حقيقةٌ؛ لأنَّ الفعلَ الماضي: ما تقدم زمنُ وجوده علَى زمن الإخبار عنه، فإذا انتهَى الفعل، كان إطلاقُ الفعل الماضي عليه حقيقةً، إلا أنَّ الحقيقةَ هاهنا لا يمكن أن تراد؛ لأنا (٤) إذا اعتبرنا التعقيبَ في الفاءِ في قوله: "فأقْبَلَ بهِمَا، وأَدْبَرَ" لا يجوزُ أنْ يكونَ معه تقُّدمُ المسحِ عليه حتَّى يكونَ الإقبالُ والإدبار تعذَّرَ من المسحِ. وإذا تعذَّرت الحقيقةُ فلا ضرورةَ تدعو إلَى أنْ يُحمل علَى (أراد)؛ لإمكان أنْ يحمل علَى (شَرَعَ)، فيكون أقربَ إلَى الحقيقةِ لوجود المسح فيه، إلا أنَّهُ يعارضه أنَّا إذا حملناه علَى (أراد) تحصَّلَ (٥) الوفاءُ بأنَّ الإقبالَ والإدبار فيما يُسمَّى مسحَ الرأس حقيقةٌ، [بخلاف

стр. 1823

ما إذا حملناه علَى (شرع)، فإنه لا يكون الإقبالُ والإدبار معاً فيما يُسمَّى مسحَ الرأس حقيقةً] (١)، لا سيَّما مع مراعاة تعقيب الفاء. السابعة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى [أن] (٢) وظيفةَ الرأس المسحُ دون الغسل، كما دلَّ عليه القرآن المجيد، وعند المالكية والشافعية اختلافٌ في أنَّ الغسلَ [فيه] (٣)؛ هل يجزِئُهُ، أو لا؟ ورُجِّحَ عندَ الشافعية الإجزاءُ، ووُجِّهَ بأنَّ الغسلَ مسحٌ وزيادة، فإنه (٤) أبلغ؛ أي: من المسحِ، فكان مُجزئاً بطريق الأوْلَى (٥). وهذا عندنا ضعيف؛ أما أنَّ الغسلَ مسح وزيادة فممنوع، وإنما (٦) يكونُ كذلك، لو كانَ المسحُ [هو] (٧) مُجرَّدُ إمساس (٨) العضو

стр. 1824

بالماءِ، الذي هو أعمُّ من الغسلِ، فيمكنُ حينئذٍ أنْ يدَّعيَ أنَّ الغسلَ الأخصَّ هو الأعمُّ وزيادة، ونحن نمنعُ ذلك، بأنْ (١) نأخذ في المسحِ قيد الاقتصار علَى ما دون الإسالة والصبّ، وهو مع هذا القيد مقابلٌ للغسل المأخوذ فيه [قيد الإسالةِ والصَّبِّ، لا داخلٌ فيه] (٢)، ويدلُّ علَى ذلك أنَّ الغسلَ لا يُسمَّى مسحاً عُرفاً، ولو حلف: لا يمسح رأسه، فغسله، لمْ يحنَثْ. الثامنة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى المدِّ في المسحِ، وللشافعيةِ وجهٌ في اشتراطه (٣)، وهذا الخلافُ في المدِّ مذكورٌ (٤) عندَ الحنفية، وأنَّ في بعض الروايات عن أصحابهم: لا يجوز إلا أنْ يكونَ ممدوداً ليَبلُغَ ربعَ الرأس، وفي بعض الروايات: يجوز وإنْ كَان موضوعاً غيرَ ممدود، مأخوذٌ (٥) من أنَّهُ لا يُسمَّى مسحاً، والحديثُ لا يدلُّ علَى ذلك إلا علَى طريقةٍ سنذكرها. التاسعة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى مسح الرأس باليدينِ معاً دونَ أحدهما.

стр. 1825

الأربعون: مُقتضَى الحديثِ مسحُ جميع الرأس، ومالكٌ ﵀ يوجبه، واختاره المُزَنِيُّ من أصحاب الشافعي، وهو رواية عن أحمد. ومذهب الشافعي: أنَّ الواجبَ المُسمَّى. وعن أبي حنيفة ﵀: أنَّ الواجبَ ربعُ الرأس، ورُبَّما عُبِّر عنه بالناصية. ولأتباعِ مالكٍ ﵀ اختلافٌ فيما يُجزِئ عندَ الاقتصار علَى البعضِ، فمنهم من يقول: الثلثان، ومنهم من يقول: الثلث، ومنهم من يقول: الناصية (١)، ولا يلزم من هذا أن تكون هذه المقادير هي القَدْرُ الواجب علَى أصولهم، والله أعلم. الحادية والأربعون: من أراد الاستدلالَ بالحديثِ علَى وجوب التعميم فله مسلكان: المسلك الأول: أنْ يذهبَ إلَى أنَّ الفعلَ للوجوب، والقاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي يفعل ذلك، إلا أنَّ المرجَّح في الأصولِ خلافُهُ؛ أعني: عدم دلالة الفعل علَى الوجوبِ. المسلك الثاني: أنْ يذهبَ إلَى الإجمالِ في قوله تعالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد نُقِلَ ذلك عن بعض الحنفية، ووُجِّهَ بأنَّهُ مُحتملٌ لأنْ يكونَ المرادُ منه مسحَ جميع الرأس، وأنْ يكونَ

стр. 1826

المرادُ مسحَ بعضه، وليس أحدُهما أولَى من الآخرِ، فكان مُجملاً، وإذا كان مُجملاً جُعِلَ الفعلُ بياناً. ثم يقول: الاستيعابُ بيانٌ للإجمال الواجب، وبيانُ المُجمل الواجب واجبٌ، فالاستيعابُ واجبٌ. وقد سَلَك هذا المسلكَ بعضُ المالكية، فقال بعدما تكلم علَى كون (الباء) للتبعيض؛ ثم يقول: نحن وإن تنزلنا أنَّ الباءَ تكون مبعِّضَةً وغيرَ مبعِّضةٍ فذلك يوجبُ فيها إجمالاً أزالَهُ (١) النبي ﷺ بفعله، فكان فعلُهُ بياناً لمُجمل واجب، فكان مسحُهُ كلِّه واجباً. والاعتراض عليه في مقامين: المقام الأول: منعُ الإجمال، وهو المختارُ في علم الأصول (٢)، واستدلوا عليه بأنَّهُ إنْ لمْ يثبتْ عرفٌ في استعمال مثل ذلك في البعضِ لزم الاستيعابُ، وإن ثبت اكتُفِي بالبعضِ، فلا إجمالَ علَى كلا التقديرين. وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنَّ محلَّ الترديد؛ إما عُرْفُ الاستعمال العامِّ الذي (٣) يتبادرُ الذهن إليه، أو مُجرَّد ثبوت عُرف الاستعمال مطلقاً، مِن غيرِ هذا القيد - أعني: العمومَ - في عرف الاستعمال.

стр. 1827

فإنْ كَان محلُّ الترديد هو الأولُ، فلا يلزمُ من انتفائه عدمُ الإجمال؛ لجواز تعارض عرف الاستعمال في وجهين مُتكافئين علَى تقدير انتفاء العرف العام، أو تكافئ دليلين في الدلالةِ علَى الوضعِ اللغوي، فيحصلُ الإجمالُ علَى تقدير انتفاء العرف العام، وتبطل الملازمةُ بين انتفائه وعدم الإجمال. وإنْ كَان محلُّ الترديد ثبوتَ عُرْفِ الاستعمالِ لا يفيدُ العمومِ، فلا يلزمُ من ثبوت ذلك في البعضِ عدمُ الإجمال؛ لجواز أنْ يعارضهُ عرفٌ آخرُ في الاستعمالِ علَى سبيل التكافؤ، ويحصل الإجمال. والذي يوضِّحُ هذا أنَّ الذينَ قالوا: إن (الباء) للتبعيض، وإنَّ عرفَ الاستعمال وُجِدَ في ذلك، لا يدَّعون أنَّ ذلك من العرفِ العام؛ كلفظ (الغائط) و (الدَّابة) (١)، ومع ذلك فلم يقولوا بالتعميم (٢). المقام الثاني: أنَّا لو سلَّمنا الإجمالَ، فلا يَسلمُ أنَّ ما ذكرَ من الفعلِ يكون بياناً، ومستندُ (٣) المنع وجهان: أحدهما: أنَّ الفعلَ إنما يكون بياناً إذا اقترنت به دلالةٌ علَى قصد النبيِّ ﷺ [البيانَ به؛ إما بقولٍ منه ﷺ ،] (٤) أو بقرائنَ دلت علَى ذلك، أو بقولٍ يتوَقَّف علَى أنَّهُ الفعل الأول بعد الإجمال، وشيءٌ من ذلك لمْ يثبتْ.

стр. 1828

وثانيهما: تُخصُّ هذه الصورةُ، وما هو في معناها، وهو أنَّهُ وردَ فعلان كلُّ واحد منهما يصلحُ للبيان؛ مسحُ النبي ﷺ جميعَ الرأس، ومسحُهُ للناصية، وجُهِلَ المتقدمُ منهما، واتَّفقا في جهة البيان، والتَّساوي في الدلالة (١)، فيكون أحدُهُما بياناً مِن غيرِ تعيين، وذلك بتوقف (٢) الدلالة. واعلم أنَّ هذا المحكيَّ عن الحنفيِّ في الإجمال والبيان بالمسحِ علَى الناصية، قد فعله غيرُ الحنفية في إدخال المرفقين في الغسلِ، وجعلَ لفظَ الآية الكريمة مُجملاً مبيَّناً بالفعلِ، وعلَّتُهُ في ذلك جميعاً ما ذكرناه، إلا الوجهَ الأخير، وهو تعارضُ الفعلين (٣). الثانية والأربعون: يدلُّ علَى استحباب هذا الإقبالِ والإدبار في مسح الرأس، والمالكية - أو بعضهم - يرون أنَّ الردَّ من المؤخرِ إلَى المقدمِ من السننِ، لا من الفضائلِ (٤)، علَى اصطلاحٍ في الفرقِ بينهما، وأصلُ الفعل إنما يدلُّ علَى أصل الطلب، وما زاد عليه مشكوكٌ فيه يحتاج إلَى دليل. [أبو حفص بن الوكيل (٥) من الشافعيةِ المنقول عنه: أنَّ السعيَ

стр. 1829

بين الصفا والمروة يكونُ فيه السعيُّ من الصفا إلَى الصفا مرةً واحدة، فيكون أربعَ عشرةَ مرة، وقد جعل هذا الحديث أصلاً لهذا المذهب من حيثُ إنَّ المعنَى يُدِلي به هو الذي ختم به؛ أعني: في مسح الرأس، وهو مرة واحدة، فكذلك يكون في السعي، وهذا المذهبُ غيرُ صحيح؛ لأنه قد ثبت في السعي أنَّ النبيَّ ﷺ بدأ بالصفا، وختم بالمروة؛ كما ورد في "الصحيح" (١). وهذا مضادٌّ لِما قاله هذا القائل، وليس القياس علَى مسح الرأس مع هذا النصِّ بشيء] (٢). الثالثة والأربعون: قولُهُ في روايةِ وُهيب: "فَمَسَحَ برأسِهِ فأقْبَلَ بِهِ وأَدْبَرَ"، فيه ضميرُ تذكير وإفراد، وهو خلافُ رواية: "وأقبَلَ (٣) بهما وأدبَرَ"، فإنَّ تلك عائدةٌ علَى اليدينِ، وأمَّا هذه فقد حُملت علَى المسحِ؛ أي: أقبل بالمسح (٤) وأدبر، وبعد ذلك فيَحْتمل وجهين: أحدهما: أنْ يعود إلَى المصدرِ الذي دلَّ عليه الفعل.

стр. 1830

والثاني: أنْ يكونَ الضميرُ للرأس، وفي الكلامِ حذفٌ؛ أي: أقبل بمسح رأسه وأدبر. الرابعة والأربعون: هذا الإقبالُ والإدبار المذكورُ علَى مسح الرأس حكايةٌ (١) بحالٍ مخصوصة علَى هيئة مخصوصة، وهي حالةُ وجود الشعر؛ لأنها الحالةُ الغالبةُ في حقِّ رسول الله ﷺ ، فلا شكَّ في دلالته علَى الاستحبابِ في مثل هذه الحالة. وأما إذا انتفت؛ كما في محلوق الرأس والأصلع، فالمنقول عندَ الشافعية (٢): أنَّهُ لا يُستحبُّ الردُّ من المؤخرِ إلَى المقدمِ (٣)؛ بناءً علَى معنًى مناسبٍ جُعِل علةً، وهو أنَّ المقصودَ من الإقبالِ والإدبار مسحُ وجهي الشعر، وهو معنى مناسب، فيكون علةً، والأصلُ انتفاءُ الحكم عندَ انتفاء علَّتِهِ. ولقائل أنْ يقولَ: الأصلُ [اعتبارُ الأوصاف التي في محلِّ النص، إلا ما قام دليلٌ علَى عدم] (٤) اعتباره، وفي محلِّ النص وصفان؛ أحدُهما خاصٌّ، والآخرُ عامٌّ، والخاصُّ قيامُ الشعر بالرأسِ، فإذا ألغينا العام، ونفينا الاستحبابَ عندَ انتفاء الشعر، كنا ألغينا في الحكمِ معنى لمْ يقمْ دليلٌ علَى إلغائِهِ، ويؤيدُ هذا استحبابُهم إمرارَ الموسَى علَى رأس الأصلع (٥)، وإنْ كَان المعنى الأخصُّ الذي هو حلقُ الشعر

стр. 1831

مُنتفيًا، وإنَّ المعنى المذكور في الإقبالِ والإدبار ليس فيه إلا مُجرَّدُ مناسبةٍ تقتضي التخصيص. الخامسة والأربعون [والسادسة والأربعون، والسابعة والأربعون]: فيه دليلٌ علَى استحباب البُداءة بمقدم الرأس، واستحباب ما انتهَى إليه فيه، واستحباب ما انتهَى إليه في الردِّ أيضًا، فهذه ثلاثُ مسائل. الثامنة والأربعون: لا شكَّ في أنَّ المرادَ باليدينِ هاهُنا الكفَّان، وقد تقدم أنَّ اليدَ حقيقةٌ في جملة العضو من أطراف [الأنامل إلَى] (١) المناكب، وبعضُ الناس يحمله عندَ الإطلاق علَى الكفَّينِ، وظاهرُ هذا يقتضي أنَّه حقيقة فيهما؛ لأنَّ المحمولَ عندَ الإطلاق وعدم القرينة حقيقةٌ، فإنْ كَان لا يرَى أنَّهُ حقيقةٌ في جملة العضو فبعيا أو باطل، وإن رآه فهو مُشترَكٌ بين الكلِّ والجزء، وهو جائزٌ؛ كما في لفظ (الإنسان) (٢). إذا ثبت هذا فحمْلُهُ علَى الحقيقةِ الأولَى متعذِّرٌ جزمًا، وإذا تعذَّرَ، وقلنا بالاشتراكِ، فقد تعيَّنَ حمْلُهُ علَى الحقيقةِ الأخرَى؛ [و] (٣) لأنَّ المشتركَ إذا انحصر في معنيين وتعذَّرَ الحملُ علَى أحدهما وجبَ الحملُ علَى الآخرِ.

стр. 1832

وإن قلنا بأنَّ اللفظَ حقيقةٌ في الجملةِ مجازٌ في البعضِ، فلا يتعيَّنُ حمله [على] (١) البعضِ المعيَّنِ؛ الذي هو الكفَّان، إلا بدليل، ودليلُهُ العُرْفُ في استعمال مثل هذه اللفظة في [مثل] (٢) هذا المحل، واللفظُ مُنَزَّلٌ (٣) عليه، فلا تتأدَّى السنَّةُ إلا به، فلو مسح ببعضِ ذراعيه لمْ يكنْ مُؤدِّيًا لها. التاسعة والأربعون: وبمثل (٤) هذا العُرْفِ يُحملُ [علَى] (٥) المسح بباطن الكفين، ويُنزَّلُ اللفظ عليه، ولا تتأدَّى السنةُ بالمسحِ بظاهرهما، وإنْ كَان إطلاقُ اللفظ يتناوله. الخمسون: الشيخ أبو القاسم [بن] (٦) الجلاب البَصْري المالكي ﵀ اختارَ في صفة مسح الرأس أنْ يلصقَ طرفي اليدين بمقدمِ رأسِهِ، ثم يذهبُ بهما إلَى مؤخره، ويرفع راحتيه [عن فَوْدَيه - والفَودان: جانبا الرأس -، ثم يردهما إلَى مقدمه، ويلصق راحتيه] (٧) بفَوديه، ويفرِّقُ أصابعَ يديه.

стр. 1833

وعبَّر بعضُ المتأخرين عن زمنِهِ عن هذه الصفة بأنْ يمضيَ بأصابعِ يديه علَى وسط رأسه رافعًا أصابعه عن وسط رأسه. وهذه الصفةُ تنحو نحوًا من وجهٍ إلَى الصفةِ التي اختارها الشافعيةُ في مسح اليدين في التيمم. وقد عُلِّلَ ما قاله الشيخُ أبو القاسم بأنَّهُ إنَّما اختيرَ لئلا يتكررَ المسحُ، واعتُرِضَ عليه بأنَّ التكرارَ المكروهَ إنما يكون بماءٍ جديد (١). ولقائل أنْ يقول: في الحديثِ ما يدلّ علَى خلافِ ما اختاره من هذه الصفة، بيانُهُ: أنَّ العضوَ حقيقة في جملته، فيكون قوله: "فأقْبَلَ بهما وأدْبَرَ" راجعًا إلَى جملة اليدين، وعلَى مَا ذَكرَهُ في الصفةِ لا يكون مُقبلًا ومُدبرًا [بجملة اليدين، بل مُقبلًا ببعضِهما، وغيرَ مقبل ببعضٍ آخر، مع أنَّ الظاهرَ أنَّ الإقبالَ والإدبار بكليهما؛ لأنه الحقيقةُ في لفظ اليدين. فإن قيل: المسحُ وإنْ كَان ببعضِهما في الإقبالِ وبعضِهما في الإدبارِ، ولكنَّهُ صدَّقَ الأخبار في الإقبالِ بهما والإدبار بهما؛ لملازمة ذلك للمسح ببعضِهما في الإقبالِ، وببعضِهما في الإدبار. قلنا: اللفظُ يقتضي مقبلًا ومدبرًا] (٢) في المسحِ بهما؛ لوقوع قوله: "أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ" كالتفسيرِ لقوله: "مَسَحَ رأسَهُ بيدَيهِ"، فيقتضي

стр. 1834

أنْ يكونَ مُقِبلًا ماسحًا بيديه، وكذلك مقابلُهُ، فيتلازمُ حينئذٍ الإقبالُ والمسح، ويضافان إلَى اليدِ؛ الذي هو حقيقةٌ في الجملة. الحادية والخمسون: هذه الهيئة المذكورة في الحديثِ لا تقتضي أكثرَ من الإقبالِ والإدبار. وذكر بعضُ الشافعية زيادةً في كيفية استيعاب مسح الرأس، [و] (١) قال: والأحبُّ [في كيفيَّتِهِ أنْ يضعَ يديه علَى مقدم رأسه، وكلُّ واحد من سبَّابتيه] (٢) مُلصقةٌ (٣) بالأخرَى، وإبهاماه علَى صُدْغيه، ثم يذهب بهما إلَى قفاه، ثم يردُّهما إلَى المكانِ الذي بدأ منه (٤). وفي هذا زيادةُ إلصاقِ إحدَى السبابتين بالأخرَى، ووضعِ الإبهامين علَى الصُّدغينِ، وليس في الحديثِ ما يدلُّ علَى ذلك، ولعلَّ ذلك إرشادٌ إلَى تحقيق الاستيعاب، والهيئة الميسَّرة (٥) لذلك، وإلا فإنِ ادَّعَى أن ذلك مستحبٌّ شرعًا، فلا بدَّ له من دليل؛ لأنَّ الاستحبابَ حكمٌ شرعي يتوَقَّفُ علَى دليل شرعي. الثانية والخمسون: الحديثُ يقتضي مسحَ الرأس مرةً واحدة، كما تقدم في حديث عثمان ﵁، وليس ذلك مأخوذًا من حيثُ

стр. 1835

إنَّ الدلالةَ قاصرةٌ علَى المرةِ، وإنَّ الأصلَ عدمُ الزيادة، بل لقرينَةٍ أخرَى، وهي التفريقُ بين الممسوح والمغسول في ذكر العدد، ولو كانا مسنونين فيه لمْ يكنْ للاقتصارِ (١) عليه في المغسولِ دونَ الممسوح حينئذٍ موجبٌ أصلًا، وقد روَى سُفيان بن عُيَينة هذا الحديث عن عمرو بن يحيَى - شيخ مالك فيه -، فذكر فيه: مسحَ الرأس مرتين. قال أبو عمر الحافظ: [و] (٢) لم يذكرْ فيه أحدٌ (مرتين) غيرُ ابن عُيَينة، قال: وأظنُّهُ - والله أعلم - تأوَّلَ الحديثَ قولَه فيه: "فمَسَحَ رأسَهُ بيدَيه؛ أقبَلَ بهما وأدبَرَ". وذكر أبو عمر هذا أن ابن عُيَينة أخطأ فيه - يعني: في هذا الحديث - في موضعين، وجعل أحدَهُما هذا (٣) الذي ذكرناه من ذِكْرِ المسح مرتين (٤). والظاهرُ أنَّ هذا التأويلَ (٥) الذي ذكره صحيحٌ؛ لأنه محتمل، فيحمل عليه [ليوافق] (٦) روايةَ الناس.

стр. 1836

والشافعيةُ لما استحبُّوا التكرارَ في مسح الرأس تكلموا في أنَّ الذهابَ والردَّ مسحة واحدة، [أو] (١) الذهابُ وحدَهُ مسحةٌ. فقيل: إنْ لمْ يكنْ علَى رأسه شعر، أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليدِ ورده لكونه ظفيرة معقوصة، أو لطوله، فإمرارُهُ من المقدمِ إلَى المؤخرِ [مسحةٌ] (٢) واحدة. قال الرافعي ﵀: قالَ في "التهذيب": ولا يُحسبُ الردّ -[و] (٣) الحالةُ هذه - مسحةً أخرَى؛ لصيرورةِ البلل مستعملًا بحصول مسح جميع الرأس. وإنْ كَان علَى رأسه شعرٌ ينقلب بالذهابِ باليدِ وردِّها فهما جميعًا مسحةٌ واحدة، يستوعبُ البللُ جميع الرأس، فإنَّ منابتَ الشعر مختلفةٌ؛ فمنها (٤) ما يكون وجهُهُ [إلَى المقدم، ومنها ما يكون وجهُهُ] (٥) إلَى المؤخر (٦)، فبالذهابِ تبتلُّ بواطنُ القسم الأول وظواهرُ الثاني، وبالردِّ تبتل ظواهرُ الأول وبواطنُ الثاني (٧). الثالثة والخمسون: الاتفاقُ علَى أنَّهُ إذا حصل القدرُ الواجب في

стр. 1837

المسحِ علَى اختلاف المذاهب فيه (١) كفَى مِن غيرِ اشتراط هيئةٍ مخصوصة في ذلك، وإنما الاختلافُ في الهيئةِ المستحبَّهِ، وقد اختلفوا في ذلك بعد اعتبار الاستيعاب علَى مذاهبَ: المذهب الأول: أنْ يبتدئَ الماسحُ من مبدأ الشعر مما يلي الوجهَ، ويذهبَ بيديه إلَى قفاه، ثم يردهما إلَى المكانِ الذي بدأ منه، وهو مبتدأُ الشعر مما يلي الوجه، ويُستدلُّ له بهذا الحديث (٢). إلا أنَّهُ عُورضَ بقولهِ في الحديث: "فأقبَلَ بهما [وأدبَرَ] (٣) "، فإنَّ الإقبالَ المرورُ [إلَى جهة القُبُل، والإدبارَ المرورُ إلَى جهة الدُّبُر] (٤)، وعلَى هذهِ الهيئة المذكورة، يكون الإقبالُ المرورَ إلَى جهة الدبر، والإدبارُ المرورَ إلَى جهة القبل، فكان مُقتضَى الصفة المذكورة أنْ يقال: فأدبر بهما وأقبل، وأجيب عن هذا الاعتراض بوجوه: الأول: أنَّ (الواو) لا تقتضي ترتيبًا فلا فرقَ بين أقبل وأدبر (٥)، وأدبر وأقبل، فحُمِلَ علَى الثاني؛ لظهورِ الدلالة علَى ذلك من قوله: "بدأ بمقدم رأسه ... " إلَى آخره، وقصورِ دلالة المعارض الذي ذكره عنها، وتؤيدُ ذلك روايةُ البخاري في حديث سليمان بن بلال: "ثمَّ أَخَذَ بيَدَيهِ مَاءً فمَسَحَ رأسَه، فأدبَرَ بيديه وأقبَلَ".

стр. 1838

وفي كلام بعضهم إشارةٌ إلَى أن سببَ التقديم في الإقبالِ معنى التفاؤل، وهذا إبقاءٌ للفظِ الإقبال والإدبار علَى معناه الإفرادي الذي اعتقده، وهو أنَّ الإقبالَ المرورُ إلَى جهة القبل، والإدبار المرور إلَى جهة الدُّبر، ولكنه تصرَّف في اللفظِ بالتقديم (١) والتأخير. الوجه الثاني: أنَّ الإقبالَ والإدبار من الأمورِ الإضافية؛ تختلف بالنِّسبَةِ إلَى ما إليه يُقبَلُ، وعنه يُدبَرُ، فما كان إقبالًا إلَى شيء فمقابلُهُ الإدبارُ عنه، فيمكن أنْ يكونَ الإقبالُ منسوبًا إلَى مؤخر الرأس والإدبار منسوبًا إليه أيضًا؛ أي: يكون إليه الإقبالُ، وعنه الإدبار. وهذا تصرفٌ في المعنى الإفرادي بالنِّسبَةِ إلَى اللفظينِ؛ أعني: الإقبال والإدبار؛ لأنه لمْ يجعلِ الإقبالَ هو المرور إلَى جهة القبل، بل أعمَّ من هذا، وهو المرورُ إلَى الجهة (٢) المقصود إليها، والإدبار عن الجهةِ التي أقبل عليها كيفَ ما كانت الجهةُ، وفيه مع ذلك إبقاءُ الهيئة علَى ما هي عليه [من] (٣) الابتداءِ بمنابت الشعر التي تلي الوجهَ إلَى القفا، ثم الرجوعِ إلَى حيثُ بدأ. الوجه الثالث: أنَّ الفعلَ يُطلَقُ باعتبار مُبتَدَئِهِ [تارةً] (٤) ومُنتهاه أخرَى، فيُقَال لمن ابتدأ بمقدم رأسه: أدبر؛ لأنه فعلٌ إلَى الدبرِ، فسمَّاه بما يؤول إليه، وبهذا المعنى تُؤُوِّلت روايةُ من روَى: "فأدبَرَ

стр. 1839

وأقبَلَ": علَى أنَّهُ بدأ بمقدم رأسه، وسماه إدبارًا؛ لأنه فعلٌ إلَى الدبرِ، فسماه بما يؤول إليه. قالَ بعضُ المصنفين: وهي مسألةُ خلافٍ في أصول الفقه، هل يُسمَّى الفعل بمبتدئه، أو بمنتهاه؟ (١) قلت: فعلَى هذا يُقَال أيضًا لمن بدأ بمؤخر رأسِهِ: أقبل؛ باعتبار المُنتهَى (٢)، فيتساوَى الاصطلاحان، ولكنَّهما يفترقان فيمن بدأ بمقدم رأسه ذاهبًا إلَى مؤخره (٣)، فصاحب الاصطلاح الأول [لا] (٤) يقول: أقبل؛ لأنه لمْ يمرَّ إلَى جهة القبل، وصاحب الثاني يقول: أقبل؛ باعتبار الابتداء. الوجه الرابع: نُقِلَ عن العابدِ المشهور الموصوف بالولايةِ مُحرِزُ ابن خلف المغربي (٥): أنَّ (أقبل) هاهُنا مأخوذ من (القَبَلِ) في العينِ، وهو ميل الناظر (٦)، وكثيرًا ما يكون في الخيلِ، يقال: فرسٌ أقبلُ، فمعنى: "أقبل بهما"؛ [أي:] (٧) أمالهما.

стр. 1840

الوجه الخامس: أنْ يكونَ (أقبل) من باب (أفعل) الذي يأتي (١) علَى أن غيره أدخله في الفعلِ؛ نحو: أدخله، وأخرجه (٢)، فيكون معنى "أقبل بيديه": أدخلهما في القبلِ، وقد قالوا: إنَّ هذا مطَّردٌ في غير المتعدي، سماعٌ في المتعدي، و (أقبل) مِن غيرِ المتعدي، وإنما عُدِّيَ بالباء. الوجه السادس: إن معنى (أقبل) دخل في قُبُل الرأس؛ كما يقال: أَنْجَدَ، وأَتْهَمَ، إذا دخل نَجدًا، وتِهامةَ. المذهب الثاني: أنْ يبدأَ الماسحُ من مؤخر رأسه إلَى مبتدأ الشعر، ثم يردَّ إلَى المؤخر، وهذا يحافظ علَى أن (أقبل) ذهب إلَى القبلِ، و (أدبر) ذهب إلَى الدبر، وقد جاءت البُدأة بالمؤخرِ في حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذ، وحديثُهَا عندَ أبي داود والترمذي وابن ماجه مختصرًا ومطوَّلًا (٣). وهذا وإن حافظَ علَى ما ذكرناه، إلا أنَّهُ يصادمُهُ قوله: "بَدَأَ بمقدّمِ رأسِهِ" مُصادمة يتعذَّرُ عليه دفعها، والأوْلَى أنْ يحمل حديثُ الرُّبيع علَى بيان الجواز، ولا تعارضَ بين الفعلين إذا اختلف وقتاهما.

стр. 1841

وذكر الحافظ أبو بكر بن العربي قال: ولا أعلم أحدًا قال: إنَّهُ يبدأُ بمؤخر رأسه، إلا وكيعُ بن الجرَّاح؛ كمَا ذَكرَهُ أبو عيسَى عنه، والصحيحُ البُداءة بالمقدمِ، وهي رواية الحفاظ كلِّهم (١). ورأيت في كتاب "الأنوار" أنَّ الحسنَ بن حيًّ قال: يُبدأ بمؤخر الرأس (٢). المذهب الثالث: أنَّهُ يَبدأ بناصيته، ثم يقبِلُ بيده إلَى مقدم رأسه، ثم يُدبِرُ بهما إلَى قفاه، ثم يردُّهما إلَى ناصيته، وهو الذي بدأ منه، ومعنى هذه الصفة مرويٌّ عن أحمد بن داود المنسوب إلَى المالكيةِ، وهذه الصفةُ كانَّهُ قَصَدَ بها الجمعَ (٣) بين قوله: "فأقبل وأدبر"؛ [بتفسير (أقبل): مرَّ إلَى جهة الإقبال، (وأدبر):] (٤) مرَّ إلَى جهة الإدبار، وبين قوله: "بدأ بمقدّم رأسه"؛ أما أقبل فلأنَّه مر في هذه الصفة إلَى جهة القبل، وأما كونه بدأ بمقدّم رأسه، فإنَّ الناصيةَ تسمَّى مقدّم الرأس (٥)، فيصدق عليه أنَّهُ بدأ بمقدّم رأسه. لكني لمْ أقفْ في روايةٍ من الرواياتِ علَى فعل هذه الصفة من الراوي، ولا من النبي ﷺ ، وما كانَّها أُخِذَت إلا لمجرَّدِ قصد الجمع بين اللفظين؛ أعني: البداءة بمقدم الرأس، وقوله: "أقبل وأدبر"، فإنْ لمْ تردْ

стр. 1842

بذلك (١) روايةٌ، فالتأويلاتُ المتقدمة، أو بعضها، مع تقرير ظاهر اللفظ يكونُ العمل بها أولَى من هذه الكيفية. الرابعة والخمسون: قد ذكرنا فيما مضَى اقتضاءَ الحديث للمسِح باليدينِ، والمراد به الجمعُ بينهما في المسحِ، لا الاقتصارُ على أحدهما، وفيه معنى آخر يقتضيه ظاهرُ الحديث، وهو أنَّ المسحَ بجملة أصابعِ كلِّ واحدة منهما؛ لما في دلالة لفظ (اليد) عليه. والحنفية يرون أنَّهُ لا يجوز مسح الرأس بإصبع أو إصبعين، وتجزئُهُ ثلاثة (٢) أصابع، ونقلوا عن زُفَرٍ: أنَّهُ إذا مسح بإصبع (٣)، أو إصبعين، وبلغ ذلك ربعَ الرأس يجوز (٤). ولا اعتبارَ بالأصابعِ في الإجزاء عندَ مالكٍ والشافعي - رحمهما الله -، ولا يمنعنا ذلك من أن نأخذَ من الحديثِ استحبابَ المسح بالجميع؛ لدلالة لفظ (اليد) عليه. ونقول: إنَّ الاقتصارَ علَى بعض الأصابع خلافُ السنة، والحنفيَّهُ وجَّهوا الإجزاء بثلاثة أصابع بأنَّ الأكثرَ يقومُ مقامَ الكلّ، وهذه قاعدة غيرُ مطَّرِدة، وكم من حكم لا يقوم فيه الأكثرُ مقامَ الكل، ومع الاضطراب لا يحصل دليل، وكأنَّ الاكتفاءَ بذلك من قاعدة الاستحسان، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أنْ يُكتفَى في إقامة السنّة

стр. 1843

بالأكثرِ من الأصابع إلا بدليل يَخصُّه ويرجحُهُ. الخامسة والخمسون: يدلُّ علَى تجديد الماء لمسح الرأس من قوله: "ثمَّ أَخَذَ بيديه ماءً، فمسَحَ رأسَهُ"، ولا خلافَ في جواز ذلك بين من يُعتَدُّ بخلافه، وذكر بعض الإمامية: أنَّهُ لا يجوز أنْ يستأنفَ لمسح الرأس والرِّجل. قال: ورُوَيت روايةٌ شاذة: أنَّهُ يستأنف؛ يعني: بماء جديد. قال: وهو محمولٌ علَى البقيةِ. وليس قوله: إنَّهُ لا يعتدُّ بخلافهم من جهة بِدعتهم، إذا لمْ يأتوا بما يُكَفَّرُون به؛ لأنَّ لفظ الأفة حينئذٍ يشمُلُهُم، ودلائلُ الإجماع (١) لا تنهض في حقِّ بعض الأمة، وإنما قلت: لا يُعتدُّ بخلافهم لعدم حصول أهلية الاجتهاد لهم، وعدمُ حصول الأهلية بسبب نفيِهِم (٢) لبعض الحجج الشرعية المقطوعِ بها التي لا بدَّ في الاجتهادِ منها، وهو خبرَ الواحد، ولا فرقَ في عدم الأهلية، وعدم حصول ما يحتاج إليه، بين أنْ يكونَ بسبب نفي ما هو حجةٌ، وبين أنْ يكونَ بسبب فقدانِهِ بعد كونه حجةً، والله تعالَى أعلم. السادسة والخمسون: وكما يثبت (٣) الجوازُ، فكذلك يثبتُ الرُّجْحان، ولكن هل هو رُجْحان صفةِ الوجوب، أو صفةِ الاستحباب؟

стр. 1844

يُرجعُ [في] (١) هذا إلَى مسألة الماء المُستعمل في رفع الحدث، ومسح الرأس ببللِ اليدِ الذي ارتفع به الحدثُ، فمن يرَى أنَّ الماءَ المستعمل غيرُ طهور يمنع مسحَ الرأس ببلل اليد، ومن يراه طهورًا فمسحها ببلل اليد لا يمنعُ الإجزاء، ولكنَّ مالكًا - وهو قائل بطهوريته - قالَ أتباعه: ولا يمسح رأسَهُ ببلل لحيته، بل بماء جديد، وهذا لأنه يكرَهُ الماءَ المستعمل (٢). السابعة والخمسون: اختلفوا في المضمضةِ والاستنشاق؛ هل الأفضلُ فيهما الجمع، أو الفصل؟ وعند الشافعية قولان: أحدهما: أنَّ الأفضلَ الفصلُ لحديث [طلحةَ] (٣) بن مُصَرِّفٍ، عن أبيه، عن جده: رأيتُ النبيَّ ﷺ يفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاقِ، وهو حديثٌ عندَ أبي داود (٤)، وليس في "الصحيحين". والثاني: أنَّ الجمعَ أفضل (٥)، وهو مُقتضَى هذه الأحاديث الصحيحة التي ذُكِرَت في "الصحيح".

стр. 1845

قال السَّفاقسي شارح "البخاري": واختلف أصحابُ مالك في تأويل قول مالك: إن تفريقَ ذلك أولَى، علَى وجهين: أحدهما: أنَّ الأفضلَ عنده أنْ يأتيَ بمضمضةٍ واستنثار في غَرفة واحدة، ثم يأتي بهما في ثانيةٍ، ثم في (١) ثالثةٍ، يفعلُ ذلك في ثلاث غرفات. والثاني: أنْ يأتيَ بالمضمضةِ علَى النسقِ في ثلاث غرفات، ثم يأتي بالاستنثارِ علَى نسق في ثلاث غرفات، فيأتي بهما في ست غرفات. وذكر مالك في "موطَّئِهِ": - أنَّهُ لا باسَ به من غرفة واحدة (٢)؛ يعني: التمضمض والاستنثار. قالَ السفاقسي: وهو يحتمل أنْ يريدَ أنْ يفعلَ المضمضةَ [كلَّها] (٣)، والاستنثارَ كلَّهُ من غرفة واحدة، [ويأتي بالمضمضةِ والاستنشاق في غرفة واحدة] (٤)، فيأتي بهما في ثلاث غرفات. الثامنة والخمسون: المرجَّحُ عندَ الشافعية - أو بعضِ مصنفيهم -: أنَّ الفصلَ أفضل (٥)، وقد ذكرنا أنَّ أحاديثَ "الصحيح" تقتضي الجمعَ،

стр. 1846

وأن حديث الفصل خارجٌ عنه، وهذا أحدُ وجوه الترجيح المذكورة في فنِّه، فينبغي ترجيحُ الجمع. التاسعة والخمسون: حديث طلحةَ بن مُصرِّفٍ متردِّدُ الدلالة بين كيفيَّتين: أحدهما: أنَّهُ يأخذُ غرفة يتمضمضُ بها ثلاثًا، وغرفةً أخرَى يستنثرُ منها ثلاثًا. والثاني: أنْ يأخذَ ثلاثَ غرفات يتمضمضُ بها، وثلاث غرفات للاستنشاق. و [قد] (١) قيل بهاتين الكيفيتين [عند الشافعية] (٢)، ورُجِّحَت الكيفيةُ الأولَى علَى هذا القول (٣). ويحتمل حديث طلحةَ بن مُصرِّفٍ أنْ يكونَ الفصلُ بينهما عبارةً عن عدمِ خلطهما في الفعلِ؛ أي: لا يكونُ بعضُ الاستنشاق مُقدَّمًا علَى [شيء] (٤) من [المضمضة، فلا يمتنعُ علَى هذا الجمعُ في غرفة بين] (٥) المضمضة والاستنشاق، وبين الفصل بهذا التفسير، ولا يكون مُخالفًا لبعض رواية الجمع، أو لِما تحتمله بعضُ رواية الجمع.

стр. 1847

الستون: إذا كان الفصلُ علَى إحدَى الكفيتين، وهو أن تُفردَ (١) المضمضةُ بغرفة، أو بثلاث غرفات قبل الاستنشاق، فلينظرْ في ألفاظ الأحاديث، فإن اقتضَى بعضُها هذا التقديمَ للمضمضة علَى الاستنشاقِ؛ أعني: مراتها علَى مرات الاستنشاق، كان دالًّا علَى طلبيَّةِ هذا التقديم. وللشافعيةِ اختلافٌ علَى قول (٢) الفصل في أنَّ هذا التقديمَ - أعني: تقديم المضمضة علَى الاستنشاقِ - مستحقٌّ، أو لا؟ ورُجِّحَ الاستحقاقُ بأنَّهُما عضوان، فيتعين الترتيبُ [بينهما] (٣) كسائر الأعضاء، ووُجِّه الاستحبابُ بأنَّهُما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد (٤) وهذا ضعيفٌ، والأول قياس شبهٍ، والأوْلَى النظرُ في مقتضيات الألفاظ وترجيحُهَا علَى مثل هذه التعاليل من الأقيسةِ الشبهيَّة والاستحسانات (٥). الحادية والستون: الذي ذكرَهُ في الأصلِ من رواية خالدٍ الواسطي: "ثمَّ أدخَلَ يدَهُ فاستخرَجَها، فمَضمَضَ واستنشقَ من كفٍّ واحدةٍ؛ فَعَلَ ذلك ثلاثًا" يقتضي الجمعَ، والوصلَ، وهو يحتمل وجهين:

стр. 1848

أحدهما: أنَّهُ أوقع المضمضةَ والاستنشاق من كفٍّ واحد، فيتمضمض ثلاثًا من غرفة واحدة، ويستنشق ثلاثًا منها. والثاني: أنَّهُ يأخذُ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم أخرَى كذلك، ثم أخرَى كذلك، والكيفيَّتان عندَ الشافعية مُختَلَفٌ فيهِما علَى وجهين، واختلفوا علَى الكيفيَّةِ الأُولَى هل يخلط المضمضةَ بالاستنشاقِ، أم يقدم المضمضة؟ علَى وجهين (١). الثانية والستون: تترجَّحُ الكيفيةُ القائلة بأنَّهُ تتعدَّدُ الغرفات، ولا يكون من غرفةٍ واحدة بالبيانِ الذي في رواية وُهيب لهذا الحديث بعينه، وهو قوله؛ "فمَضْمَضَ، واستنشقَ، واستنثرَ، من ثلاثِ غرفات"، فقد صرَّح (٢) بتعدُّدِ الغرفات، ولا ينافيه الجمعُ بين المضمضةِ والاستنشاق من كفٍّ واحدة من كل غرفة، وهو خلافُ الكيفية القائلة بأنَّهُ يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، من غرفة واحدة، لكنْ ترجِّحُهُ روايةُ سليمان بن بلال المذكورة في الأصلِ، وهو قوله: "تمضمضَ واستنثرَ ثلاثَ مراتٍ، من غرفة واحدة". الثالثة والستون: في ترجيحِ بعضِها؛ وقد حكينا التوجيهَ بكونهما (٣) كالعضوِ الواحدة، والتوجيهَ بقياس الشَّبَهِ علَى سائر

стр. 1849

الأعضاء، وذكر بعضُهُم بسبب هذا التوجيه التعليلَ بالكيفيَّةِ المرجَّحة المذكورة في رواية خالد بأنَّهُما كالعضوِ الواحد، ولكنْ من حكمِ العضو الواحد أنْ يتكررَ فيه أخذُ الماء. الرابعة والستون: الفقهاء يعللون هذه الكيفياتِ تارةً بالأقيسةِ الشبهية، وتارةً بنوع من الاستحسانِ، وتارةً بزيادة النظافة، وينسبون (١) أيضًا - أو من نسَبَ منهم - روايةَ الفصل إلَى عثمانَ وعليٍّ ﵄ (٢)، [والروايةَ التي ترجَّحت برواية وُهيب لوصف (٣) عبد الله بن زيد] (٤)، والروايةَ الأخرَى: "أنَّهُ يأخذُ غرفةً واحدةً يتمضمضُ منها ثلاثًا، ويستنشقُ ثلاثًا" إلَى بعض الروايات؛ أي: رواية عبد الله بن زيد فيما يُظَنُّ، وقد ذكرناها مبيَّنَةً في الأصلِ من رواية سليمان في هذا الحديث، فهذان تصرفان: أحدهما: ما لا يتعلقُ بلفظ الأحاديث؛ كالاستحسانِ وغيره، والتعلقُ بمدلول الألفاظ أوْلَى كما أشرنا إليه. والثاني: النظرُ إلَى مُقتضَى الألفاظ ومدلولها؛ لتصحَّ النسبة التي يذكرونها إلَى الرواةِ، وفي بعض ذلك اشتباهٌ وعُسْرٌ يَحتاج إلَى تأمُّل.

стр. 1850

الخامسة والستون: روايةُ خالد التي ذكرنا احتمالها لوجهين، ورجَّحنا أحدَهما بالبيانِ الذي في رواية وهيب، إذا أردنا أن ننظرَ إلَى اللفظِ الذي في رواية خالد من حيثُ هو هو، وما هو الأرجحُ بالنِّسبَةِ إلَى مدلوله، كان في ذلك [ما] يَسبقُ إلَى الذهنِ أنَّ اللفظَ أقربُ في الدلالةِ علَى الجمعِ بين المضمضةِ والاستنشاق في كلِّ غرفة من ثلاثٍ، لكنْ يتوجَّهُ الطلبُ في وجه هذا الرُّجحان بالنِّسبَةِ إلَى مدلول اللفظ، وذلك أنَّ قوله: "فعل ذلك ثلاثًا" فيه اسمُ الإشارة، فيمكن أنْ يكونَ راجعًا إلَى مجموعِ المضمضة والاستنشاق، وكونِهما من كفٍّ واحدة، [فتجيء الهيئةُ المرجَّحة، ويحتمل أن تكونَ الإشارةُ راجعةً إلَى المضمضةِ والاستنشاق دونَ اعتبار كونِهما من كفٍّ واحدة] (١)، فتجيء الكيفيةُ الأخرَى، فلا بدَّ من طلب دليل يقتضي ترجيحَ عَود الإشارة إلَى المجموعِ من المضمضةِ والاستنشاق، وكونِهما من كفٍّ واحدةٍ، [دونَ عَودِهِ إلَى المضمضةِ والاستنشاق مخرجًا؛ كونَهما من كفٍّ واحدة] (٢) في الإشارةِ. وقد يُقَال في هذا: إنَّا إذا أخذنا المجموعَ من المضمضة والاستنشاق والوحدة أمكننا أن نجعلَ ذلك هيئةً واحدةً اجتماعيةً متوحِّدةً، فتعود الإشارة المتوحدة إلَى متوحِّدٍ.

стр. 1851

وإذا رددنا (١) الإشارةَ إلَى المضمضة والاستنشاق مُخرَجًا عنهما صفةُ التوحُّد (٢) في الكفِّ، عادت الإشارة المتوحِّدةُ إلَى متعدد، فيكون الأول أوْلَى. ولئن قيل: الآخرُ جائزٌ في لسان العرب؛ كما في قوله تعالَى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وكما في قول رؤبة [من الرجز]: كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْليعُ البَهَق (٣) فعلَى الأولِ الترجيحُ. فانظرْ في مثل هذه المباحِثِ في ألفاظ الروايات التي ترِدُ عليك، وتأَمَّلْ ذلك. السادسة والستون: يمكن أنْ يُجمع بين الروايات التي لا تعود إلَى خرج واحد؛ لأنَّ ذلك في أفعال متعددة، ولا تعارضَ بين الأفعال حينئذ، وأما ما يرجع إلَى مخرج واحد، فيطلب فيه الترجيح وقوة الدلالة بالنِّسبَةِ إلَى أحد اللفظين، مع أنَّ الكلَّ جائز. السابعة والستون: قولُهُ في رواية واسع بن حَبَّان: "ومسَحَ برأسِهِ

стр. 1852

بماءٍ غيرِ فضلِ يدِهِ (١) " تصريحٌ منه بعدم المسح ببللِ اليد، وهو يدلُّ علَى ترجيح ذلك. وأما دلالتُهُ علَى الوجوبِ، أو عدمه، فتنبني علَى مسألة الماء المُستعمل، والمالكيةُ وإن اعتقدوا أنَّ الماءَ المستعملَ طهورٌ، لكنه قيل من جهتهم: ولا يمسحُ رأسَهُ ببلل لحيتِهِ، بل بماء جديد، وهذا النَّهيُ نهيُ كراهة؛ لأنَّهُم يعتقدون كراهةَ الماء المُستعمل. وقد تقدم مثل هذا في الاستدلالِ بلفظ آخر، فلا يمتنع ذكره أيضًا في مدلول هذا اللفظ (٢). الثامنة والستون: قوله: "ثم غَسَلَ رِجلَيهِ" يدلُّ علَى أن وظيفةَ الرجلين الغسلُ، وسيأتي الكلام في المسألةِ مُطوَّلًا. التاسعة والستون: قوله في رواية واسمع بن حَبَّان: "حتَى أنقاهما" قد يتمسكُ به المالكية في (٣) اعتبار الإنقاء في وظيفتهما، والرغبة عن غسلِهما ثلاثًا، فإنه عُلِّقَ الحكمُ فيه بالإنقاءِ دونَ ذكر العدد، ويرون أنَّهُ إذا كان المقصودُ الإنقاءَ؛ هل يكون هو المعتمدُ دون التكرار؟ (٤) وهذا المعنى الذي ذكروه يقتضي أنْ يكونَ الإنقاء مقصودًا،

стр. 1853

ولا ينافيه أنْ يكونَ العددُ أيضًا مقصودًا مع ذلك، وقد وردَ التكرارُ في غسلهما في حديث آخر، فيدلُّ علَى اعتبار ذلك. السبعون: الحديثُ يقتضي ترتيبَ بعض الأعضاء علَى بعضٍ كما صرَّح به، وقد قدَّمنا كلاما في حكمة الترتيب علَى هذا الوجه. وقالَ بعضُ فضلاء المالكية في ذكر الرأس بعد اليدين مع أنَّهُ أقرب إلَى الوجه: إنَّ ذلك لمجانسةِ حكمِ اليدين - يعني: للوجه - في أنهما مغسولان، قال: ولأنَّ الرأسَ يشاركُ الرجلين في بعض الأحكام، وهو سقوطه [مع] (١) الرجلين في التيمُّم، فحسُنَ تأخيرُ ذكره لذلك. وهذه مناسبةٌ في بعض الترتيب دون كله، ولم يقصدِ المناسبةَ التامة؛ لأنه لما قصدَ الجواب عن (٢) استدلال الشافعية ﵏ علَى وجوب الترتيب؛ لتفريقه - سبحانه - بين المغسولين بذكر الممسوح، فأجاب: لأنَّ المسحَ في معنى الغسل، وكالمجانسِ له. وذكر أنَّ بعضَ أهل اللغة [سمَّى] (٣) الغسلَ مسحًا، وذكر عن بعضهم: أنَّ المسحَ خفيفُ الغسل. قال: وهذا يَحسُنُ معه الفصلُ بين المغسولَيْن بذكر الممسوح. قال: وأمَّا ذِكرُهُ الرأسَ بعد اليدين، وهو أقربُ إلَى الوجه، فلأنَّ

стр. 1854

ذلك لمجانسةِ حكم اليدين ... إلَى آخر ما ذكرناه عنه (١). الحادية والسبعون: هذا الحديثُ وحديث عثمان وغيرهما، فيها ترتيبُ الأعضاءِ بعضِها علَى بعض، ولا خلافَ في طلبيَّة ذلك، وإنما الخلافُ في الوجوبِ، فالمحقَّقُ من الحديثِ هو الطلبُ المشتركُ بين الوجوب والاستحباب، وخصوصُ الوجوب يحتاج إلَى دليل، وفي تحريره مُرتَّبا (٢) إشكالٌ؛ لأنَّ بعضَهم يستندُ [فيه] (٣) إلَى ترتيب الواو، وقد ثبت من لسان العرب خلافُ ذلك علَى ما تقرر في فنِّ الأصول [و] (٤) العربية. والخلافيُّون يذكرون حديثًا فيه كلمة (ثم) المقتضيةِ للترتيب، ولا اعتدادَ به؛ لأنه يتوَقَّفُ علَى وجوده، ثم علَى صحته، ولم تتحققْ. ورُبَّما يُستدلُّ بقوله - السِلام عَليه -: "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ"، وهي لفظَةٌ من الحديثِ الطويل في الحجِّ الذي أخرجه مسلم (٥)، ورُبَّما يُتوهَّمُ أنها كذلك في رواية مسلم، وإنما الذي فيه: "نبدأ"، أو "أبدأ" علَى صيغة الخبر، لا الأمر، ولا يدلُّ ذلك علَى الوجوب، وأما صيغةُ الأمر فمروَّية من جهة بعض الرواة، والأشهرُ خلافُها، ثمَّ إنَّهُ لفظٌ لمْ يُقصَدْ به العمومُ وتأسيس القواعد، والسياقُ يقتضي التخصيصَ.

стр. 1855

وأقوَى ما قيل فيه (١): [إنَّه - تعالَى -] (٢) أدخلَ المسحَ بين الغسلين، وقطع (٣) النظيرَ -[وهو الغسل] (٤) - عن النظيرِ، وإنَّ العربَ لا تفعلُ ذلك إلا للترتيب، لا يقول القائل منهم: ضرب فلانٌ زيدًا، وخلع علَى بكرٍ، وعمرًا، فيُدخلُ الإكرامَ بين الضربين، إلا لقصد الترتيب. والذي أجاب [به] (٥) بعضُ الفضلاء من المالكيَّةِ المتأخرين عن هذا بأنَّهُ يُسلَّمُ أنَّ الترتيبَ مطلوبٌ؛ كما يقتضيه التفريق المذكور، وأما أنَّهُ واجبٌ، فلا. [وهذا] (٦) فاسدٌ؛ لأنه إذا سَلَّمَ أنَّ هذا النظمَ يقتضي الترتيبَ في لغة العرب كان [ذلك] (٧) داخلًا تحت الأمر، فيكون واجبًا، [لكن] (٨) لعلَّهُ أنْ يُطالِبَ مطالبٌ بإثبات ذلك من لغة العرب، وهم يستدلُّون بالمثالِ المذكور، وشبهه. وقد قدمنا عن بعض الفضلاء المالكية محاولةَ الجواب عن ذلك

стр. 1856

بأنَّ الغسلَ والمسحَ من جنس واحد، وأنه قد يُسمَّى الغسلُ مسحًا، و [كان] (١) حاصلُ هذا منعَ [قطع] (٢) النظير عن النظيرِ في اللفظِ، أو إبداءَ قيدٍ في هذا اللفظ المذكور في الآيةِ يمنعُ إلحاقَها بالقاعدةِ المذكورة، وهو أنَّ الغسلَ والمسح من جنس واحد، والحكمُ لفظيٌّ، لا معنوي. وليُتنبَّهْ؛ لأنَّ هذا الدليلَ لا يفيدُ المطلوبَ بنفسه، بل لا بدَّ من ضميمة مقدِّمةٍ إليه علَى طريقٍ جدلي، والطرقُ الجدلية تُستمدُّ من سعة الخيال، ودقة الوهم، ودُرْبة الاستعمال، والسيف فيها بضاربه لا بحدِّة مَضَارِبِه (٣)، وهي بمعزل عن الطريقِ التي تجبُ علَى المجتهدِ المحقِّقِ أنْ يسلكَهَا في إثبات الأحكام الشرعيَّة، ولذلك لا تجد شيئًا من هذه الجدليَّاتِ المتأخرة في شيء من كلام المتقدِّمين الذين رجعَ الناسُ إليهم في الأحكام. وبعد تقرير هذه المقدِّمة على (٤) الطريق الجدلي، [و] (٥) قد يُعارَض بأمر جدلي، والمقدمة المذكورة هي: أنَّهُ لا قائل بالفرق؛ لأنَّ دلالةَ الدليل المذكورة قاصرةٌ علَى الترتيبِ بين غسل اليدين ومسح الرأس، وبين مسح الرأس وغسل الرجلين، ولا تدلُّ علَى الترتيبِ

стр. 1857

مُطلقًا كما هو المُدَّعَى، فيتبيَّنُ أنَّهُ يحتاج إلَى هذه المقدمة، وأنَّ الدليلَ المذكور لا يفي بالمطلوبِ بنفسه (١). ومستندُ المجتهد يجبُ أنْ يكونَ منشأَ الحكم والموجبَ لفتواه، ولا يجوزُ أنْ يكونَ الدليلُ الخاصُّ مشأً للحكم العام، ولا موجبًا للفتوَى به. والواجبُ علَى المجتهدِ أن لا يعلمَ مخالفةَ حكمِهِ للإجماع، [لا أنْ يعلمَ عدمَ مخالفتِهِ للإجماعِ] (٢)، وبينهما فرقٌ؛ لأنَّ المعنى الثاني يقتضي أنْ يعلمَ موافقةَ حكمه للإجماع، أو وقوعَ الخلاف، ولو كان هو الواجبُ لكانت الواقعةُ الحادثة للمجتهدين إذا لمْ يُعلمْ فيها تقدمُ إجماعٍ، ولا خلاف، أنْ يمتنعَ الحكمُ فيها عليهم مع وجود الدلائل الشرعية غيرِ الإجماع علَى الحكمِ، وهذا باطلٌ، فتعيَّنَ أنَّ المجتهدَ ينظر إلَى المستندِ الذي يبني (٣) عليه الحكم، ويعتبرُ شرائطَهَ، ومنها أن لا يخالف الإجماع في نفس الأمر. وأما المعارضةُ الجدليَّةُ فهي أنْ يقال: لو ثبتَ ما ذكرتموه من دلالة التفريق بين النظير والنظير علَى وجوب الترتيب، لثبتَ عدمُ الدلالة علَى وجوب الترتيب في حق بعض الأعضاء؛ لعدم المُوجب فيه، ولو ثبت عدمُ الوجوب في بعض الأعضاء، لثبت في كلِّ الأعضاء بعينِ الإجماع الذي ذكرتموه؛ من أنَّهُ لا قائلَ بالفرقِ.

стр. 1858

ولئنْ (١) قالَ: ما ذكرتموه من الأصلِ السالمِ عن المعارضِ، وإن دلَّ علَى عدم الوجوب، لكنِ الإجماعُ علَى أنَّهُ لا يفترقُ (٢) حكمُ الأعضاء في الترتيبِ، يعارضُهُ، وينفي العملَ به. قلنا: الإجماعُ قائمٌ في نفس [الأمر] (٣)، أو علَى تقدير ثبوت ما ذكرتموه من الدلالةِ؛ الأول (٤) مُسلَّم، ولا يفيدكم ثبوتُه علَى تقدير ما ذكرتموه، والثاني ممنوع؛ أعني: ثبوتَ ذلك الإجماع علَى تقدير ما ذكرتموه. ثم (٥) لمْ ينقضِ الحديثُ، بل بتنازع الجدليات (٦) ملأه الحصرُ في الجدلِ، وَيحوزُ السبقَ أقواهما منه، وأشدُّهما محكًّا. وقد استدلَّ بعضُ الناس علَى المسألةِ بما [جاء] (٧) في حديث عمرو بن عَبَسَةَ: "مَا مِنْكُمْ من أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ" إلَى أنْ قال (٨): "ثمَّ يغسِلُ وجهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ" (٩)، و (ثم): للترتيب.

стр. 1859

والاعتراضُ عليه أنْ يُقَال له: [أتدَّعي] (١) أنَّ (ثم) هاهُنا دالةٌ علَى الترتيبِ في الغسلِ بين الرِّجلين والرأس، لا أنها تدلُّ علَى أنَّ اللهَ أمرنا بالترتيبِ، أو تدلُّ علَى الترتيبِ في الغسلِ، وعلَى أمرِ اللهِ به بصيغة (ثم) هذه، أو تدعي أنَّهُ أمرَ به لا من جهةِ صيغة (ثم) هذه، إما بالإشارةِ إلَى القرآنِ في قوله ﵇: "كما أمره الله"، أو حكمٍ ثابت بالسنةِ غيرِ مأخوذ من (ثم) هذه؟ فهذه ثلاث احتمالات؛ فإنْ كَان المدَّعَى هو الأولُ لمْ يلزمْ وجوبُ الترتيب؛ لأنَّ الحديثَ إنما دلَّ علَى ترتيب ثوابٍ مخصوص علَى فعل مخصوص مرتَّبٍ، فلا يلزم من ذلك وجوبُ الترتيب؛ لأنَّ انتفاءَ الثواب المخصوص، الذي [هو] (٢) خرورُ الخطايا، علَى تقدير عدم الترتيب، لا يلزمُ منه انتفاءُ أصل الإجزاء. وإنْ كَان المدَّعَى دلالةَ (ثم) هذه علَى [أنَّ] (٣) اللهَ أمر بالترتيبِ بها، وحرف العطف يقتضي التشريكَ بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوفُ هاهُنا هو غسل الرجلين مقيَّدًا؛ إما بالصفةِ، أو الحاليَّة؛ [أعني قوله: "كما أمره اللهُ تعالَى"] (٤)، فصار ذلك داخلًا في المعطوفِ، فيكون في دلالة (ثم) هذه عليه تفاوتًا في الرتبةِ بالنسبة (٥)

стр. 1860

إلَى التقديمِ والتأخير تفاوتَ ما بين الدليلِ والمدلولِ، والمتقدِّمُ والمتأخرُ لا يكونان معًا. الثانية والسبعون: الحديثُ كما يقتضي الترتيبَ بين الأعضاء، فكذلك يقتضي الموالاةَ في فعلها، وطلبيةَ ذلك وترجيحَهُ علَى التفريقِ، ولا يُختلفُ فيه، وإنما الخلافُ في الوجوب؛ فجديدُ قولي الشافعي ﵀: عدمه، وقديمُهُما: إثباته (١). وعند المالكية ثلاثة أقوال: الوجوب، والاستحباب، والوجوب مع الذِّكر والقُدْرة دونَ النسيانِ والعجز. قالَ أبو العباس القُرطبي: والأوْلَى القول بالسنَّةِ فيهما، إذ لمْ يصحَّ قطُّ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ توضأ مُنكِّسًا، ولا مُفرِّقًا تفريقًا فاحشًا، وليس في آية الوضوء ما يدلُّ علَى وجوبهما (٢). قلت: أمَّا أنَّها لا تدل علَى وجوبِ الترتيب من جهة (الواو) فصحيح، وأمَّا من جهة التفريقِ بين المغسول والممسوح فقد بحثنا فيه فيما تقدم. وأمَّا أنَّ الآيةَ لا تدلُّ علَى وجوبِ الموالاةِ، ففيه نظر. وقد أبدى بعضُ فضلاء المتأخرين من المالكيةِ الذين أدركنا زمانَهُم دلالةَ الآية علَى وجوب الموالاة بوجهٍ وجيهٍ، حاصلُه: أنَّ (إذا) ظرف زمان، والعاملُ فيها جوابُها، أو ما قام مقامَ جوابِها، وهو قوله:
следующие страницы →