بأنَّ الغسلَ والمسحَ من جنس واحد، وأنه قد يُسمَّى الغسلُ مسحًا، و [كان] (١) حاصلُ هذا منعَ [قطع] (٢) النظير عن النظيرِ في اللفظِ، أو إبداءَ قيدٍ في هذا اللفظ المذكور في الآيةِ يمنعُ إلحاقَها بالقاعدةِ المذكورة، وهو أنَّ الغسلَ والمسح من جنس واحد، والحكمُ لفظيٌّ، لا معنوي.
وليُتنبَّهْ؛ لأنَّ هذا الدليلَ لا يفيدُ المطلوبَ بنفسه، بل لا بدَّ من ضميمة مقدِّمةٍ إليه علَى طريقٍ جدلي، والطرقُ الجدلية تُستمدُّ من سعة الخيال، ودقة الوهم، ودُرْبة الاستعمال، والسيف فيها بضاربه لا بحدِّة مَضَارِبِه (٣)، وهي بمعزل عن الطريقِ التي تجبُ علَى المجتهدِ المحقِّقِ أنْ يسلكَهَا في إثبات الأحكام الشرعيَّة، ولذلك لا تجد شيئًا من هذه الجدليَّاتِ المتأخرة في شيء من كلام المتقدِّمين الذين رجعَ الناسُ إليهم في الأحكام.
وبعد تقرير هذه المقدِّمة على (٤) الطريق الجدلي، [و] (٥) قد يُعارَض بأمر جدلي، والمقدمة المذكورة هي: أنَّهُ لا قائل بالفرق؛ لأنَّ دلالةَ الدليل المذكورة قاصرةٌ علَى الترتيبِ بين غسل اليدين ومسح الرأس، وبين مسح الرأس وغسل الرجلين، ولا تدلُّ علَى الترتيبِ
стр. 1857
مُطلقًا كما هو المُدَّعَى، فيتبيَّنُ أنَّهُ يحتاج إلَى هذه المقدمة، وأنَّ الدليلَ المذكور لا يفي بالمطلوبِ بنفسه (١).
ومستندُ المجتهد يجبُ أنْ يكونَ منشأَ الحكم والموجبَ لفتواه، ولا يجوزُ أنْ يكونَ الدليلُ الخاصُّ مشأً للحكم العام، ولا موجبًا للفتوَى به.
والواجبُ علَى المجتهدِ أن لا يعلمَ مخالفةَ حكمِهِ للإجماع، [لا أنْ يعلمَ عدمَ مخالفتِهِ للإجماعِ] (٢)، وبينهما فرقٌ؛ لأنَّ المعنى الثاني يقتضي أنْ يعلمَ موافقةَ حكمه للإجماع، أو وقوعَ الخلاف، ولو كان هو الواجبُ لكانت الواقعةُ الحادثة للمجتهدين إذا لمْ يُعلمْ فيها تقدمُ إجماعٍ، ولا خلاف، أنْ يمتنعَ الحكمُ فيها عليهم مع وجود الدلائل الشرعية غيرِ الإجماع علَى الحكمِ، وهذا باطلٌ، فتعيَّنَ أنَّ المجتهدَ ينظر إلَى المستندِ الذي يبني (٣) عليه الحكم، ويعتبرُ شرائطَهَ، ومنها أن لا يخالف الإجماع في نفس الأمر.
وأما المعارضةُ الجدليَّةُ فهي أنْ يقال: لو ثبتَ ما ذكرتموه من دلالة التفريق بين النظير والنظير علَى وجوب الترتيب، لثبتَ عدمُ الدلالة علَى وجوب الترتيب في حق بعض الأعضاء؛ لعدم المُوجب فيه، ولو ثبت عدمُ الوجوب في بعض الأعضاء، لثبت في كلِّ الأعضاء بعينِ الإجماع الذي ذكرتموه؛ من أنَّهُ لا قائلَ بالفرقِ.
стр. 1858
ولئنْ (١) قالَ: ما ذكرتموه من الأصلِ السالمِ عن المعارضِ، وإن دلَّ علَى عدم الوجوب، لكنِ الإجماعُ علَى أنَّهُ لا يفترقُ (٢) حكمُ الأعضاء في الترتيبِ، يعارضُهُ، وينفي العملَ به.
قلنا: الإجماعُ قائمٌ في نفس [الأمر] (٣)، أو علَى تقدير ثبوت ما ذكرتموه من الدلالةِ؛ الأول (٤) مُسلَّم، ولا يفيدكم ثبوتُه علَى تقدير ما ذكرتموه، والثاني ممنوع؛ أعني: ثبوتَ ذلك الإجماع علَى تقدير ما ذكرتموه.
ثم (٥) لمْ ينقضِ الحديثُ، بل بتنازع الجدليات (٦) ملأه الحصرُ في الجدلِ، وَيحوزُ السبقَ أقواهما منه، وأشدُّهما محكًّا.
وقد استدلَّ بعضُ الناس علَى المسألةِ بما [جاء] (٧) في حديث عمرو بن عَبَسَةَ: "مَا مِنْكُمْ من أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ" إلَى أنْ قال (٨): "ثمَّ يغسِلُ وجهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ" (٩)، و (ثم): للترتيب.
стр. 1859
والاعتراضُ عليه أنْ يُقَال له: [أتدَّعي] (١) أنَّ (ثم) هاهُنا دالةٌ علَى الترتيبِ في الغسلِ بين الرِّجلين والرأس، لا أنها تدلُّ علَى أنَّ اللهَ أمرنا بالترتيبِ، أو تدلُّ علَى الترتيبِ في الغسلِ، وعلَى أمرِ اللهِ به بصيغة (ثم) هذه، أو تدعي أنَّهُ أمرَ به لا من جهةِ صيغة (ثم) هذه، إما بالإشارةِ إلَى القرآنِ في قوله ﵇: "كما أمره الله"، أو حكمٍ ثابت بالسنةِ غيرِ مأخوذ من (ثم) هذه؟
فهذه ثلاث احتمالات؛ فإنْ كَان المدَّعَى هو الأولُ لمْ يلزمْ وجوبُ الترتيب؛ لأنَّ الحديثَ إنما دلَّ علَى ترتيب ثوابٍ مخصوص علَى فعل مخصوص مرتَّبٍ، فلا يلزم من ذلك وجوبُ الترتيب؛ لأنَّ انتفاءَ الثواب المخصوص، الذي [هو] (٢) خرورُ الخطايا، علَى تقدير عدم الترتيب، لا يلزمُ منه انتفاءُ أصل الإجزاء.
وإنْ كَان المدَّعَى دلالةَ (ثم) هذه علَى [أنَّ] (٣) اللهَ أمر بالترتيبِ بها، وحرف العطف يقتضي التشريكَ بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوفُ هاهُنا هو غسل الرجلين مقيَّدًا؛ إما بالصفةِ، أو الحاليَّة؛ [أعني قوله: "كما أمره اللهُ تعالَى"] (٤)، فصار ذلك داخلًا في المعطوفِ، فيكون في دلالة (ثم) هذه عليه تفاوتًا في الرتبةِ بالنسبة (٥)
стр. 1860
إلَى التقديمِ والتأخير تفاوتَ ما بين الدليلِ والمدلولِ، والمتقدِّمُ والمتأخرُ لا يكونان معًا.
الثانية والسبعون: الحديثُ كما يقتضي الترتيبَ بين الأعضاء، فكذلك يقتضي الموالاةَ في فعلها، وطلبيةَ ذلك وترجيحَهُ علَى التفريقِ، ولا يُختلفُ فيه، وإنما الخلافُ في الوجوب؛ فجديدُ قولي الشافعي ﵀: عدمه، وقديمُهُما: إثباته (١).
وعند المالكية ثلاثة أقوال: الوجوب، والاستحباب، والوجوب مع الذِّكر والقُدْرة دونَ النسيانِ والعجز. قالَ أبو العباس القُرطبي: والأوْلَى القول بالسنَّةِ فيهما، إذ لمْ يصحَّ قطُّ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ توضأ مُنكِّسًا، ولا مُفرِّقًا تفريقًا فاحشًا، وليس في آية الوضوء ما يدلُّ علَى وجوبهما (٢).
قلت: أمَّا أنَّها لا تدل علَى وجوبِ الترتيب من جهة (الواو) فصحيح، وأمَّا من جهة التفريقِ بين المغسول والممسوح فقد بحثنا فيه فيما تقدم.
وأمَّا أنَّ الآيةَ لا تدلُّ علَى وجوبِ الموالاةِ، ففيه نظر.
وقد أبدى بعضُ فضلاء المتأخرين من المالكيةِ الذين أدركنا زمانَهُم دلالةَ الآية علَى وجوب الموالاة بوجهٍ وجيهٍ، حاصلُه: أنَّ (إذا) ظرف زمان، والعاملُ فيها جوابُها، أو ما قام مقامَ جوابِها، وهو قوله:
стр. 1861
﴿فَاغْسِلُوا﴾، والواو جامعةٌ بين جملةِ الأعضاء في الحكمِ، وقد توجَّهَ إليها الأمرُ بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، فيقتضي ذلك وجوبَ الأمرِ بغسل جملةِ الأعضاء في زمن القيام إلَى الصلاةِ الذي تقتضيه ظرفيةُ (إذا)، فمن غسل حينئذٍ بعضَ الأعضاء لمْ يأتِ بالمأمورِ به، وهو غسلُ (١) جميعِها في ذلك الظرف الزماني، فلا يخرج عن العُهْدَةِ.
وإنما قلنا: العاملُ فيها جوابُها، ولم نقلْ: العاملُ فيها الفعلُ الواقعُ بعدها؛ كما نُسِبَ ذلك إلَى بعض المتأخِّرين ممن يتعاطَى علمَ إعراب القرآن، ورُدَّ عليه بانَّ الفعلَ الذي هو بعدَ (إذا) في موضع جرٍّ بإضافتها إليه، فكيف يعمل المُضاف إليه في المُضافِ، وهو من تمامه؟!
الثالثة والسبعون: قوله: "ثمَّ غَسَلَ رِجلَيه حتَّى أنْقَاهما" قد يستدِّلُ به المالكيةُ في اعتبار الإنقاص دونَ اعتبار العدد، وهذا أولَى من الاستدلالِ بقوله: "ثمَّ غَسَلَ رِجليه" مِن غيرِ ذكر الإنقاء كما تقدم؛ لإفادة ذكرِ الإنقاءِ للإشارةِ إلَى المقصودِ، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1862
شرح الإلمام بأحاديث الأحكام
تأليف
الإمام المجتهد ابن دقيق العيد
أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري المصري (٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد خلوف العبد الله
[المجلد الرابع]
стр. 1863
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1864
شَرْحُ الأَلْمَامِ
стр. 1865
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالدَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ
المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الطَّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِنْ إِصْدَارَاتِ
دَارُ النَّوَادِرِ
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
دَارُ النَّوَادِرِ
لصاحبها ومديرها العام
نُورِ الدِّين طَالِب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٢٤٣٠٦
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤
هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 1866
الحديث الرابع
وروَى (١) عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِى إِنَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا، ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلاثًا، ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنيهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنيهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنيهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثًا [ثَلاثًا] (٢)، ثمَّ قَالَ: "هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا - أَوْ نَقَصَ - فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ" أَوْ: "ظَلَمَ وَأَسَاءَ".
أخرجه أبو داودَ، وإسنادُه صحيحٌ إلَى عَمرو، فمن يحتجُّ بنسخة عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه، فهو عنده صحيح (٣).
стр. 1867
الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف:
فنقول: عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - بضم السين، وفتح [العين] (١) - بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي.
أبو محمد، وهو الأشهر، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو نصير، القُرَشي، السهمي.
قال أبو عمر: أمُّهُ رَيْطةُ بنت مُنبِّه بن الحجاج السهميَّة، ولم يَعْلُه أبوه في السنِّ إلا باثنتي عشرة سنة.
وُلدِ لعمرٍو عبدُ الله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة. أسلمَ قبل أبيه.
[قال:] (٢) كان فاضلًا، حافظًا، عالمًا، قرأ الكتب، واستأذن النبي ﷺ في أنْ يكتب حديثه فأذن له، قال: يا رسول الله! أكتبُ كلَّ
стр. 1868
ما أسمع منك في الرِّضَا والغضب (١)؟ قال: "نَعَمْ، فإنِّي لا أقولُ إلا حقًّا" (٢).
وقال أبو هريرة: ما كانَ أحدٌ أحفظَ لحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله (٣) بن عمرو؛ فإنه كان يعي بقلبه، وأعي بقلبي، وكان يكتبُ، وأنا لا أكتب، استأذنَ رسولَ الله ﷺ في ذلك فأَذِنَ له (٤).
وروَى شَفِي الأصبحي (٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظتُ عن النبيِّ ﷺ ألفَ مَثَلٍ (٦).
وكان يَسْرُدُ الصوم، ولا ينامُ الليل، فشكاه أبوه إلَى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "إنَّ لِعَينكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لأهلكَ عليكَ
стр. 1869
حقًّا، وإنَّ لزَوْرِكَ (١) عليكَ حقًا، قُمْ، ونَمْ، وصُمْ، وأفطرْ، صُمْ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، فذلك صيامُ الدهرِ"، فقال: إني أطيقُ أكثرَ من ذلك، فلم يزل يراجعه في الصيامِ حتَّى قالَ له: "لا صومَ أفضلُ من صومٍ داودَ، [و] (٢) كانَ يصومُ يوما ويفطِرُ يومًا" (٣).
فوقف عبد الله عندَ ذلك، وتمادَى عليه، ونازلَ رسول الله ﷺ في ختم القرآن، فقال: "اخْتِمْهُ في شَهْرٍ"، فقال: إني أطيقُ أفضلَ من ذلك، فلم [يزل] (٤) يراجعه حتَّى [قال:] "لا تَقْرَأْهُ في أقلَّ من سبعٍ"، وبعضهم يقول في حديثه هذا: "أقلَّ من خمسٍ"، والأكثر علَى أنَّهُ لمْ ينزلْ من سبع، فوقفَ عندَ ذلك (٥).
стр. 1870
قلت: وقد وصل محمد بن سعد نسب رَيْطة هذه المتقدمة (١)، فقال: بنت منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم.
قال: و [كان] (٢) لعبد الله بن عمرو من الولدِ محمدٌ، وبه [كان] (٣) يُكنَى، وأمُّه بنت محمية بن جزء الزبيدي، وهشامٌ، وهاشمٌ، وعمرانُ، وأمُّ إياس، وأمُّ عبد الله، وأمُّهم أم هاشم الكندية من بني وهب بن الحارث.
وذكر ابن سعد أيضًا من رواية صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنتُ النبيَّ ﷺ في كتابة (٤) ما سمعتُ منه قال: فأذنَ لي، فكتبته، فكان عبدُ الله يُسمِّي صحيفتَهُ تلك "الصادقة".
وذكر من رواية إسحاق بن يحيَى، عن مجاهد قال: رأيت عندَ عبد الله بن عمرو صحيفةً، فسألته عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه منها أحدٌ.
ومن رواية خيثمة قال: انتهيتُ إلَى عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يقرأُ في المصحفِ قال: فقلت: أي شيءٍ تقرأ؟ قالَ: جُزئي الذي أقوم به الليلةَ.
стр. 1871
ومن رواية العُريان بن الهيثم قال: وفدت مع أبي إلَى يزيد بن معاوية، فجاء رجل طُوالٌ، أحمرُ، عظيم البطن، فسلَّم، ثم جلس، فقال أبي: من هذا؟ فقيل: عبد الله بن عمرو.
ومن رواية الحسن، عن شريك بن خليفة قال: رأيت عبد الله بن عمرو يقرأ بالسريانية.
ومن رواية زياد بن علاقة قال: قالَ عبد الله بن عمرو: لوددتُ أنِّي هذه الساريةُ.
ومن رواية قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن سليمان بن الربيع قال: انطلقت في رهطٍ من نُسَّاك أهل البصرة إلَى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ فتحدثنا إليه، فدُلِلْنا علَى عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتينا منزلَهُ، فإذا قريبٌ من ثلاث مئة راحلة، فقلنا: علَى كلِّ هؤلاء حجَّ عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم، هو، ومواليه، وأحبَّاؤه، وذكر بقية الحديث (١).
ومن رواية عبدِ الكريم، عن مجاهد: أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يضربُ فُسطاطَهُ في الحِلِّ، ويجعل مُصلَّاه في الحرمِ، فقيل له: لمَ تفعلُ ذلك؟ قال: لأنَّ الإحداث في الحرمِ أشدُّ منها في الحلِّ.
стр. 1872
ومن طريق عبد الرحمن بن البيلماني قال: التقَى كعب الأحبار وعبد الله بن عمرو، فقال كعب: أتطيَّرُ يا عبد الله؟ قال: نعم، قال: فما تقول؟ قال: أقول: اللهمَّ لا طيرَ إلا طيرُكَ، ولا خيرَ إلا خيرُكَ، ولا ربَّ غيرُكَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بك، فقال: أنت أفقهُ العرب، إنها لمكتوبةٌ في التوراةِ كما قلتَ.
قال أبو عمر (١): [و] (٢) اختُلِفَ في وقت وفاتِهِ، فقال أحمد بن حنبل: ماتَ عبد الله بن عمرو بن العاص لياليَ الحَرَّة في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرةُ يوم (٣) الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاثٍ وستين.
وقال غيره: مات سنة ثلاث وسبعين.
وقال يحيَى بن عبد الله بن بُكير: مات بأرضه بالسَّبُعِ من فلسطين سنة خمس وستين.
وقال غيره: مات بمكةَ سنة سبع وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
وقيل: إنَّ عبدَالله بن عمرو بن العاص تُوُفِّيَ سنة خمس وخمسين بالطائفِ.
стр. 1873
وقيل: إنَّهُ مات بمصرَ سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (١)(٢).
وأما محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (٣).
стр. 1874
وأما شُعَيبُ بن محمد: فإن (١) البخاريَّ ذكره في "تاريخه الكبير" فقال: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، السهمي، القُرَشي، سمع عبد الله بن عمرو، و [قد] (٢) روَى عنه ابنه عمرو.
[و] (٣) قال [لنا] (٤) أبو عاصم، عن حيوة، عن زياد بن عمرو: سمعتُ شعيب بن محمد، سَمعَ عبدَ الله بن عمرو (٥).
وهذه الرواية تدلُّ علَى سماع شُعيب من جده عبد الله بن عمرو (٦).
وأما عَمرو بنُ شُعَيب: فقال البخاري: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم السهمي (٧)، سمع أباه، وسعيدَ بن المسيب، وطاوسًا.
стр. 1875
روَى عنه أيوبُ، وابن جريج، وعطاء بن أبي رباح، والزُّهريُّ، [و] (١) الحكم، ويحيَى بن سعيد، وعمرو بن دينار.
وقال أحمد بن سليمان: سمعت مُعتمرًا قال: قالَ أبو عمرو بن العلاء: كان قتادةُ وعمرو بن شُعيب لا يُعابُ عليهما [شيءٌ] (٢)، إلا أنهما كانا لا يسمعان شيئًا إلا حدَّثا به.
قال أبو عبد الله البخاري ﵀: ورأيتُ أحمدَ بن حنبل، وعليَّ بن عبد الله، وإسحاق بن إبراهيم، والحميديَّ يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه (٣).
قالَ أبو عبد الله: فمَنِ الناسُ بعدهم؟ انتهَى.
وقد خرَّجَ الحافظُ أبو محمد عبد الغني بن سعيد (٤) مِصْرِيُّنا الجليلُ ما روَى عن التابعين وروايتهم [عن] عمرو بن شعيب في جزءٍ سمعته من شيخنا الإمام الحافظ أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المُنذري بقراءتي عليه، هذا مع أنَّ عمرَو بن شعيب ليس من التابعينِ،
стр. 1876
وهذه جلالةٌ لا خفاءَ بها (١).
والحديث في الأصلِ من روايته عن أبيه، عن جده، [و] (٢) الكلامُ عليه من طريقين (٣):
أحدهما فيما يتعلق بحالة نفسِهِ:
والثناءُ عليه كثير؛ روَى السَّاجي بإسناده إلَى الأوزاعي قال: ما رأيتُ قُرشيًا أكملَ من عمرو بن شعيب (٤).
وقال النسائي في "التمييز": عمرو بن شعيب ليس به بأسٌ، روَى عنه الزُّهريّ، وعمرو بن دينار، ويحيَى بن سعيد، وأيوب.
وقال محمدُ بن إسماعيلَ الأَوْنبَي: أخرج عن عمرو بن شُعيب أبو داود وغيره، وهو ثقةٌ في نفسه، روَى عنه جماعة من الأئمةِ من التابعين وغيرهم، وإنما تُكلِّم في روايته عن أبيه، عن جده، وقد احتَجَّ به جماعةٌ من أئمة الحديث وحفاظه، وثَّقَهُ يحيَى، وابن صالح، وأبو زرعة، وغيرهم.
стр. 1877
ذكر عباس الدُّوريُّ عن ابن مَعين أنَّهُ قال: عمرو بن شعيب، أبو إبراهيم، ثقةٌ.
ثم قال: عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، وهو كتابٌ، وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص فيقول: أبي عن جدي، فمن هاهُنا جاء ضعفُهُ، فإذا حدَّثَ عن سعيد بن المسيب، أو عن سليمان بن يسار، أو عن عروة، فهو ثقة عن هؤلاء؛ أو قريبًا من هذا الكلام قاله يحيَى (١).
وقال ابن أبي حاتم: سُئِلَ أبو زرعةَ عن عمرو بن شعيب فقال: مكيٌّ كأنَّهُ في نفسه ثقة، إنما تُكُلِّم فيه بسبب كتابٍ عندَهُ.
وقال أيضًا: سئل أبي: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أحبُّ إليك، أو بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؛ فقال: عمرو بن شعيب، [عن أبيه، عن جده] (٢) أحبُّ إلي (٣).
قلت: وقد روَى الترمذي حديثَ عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَثَلُ الذي يُعطِي العَطِيةَ ثم يرجعُ فيها؛ كالكلبِ أكَلَ، حتَّى [إذا] (٤) شَبعَ قَاءَ، ثم عَادَ فرَجَعَ في قَيئِهِ".
стр. 1878
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١).
ثم قال: قالَ الشَّافعي: لا يحلُّ لمن وَهَبَ هِبةً أنْ يرجعَ فيها إلا الوالد؛ فإنه يرجعُ [فيما] (٢) أعطَى لولده، واحتَجَّ بهذا الحديث.
فهذا الترمذي قد صحَّحَ الحديثَ من روايته؛ أعني: من رواية عمرو بن شعيب، وحكَى عن الشافعي أنَّهُ احتَجَّ بهذا الحديث، وكلاهما اعتمادٌ (٣) عليه.
وقال ابن أبي حاتم: سئل يحيَى بن مَعين عنه، فغضب؛ فقال: ما شأنه؟ روَى عنه الأئمةُ (٤). وروَى مالك، عن رجل، عنه.
وعن يحيَى القطَّان قال: هو ثقةٌ يُحتجُّ به (٥).
وقال الدَّارميُّ: هو ثقةٌ، روَى عنه الذين نظرُوا في أحوال الرجال؛ كأيوبَ، والزُّهريِّ والحكم، قال: واحتَجَّ أصحابُنا بحديثه (٦).
стр. 1879
وأما [بعد] (١) ما ذُكِرَ من تصحيح القول فيه؛ فقد رُوِيَ عن يحيىَ القظان في روايةٍ قال: هو واهي الحديث (٢).
وفي رواية عن علي بن المَدِيني، عن يحييَ: حديثُ عمرو بن شعيب عندنا واهٍ (٣).
وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن يحيىَ بن مَعين: سئل يحيَى بن معين عن حديث عمرو بن شعيب فقال: ليسَ بذاك (٤).
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عمرو بن شُعيب فقال: ليس بقويٍّ، يُكتَبُ حديثُه، وما روَى عنه [الثقاتُ] (٥) فيُذاكَرُ به (٦).
وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب له أشياءُ مناكير، وإنما يُكتب حديثه ليُعتبَرَ به، فأما أنْ يكونَ حجةَ فلا (٧).
стр. 1880
وعن أبي بكر بن الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل سُئِلَ عن عمرو بن شعيب فقال: أنا كتبُ حديثَهُ، ورُبَّما احتججنا به، ورُبَّما وَجَس في القلبِ منه، ومالكٌ يروي عن رجلٍ، عنه (١).
الطرف الثاني: في روايته عن أبيه، عن جده، وقد اختلفَتْ طرقُ الناس في ذلك؛ منهم من يَحتجُّ بها، وقد ذكرنا ما حكَى البخاريُّ في الاحتجاجِ براويته عن أبيه، عن جده، وأعلَى ما قيل في هذا ما رُوي عن إسحاقِ بن راهَوَيهِ: أئهُ إذا كان الراوي عن عمرٍو ثقةً فهو كمالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وروَى بعضُهم هذا اللفظ فقال: وقال إسحاق بن راهَوَيهِ: عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر (٢).
وقد أكثر الفقهاءُ من الاحتجاجِ براويته عن أبيه، عن جده، ومنهم أبو إسحاق الشِّيرازي في "مُهذَّبه" (٣).
ومنهم من يأبَى الاحتجاج بها، فعن جرير قال: كان مغيرة (٤) لا يعبأُ بصحيفةِ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٥).
стр. 1881
[وعن سفيان بن عُيَينة: حديثه عن أبيه، عن جده،] (١) عندَ الناس فيه شيءٌ (٢).
وقال ابن عَدي: روَى عنه أئمةُ الناس وثقاتُهم، ولكنَّ أحاديثَه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه، لَمْ يدخلوها في الصِّحاح (٣).
واستمرَّ عملُ ابن حزم علَى عدم الاحتجاج بهذه الصحيفة (٤).
والذين أنَّكروا الاحتجاج بها في مذهبهم طريقان:
أحدهما: إنكارُ سماع شُعيب بن عبد الله بن عمرو، و [أنه] (٥) إنما سَمِعَ أبَاه محمد بن عبد الله بن عمرو، فتكون روايةُ عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ [علَى هذا التقدير مرسلةً] (٦).
стр. 1882
والثاني: أنها صحيفةٌ، لا سماعٌ، فعن أبي زرعة: روَى عنه الثِّقات، وإنما أنْكروا عليه كثرةَ روايتِهِ عن أبيه، عن جده (١)، وإنما سمع أحاديث كثيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده، فرَواها (٢).
فأما الطريق الأول، وهو الإرسالُ، فقد ذكرنا ما رواه البخاريُّ مما يقتضي سماعَ شُعيب بن عبد الله بن عمرو.
[وعن الدارقُطني وغيره من الأئمةِ: أنَّهُ أثبت سماعَ شعيب بن عبد الله] (٣)(٤).
وقال أبو بكر النَّيسابُوري: صحَّ سماعُ شُعيب من جدِّه عبدِ الله (٥).
وأما الطريق الثاني، وهو كونه صحيفةً، فيطرقُهُ ما يُقَال في كتاب عمرو بن حزم من: أنَّ هذه الأمورَ المأخوذةَ عن النبيِّ ﷺ في الأصلِ مما يَعتني به أهلُ البيت الذين يُنسبون إلَى الصحابيِّ؛ لأنَّهُ من مفاخرهم، وتقتضي العادةُ تداولهم له، فتكون بمثابة السماع، وقد عُلم أنَّ عبد الله بن عمرو يَكتب، وتقدَّم أنَّهُ سمَّى صحيفتَهُ:
стр. 1883
"الصادقة"، والظاهرُ في مثل هذا أنَّ [أهلَ] (١) بيتِهِ يتداولون نقلَهَا، ويحتفظون (٢) بها.
ومنهم من يقول: قولُهُ: عن جده، يُحتمَلُ أنْ يُرادَ به جدُّه الأعلَى، وهو عبد الله بن عمرو، فيكون مسندًا، ويحتمل أنْ يُرادَ جده الأدنَى وهو محمد، فيكون مُرسلًا (٣)؛ لأنَّ محمدًا تابعي، فقسموا القول بين أنْ يُقال: [عن] (٤) أبيه عن جدِّه عبد الله بن عمرو، وبين أن يَقتصرَ علَى قوله: عن جدِّه، فإنْ ذكرَ عبدَ الله بن عمرو احتُجَّ [به] (٥)؛ لسلامته من الإرسالِ، وإنْ لَمْ يذكرْ لَمْ يحتجَّ به؛ لاحتمال الإرسال.
واعلمْ أنَّهُ قد يُتَقَلَّبُ (٦) في الاحتجاجِ بهذه الصحيفةِ، فتارةً يَحتجُّ بها بعضُهم إذا وافقَ رأيَهُ، ويتركها إذا لَمْ توافقْ؛ إما بالإهمالِ لذكرها، أو بالطعنِ فيها علَى مذهب مَن يرَى ذلك، وهذا تصرفٌ رديءٌ شَنَّعَ به ابنُ حزم علَى الفاعلِ إذ يقول: إنَّهُ يستحيلُ أنْ يكونَ الشيءُ حجةً في
стр. 1884
موضع، غيرَ حجة في موضع آخر؛ هذا، أو معناه، أو قريب منه (١)؛ وهو معذورٌ في أصل التشنيع.
وقد أكثر الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب" من الاستدلالِ برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقال في "اللمع في الأصول": لا يجوزُ الاحتجاجُ بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ لاحتمال [أنَّ المرادَ] (٢) جدُّه الأدنىَ، وهو محمد؛ فيكون مرسلًا (٣).
ونُقِلَ عن غيره من الشافعيةِ أيضًا: أنَّهُ لا يجوزُ الاحتجاجُ به، وقد أُنْكِرَ علَى الشيخِ أبي إسحاقَ ما ذكرناه من التقلب (٤).
وقالَ بعضُ المتأخرين: إنَّ الصحيحَ المختارَ صحةُ الاحتجاج به، عن أبيه، عن جده؛ كما قاله الأكثرون، فاختارَ في "المهذَّب" هذا المذهب المختار (٥)، والله أعلم.
стр. 1885
وهذا الذي ذكره المتأخرون لا يستمرُّ؛ فإن في هذه الرواية، عن أبيه، عن جده، ما لا يقوله أبو إسحاق ولا الشافعيُّ، ومُقتضَى كونه حجةً عندهم أنْ يُقَال به، فيحتاجون إلَى التقلب (١)، وقد يجيبون عن هذا (٢) بطريق جدلي، وهو أنْ يكونَ تركُ العمل به في بعضِ المواضع لقيام مُعارِضٍ منعَ من ذلك، ولا يلزمُ من ترك العمل لمُعارِض تركُ العمل لا لمُعارضٍ.
وقد يجيبون ابنَ حزم عن كلامه بهذا لكنَّه أمرٌ جدلي، ورُبَّما يعسر إثباتُ المعارض فيما يدَّعونه؛ فإنَّ في بعض تلك الرويات نصٌّ علَى بعض الأحكام لا يَحتمِلُ التأويلَ، أو يُستكرَهُ جدًا تأويلُه (٣) بحيث يمتنعُ المصيرُ إليه.
وفيه وجهٌ آخرُ جدليٌّ قد يُعتَذَرُ به عن التقلب (٤)، تُرِكَ ذكرُهُ لأنْ لا يُتنبَّهَ به علَى إبطالِ حقٍّ، أو إثباتِ باطل، علَى أنَّ هذا التقلُّبَ (٥) قد ذُكِرَ قديمًا، فذكر ابنُ عدي عن أبي داود: قالَ أحمدُ بن حنبل: أصحابُ الحديث إذا شاؤوا احتجُّوا بحديثه عن أبيه عن جده، وإذا
стр. 1886
شاؤوا تركوه (١).
قلت: ليس هذا راجعًا إلَى مشيئة أحد؛ وإنما يُرجَعُ في ذلك إلَى التوثيقِ و (٢) التضعيف، وإلَّا جاء الاضطرابُ، وتطرَّقت القالةُ (٣) إلَى الفاعل (٤)(٥).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
قد أشبعنا القولَ في رواية عمرو بن شعيب من جهةِ حالِهِ وصحيفتِهِ، وقد ذكرنا في الأصلِ: أنَّ إسنادَه صحيحٌ إلَى عمرو، فمنْ يحتجُّ بنسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فهو عنده صحيح.
وهذا القولُ بناءً علَى الظاهرِ والأصل، وإلا فقد (٦) يقومُ في المحلِّ الخاصِّ عندَ من يحتج بالنسخةِ مانعٌ يمنعُهُ من الحكم (٧)
стр. 1887
بالتصحيحِ في المحلِّ الخاص، لكنَّ ذلك باعتبارِ أمرٍ زائد علَى الاحتجاجِ بالنسخة، وقيام المانع لو كان، والموانعُ لا تلزمُ [إلا] (١) التعرضُ لها في الإطلاقات.
* * *
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولَى: (الطُّهُور)؛ بضم الطاء: [الفِعل] (٢)، وبالفتح: الماء، وقد تقدَّم هذا في حديث آخر.
وقال الأستاذ أبو محمد بن السِّيْد الأندلسي فيما ظننته عنه: الطَّهور بفتح الطاء سواءً أردتَ به المصدرَ أو الماءَ.
وكان قدَّم في الوضوء: أنَّهُ بضم الواوِ الفعلُ، وبفتحها الماءُ.
قال: وهو قولٌ مشهورٌ عن الكوفيين، وأما سِيبَوَيْهِ وأصحابُهُ فقالوا بالفتحِ في المصدر والماء جميعًا، وذكروا أنَّ المصادرَ حُكمُهَا أن تجيءَ علَى فُعوُل - بضم الفاء -؛ كالقُعُودِ، ونحوه، والأسماء بالفتحِ، إلا أشياء شذَّت من المصادرِ وهي الوَضوء، والطَّهور، والوَلوع، والوَقود، والوَزوع (٣)، كما شذَّت أشياء من الأسماءِ فجاءت بالضمِّ؛ كالسُّدوس (٤)، والكُعوب.
стр. 1888
وقال الأصمعي: الوُضوء - بالضمِّ - ليس من كلام العرب، وإنما هو قياس قاسَهُ النحويون.
فهذا الذي ذكره في الطهورِ جرى فيه علَى مَا ذَكرَهُ في الوضوء.
الثانية: السَّبَّاحَةُ، والمُسَبِّحَةُ، والدَّعَّاءَةُ، والسَّبَّابَةُ: الإصبع التي تلي الإبهام، سُمِّيت مُسَبِّحَةً؛ لرفعها في التسبيحِ، وبالسَّبَّابةِ للإشارة بها عندَ السَّبِّ إلَى المسبوب (١)(٢).
الثالثة: قالَ ابن سِيدَه: الظلم: وضعُ الشيءِ في غير موضعِهِ (٣).
قال ابن الأنباري: قالَ أهلُ اللغة؛ الأصمعيُّ، وأبو عُبَيدة، وغيرهما: الظالمُ معناه في كلامهم (٤) الذي يضعُ الأشياءَ في غير مواضعها.
ثم قال: ومن الظلمِ قولهم: (مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ)؛ معناه: فما وضعَ الشبيهَ (٥) في غير موضعه.
ثم قال: وقد ظلمَ الرجلُ سِقَاءَهُ: إذا سقاه قبل أنْ يَخرجَ زُبْدُهُ.
ويقال: قد ظلمَ المطرُ أرضَ بني فلان: إذا أصابها في غير
стр. 1889
وقته.
ويقال: قد ظلمَ الماءُ أرضَ بني فلان: إذا بلغ منها مَوضعًا لَمْ يكنْ يبلغُهُ.
ويكون الظلم النقصان؛ كما قالَ الله : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]؛ ما نقصونا من ملكنا شيئًا إنما نقصوا أنفسهم، وقال - جل ذكره -: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣].
[قال:] (١) ويكون الظلم الشرك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ معناه: بشرك (٢).
والأصلُ في الظلمِ ما قاله أهلُ اللغة.
الرابعة: الإساءَةُ: ضدُّ الاحسان، قالَ الجَوهَرِيُّ: [و] (٣) أساءَ إليه: نقيضُ أحسنَ إليه، والسُّوْأَى نقيضُ الحُسْنَى، وفي القرآن: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]؛ يعني: النار (٤)، والله أعلم.
* الوجه الرابع: في شيء من العربيةِ، وفيه مسائل:
الأولَى: هاهنا مباحثُ تتعلق بقوله: "هَكَذَا (٥) الوُضُوءُ"،
стр. 1890
[و] (١) ترجعُ إلَى هذا العلم؛ أعني: العربية.
منها: أنَّ المبتدأَ والخبرَ إذا اجتمعَ التعريفُ والتنكير، فالمبتدأُ هو المعرفةُ، والخبرُ هو النَّكرةُ، وكذلك إذا وُجِدَ جارٌّ ومجرور (٢) [فيه] (٣)، فهو الخبر.
ومنها: أنَّ الكافَ الجارةَ قد تكون اسمًا بمعنى: مثل، ولا تتعيَّنُ للحرفية، وقد استدلَّ علَى اسميَّتِها بأمورٍ مسموعةٍ [كقولِهِ] (٤):
يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ (٥)
فإنها عُيِّنت للاسميةِ لدخول حرف الجر عليها.
ومثله [من الطويل]:
стр. 1891
بِكَاللِقْوةِ الشَّغْواءِ جَلَّتْ فَلَمْ أَكُنْ ... لأِوْلَعَ إلا بِالكَمِيِّ المُقَنَّعِ (١)
فقد دخل حرفُ الجر عليها (٢).
[و] (٣) كقول الشاعر يصفُ سَحابًا ذا بَرْقٍ [من الخفيف]:
وَسْطَهُ كاليَراعِ أَوْ سُرُجِ المَجْ ... ـدَلِ طَوْرًا يَخْبُو وطَوْرًا يُنِيرُ (٤)
فيمن روَى (وسطَه) بالنصبِ علَى الظرفية والخبرية، فتكون (٥) الكافُ اسمًا في موضع رفع بالابتداء (٦).
وقول الأعشَى [من البسيط]:
فهذه مواضعُ عُيِّنت الكافُ فيها للاسمية (١)، وقد عُيِّنت للحرفية في نحو قولك: جاءني الذي كزيد، وعُلِّلَ بأنَّك لو جعلتها اسمًا لوصلت (الذي) بالمفردِ.
ووردتْ (٢) بين الحرفية والاسمية في نحو قولك: زيدٌ كعمرٍو (٣).
والذي يجرُّ إلَى هذا الكاف في قوله: "هَكَذَا الوُضُوء"، المشهورُ في (مثل) أنها لا تتعرَّفُ بالإضافةِ، وذكر أبو عبد الله بن مالك الجَيَّاني: أنَّ (مثل) إذا أُضيفَ إلَى معرفةٍ دونَ قرينة تُشعرُ بمماثلةٍ خاصَّة فإنَّ الإضافةَ لا تعرِّفُه، ولا تزيلُ إبهامه، قال: فإن أُضيفَ إلَى معرفةٍ، وقارنه ما يُشعرُ بمماثلةٍ خاصَّة تعرَّفَ.
* * *
* الوجه الخامس: في شي من علم البيان والمعاني، وفيه مسائل:
الأولَى: لقد ذكرنا في اسمِ هذه (٤) الإصْبَعِ: السَّبَّابَةَ، والسَّبَّاحَة، والمُسَبِّحَة، والدَّعَّاءَة، واختيارُ السبَّاحةِ في الحديثِ اختيارٌ لأحسن
стр. 1894
اللفظين في التعبيرِ، وقد لمح الزمخشريُّ هذا فقال في قوله تعالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧]: وإنما توضعُ في الأذنِ السبَّابة، فذكر الإصبع، وهو الاسمُ العامُّ أدبًا؛ لاشتقاقها من السبِّ، ألا تراهم كَنُّوا عنها بالمسحبِّةِ والدعَّاءة والسبَّاحة، وإنما لَمْ تذكرِ المُسبحةُ والدعَّاءة؛ لأنها ألفاظٌ مُستحدَثةٌ لَمْ تكنْ في ذلك العهد (١).
قلت: ويمكن أنْ يقال: إن ذكرَ الإصبع هاهنا جامعٌ لأمرين:
أحدهما: التَّنَزُّهُ عن اللفظِ المكروه.
والثاني: حطُّ منزلة الكفار عن التعبيرِ باللفظِ المحمود.
والأعمُّ يُفيدُ المقصودين معًا، فأُتيَ به، وهو لفظُ الإصبع، وبهذا يَتبينُ حسنُ التعبير بالسبَّاحتينِ في الحديثِ؛ لنسبتِهِما إلَى رسولِ الله ﷺ ، ولم يُؤتِ بالأدنىَ؛ الذي هو (٢) السبَّابةُ، ولا بالإصبعِ الذي لا يدلُّ علَى معنى التعظيم، فوجب اختيارُ السبَّاحتين، والله أعلم.
الثانية: اختلفوا في مفهوم الحصر، ويمثِّلون ذلك بقولهم: العالمُ زيدٌ، أو (٣) زيدٌ العالم، والقائلون به يحصِرون المبتدأَ في الخبرِ، ومثالُهم المشهورُ: صديقي زيد، وزيد صديقي؛ فـ (صديقي زيد) يقتضي الحصرَ عندَ هؤلاء، واستدلوا علَى ذلك بأنَّهُ لو لَمْ يقتضِ
стр. 1895
الحصرَ لزمَ أنْ يكونَ المبتدأُ أعمَّ من الخبرِ، وهو غير جائزٍ (١).
بيانه: أنَّا إذا قلنا: العالم زيد، فالألف واللام ليست للجنس قطعًا، ولا للعهد [لعدمه] (٢)، فتعيَّنَ أن تكونَ لماهيةِ العالم، فتلك الماهيةُ؛ إما أن تكونَ موجودةً في غير زيد، أو لا، فإنْ لَمْ تكنْ، انحصرت العالِمِيَّةُ في زيد، وهو المطلوب، وإنْ كَان موجودةً في غيره فتكون أعمَّ من زيد، وزيدٌ أخصُّ منها، وقد أخبرَ عنها، فلزم الإخبارُ بالأعمِّ عن الأخصِّ؛ كما ادعينا.
واعترضَ بعضُ المتأخرين بأنَّ هذا الدليلَ إنما يتمُّ بجعل (العالِم) مُخبرًا عنه، و (زيد) مخبرًا به، أما لو جعل (العالم) خبرًا متقدِّمًا علَى المخبرِ عنه، فحينئذ لا فرقَ بين (العالم زيد) و (زيد العالم)، فمن يقول: (العالم زيد) يفيد الحصر.
وقال أيضًا: ولو جُعِلَ الألفُ واللام في العالمِ لمعهودٍ ذهني بمعنى: الكامل (٣) والمُنتهَى في العالميةِ، فحينئذٍ تفيدُ المبالغةَ، ولا تفيدُ الحصرَ، انتهَى (٤).