← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذه (١) علةٌ أخرى تحتمل أن تكونَ سببَ سؤالهم (٢). [قال] (٣) القاضي ابن العربي ﵀: فتوقَّوْا عنه لأحد وجهين: إما لأنه لا يُشرب، وإما أنه طَبَقُ جهنم، ورُوِي عن عبد الله ابن عمر وابن عمرو: وما (٤) كان طبقَ (٥) سَخَطِه، لا يكون طريقَ طهارةٍ ورحمة (٦). الحادية عشرة (٧): ذكر القاضي ابن العربي ﵀ الحافظ المالكي في عداد فوائد (٨) هذا الحديث: أن النبيَّ ﷺ لم يقلْ لهم: نعم، فإنه لو قال ذلك (٩) لما جاز الوضوء به إلا لضرورة؛ لأنه كان يكون جوابَ قولهم: "إنا نركب البحر، و [نحمل] (١٠) معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا"، فشكوا إليه بصفة الضرورة، وعليه وقع

стр. 212

سؤالُهم (١) فيما كان يرتبط جوابُهم لو قاله (٢)، فاستأنفَ بيانَ الحكم بجواز الطَّهارة به (٣). قلت: وفيه وجه آخر: أنه لو قال: نعم، لم يُستفَد منه - من حيث اللفظُ - إلا جوازُ الوضوءِ به، الذي وقع عنه السؤال، وإذا قال: "هو الطهور" أفاد جوازَ دفعِ الأحداث أصغرِها وأكبرِها، وإزالةِ الأنجاس به (٤) لفظًا، فكان أعمَّ [فائدةً] (٥). الثانية عشرة: استُدلَّ به على أن الطَّهور: هو ما يُتطهَّرُ به. ووجهُ الاستدلال: أن الطاهريَّةَ أعمُّ من الطُّهورية، فكلُّ طَهور طاهر، ولا ينعكس، والحكمُ على الشيء بالوصف الأعم، لا يستلزم الحكمَ [عليه] (٦) بالوصف الأخصِّ، فلا يفيد الجوابَ عن السؤال عن الأخص. وحكى القاضي أبو الطيّبِ طاهرُ بن عبد الله الطبريُّ الشافعي ﵀ عن أبي بكر الأصم، وأبي بكر بن داود، وبعض متأخري أصحاب أبي حنيفة ﵀، وطائفة من أهل اللغة: أن معنى طهور وطاهر سواء، وهو غير متعد، وقد ذكروا في حجة هذا المذهب: أنَّ

стр. 213

ما كان فاعلُهُ لازمًا، ففَعولُهُ مثلُه، كنائم ونؤوم، وصابر وصبور، وشاكر وشكور، وما كان فاعله متعدياً، ففعولُهُ مثله في التعدي، كقاتل وقتول، وضارب وضروب، وشاتم وشتوم (١). وأصل هذا: أنَّ صيغة فَعول لا تُبنى إلا من فعل ثلاثي مجرَّد عن الزيادة، وفعول: أصلُه الفاء والعين واللام، فالثلاثي في مسألتنا (طهر)، وهو قاصر، فطهور (٢) كذلك على (٣) ما تقدم. وأجاب عنه القاضي - رحمه الله تعالى - بأنْ قال: لابدَّ أن يكونَ لفَعول صفة زائدة على فاعله، ألا ترى [أنك] (٤) تقول: نائم لمن وجد منه النوم، ونؤوم: لمن كَثُر منه النوم وتكرر، وكذلك صابر لمن صَبَر مرةً، وصبور لمن تكرر منه [الصبر، وعُرِفَ هذا في اللزوم وفي التعدي، تقول: قاتل: لمن وجد منه القتل، وقَتول: لمن تكرر منه] (٥)، وشاتم: لمن وجد منه الشتمُ، وشَتوم: لمن تكرر منه ذلك، ولما كانت المياه الطاهرةُ متكافئةً؛ أي: في الطهارة، لم يكن بدٌّ من أن يُجعَلَ في الطهور مزيةٌ على طاهر، وليست تلك المزيةُ إلا تعدِّيها للتطهير. قال: وأيضًا فلا يقال: نائم ونؤوم إلا لمن وُجد منه النوم، وكذلك قاتل وقتول، وشاتم وشتوم، ولا يُوصَف صَاحبُه بذلك إلا بعدَ وجودِه منه، وأما الماء، فيقال فيه: طهور، قبل أن يوجد منه

стр. 214

التطهير، فكان بمنزلة قولنا: سَحور وفَطور؛ أي: يُتسحَّرُ به ويفطَرُ به، فكذلك طَهور؛ أي: يُتَطهَّرُ به، والله أعلم. وقد أوردَ مادةَ هذا السؤالِ بعضُ فضلاء المالكية المتأخرين فقال: لا شكَّ أن مجردَ بنائه على فَعول لا يُوجب تَعَدِّيه، كما قال السائل، لكنا نقول: استقراء لفظ طهور في عرف اللغة إنما يُطلَق (١) على ما يُتطهَّر به، فهو اسمٌ للآلة التي تَفعلُ [بها] (٢)، كالبَخور، والسَّحور، والغَسول؛ [اسم] (٣) لما يُتبخَّرُ به، ويُتسحَّرُ به، ويُغتسَلُ به، فصار كاللقب على ذلك، لا لأصل بنائه فقط، ويدلُّ عليه قوله ﷺ : "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسجداً وطَهوراً" (٤)، ثم أشار إلى الاستدلال بكونه جوابًا. وأقول: أما الوجهُ الأول الذي ذكره (٥) القاضي ﵀ فتقريرُه: أنَّ الطَّاهريةَ من حيثُ هي، لا تقبلُ التعدد الشخصي (٦)،

стр. 215

والتكرار من (١) لوازم الصيغة الزائدةِ (٢) على أصل الفعل، وإذا (٣) لم يثبت بالنسبة إلى الطاهرية، وجب أن يثبت بالنسبة إلى أمر آخر، وهو ما ادَّعيناه. ومما يرِدُ عليه: أنه إثباتُ للغة من غير طريق النقل، بل قد يُدَّعَى أنه خلافُ نصِّ أهلِها، إذا سَلِم للسائل أن هذه الصيغةَ لازمةٌ في اللازم ومتعديةٌ في المتعدي، وربما يدَّعي الخصمُ أن تلك الزيادة إنما تثْبُت حيثُ يمكن، وما لا يمكن منه لا يَثبُت، والنظائرُ المذكورة من الصَّبُور والقتول (٤) ممكنٌ فيها ذلك، فيثبت، والطاهرية غيرُ ممكن فيها ذلك، فلا يثبُت. والحاصلُ: أنَّ القاضي يدعي أن الوصفَ الزائدَ من لوازم الصيغة التي لا ينفكُّ عنها، ويثبت في كل المحالِّ، ويستدل على لزومها للصيغة بالأمثلة المذكورة. وللخصم أن يدَّعيَ أنها (٥) ليست من اللزوم (٦) إلا (٧) حيثُ

стр. 216

الإمكانُ في الأصل، والنظائر المذكورة ممكنٌ فيها ذلك، فلا يتعدَّى اللزوم إلى ما لا يمكن فيه، وهاهنا يجب الترجيحُ بين القولين. وأما ما ذكره المالكيّ، فيحتاج إلى [بعض] (١) تلخيص وتقرير، فإنه ادَّعى أن التعديَ ليس من جهتها، بل من استقراء عُرْفِ اللغةِ في فَعول (٢). والأقربُ أن يقال: إن الصيغةَ مستعملةٌ في معنى المبالغة، وفي معنى الآلة، ويتعيَّن حملها هاهنا على الآلة بدلائلَ تقام عليه، وهي استعمال لفظة (٣) الطَّهور في (٤) معنى المطهر، كـ[قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وكقوله ﵇] (٥): "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسجداً وطَهوراً" (٦)، "هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ"، و"الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهورُ المُؤْمِنِ" (٧)، "طَهورُ إناءِ أحدِكُمْ" (٨)، "دِباغُ الأديمِ

стр. 217

طَهُورُهُ" (١)، فتكون النظائرُ بالنسبة إلى هذه اللفظة - بعدَ إقامة الدليل على أنَّ المرادَ في موارد الاستعمال ما يُتَطَهَّرُ (٢) به - دليلاً (٣) على شيوع الاستعمال فيها بالنسبة إلى هذا المعنى، فيرجَّحُ (٤) الحملُ عليه، كما يترجحُ الحملُ على كل متعذِّر المدلولِ بالدليل الخارجي. وبمعنى هذا (٥) أجاب بعضُ الفضلاء: بأنَّا (٦) لا نسلِّمَ أنَّ "طهور" (٧) مأخوذ من طاهر، وإنما هو فَعول من الآلة التي يُفعَل بها، وذكر نظائر، ثم قال: وليس المرادُ من (٨) هذا كله (٩) المبالغة، وإنما هو آلةُ الاستعمال، ولذلك يقال: وَضوء: لِمَا يُتوضأ به، ووَقود: لما يُوقَد به، وكذلك فَطور: لما يُفْطَر عليه، وكلُّ هذا فَعول لا فاعلَ له (١٠).

стр. 218

الثالثة عشرة: استدلَّ (١) المالكية - رحمهم الله تعالى - بلفظة (الطَّهور) على مسألة الماء المستعمل، من حيثُ إن صيغةَ (فَعول) تقتضي التكرارَ؛ كالقَطُوع للسيف، والضَّرُوب للرجل، والشَّكُور للشاكر (٢)، وأشباهِ ذلك، فيقتضي ذلك تكرارَ التطهرِ بهِ، فيدخل فيه الماءُ المستعملُ (٣). وقيل - أيضًا - في الاستدلال بالآية: إنه جعلَ الماء مُطهّراً، ولم يُفرّق بين أن يُستَعملَ، وبين أن لا يستعمل، فوجب أن تُثبَتَ له هذه الصفةُ ما دام ماء، وهذا يجيء مثلُه في لفظ الحديث، وهذا بعدَ تقرير المسألة السابقة في اقتضاء المبالغة. وأجاب القاضي أبو الطيب رحمه الله تعالى: بأنه أراد أنه معدّ للطهارة، كما تقول: سَحور وفَطور (٤)؛ لأنه مُعدّ للإفطار والتسحُّر، والدليل على ذلك أنه سماه طَهوراً قبل وجودِ التطهر به. قال: وجوابٌ آخر: [أنَّ] (٥) الماء يتكرَّرُ الفعلُ في كل جزء منه، فهو يتكرر في جنسه.

стр. 219

قال: وجواب آخر: أنَّ الماءَ المستعمل إذا جُمعَ حتى بلغ قلتين، جاز (١) التوضُّؤُ به، ويؤخَذُ تَكرارُ الفعل [فيه] (٢) منه. وأقول: أمَّا الوجهُ الأول: فكأنه ترجيح لحمله على أحد المعنيين، وهو آلة بدليل تسميته طهوراً قبل التطهر [به] (٣)، وقد يُعترَضُ عليه: بأنَّ حملَه على وقوع الفعل به، لا يمنع من إطلاق لفظ المبالغة عليه، كما في قولنا: سيفٌ قَطُوع - وإن لم يُقطَع به - اعتباراً بتهيئته (٤) وإعداده للتكرار. وأما الوجه الثاني: فهو بالنسبة إلى الاستدلال بالآية أقربُ من لفظ الحديث، وذلك أن لفظَ الحديث من حيثُ إنه اسمُ جنسٍ مضاف، ويقع على قليله اسمُ كثيرِه وبالعكس، فيقتضي (٥) أن يضافَ الحكم بالطهورية إلى كل ما يسمى ماء البحر، وألفاظُ العموم كلية؛ أي: يثبت الحكم في كل فرد من أفراد العام، فيقتضي ذلك أن يكونَ كلُّ جزء مما ينطلق عليه اسمُ ماءِ البحر، يُحكَمُ له بالطهورية؛ فإذا سُلّم للخصم (٦) اقتضاءُ الصيغة للتكرار، لزم ذلك في كل جزء، [وقد يمكن بهذه المادة أن يُعترَضَ على الوجه الثالث] (٧).

стр. 220

فإن قلتَ: فهل يمكن أن يُجابَ عن التكرار بوجه آخر، وهو أن يقال: إن الماء يتردَّدُ على العضو، فبملاقاته أولَ (١) جزء يطهره، ثم ينتقل إلى الجزء الثاني من البدن فيطهره، فيحصل تكرار التطهير بالجزء المعين من الماء، بخلاف الوجه الذي ذكره القاضي، فإنه لا يقتضي حصولَ التكرارِ بالنسبة إلى جزء معين، وإنما يقتضيه بالنسبة إلى الجنس؟ قلتُ: فيه بحثٌ؛ لأنَّ لِقائلِ أن يقول: أحدُ الأمرين لازمٌ، وهو إما عدم التكرار المدعَى، أو ثبوتُ حكم الاستعمال قبل انفصال الماء عن العضو، والثاني منتفٍ، فيلزم الأول. بيانُ لزومِ أحد الأمرين: أن ثبوت الأول - وهو عدم ثبوت تكرار (٢) الطهورية المدَّعى (٣) بالماء إذا لاقى الجزء من البدن وانفصل عنه إلى الجزء الثاني - فإما أنْ يقالَ بحصول الطهارة للجزء الأول، أو لا؟ فإن كان الأول، لم يلزمْ أن يتوقفَ حكمُ الاستعمال على انفصال الماء عن العضو؛ لأن من لوازم حصول الطهارة ارتفاعَ الحدث، أو هو [هو] (٤)، ومن لوازم ذلك ثبوت حكم الاستعمال قبل الانفصال عن العضو؛ لأن في الاستعمال [أداءَ فرضِ الطهارة،

стр. 221

وانتقال المانع] (١)، وقد حصلا على هذا التقدير، والأصل استِعْقَابُ العلةِ المعلولَ. وإن كان لم يحصلِ التطهيرُ (٢) بالجزء المُلاقي أولاً، فلا تكرارَ بالنسبة إلى الجزء الثاني. وأما أن الثاني مُنتفٍ - وهو عدمُ توقف حكمِ الاستعمال على الانفصال - فبالاتفاق (٣). ويُعترَض على هذا بأنْ يقال: لا نُسلِّم أنه إذا حصلت طهارةُ الجزء الأول، يلزم ثبوتُ حكم الاستعمال بالنسبة إلى الجزء الثاني. قوله: لأن ثبوت حكم الاستعمال من لوازم التطهير (٤) وارتفاع الحدث: قلنا: لا يمتنع أن يكونَ اللزومُ موقوفاً على شرطٍ وهو الانفصال، فبوجود الشرط يحصلُ الحكمُ، وقبله لا يحصل، فيحصل تكرار التطهير من غير ثبوت حكم الاستعمال؛ لتوقف ثبوت ذلك الحكم على شرطٍ [لم] (٥) يُوجَدْ عند ثبوت التطهيرِ؛ لمرور الماء على العضو. وللبحثِ بعدَ ذلك مجالٌ، والمقصودُ هاهنا التنبيهُ على مآخذِ النظر.

стр. 222

الرابعة عشرة: الحنفيةُ يستدلون بكون الماء مطهراً وطَهوراً على أنه لا تُشترَط النيةُ في الوُضوء، وحملوا على ذلك من الاستدلال قولَه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، نصٌّ على كون الماء مُطَهراً، ولو توقفتِ الطهارةُ على النية، لم يكنْ مجردُ الماءِ مطهراً، قال بعضُهم: وهو التمسك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. ولفظةُ الطَّهور موجودة في الحديث، [فالذي قيل في لفظِ الآية يقال في الحديث] (١) (٢). وهذا استدلالٌ من اللفظ بما لا يظهر أنه المقصودُ منه، وسيأتي في هذا قاعدةٌ من حيثُ إن المقصودَ من هذا اللفظ إثباتُ أنَّ الماءَ من شأنه التطهير، أما أنه هل يكفي ذلك في التطهير، أو هل يُشترَط فيه الشرطُ المعيَّن؟ فممَّا (٣) لا يظهر كونُه مقصوداً، فإن تبيَّن [بذلك] (٤) اشتراطُ أمر آخر كان راجحًا عليه، وسيأتي أنه لا يُشترَط في معارضة ما لا يُقصَد بالعموم من القوة، ما يشترط في معارضة ما يُقصد بالعموم، وعلى كل حالٍ، فهذا الاستدلالُ أقربُ من مسائلَ تأتي.

стр. 223

الخامسة عشرة: يدلُّ على جواز التطهير (١) بماء البحر، وهو المقصودُ بالذات من الحديث، وعنه وقع (٢) السؤالُ، وذلك هو مذهبُ الجمهورِ من الأئمة، وعليه فقهاءُ الأمصار. قال الحافظ أبو بكر بن المنذر: وممن روينا عنه أنه قال (٣): ماء البحرِ طهور، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وبه قال عطاءٌ، وطاوسُ، والحسنُ البصري، ومالك، وأهلُ المدينة، وسفيانُ الثوري، وأهلُ الكوفة، والأوزاعي، وأهلُ الشام، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو (٤) عبيد، وبه نقول. ثم قال: وقد روينا عن ابن عمر أنه قال في الوضوء بماء البحر: التيممُّ أحبُّ إليَّ منه (٥). وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يُجزئ من الوضوءِ ولا من الجنابة، والتيممُ أعجبُ (٦) إليَّ منه (٧).

стр. 224

وعن ابن المسيِّب أنه قال: إذا أُلجئتَ إليه فتوضَّأْ منه (١). فيحصل من هذا المقول (٢) ثلاثةُ مذاهبَ: الطهوريةُ مطلقاً، ومقابلُه، والوضوءُ به عند الاضطرار. فأما الأول: فقد ذكرنا دلالةَ الحديث عليه، وفيما مضى إشارة إلى وجه الدليل، وهو وجوب كون الجواب عن السؤال (٣) مفيداً للحكم المسؤول عنه، وإلا لم يكن جوابا. وما وقع في كلام بعض فضلاء الأصوليين: أن الجوابَ يجب أن يكون مطابقًا للسؤال (٤)، إنما يريد ما ذكرناه من تناوله لمحل السؤال، ولا يريد المطابقة، بمعنى عدم الزيادة والنقصان. وأما القول الثاني: المحكي عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ﵁: فإن القاضي أبا الوليد الباجي حكى عن القاضي أبي الحسن، أنه أنكر أن يكونَ ذلك قولاً لأحدهما (٥). وقريبا (٦) منه ما قاله الحافظُ أبو عمرَ بنِ عبد البرِّ، فإنه قال: وجاء عن عبد الله ابن عمرو وعبد الله بن عمر كراهيةُ (٧) الوضوء بماء البحر،

стр. 225

ولا يصحُّ (١) عنهما، وعامةُ العلماءِ على خلافه (٢). قلتُ: وفي هذين القولين نظر؛ أعني: قول القاضي أبي الحسن وابن عبد البر، والذي ذُكِرَ في علة هذا القول، أنه "نار في نارٍ"، وأسندوه حديثا، وأُجيبَ عنه بوجهين: أحدهما: [أنه] (٣) أراد بقوله: "البحرُ نار في نارٍ" أن البِحارَ تصير يومَ القيامة ناراً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور: ٦]، فوصفه بما يؤول إليه حالُه، وذلك من مذاهب العرب جائز. والثاني: [أنه] (٤) أراد أن البحرَ في إهلاكه لراكبه، كالنار في الصفة، ولهذا يقال: السلطان نار؛ أي: فعلُه فعلٌ يُهْلِكُ كفعل النار (٥). وأما القول [الثالث] المحكي عن سعيد: فإنه [إن] (٦) صحَّ حملُه على عدم التطهر به إلا عند الضرورة، فقد أشار بعضُهم إلى تعلّقه بهذا الحديث، بناء على أحد القولين في مسألة أصولية في العام الوارد على سبب، فنذكرها، ونذكر ما أشار إليه.

стр. 226

السادسة عشرة: استُدِلَّ به على أن الماءَ المتغيّرَ بقَراره طهور، بناءً على أن الأصلَ في ماء البحر العُذُوبةُ، وتغيره بسبب مروره على أجزاء سَبِخَةٍ مالحة، وهذا الاستدلالُ يتوقف على إثبات هذه المقدمة؛ أعني: أن الأصلَ فيه العذوبة، وتغيُّرَهُ باعتبار المرور، وقد ذُكِرَ ذلك عن غيرِ واحد من الفضلاء، ولكنه أمرٌ لابُدَّ من إثباته بدليل يدل عليه، إذا نُوزعَ فيه. السابعة عشرة: هذا الحديث مذكور في علم الأصول في مسألة العام الوارد على سبب، حيثُ قالوا: إن الجوابَ إذا كان مستقلاً عن السؤال، عامًا في لفظه (١)، لا يتقيد بسببه، من حيثُ إن العمومَ إنما يخصصه ما يناقضُ عمومَه، وليس في ورود العام (٢) على سبب خاص ما يناقض عمومَه، وذكروا اختلافَ (٣) الشافعي ﵁ في هذه المسألة (٤). وإنما ننبه فيها [على] (٥) شيء رأيتُ بعضَهم يغلَطُ بسببه؛ وذلك أن السؤالَ والجوابَ قد يكون اتساقُهما وسياقُهما مقتضيًا (٦)

стр. 227

للتخصيص، وقد لا يكون، فإن كان الأولُ اقتضى ذلك التخصيصَ؛ لأن السياقَ مبيِّنٌ للمجمَلات، مرجِّح لبعض المحتمَلات، مؤكِّد للواضحات، وإن كان الثاني: فهي المسألة الخلافية. فقد يجيء بعض الضَّعَفَة، فيرى السؤالَ والجوابَ حيثُ يقتضي السياقُ [التخصيصَ] (١)، فيحمله على المسألة الخلافية، ويرجحُ (٢) ما رجَّحه الجمهور من القول بالعموم، وهو عندنا غلط في مثل هذا المحل، فليتنبَّهْ له (٣). وقد أشار بعضُ فقهاء المالكية المتأخرين إلى تصحيح قول سعيد ابن المسيِّب: أنه إنما يتوضأ به إذا أُلجِئ إليه، من هذا الحديث؛ لأنه ورد جواباً عن قوله: "إنْ (٤) توضَأْنا به عَطشْنا"، وأجابَ: بأن حمله على المسألة الأصولية المرجح [في ذلك] (٥) عند الأكثرين القول بالعموم (٦)، وقال: إنَّما يلزمُ ذلك الشافعيَّ الذي يختار تخصيصَ العامِّ بسببه. الثامنة عشرة: في قاعدة يُبتنىَ عليها ما لا يُحصى من المباحث

стр. 228

المتعلقة بهذا الحديث وغيره، [و] (١) نذكرها هنا بما فيها وعليها، ليُستغنَى (٢) عن إعادتها فيما يأتى إن شاء الله تعالى، فنقول: المتأخرون يقولون - أو من قال منهم -: إن اللفظَ العامَّ ينطلقُ باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات، وإن كان عاماً في الأشخاص، وقد يستعمل ذلك في دفع كثير من الاستدلالات بالألفاظ من الكتاب والسنة، فيؤْتَى إلى بعض الأحوال التي يُتَّفَقُ عليها بين الخصمين فيقال: إن اللفظَ مطلقٌ في الإجمال (٣)، وقد عملنا به في الصُّورة الفلانية (٤)، والمطلق يكفي في العمل به مرةً واحدة، فلا يلزم العملُ به في صورة النزاع (٥).

стр. 229

وأنا أقول: أمَّا كونُ اللفظِ العام في الأشخاص مطلقاً في الأحوال وغيرِها مما ذَكر، فصحيح، وأما الطريقة المذكورة في الاستدلال [فنقول فيها] (١): إذا (٢) لزم من العمل بالمطلق في صورة دونَ غيرها عَوْدُ التخصيص إلى صيغة العموم، وجبَ القولُ بالعموم في تلك الأحوال، لا من حيثُ إنَّ المطلقَ عامٌ باعتبار الاستغراق، بل من حيث إنَّ المحافظةَ على صيغة العموم في الأشخاص واجبةٌ (٣)، فإذا وُجِدَت صورة، وانطلق عليها الاسم، من غير أن يثبتَ فيها الحكمُ، كان ذلك مناقضًا (٤) للعموم في الأشخاص. فالقولُ بالعموم في مثل هذا، من حيث وجوبُ الوفاء بمقتضى الصيغة العامة، لا من حيث إنَّ المطلقَ عامّ عموما استغراقيا. وأما قولهم: إن المطلق يكفي في العمل به مرةً [واحدة] (٥)، فنقول: يُكتفَى فيه بالمرة فعلاً أو حَمْلاً؟ الأول مسلَّمٌ، والثاني ممنوعٌ. وبيان ذلك: أنَّ المطلقَ إذا فُعِل مقتضاه مرةً، ووُجِدت الصورةُ الجزئية التي يدخل تحتها الكليّ المطلق، كفى ذلك في العمل به، كما إذا قال (٦): أعتقْ رقبة، ففَعل ذلك مرةً، لا يلزمه إعتاقُ رقبةٍ أخرى؟

стр. 230

لحصول الوفاء بمقتضى الأمر من غير اقتضاءِ اللفظِ العمومَ. وكذا إذا قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنت طالق، فدخلتْ مرةً وحنث، لا يحنَثُ بدخولها ثانيا؛ لوجود مقتضى اللفظِ فعلًا من غير اقتضاء [اللفظِ للعموم] (١). أما إذا عمل به مرةً حَمْلاً؛ أي: في صورة من صور المُطْلق، لا يلزمُ التقييد بها، فلا يكون وفاء بالإطلاق؛ لأن مقتضى تقييد الإطلاق بالصورة المعينة حَمْلاً، أن لا يحصلَ الاكتفاءُ بغيرها، وذلك يناقضُ الإطلاقَ. مثاله: إذا قال (٢): أعتقْ رقبةً، فإنَّ مقتضى الإطلاق [أنْ] (٣) يحصلَ الإجزاء بكل ما يُسمَّى رقبةً؛ لوجود المطلَقِ في كل مُعتَق من الرّقاب، وذلك يقتضي الإجزاءَ به، فإذا خصَّصنا الحكمَ بالرقبة المؤمنة، منعنا إجزاءَ الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق لها، فالذي فعلناه خلافَ مقتضاه. فتنبَّه لهذه المواضع التي تَرِدُ عليك من ألفاظ الكتاب والسنة، إذا كان الإطلاق في الأحوال أو غيرها، مما يقتضي الحملَ على البعض فيه عَوْدُ التخصيص إلى محلّ العموم - وهي الأشخاص -، أو مخالفةً لمقتضى الإطلاق عند الحمل، فالحكمُ [بالتخصيص أو التقييد مع

стр. 231

وجوبِ الوفاء بمقتضى العموم أو الإطلاق، لا يكون إلا لدليل مُنفصِل] (١). أما إذا كان الإطلاقُ في صورة لا تقتضي مخالفةَ صيغة العموم، ولا ينافي مُقتضَى الإطلاقِ، فالكلامُ صحيحٌ. ويتصدَّى النظرُ بعدَ القول بالعموم بالنسبة إلى ما ذكرناه في أمر آخرَ، وهو أن ينظُرَ إلى المعنى المقصود بالعموم، فإن اقتضى إخراجَ بعض الصور، وعدمَ الجري على ظاهر العموم، وجب أن ينظرَ في قاعدة سنذكرها قريبا، وهي: أن اللفظَ العام إذا قُصِدَ به معنىً، فهل يُحتَجُّ به فيما لم يُقصَد [به] (٢)، أم لا؟ فإن قلنا بالأول، فلا حاجةَ بنا بعدَ العمل بمقتضى الصيغة إلى النظر في هذه القاعدةِ، وإن قلنا بالثاني، احتجنا إلى النظرِ في هذه القاعدة الثانية بعدَ الوفاء بمقتضى صيغة العموم. والقولُ بأنَّ الوفاءَ بمقتضاها واجبٌ، [فهذا ما] (٣) عندي في هذا الموضع. والذي يُؤكّده ويزيدُه إيضاحاً: أن اللفظَ إذا كان مطلقًا في هذه الأحوال، ولم يلزمْ منه العملُ بمقتضى العموم، يلزم أن لا يصحَّ

стр. 232

التمسكُ بشيء من العمومات أو أكثرِها، إذْ ما من عالم إلا وله أحوالٌ متعددة بالنسبة إلى الذوات التي يتعلَّقُ بها العمومُ، فإذا اكتفينا في العمل بحالة من الحالات، تعذَّرَ الاستدلالُ به على غيرها، وهذا خلافُ ما دَرَج عليه الناس، و - أيضاً -: فإن الأصوليين يعتمدون في إثبات العموم على (حُسن اللَّوْم) فيمن خالف مقتضى العموم. ولو قلنا بهذا القول: لزم أن يكون السيدُ إذا قال لعبده: من دخل الدار فأعطه درهمًا، فدخل الدار أقوامٌ لا يُحصَون فلم يعطهم شيئًا: أن لا يتوجَّهَ اللومُ على العبد؛ لأن له أن يقول: لفظُك عامٌّ في الذوات، مطلقٌ بالنسبة إلى الأحوال والأزمان، فأنا أعمل بلفظك فيمن دخل من الطِّوال، ولا أعمل به في غيرهم، أو فيمن دخل آخرَ النهار، أو آخرَ العمر، وأكونُ قد عملت بمقتضى اللفظ، لكنَّ ذلك سببُ اللومِ جزماً. التاسعة عشرة: اللفظُ العامُّ وضعاً، تارةً يظهر فيه قصدُ التعميم وتأسيسُ القواعد، فلا إشكالَ في العمل بمقتضى عمومه، وتارةً يظهر فيه أنه قُصِد به معنى غيرُ عام، فهل يُتمسَّك بعمومه؛ لأن القصدَ إلى بيان معنى لا ينافيه تناولُ اللفظَ لغير ما قُصِدَ، فلا تتعارض إرادتُهما معاً؟ أو يقال: إن الكلامَ في غير المقصود منه مُجَملٌ يُبيَّن من جهةٍ أخرى؟ هذا ما تكلم فيه أهل الأصول (١)، ومُثِّل بقوله ﷺ : "فيما سَقَتِ

стр. 233

السَّمَاءُ العُشْرُ" الحديث (١)، فإن اللفظَ عامّ في القليل والكثير، لكنْ ظهرَ أن المقصودَ منه بيانُ القَدْر (٢) المُخرَجِ، لا بيانُ القدر المُخرَجِ منه، ويؤخَذُ ذلك من قوله ﷺ : "فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقةٌ" (٣). والتحقيقُ عندي: أنَّ دَلالته على ما لم يُقصَدْ به أضعفُ من دَلالتِه على ما قُصِد به، ومراتبُ الضعف متفاوتةٌ، والدَّلالةُ (٤) على تخصيصِ وتعيينِ المقصود مأخوذة (٥) من قرائنَ، قد تَضعُف تلك القرينة عن دلالة اللفظ على العموم وقد تَقوَى، والمرجعُ في ذلك إلى ما يجده الناظرُ بحسَب لفظٍ لفظٍ. وإنما قدمتُ هذا؛ لأني سأذكر وجوهًا من الاستنباط يظهر في بعضها أنه بعيدٌ عن المقصود بأصل الحديث، فنبهت على كلام الأصوليين، وأنه غيرُ خارج عن مذهب بعضهم، وكذلك - أيضاً - استدل الفقهاء والخلافيون في مسائلَ كثيرةٍ بمثل هذا العموم فيما لا يُقصَد باللفظ، فهو غير خارج عن استدلالاتهم.

стр. 234

ومن فوائد هذه القاعدة: أنَّ ما كان غير مقصود يُخرَج عنه بدليل (١) قريبِ الحال لا يكونُ في مرتبة الذي يُخرج به عن العموم المقصود (٢). ومراتبُ الضعف كما قدمناه (٣) فيما لم يُقصد من اللفظ متفاوتةٌ، ومِنْ بعيدِها ما كان في حُكمِ الطوارئ والعوارض التي لا يكادُ يستحضرُها مَنْ تجوزُ عليه الغفلةُ عنها. ولصيغةِ العموم مرتبةٌ أخرى: وهي أن لا يظهرَ قصدُ الخصوص ولا قصدُ العموم، ولذلك حكمٌ يتعلَّق بالتخصيص بالقياس، سنذكره إن شاء الله تعالى. وقد عقد القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي (٤) بابًا في (٥) وقف العموم على المقصود، قال: وقد اختلف أصحابُنا في ذلك، فذهب متقدِّموهم إلى وجوب وقف العموم على ما قُصِد به، وأنه لا يُتعدَّى به إلى غيره ممَّا لم يُقصَدْ به إلا بدليل (٦)، وإن كان إطلاق

стр. 235

الصيغةِ يقتضيه، وذهب إلى هذا بعضُ أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى -؛ منهم أبو بكر القَفَّال، وغيره. قال: وذهب أكثرُ متأخري أصحابِنا إلى منع الوقف فيه، ووجوبِ إجرائه على مُوجِب اللغة. قلتُ: ومثّلَ القاضي صورةَ المسألة بأنْ يُستدَلَّ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] على إباحة نوع مُختلَفٍ في جواز أكله، أو شرب بعضِ ما يُختلَف في شربه، وقد عُلِمَ منه أنَّ الأكل والجماع في ليلة الصوم لا يَحرُمُ بعدَ النوم (١). ثم مثَّلَ بقوله (٢) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، على وجوب الزكاة في [قدر] (٤) مُختلَف فيه، أو نوع مُختلَف (٣) في تَعلُّق [قدر] (٤) الزكاة به. وكذلك التعلق بالخطاب الخارجِ على المدح والذم (٥)، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]

стр. 236

في جواز الجمع بين الأختينِ في الوَطء بمِلْك اليمين، وما أشبه ذلك. العشرون: إضافةُ الماءِ إلى البحر لا يُشتَرَطُ في صحتها أن تكونَ في المَقَرّ؛ لأنه يَنطلِقُ عليه ماءُ البحر، وإن أُخِذَ منه كما هو في العُرْف، فيمكنُ أن يُستدَلَّ بذلك على مسائلَ بعدَ نقله عن ماء البحر، إلا أنه قد يُضْعِفُ الدَّلالةَ في بعضها؛ لكون (١) ذلك من الأحوال الطارئة التي لم تُقصَدْ، [كما مرَّ ويأتي] (٢)، والله تعالى أعلم. الحادية والعشرون: دَلالةُ اللفظ على الشيء نسبة بينَهُ وبين [المدلول] (٣)، فإذا ثبتت تلك النسبةُ، فليس من شرط ثبوتها ألَّا تكونَ (٤) مُعَارَضةً بما هو أقوى منها، والذي نحن نقصده أن تكونَ الدَّلالةُ صحيحة، وعلى مُدعي المعارضةِ إقامةُ الدليل على رجحانها، فإذا أقامه ثَبَتَ ما يدَّعيه، ولا يناقضُ ذلك دلالةَ اللفظ على خلاف ما يدعيه؛ لأن دلالة اللفظ إما صفة راجعةٌ إليه، وإما فهمُ السامعِ للمعنى (٥) عند سماع اللفظ إذا كان عالماً بالوضع، وكلاهما يثبت، وإن كان ثَمَّ معارِضٌ راجح. وكثيراً ما يقول الطلبة: هذا لا يَدُلُّ، ويُبْدُون مُعارِضاً أو (٦)

стр. 237

احتمالاً مرجوحًا، وهو غلط إلا إذا كان الترددُ والاحتمالُ (١) فيما يَرجعُ إلى دلالة اللفظ على المعنى المُدعَّى من غير ترجيح، وهو (٢) صحيح. الثانية والعشرون: ترتَّبَ على ما قدَّمناه من هذه القواعد الثلاث (٣) الاستدلالُ على غير ما مسألة من مسائل المياه، وقد يكون مُتفَقاً على طهوريتها والخلافُ في الكراهية (٤)، والاستدلالُ على طهوريتها يكون صحيحاً؛ إذ (٥) بيَّنا أنه ليس من شرط ما يُستنبَط من الحديث أن [لا] يكون مختلفا فيه، ولا أيضاً من شرطِهِ أن لا يدلَّ عليه نص آخر. وأما عدمُ كراهيتها (٦) بعدَ ثبوتِ طهوريتها، فيثبتُ بناءً على مقدمة أخرى، وهو (٧) الأصلُ، وعلى مدعي أمرٍ زائد بيانُه، ويمكن أن يكونَ من هذا الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة لم تغيِّرْه، وسنذكر غيرَ ذلك إن شاء الله تعالى. الثالثة والعشرون: اختلف قولُ الشافعي ﵁ في وجوب

стр. 238

التباعد عن النجاسة الجامدة في الماء الكثير، وجديدُ قوليه وجوبُه، والفتوى عند أصحابه على القديم (١)، فيمكن أن يُستدَلَّ بالحديث على صحة القول بعدم الوجوبِ؛ لاندراجه تحتَ العموم في ماء البحر المحكومِ بطهوريته. الرابعة والعشرون: حَرِيمُ النجاسة، وهو ما يُنسَبُ إليها بتحريكه إياها، وانعطافه عليها، و (٢) التفافه عليها، في وجوب اجتنابه في الماء الراكد وجهٌ للشافعية رحمهم الله تعالى (٣)، ويمكنُ أن يستدلَّ لعدم الوجوب بالحديث. الخامسة والعشرون: ذكر بعضُ المباحثين المتعلِّقين بعلم المعقول ما تحصيله (٤) وتقرير (٥) معناه: الفرق بين مطلق الماء والماء المطلق، فالحكمُ المعلَّق بمطلق الماء يترتَّب على حصول (٦) الحقيقة من غير قيد، والمُرتَّب على الماء المطلق مُرتَّبٌ على الحقيقة بقيد

стр. 239

الإطلاق، والإطلاقُ بالتفسير الفقهي قيدٌ من القيود اللَّاحقةِ بالحقيقة، ولا يلزَمُ من حصول الحكم على مطلق الحقيقة توقُّفُهُ على الحقيقة المقيدة، وهذا معنى صحيحٌ، إلا أن الفقهاءَ يرَوْن أنَّ الأمرَ المرتَّبَ على الماء يقتضي العُرفُ أن يكون مرتبًا عليه بوصف الإطلاق، بدليل أنه لو قال لعبده أو لوكيله: ائتني بماء، فأتاه بماء ليس بمطلق بالتفسير الفقهي، لم يعدَّ ممتثلًا، فيكون أَخْذُ هذا القيد من أمر عرفي في إطلاق الاستعمال لا من تعليق الحكم بمطلق الماء، ولعلَّ ذلك يتأيَّدُ بحصول الإجماع على عدم الحكم في بعض المواضع بِحصول مطلَقِ الماء في المنُتقِل إلى اسمٍ آخرَ كالمرقةِ والحِبْرِ (١). السادسة والعشرون: مَن يجوِّز الطهور بالماء المتغيِّر بما يُستغنى عنه، وتمسك بحصول مطلق الماء فيه، ورأى أنَّ الحكمَ إنما تعلق (٢) به، أمكنه أن يستدِلَّ بالحديث على هذه المسألة، والله أعلم. السابعة والعشرون: ذُكر في فوائده (٣): الزيادة في الجواب عن السؤال. قال القاضي أبو بكر بن العربي: قولُه: "الحِلُّ ميتتُهُ" زيادةٌ عن

стр. 240

الجواب، وذلك من محاسن الفتوى؛ بأنْ يأتيَ بأكثرَ مما يُسأَل عنه تتميماً للفائدة، وإفادة لعلمٍ آخر غيرِ المسؤول عنه (١). وقد يُؤكّد هذا بظهور (٢) الحاجة إلى هذا الحكم؛ لأنَّ من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحلّ ميتته - مع ما تقدم من تحريم الميتة - أكثرُ توقُّفاً، فالسؤالُ عن الحكم الأول يُظهِرُ الحاجةَ إلى معرفة الحكم الثاني. الثامنة والعشرون: هذا الحديث مذكورٌ في الأصول في مسألة (الخطاب الوارد جواباً لسؤال سائل) حيثُ قُسِّمَ إلى ما لا يَستَقِلُّ بنفسه، وإلى ما يستقل، وقُسِّمَ المسُتقِلُّ إلى ما يكون مساويا للسؤال وأعمَّ وأخصَّ، وقُسِّم الأعمُّ إلى أعم في ذلك الحكم وغيره، وإلى أعم من السؤال في غير ذلك الحكم، ومُثِّلَ (٣) العامُّ في غير ذلك الحكم بما ورد في هذا الحديث من قوله ﵇: "هُوَ الطهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". وقيل: لا خلافَ في العموم في "حِلِّ ميتته"؛ لأنه عام مبتدأ (٤) لا في معرض الجواب، إذْ هو غيرُ مسؤول عنه، ووردَ مبتدأً بطريق

стр. 241

الاستقلال، فلا خلافَ في عمومه عند القائلين [بالعموم] (١) (٢). وهاهنا تنبيه، وهو: أن وحدةَ اللفظِ العامِّ بالنسبة إلى مواردها المتعددة معتبرةٌ فيها لا في غيرها، فلو (٣) ادُّعي أن المراد بالعموم هاهنا جواز الوضوء وحل الميتة لم يصح، ولفظ الحديث [هاهنا] (٤) بالنسبة إلى طهورية الماء وحلِّ الميتة ليس عامًا بالنسبة إليهما، بل هما لفظان، كلُّ واحدِ منها منفردٌ عن الآخر، نعم كلّ واحد منهما عامُّ فيما يتناوله. وقال بعضُ المتأخرين: إنه ليس هاهنا لفظٌ مفرد (٥) [هو] (٦) أعمُّ من ماء البحر، بل مجموع اللفظين: الماءِ والميتةِ هو الأعمّ (٧) من السؤال، فالجواب أعمّ من السؤال. وأنت تعلم أنه مع تعدد اللفظ لا يحصل العمومُ الاصطلاحي، بل حاصله أن الأحكامَ المستفادةَ من الجوابِ [المتعددِ لفظُه أكثرُ من الأحكام المستفادة من الجواب] (٨) المختصّ بما وقعَ عنه السؤالُ،

стр. 242

وذلك لا يقتضي لفظًا واحدًا يعمُّ ما وقع [فيه] (١) وغيرَهُ من جهة واحدة، نعم إن قيل: [إنَّ] (٢) السؤال وقع عن الوضوء، وكون مائه طهورًا يفيد الوضوءَ وغيره، فهو أعم من السؤال [عنه] (٣) فلذلك وجه، إلا أن الذي حكيناه يدل على قصد من قال ذلك، إذ (٤) بعضُهم [يدعي] (٥) العمومَ بالنسبة إلى الطهورية [وحل الميتة] (٦). التاسعة والعشرون: لفظُ الميتةِ هاهنا مضافٌ إلى البحر، ولا يجوزُ أن يُحمَلَ على مطلق ما تجوزُ إضافتُهُ إليه مما يطلَقُ عليه اسمُ الميتةِ، وإن كانت الإضافةُ سائغة في ذلك بحكم اللغة، وإنما هو محمولٌ على الميتة من دوابه المنسوبة إليه، أو ما يؤدي هذا المعنى، ومن البعيد أن يقال بحمله على المعنى الأول، وما يصحُّ في اللغة الإضافة إليه؛ أعني: إضافة الميتة، ويُخرَجُ من ذلك ما يجب إخراجه، وهذا مما يُبيِّنُ لك ضعفَ دَلالةِ العموم فيما لا يُقصَدُ باللفظِ الدَّلالةُ عليه (٧). وعلى هذا مَنْ أراد الاستدلالَ على حل ميتته من دوابه، وحملَ اللفظ العام في الميتة على الدواب المنسوبة إليه كما أوضحناه (٨)،

стр. 243

يهون (١) عليه هذا المطلوب في الاستدلال على ما يريد الاستدلالَ على حِلِّه؛ لأن إثباتَ كونه من ميتته يستندُ إلى المشاهدة. الثلاثون: اختلفَ (٢) المالكيةُ في أنَّ ما تطول حياتُه في البر كالسَّرطان والضِّفْدِع والسُّلَحفاة، هل يُلحَقُ بالبحري في عدم حاجته (٣) للذكاة أو لا؟ والمشهورُ إلحاقُهُ، وهذا يرجع إلى ما نبَّهنا عليه مِنْ أَنَّ مَنْ أراد إثباتَ الحكم في حيوانٍ، فعليه بيانُ أنَّه من دواب البحر بعدَ تقرير أنَّ المعنيَّ بالميتة ميتة دوابه، لا مطلق الميتة مما يمكنُ أن يُضافَ إليه، والظاهرُ أن هذه الأشياءَ لا يُخرِجها عن كونها بحريةً طولُ حياتِها في البر بعدَ أن تكون منسوبةً إلى البحر، وهذا يجرُّك إلى النظر في معنى دوابِّ البحر، فالمنقولُ عن ابن (٤) القاسم صاحبِ مالك - رحمهما الله تعالى -: أنَّ ما كان مأواه في الماء فإنه يؤكَلُ بغير (٥) ذكاة، وإن كان يرعى في البر، وما كان مأواه ومستقرُّه في البر، فإنه لا يؤكَلُ إلا بذكاة، ولو كان يعيش في الماء، [كالجاموس] (٦) (٧). وفي "المُدَوَّنةِ" في فرس البحر: يُؤكَلُ بغير ذكاة (٨).

стр. 244

وفي كتاب آخر: تُستحَّبُ ذكاته؛ لأنَّ له في البر رعياً (١). ولا خلافَ في أنَّ طيرَ الماء لا يؤكَلُ إلا بذكاة، والله أعلم. الحادية والثلاثون: اسمُ الجنس إذا أُضيفَ كان من صِيَغِ العموم، وبه يصحُّ استدلالُهم على إباحة السمك الطَّافي، والمشهورُ هذا الإطلاق في هذه المسألة. وجاء بعضُ المتأخرين (٢) وقسم المفردات إلى ما يصدق المفرد منها على الكثير نحو: ماء ومال ولحم ودم وذهب وفضة، فالكثيرُ يقال له: ماء ومال ولحم، وإن عَظُم ذلك الكثير، وإلى ما لا يصدق كرجل ودرهم ودينار، ولا يقال للجمع (٣) الكثير من الرجال: رجل، ولا للدراهم: درهم. وقد نصَّ العلماء على أنَّ الإضافة توجب العموم، فهل يُخَصُّ ذلك بما يصدق على الكثرة (٤) نحو: (مالي صدقة)؛ لأنَّه بصدقه على الكثير يقبل (٥) العمومَ؟ وما لا يقبل الكثرةَ، لا يقبلَ العموم كقولنا: (درهم زائف)، فإنا ندرك الفرقَ بينَ قولنا: (مالُه حرامٌ)، وبين قولنا: (درهمُه

стр. 245

زائفٌ)، فإن (١) الأولَ للعموم دونَ الثاني، وكذلك إذا قال: (عبدي حر)، لا يُفهَم [منه] (٢) العموم، وإذا قال: (عبيدي أحرار)، يُفهَم العموم من الجمع ولا يفهم من المفرد دون القسم الأول (٣)، فإنه يفهمه فهماً (٤)، فإذا قال: (مالي صدقة) عمَّ، كما إذا قال: (أموالي صدقة). ثم قال بعدَ ذلك: وكذلك أيضاً لا يفهم العموم من إضافة التثنية في شيء من الصور، وإنْ كان المفردُ يعمُّ أيضا، فإذا قال: (عبداي حران)، فإنما (٥) يتناول عبدين، كما إذا قال: (مالاي) لا يعم أموالَه (٦)، فالفهمُ ينبو عن العموم في التثنية جداً، بخلاف الجمعِ في الكل والمفردِ (٧) على التفصيل. وهذا الذي قاله قد أشارَ إليه الشيخُ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى إشارةً لطيفة حيث ذَكَرَ صيغ العموم، وذكر أسماءَ الشروط والاستفهام والموصولات والجموع المعرَّفَةِ تعريفَ جنس وما في معناها، واسمَ الجنس المعرَّفَ تعريفَ جنس، والمضاف ممَّا

стр. 246

يصلح للبعض والجمع، والنكرةَ في النفي (١). فقولُهُ: والمضاف مما يصلح للبعض والجمع: تقييدٌ [يقتضي] (٢) ما قدَّمنا حكايته (٣). وقد بنى على هذا أنَّ لفظة (٤) الميتة في الحديث لا تكونُ (٥) للعموم؛ لأنه ليس مما ينطلقُ على الكثير والقليل، فلا يقال لعدد من الميتات ميمّة، وهذا يخالف استدلالَ الناس بهذا العموم، وللنظر فيه فضلٌ (٦)، وقد يمنع أمتناع أنْ يقالَ للجميع (ميتة) باعتبارٍ ما، [وهو أعتبار الهشة الإجماعية.] (٧). الثانية والثلاثون: في قاعدةٍ يُبنَى عليها غيرُها: الحقائقُ إما أن لا ينطلىَّ لفظُ بعضِها على بعض، وهي المتباينة كالإنسان والفرس، أو ينطلقَ لفظُ كلّ واحد منهما على الآخر، وهي المتساوية كالإنسان مع الناطق، أو ينطلقَ أحدُهما على كل ما ينطلق عليه الآخرُ من غير عكس من الطرف الآخر، فالأولُ هو العام من كل وجه، والثاني الخاص، كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، فإنَّ الأولَ ينطلق على كل الثاني،

стр. 247

والثاني لا ينطلق على كل الأول، فالأول عام مطلقاً، والثاني خاص بالنسبة إلى الأول، أو ينطلقَ كلُّ واحدٍ منهما على بعض ما ينطلق عليه الآخر، فكلُّ واحد منهما عامٌّ بالنسبة إلى الآخر من وجه دونَ وجه كالحيوان والأبيض، فإن الحيوانَ ينطلق على بعض الأبيض، والأبيضُ ينطلق على بعض الحيوان (١). إذا ثبت هذا فنقول: إذا وردَ لفظان كلُّ واحد منهما عامٌّ من وجه وخاصٌّ من وجه؛ فالمسألةُ من مشكلات علم الأصول، واختار قوم [فيها] (٢) الوقفَ إلا بترجيحٍ يقوم على [العمل بأحد] (٣) اللفظين بالنسبة إلى الآخر، وكأنه يُراد الترجيحُ العام الذي لا يَخُصُّ مدلولَ العموم، كالترجيحِ بكثرة الرواة وسائرِ الأمور الخارجة (٤) عن مدلول العمومين من حيثُ هي عمومٌ (٥). وقال أبو الحسيَن في كتابه "المُعتمَد": وليس يخلو مثلُ هذين

стр. 248

العمومين، إما أن يُعلمَ تقدّمُ أحدِهما على الآخر، أو لا يُعلَمَ ذلك، فإن لم يعلَم ذلك، لم يخلُ إما أن يكونا معلومين، أو مظنونين، أو أحدُهما معلوماً والآخرُ مظنوناً (١)؛ لأنَّ الحكم بأحدهما طريقُهُ الاجتهادُ، وليس في ترجيح أحدِهما، أيّ: ما يقتضي اطِّراحَ الآخر، وليسَ كذلك إذا تعارضا في كلِّ وجه، فإن لم يترجَّحْ أحدُهما على الآخر، فالتعبد (٢) فيهما بالتخيير (٣) (٤). وقال الفاضلُ أبو سعد (٥) محمد بن يحيى - رحمه الله تعالى - (٦) فيما وجدتُهُ معلَّقاً عنه في العامَّين إذا تعارضا: كما يُخَصَّصُ هذا

стр. 249

بذاك لمعارضته، أمكنَ أن يخصَّصَ ذلك (١) بهذا، وليس أحداهما بأولى من الآخر، فمنظَرُ فيهما: إن دخل أحدَهما تخصيصٌ مُجْمَعٌ [عليه] (٢)، فهو أولى بالتخصيص، وكذلك إذا (٣) كان أحدُهما مقصوداً بالعموم، يُرجَّحُ على ما كان عمومُهُ اتفاقاً (٤). الثالثة والثلاثون: اختلفوا في أكلِ التّمْساح: فمنعه الشافعيُّ (٥)، وأباحه مالكٌ وأصحابُه (٦) (٧)، رحمة الله عليهم أجمعين، وهو إحدى المسائل التي تبنىَ على هذه القاعدة، وبيان ذلك: أنَّ قولَه: "الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" إذا جعلناه عامًّا - كما استدلَّ (٨) الناسُ به على العموم - دخل فيه التمساح، ويعارضه نهيُه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع (٩)، فهو عامّ بالنسبة إلى البري والبحري، فيدخل (١٠) فيه التمساح، فيكون

стр. 250

كلُّ واحد منهما عاماً من وجه، خاصاً من وجه، فيدخل تحت القاعدة، اللهمَّ إلا أن يدَّعيَ المالكيةُ انصرافَ لفظة (١) (السباع) إلى البري؛ لتبادر الفهم عند الإطلاق إليه، فعلى هذا لا يعارض كل واحد منهما الآخر من وجه، وإذا عورضوا بوجود الحقيقة في السَّبُعية، وثَبَتَ لهم العرفُ في الاستعمال، كان الاستعمالُ مقدَّما على الحقيقة اللغوية، وإن لم يثبت ذلك، فلابدَّ من ترجيح، فإن طُلِبَ الترجيحُ العامُّ الخارفيُّ عن مدلول اللفظين، فقد يرجِّحُ المالكيةُ عمومَ هذا الحديث بموافقة ظاهر قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. الرابعة والثلاثون: الحكمُ بحلّ ميتته يدلُّ على طهارتها، مع ضميمة مقدمة أخرى، وهي: أن النجسَ لا يحل أكلُه، بدليل نهيِهِ ﵇ بأن لا يُقرَب مائعُ السَّمنِ إذا وقعتْ فيه الفأرةُ (٢). الخامسة والثلاثون: اختلفوا في إباحة أكل السمك الطافي، والذي ذكره الحنفيةُ ﵏ كراهتَهُ، ومذهبُ الشافعي ومالك
следующие страницы →