← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

بِكَاللِقْوةِ الشَّغْواءِ جَلَّتْ فَلَمْ أَكُنْ ... لأِوْلَعَ إلا بِالكَمِيِّ المُقَنَّعِ (١) فقد دخل حرفُ الجر عليها (٢). [و] (٣) كقول الشاعر يصفُ سَحابًا ذا بَرْقٍ [من الخفيف]: وَسْطَهُ كاليَراعِ أَوْ سُرُجِ المَجْ ... ـدَلِ طَوْرًا يَخْبُو وطَوْرًا يُنِيرُ (٤) فيمن روَى (وسطَه) بالنصبِ علَى الظرفية والخبرية، فتكون (٥) الكافُ اسمًا في موضع رفع بالابتداء (٦). وقول الأعشَى [من البسيط]:

стр. 1892

أتَنْتَهُونَ ولنْ يَنْهَى ذَوي شَطَطٍ ... كالطَّعْنِ يَذْهبُ فيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ (١) وقول امرئ القيس [من الطويل]: وإِنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عليكَ كفَاخِرٍ ... ضَعِيفٍ ولم يغْلِبكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ (٢) وقول الآخر [من الطويل]: [يَمِينًا] (٣) لَعَمْرُ اللهِ مَا ظلَّ مُسْلِمًا ... كَغُرِّ الثَّنَايَا وَاضحاتِ المَلاغِمِ (٤) (٥) الكاف في (كفاخر) فاعل يفخر، وفي (كغر) فاعل ظل (٦). وقول الشاعر [من الخفيف]: أبدًا، كَالْفَرَاء فَوْقَ ذُرَاهَا ... حينَ يَطْوِي المَسَامِعَ الصَّرَّارُ (٧) فإنه حُكِمَ ها هُنا بوقوعها مبتدأً.

стр. 1893

فهذه مواضعُ عُيِّنت الكافُ فيها للاسمية (١)، وقد عُيِّنت للحرفية في نحو قولك: جاءني الذي كزيد، وعُلِّلَ بأنَّك لو جعلتها اسمًا لوصلت (الذي) بالمفردِ. ووردتْ (٢) بين الحرفية والاسمية في نحو قولك: زيدٌ كعمرٍو (٣). والذي يجرُّ إلَى هذا الكاف في قوله: "هَكَذَا الوُضُوء"، المشهورُ في (مثل) أنها لا تتعرَّفُ بالإضافةِ، وذكر أبو عبد الله بن مالك الجَيَّاني: أنَّ (مثل) إذا أُضيفَ إلَى معرفةٍ دونَ قرينة تُشعرُ بمماثلةٍ خاصَّة فإنَّ الإضافةَ لا تعرِّفُه، ولا تزيلُ إبهامه، قال: فإن أُضيفَ إلَى معرفةٍ، وقارنه ما يُشعرُ بمماثلةٍ خاصَّة تعرَّفَ. * * * * الوجه الخامس: في شي من علم البيان والمعاني، وفيه مسائل: الأولَى: لقد ذكرنا في اسمِ هذه (٤) الإصْبَعِ: السَّبَّابَةَ، والسَّبَّاحَة، والمُسَبِّحَة، والدَّعَّاءَة، واختيارُ السبَّاحةِ في الحديثِ اختيارٌ لأحسن

стр. 1894

اللفظين في التعبيرِ، وقد لمح الزمخشريُّ هذا فقال في قوله تعالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧]: وإنما توضعُ في الأذنِ السبَّابة، فذكر الإصبع، وهو الاسمُ العامُّ أدبًا؛ لاشتقاقها من السبِّ، ألا تراهم كَنُّوا عنها بالمسحبِّةِ والدعَّاءة والسبَّاحة، وإنما لَمْ تذكرِ المُسبحةُ والدعَّاءة؛ لأنها ألفاظٌ مُستحدَثةٌ لَمْ تكنْ في ذلك العهد (١). قلت: ويمكن أنْ يقال: إن ذكرَ الإصبع هاهنا جامعٌ لأمرين: أحدهما: التَّنَزُّهُ عن اللفظِ المكروه. والثاني: حطُّ منزلة الكفار عن التعبيرِ باللفظِ المحمود. والأعمُّ يُفيدُ المقصودين معًا، فأُتيَ به، وهو لفظُ الإصبع، وبهذا يَتبينُ حسنُ التعبير بالسبَّاحتينِ في الحديثِ؛ لنسبتِهِما إلَى رسولِ الله ﷺ ، ولم يُؤتِ بالأدنىَ؛ الذي هو (٢) السبَّابةُ، ولا بالإصبعِ الذي لا يدلُّ علَى معنى التعظيم، فوجب اختيارُ السبَّاحتين، والله أعلم. الثانية: اختلفوا في مفهوم الحصر، ويمثِّلون ذلك بقولهم: العالمُ زيدٌ، أو (٣) زيدٌ العالم، والقائلون به يحصِرون المبتدأَ في الخبرِ، ومثالُهم المشهورُ: صديقي زيد، وزيد صديقي؛ فـ (صديقي زيد) يقتضي الحصرَ عندَ هؤلاء، واستدلوا علَى ذلك بأنَّهُ لو لَمْ يقتضِ

стр. 1895

الحصرَ لزمَ أنْ يكونَ المبتدأُ أعمَّ من الخبرِ، وهو غير جائزٍ (١). بيانه: أنَّا إذا قلنا: العالم زيد، فالألف واللام ليست للجنس قطعًا، ولا للعهد [لعدمه] (٢)، فتعيَّنَ أن تكونَ لماهيةِ العالم، فتلك الماهيةُ؛ إما أن تكونَ موجودةً في غير زيد، أو لا، فإنْ لَمْ تكنْ، انحصرت العالِمِيَّةُ في زيد، وهو المطلوب، وإنْ كَان موجودةً في غيره فتكون أعمَّ من زيد، وزيدٌ أخصُّ منها، وقد أخبرَ عنها، فلزم الإخبارُ بالأعمِّ عن الأخصِّ؛ كما ادعينا. واعترضَ بعضُ المتأخرين بأنَّ هذا الدليلَ إنما يتمُّ بجعل (العالِم) مُخبرًا عنه، و (زيد) مخبرًا به، أما لو جعل (العالم) خبرًا متقدِّمًا علَى المخبرِ عنه، فحينئذ لا فرقَ بين (العالم زيد) و (زيد العالم)، فمن يقول: (العالم زيد) يفيد الحصر. وقال أيضًا: ولو جُعِلَ الألفُ واللام في العالمِ لمعهودٍ ذهني بمعنى: الكامل (٣) والمُنتهَى في العالميةِ، فحينئذٍ تفيدُ المبالغةَ، ولا تفيدُ الحصرَ، انتهَى (٤).

стр. 1896

* الوجه السادس: في الفوائدِ والمباحث، وفيه مسائل: الأولَى: فيه السؤالُ عمَّا يجبُ تعلُّمُهُ من أمور الدين، والأقربُ أنْ يكونَ هذا السائلُ حديثَ عهد بالإسلامِ، إنْ كَان سؤالُهُ عن أصل فعلِ الطهور، وما يجبُ من كيفيَّتِهِ، وهو ظاهرُ اللفظ، ويحتمل أنْ يكونَ السؤالُ عمَّا زاد علَى الواجبِ؛ إما قصدًا، أو تبعًا. [و] (١) الثانية: الجوابُ الخاصُّ عن السؤالِ العامِّ يكون لقرينة تدلُّ علَى أنَّ المقصودَ بالسؤالِ الخاصُّ، والنبيُّ ﷺ أجابَ بكيفية الوضوء، وهو خاصٌّ بالنِّسبَةِ إلَى الطهورِ، وهو عامٌّ؛ لتناوله الوضوء والغسل، فيحتملُ أنْ يكونَ لقيام قرينة دلَّت علَى أنَّ السؤالَ عن الوضوء، ويحتمل أنْ يكونَ لأنَّه الأعمُّ الأغلب؛ والموجباتُ له متكررة، والغسلُ في محلِّ العارض عندَ وجود مُوجبِهِ العارض، فالبيانُ الأولُ ضروريٌّ، ويتأخَّرُ بيانُ الثاني إلَى حين وجودِ ما يوجبُهُ، ووقوعِ السؤال عنه. الثالثة: قوله: "فَدَعَا بمَاءٍ" إذا (٢) ضممته إلَى روايةِ من روَى: "فدعا بوَضُوء"، استُدِلَّ بالمجموعِ علَى أنَّ الوَضوءَ اسمٌ للماء. الرابعة: فيه ما قدمناه من الاستعانةِ في أسباب الوضوء بإحضار الماء، وبعضُ المتأخرين من الشافعيةِ حكَى عن أصحابِهم أنَّ الاستعانةَ

стр. 1897

ثلاثةُ أقسام: أحدها: أنْ يستعينَ بغيرِه في إحضار الماء، فلا كراهةَ فيه، ولا نقصَ. والثاني: أنْ يستعينَ به في غسل الأعضاء، ويباشرُ [الأجنبيُّ] (١) بنفسه غسلَ الأعضاء، [فهو مكروهٌ إلا لحاجة. والثالث: أنْ يصبَّ عليه] (٢)، فهذا الأولَى تركه، وهل يُسمَّى مكروهًا؟ فيه وجهان (٣). قلت: وقد ثبتَ عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ صُبَّ عليه الماء لوُضوئه، من رواية المغيرة [بن شُعبة] (٤)، وأسامة (٥)، فالأَوْلَى أنْ يُؤخَذَ ذلك في الجواز (٦)، ولا يُضعَّفَ إلا لمعارض. والأحاديثُ التي جاءت في ترك الاستعانة لا تكادُ تثبتُ، [أو لعلَّها لا تثبتُ.

стр. 1898

هذا علَى أنَّ في بعض الآثار التي تقتضي ترجيحَ عدمِ الاستعانة، ما يتناولُ الاستعانةَ] (١) في أسباب الطهارة. الخامسة: قوله: "فغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلاثًا" يدلُّ علَى استحبابِ التكرار في المغسولِ، والمالكيةُ يعدُّونه في الفضائلِ، لا في السننِ علَى اصطلاحهم (٢). السادسة: ويدلُّ علَى استحباب هذا العدد، وقد ورد غسلُهُما مرَّتين في حديث عبد الله بن زيد. قال الفاضلُ أبو عبد الله المازري: أما مقدارُ عددِ غسلِهما فقد أشارَ بعضُ أصحابنا إلَى غسلهما مرَّتين؛ أخذًا بحديث ابن زيد المتقدِّم، وذكر أنَّ المختارَ ثلاثًا؛ [لقوله: "فلْيغسلْهُمَا"] (٣)، ولأنَّه القَدرُ الذي تتعلق به الفضيلةُ في سائر أعضاء الوضوء المغسولة (٤). قلت: الأولَى أنْ يستندَ في استحباب الثلاث إلَى هذا الحديث، وما هو مثله، الذي ليس فيه دلالةٌ علَى الغسلِ عندَ القيام من النومِ؛ كالحديث الذي استدلَّ به؛ فإنَّهُ لا يتناول صورةَ عدم القيام من النومِ بلفظِهِ، وفي تناولِهِ إيَّاه بمعناه نظرٌ أيضًا؛ إذ قد يناسب

стр. 1899

القيامَ من النومِ زيادةُ العدد في التنظيفِ بالنِّسبَةِ إلَى مُطلَقِ غسلِ اليدين في ابتداءِ الوضوء. السابعة: فيه دليلٌ علَى أنَّ [أولَ] (١) الأعضاء غسلًا في الوضوءِ الكفَّان، مأخوذٌ من تعقيب الفاءِ الذي في قوله: "فَدَعَا بمَاءٍ في إنَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ"، وقد وردَ في بعض الحديث ما يقتضي المنعَ من البُداءةِ بالفم. الثامنة: لَمْ تذكرِ المضمضةُ والاستنشاقُ في هذا الوضوء، وليست يُعدمُ (٢) في تصرفِ الفقهاء الاستدلالُ بعدم الذكر علَى عدمِ الوقوع، فإذا سلكتَ هذه الطريقةَ أمكنَ أنْ تستدلَّ بذلك علَى عدمِ وجوبِ المضمضة والاستنشاق، ويُؤخَذُ الاستحبابُ من أحاديثَ أُخرَ. التاسعة والعاشرة والحادية عشرة: غسلُ الوجه، وترتيبُهُ، وعددُ مرَّاته (٣). وكذلك نقولُ في غسل اليدين، فهي ثلاثٌ، مع زيادةِ ما يتعلَّقُ بالذِّراعِ، فإنَّ أهلَ العُرفِ لا يُطلقون لفظ الذِّراعِ علَى ما دون إبرة المِرْفَقِ؛ [لا قولًا ولا فعلًا، فأذرع أحدهم فعلًا من إبرة المرفق] (٤)، وإذا أخبرَ عن فعلِهِ وقال: بذراعي، أراد ذلك، فيكون هذا اللفظُ أدلَّ

стр. 1900

عرفًا علَى دخول المرفق في (١) الغسل من "إلَى المرفقِ"، فهي خمسٌ (٢). السادسة عشرة والسابعة عشرة: مسحُ الرأس، وترتيبُهُ. الثامنة عشرة: [ قولُهُ] (٣): "ثمَّ مَسَحَ برأسِهِ؛ فأدخَلَ إصبَعيهِ السَّبَّاحَتينِ في أُذُنيهِ" كالتفسيرِ لقولهِ: "مَسَحَ رأسَهُ"، كما جعل ذلك في قوله: "مَسَحَ رأسَهُ بيدَيهِ؛ فأقبلَ بهِما وأدْبَرَ". وُيحتمَلُ أنْ يكونَ قولُهُ: "فأدخلَ إصبَعيهِ السَّبَّاحَتينِ في أُذُنيهِ" من باب عطفِ الجُملِ بعضِها علَى بعضٍ بالفاءِ، ولا يكون تفسيرًا لمسحِ رأسِهِ؛ كما تقول: قامَ زيدٌ، فمشَى إلَى المسجد. التاسعة عشرة: [ علَى] (٤) التأويلِ الأول يكونُ مُشعرًا بمسحِهما (٥)

стр. 1901

معَ الرأسِ مِن غيرِ تجديدِ ماءٍ؛ كما (١) يذهبُ إليه بعضُ الفقهاء. العشرون: فيه دليلٌ علَى مسح الأُذُنين في طهارة الوضوء، وكثيرٌ من الألفاظِ الصحيحةِ ليس له فيها ذكر [هـ] (٢)، فيُؤخَذُ استحبابُهُ من هذا الحديث وغيره. الحادية والعشرون: ودليلٌ علَى مسحِ ظاهرِهما، وباطنِهما، وعلَى أنَّ ظاهرَهما يُمسَحُ بالإبهامينِ، وباطنَهما بالسبَّاحتينِ، فهن (٣) أربع. الخامسة والعشرون: ليس دلالتُهُ علَى [استحبابِ] (٤) مسحِ الظاهر بالإبهامينِ، والباطنِ بالسبَّاحتينِ [بالقوية] (٥)؛ لاحتمال أنْ يكونَ ذلك ليُسرِ (٦) هذه الهيئة، ولا يظهرُ قصدُ القُربة (٧) في ذلك، فلا يقوَى مقصودُ التأسِّي، وليس يخلو عن الترجيحِ بالجُملة، وإنَّما الكلامُ في دلالته علَى السنةِ المُتأكدة.

стр. 1902

وهكذا نقول فيما قدمناه [من طلبية نقل الماء] (١) إلَى مسح الرأس: إنَّهُ ضعيف؛ لاحتمال أنْ يكونَ ذلك لتعيُّنِ (٢) الفعل علَى هذا الوجهِ بحسبِ الواقعةِ إذْ (٣) لَمْ يكنْ علَى الرأسِ ماءٌ، فيتعيَّنُ النقلُ، لا لأنَّه مقصودٌ. السادسة والعشرون: قوله: "ثمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ ثلاثًا"، فيه غسلُ الرِّجلين، وترتيبُهما علَى ما قبلها، وعددُ غسلِهما، وقد قدمنا ما للمالكيةِ في اعتبار إنقائِهما دونَ العدد، وهذا الحديثُ ممَّا (٤) يدلُّ علَى اعتبارِ العدد، فتلك ثلاثٌ (٥). وقد جاء في حديثِ معاويةَ ﵁ من رواية عبد الله بن العلاء: أنَّهُ سمع يزيد بن أبي مالك وأبا الأزهر (٦) يحدثان عن وُضوء معاوية قال: يُريهم وضوءَ رسولِ الله ﷺ ، فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، وغسلَ رِجليه بغيرِ عدد (٧) (٨).

стр. 1903

التاسعة والعشرون (١): قوله: "ثمَّ قالَ: هَكَذَا الوُضُوءُ" فيه البيانُ بالفعلِ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه، وهو هاهنا أقوَى من "ثمَّ"؛ لأنَّ الحَوَالةَ هاهنا علَى الفعلِ من لفظِ النبيِّ ﷺ ، و"ثمَّ" من لفظ الراوي. [الثلاثون] (٢): قوله: "هَكَذَا الوُضُوءُ"، يمكنُ أنْ يَستدِلَّ به مَن يرَى الترتيبَ واجبًا؛ فإنَّ الإشارةَ إلَى ما وقعَ من الفعل (٣) وهيئاتِهِ، ومنها الترتيبُ، ثم يأخذُ الحصرَ في اللفظِ، ويحملُ لفظ (الوضوء) علَى الشرعيِّ، وهو كذلك. [الحادية والثلاثون]: ويَستدلُّ به أيضًا مَن يرَى وجوبَ الموالاةِ بغيرِ (٤) ما ذكرنا في الترتيب؛ لأنَ الموالاةَ [من] (٥) جملة هيئاتِهِ. ومَنْ أرادَ إخراجَ أحدِهما [يحتاجُ] (٦) إلَى دليلٍ آخرَ راجحٍ علَى

стр. 1904

ما دلَّ [عليه] (١) هذا الحديثُ. وقد استدلوا علَى وجوب الترتيب بما جاء في الحديث: "هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا بِهِ". وقالوا: لا يجوزُ أنْ يكونَ غيرَ مُرتَّبٍ، وإلا لانتفَى القَبولُ عندَ العضوِ المُرتب، وهو مُحال، فيتعيَّنُ أنْ يكونَ مرتبًا. وهذا الاستدلالُ الذي ذكرناه في المسألتينِ؛ أعني: الترتيب والموالاة، أوْلَى بالنِّسبَةِ إليهما؛ لدلالةِ الحديث علَى وجودِهما، ولكنه أقصر (٢) في الدلالةِ علَى الوجوبِ من ذلك الحديث؛ لأنه هاهنا مأخوذٌ من الحصرِ، وقد يُنازَعُ فيه، ويحتاج إلَى نظر، وثمَّ مأخوذٌ من قوله: "لا يَقبلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا بِهِ"، ودلالتُهُ علَى الوجوبِ أظهرُ من دلالة الحصر. الثانية والثلاثون: ظاهرُهُ يقتضي أنَّ النقصانَ داخلٌ في حدِّ الإساءة، وأقلُّ درجاتها الكراهةُ، لكنْ يُشكِلُ عليه: أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ مرَّتين مرتين، وتوضَّأَ مرَّةً مرة. وقد ذكر بعضُهم: أنَّ الشفعَ ليس بمكروه؛ أي: الشفع في الغسلاتِ، ودليلُهُ فعلُ الرسولِ ﷺ ، فيمكنُ أنْ يُقَالَ بظاهرِ [هذا] (٣)

стр. 1905

الحديث، ويُجعَلَ (١) [فعلُ] (٢) النبيِّ ﷺ في الغسلِ مرتين، أو مرة لبيان الجواز، ويمكن أنْ يقال: إنَّ "أساءَ" يُحملُ علَى ترك الأَوْلَى. ورُبَّما قالَ بعض المباحثين: إنَّ النقصَ [هاهنا، هو النقصُ] (٣) عن مقدار الواجب، فإنْ كان يقول بأنَّ الزيادةَ مُحرَّمةٌ علَى ما ذُكِرَ أنَّهُ وجهٌ سيأتي ذكرُهُ، فلا بأسَ إن صحَّ أنَّ اللفظَ ظاهرٌ في التحريمِ، وإنْ كَان يقول بالكراهةِ أو تركِ [الأولَى] (٤) في الزيادةِ، فهو بعدَ استنادِهِ إلَى هذا اللفظِ في التحريمِ جاعلٌ اللفظَ الواحدَ مُستعملًا في حقيقتِهِ ومَجازِهِ، إذا اعتقد أنَّهُ حقيقةٌ في التحريمِ، حتَّى يتمَّ له الحَملُ علَى النقصانِ عن الواجبِ [ورتبِهِ] (٥). الثالثة والثلاثون: قولُهُ: "أو نَقَصَ" يدخلُ تحتَهُ النقصانُ بمرة، فتبقَى مرتان، والنقصانُ بمرتين، فتبقَى واحدة. وقد نُقلَ عن مالك أنَّهُ قال: الوضوءُ مرتان مرتان، قيل له: فواحدة؟ قال: لا (٦).

стр. 1906

وهذا لا ينبغي أنْ يُقَال بظاهرِهِ في إيجاب المرتين، والمنعِ من الاقتصارِ علَى واحدة، فقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ الاقتصارُ علَى الواحدةِ، وقد حُملَ هذا علَى المبالغةِ منه في التشديدِ في أن لا يقتصرَ علَى الواجبِ، والتحضيضِ علَى أنْ يؤتَى بالفضيلةِ. [ورُوي عن مالك روايةٌ أخرى: لا أحبُّ الواحدةَ إلا من عالِمٍ] (١) (٢)؛ وهذا يقتضي إباحةَ المرة للعالم، وتخصيصَ الكراهةِ لغيرِه؛ فإنَّ العامةَ لا تكادُ تستوعبُ بمرة واحدة، فاحتاطَ لهم في أنْ (٣) أمرَهُم بالزيادةِ عليها، وأخرج (٤) العالِمَ من ذلك لمعرفتِهِ بما يأتي ويذرُ من ذلك. فمنْ أرادَ أنْ يستدلَّ للراوية التي ظاهرُها كراهةُ الاقتصار علَى المرةِ، فله أنْ يستدلَّ بهذا الحديث؛ لأنَّهُ يدخلُ [تحت] (٥) النقصانِ الموصوف بالإساءةِ، لكن (٦) يخرجُ عن مُقتضَى هذه الدلالة في المرتين.

стр. 1907

الرابعة والثلاثون: [ و] (١) الناس أخذوا الزيادةَ باعتبار الزيادة في العددِ [علَى الثلاث] (٢)، فكرهُوها، وذكرَ بعضُ المتأخرين من الشافعيةِ ثلاثةَ أوجه: التحريمَ، والكراهةَ، وتركَ الأولَى (٣). قلت: والمشهورُ الكراهةُ، وهو المتحققُ. وقال إمام الحرمين في "النهاية": وقولُهُ: "أساء" (٤) بمعنى تركِ الأوْلَى، وتَعدِّي حدِّ السُّنة، ووضعِ الشيء في غير موضعِهِ (٥)؛ وهذا دليلٌ منه علَى أنَّهُ لا يرَى التحريمَ، ولا الكراهة. والقولُ بالتحريمِ غريبٌ يحتاج من يريدُ إثباتَهُ إلَى أنْ يبينَ أنَّ لفظةَ (٦) "أساء، وظلم" تدلان علَى التحريمِ، وليس ذلك بالظاهرِ ظهورًا قويًّا، ولكنه ظاهرٌ في الكراهةِ، فيجيءُ من هذا أنَّ المشهورَ -[و] (٧) هو الكراهة - هو الصوابُ.

стр. 1908

الخامسة والثلاثون: قالَ بعضُ الفقهاء المتأخِّرين من مصنفي الشافعية: ومعنى قوله: "أساء" في النقصانِ؛ أي: في مخالفة السنة؛ ومعنى قوله: "وظلم" في الزيادةِ علَى الثلاثِ؛ أي: جاوزَ الحدَّ؛ لأنَّ الظلمَ في اللغةِ مجاوزةُ الحدِّ، ووضعُ الشيء في غير موضعه، لا أنه (١) يأثمُ بذلك (٢). السادسة والثلاثون: هذا الذي ذكره هذا المصنفُ ينحو إلَى [أنَّ] (٣) هذا من باب اللفِّ والنَّشر، فنقول عليه: إنَّ (أو) تقتضي أحدَ الشيئين في الشيءِ الذي يُحكَمُ به، والمحكومُ به في هذا الحديث هو الإساءةُ والظلم (٤)، فيثبتان معًا لمن فعلَ أحدَ الشيئين. السابعة والثلاثون: هذه الزيادةُ المذكورة علَى الثلاثِ لا يقتضي الحكمُ بكونها (٥) ظلمًا وإساءةً أنْ يَبطُلَ بها الوضوءُ؛ لأنَّ الفرضَ والسنةَ قد تأدَّيا، والإساءةُ بالزيادةِ، والحكمُ علَى الزيادةِ بالإساءةِ والظلم (٦) لا يقتضي تعدِّي ذلك إلَى ما مضَى من الفرضِ والسنة

стр. 1909

ولابدَّ، وصارَ هذا كمَن سلَّمَ من الصلاةِ، ثم قام إلَى خامسةٍ، فإنَّه لا يبطلُها. الثامنة والثلاثون: هذه الزيادةُ المكروهةُ مخصوصةٌ عندَهم بأنْ تُلحقَ بالوضوءِ نِيةً، فلو فُعِلتْ تبرُّدًا، أو مع قطع نية الوضوء عنها، لَمْ تُكرهْ. وقد قيل: ومنْ زادَ علَى الثلاثِ؛ فإنْ كَان قاصدًا للقُربةِ بالزيادةِ علَى الثلاثِ فقد أساء لتقرُّبِهِ إلَى الرَّبِّ بما ليس بقُربَةٍ (١) إليه، وإن قصد تبردًا، أو تنظفًا، أو تنطُّلًا بالماءِ الحار، أو تداويًا، فانْ لَمْ يفرِّقْ بين أعضاء الوضوء فلا بأسَ، وإن فرَّقَ بينها فقد أساء بتفريق الوضوء، لا بمجرَّدِ (٢) الزيادة (٣). قلت: يريدُ التفريقَ القاطعَ للمُوالاة المنافي لسنَّتها، علَى هذا القول لا (٤) يَبعُدُ أنْ يُؤخَذَ قصدُ القُربةِ في الحكمِ من (٥) الحديثِ، وقوله ﷺ : "هَكَذَا الوُضوءُ، فمَنْ زادَ علَى هَذَا"؛ فإنَّ فَهْمَ كونِهِ في الوضوءِ قريبٌ من دلالة اللفظ عليه، ويكون التقدير: فمن زاد علَى هذا في الوضوءِ،

стр. 1910

إلا أنَّ ظاهرَ الإطلاق علَى خلافه. التاسعة والثلاثون: الشافعيةُ ذكروا: أنَّهُ لا يُستحبُّ تجديدُ الوضوء إلا بعدَ أنْ يؤديَ به شيئًا ممَّا يُشرَعُ له الوضوءُ؛ فرضًا كان المؤدَّى أو نفلًا، وقيل: لا (١) يستحبُّ إلا ما أُدِّي به فريضةٌ، والأول أصح؛ قالَ ذلك صاحب "الاستقصاء" (٢). وعلَى ذهني أنَّ بعضَ المالكية (٣) ذكر كراهةَ التجديد (٤) قبل الإتيانِ بالعبادةِ به، وذكرَ الخلافَ المذكور. وهذا منهم إلحاقٌ لهذا التجديدِ الذي لَمْ تؤدَّ بالوضوءِ قبلَهُ عبادةٌ بالزيادةِ المتصلةِ بالوضوء، وفيه بحث؛ فإنَّه لَمْ يَقصدْ بهذا التجديد إلحاقَهُ بالوضوءِ الأول، يأتي ذلك اشتراط كونِ الزيادة علَى الثلاثِ في الكراهة منويًا بها الوضوء، وإنِ اشتُرطَ في هذا الوضوء المجدَّدِ إلحاقه بالوضوءِ الأول مع تطاول الزمان بعيد، ثمَّ هو مخالفٌ لإطلاق الحديث الدالِّ علَى استحبابِ تجديد الوضوء الذي رووه (٥).

стр. 1911

الأربعون: قد ذكرنا أنَّهم حملُوا الزيادةَ علَى زيادةِ العدد (١)، وهو المعروفُ المشهور، وَيحتمِلُ وجهًا آخرَ أعمَّ من هذا، وهو أنْ يُرادَ إلحاقُ ما ليس من الوضوءِ به تنطُّعًا وتكلُّفًا، أو النقصان منه، ورُبَّما يُفهَمُ [هذا] (٢) من قوله ﵇: "هَكَذَا الوُضوءُ، فمَنْ زَادَ علَى هَذَا"؛ أي: علَى الوضوءِ، ويترجَّحُ بأنَّ الإشارةَ إلَى الوضوءِ ظاهرةٌ في جُملته. الحادية والأربعون: يدخلُ في هذا المعنى الذي ذكرناه كلُّ ما استحبَّهُ بعضُ الفقهاء في الوضوءِ وألحقوه بسننه، فما (٣) لَمْ يقمْ عليه دليلٌ شرعيٌّ يقتضي إلحاقه بالوضوءِ؛ كمسح العنق إذا لَمْ يصحَّ فيه الحديث (٤)، [ولا شكَّ أنَّ إلحاقَهُ بسنن الوضوء ممتنعٌ إذا لَمْ يصحَّ فيه الحديث] (٥)، وأمَّا فعلُهُ مِن غيرِ اعتقاد إلحاقٍ له بالوضوءِ الشرعي ففيه نظرٌ، والأقربُ كراهةُ المداومة عليه، والذي جعله من السننِ أبو

стр. 1912

العباس بنُ القاصِّ (١) من الشافعيةِ علَى ما حُكي عنه (٢). الثانية والأربعون: ذكر بعضُ الشافعية في سنن الوضوء أنْ يدعوَ في وضوئِهِ فيقول عندَ غسل الوجه: اللهمَّ بيِّضْ وجهي يومَ تسودُّ الوجوه، وعلَى غسل اليدين (٣): اللهمَّ أعطني كتابي بيميني ولا تعطني بشِمالي، وعلَى مسح الرأس: اللهمَّ حرِّمْ شعري وبشري علَى النارِ، وعلَى مسح الأذن: اللهمَّ اجعلني من الذينِ يستمعون القولَ فيتَّبعون

стр. 1913

أحسنَهُ، وعلَى غسل الرجلين: اللهمَّ ثبتْ قدميَّ علَى الصراطِ (١). وقد ذكرنا في كتاب "الإمام (٢) في معرفة أحاديث الأحكام" حديثًا في الأدعيةِ علَى الأعضاءِ لَمْ تتحققْ صحتُهُ ولا حُسنُهُ من جهة الإسناد (٣)، والأمر في هذا الدعاء علَى ما ذكرناه في مسح العنق، وأن إلحاقه بالوضوءِ اعتقادًا حكمٌ شرعي يحتاج إلَى دليل شرعي، فيمتنع عندَ عدم صحة [ذلك] (٤) الدليل، وأما فعلُهُ مِن غيرِ إلحاق، فهذه المرتبةُ يجبُ (٥) أن تكونَ دونَ تلك المرتبة في الكراهة؛ لأنه يمكنُ إدراجُ هذه الأدعية تحت العُمومات المقتضية لاستحباب ذكر الله تعالَى، فمنْ لا يتوَقَّفُ في استحباب الشيء المخصوص في المحلِّ المخصوص علَى دليلٍ مخصوصٍ، فلا يَبعُدُ منه أنْ يَستحبَّ مثلَ هذا الفعل عملًا بالعموماتِ، ومن يرَى أنَّهُ لا بدَّ من دليل مخصوص علَى الحكمِ المخصوص، لا يستحبُّ ذلك.

стр. 1914

الثالثة والأربعون: ذكر بعضُ المصنفين (١) عن الفقيهِ أبي الفتح نصر صاحب "التهذيب" أنَّهُ قالَ في "التهذيب": والمستحبُّ أنْ يقولَ في ابتداء وضوئِهِ بعدَ التسمية: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ (٢). وهذا من هذا القبيل الذي ذكرناه في المسألةِ قبلَها؛ لأنَّ ذلك مُندرِجٌ تحت العمومات، لكنَّ تخصيصَهُ بهذا المحلِّ المخصوص، واحتياجَهُ إلَى دليل يخصُّهُ يخرجُ عن (٣) البحث الذي ذكرناه، ورُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ هذه المرتبة أقربُ من التي قبلها من الأدعيةِ علَى الأعضاء؛ لأنه ورد التشهدُ بعد الفراغ من الوضوءِ صحيحًا (٤)، فيَقربُ أنْ يُلحَقَ ابتداؤُهُ بانتهائِهِ، وهذا المعنى ليس في المسألةِ قبلها، إلا أنَّهُ ضعيف. الرابعة والأربعون: يمكنُ أنْ يُستدلَّ بالحديثِ علَى النيَّةِ في

стр. 1915

الوضوء من حيثُ الإشارةُ في قوله ﵇: "هَكَذَا الوُضُوءُ"؛ ظاهرُهَا العَودُ إلَى كلِّ ما مضَى من الأفعالِ والهيئات، وإنْ كَان بعضُهم قد حملَ الإشارةَ في حديث آخرَ علَى الأفعالِ دونَ الهيئات، لمَّا استدلَّ بما رُوي عنه ﵇: أنَّهُ توضَّأ مرَّةً مرَّةً، وقال: "هَذَا وُضوءٌ لا يَقبَلُ اللهُ الصلاةَ إلا بِهِ" علَى وجوب الترتيب؛ فحملَهُ علَى الأفعالِ دونَ الهيئة. وإذا كانت (١) الإشارةُ إلَى جُملةِ ما مضَى، فلا شكَّ أنَّهُ ﷺ قصدَ إلَى فعلِ الوضوء؛ لأنه المسؤولُ عنه أولًا، ثم المُعقَّبُ [بفعله] (٢) ﷺ ثانيًا؛ لقصد البيان، ثم الإخبارُ آخِرًاعنه بقولِه ﷺ : ["هَكَذَا الوُضوءُ"، فهذه أمورٌ توجب الجزمَ بقصدِهِ ﷺ ] (٣) إلَى الوضوءِ، فتكونُ هذه النيةُ من جُملة الوضوء الذي قَصَدَ بيانَهُ بالفعل. الخامسة والأربعون: فيدلُّ ذلك علَى الصحةِ في الوضوء بنيَّةِ الوضوء فقط؛ لأنَّه المُتيقَّنُ. وعن بعض الشافعية حكايةُ وجهين في أنَّ نيَّةَ الوضوء هل تكفي؟ (٤) وما ذكرناه يدلُّ علَى الكفايةِ بها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ غيرِها، أو

стр. 1916

بطريق أخرَى سنذكرها الآنَ إن شاء الله تعالَى. السادسة والأربعون: هاهنا مباحثةٌ نعرضُها عليك لتتأملَ (١) مقدماتِها، واستنتاجَ الأحكامِ منها، وهو أنْ يقال: الفعلُ المقصودُ به البيانُ والتعليمُ لا (٢) بدَّ وأنْ يتبينَ لمن يُقصَدُ البيانُ له، وإلا لَمْ يكنْ بيانًا، فما كانَ من الأفعالِ الظاهرةِ وهيئاتِها [فهو] (٣) مدرك بالبصرِ، وما كان من النيَّاتِ التي وقع الفعلُ عليها، إذا اختلفت صفاتُها؛ فما كان واجبًا وشرطًا في الفعلِ فلا بدَّ من الإعلامِ بوقوع الفعلِ [عليه، وإلا تأخَّرَ البيانُ عن وقت الحاجة، وإذا وجبَ الأعلامُ بما وقع الفعلُ عليه، فما لا يقعُ الإعلامُ به لا يكونُ واجبًا. فإن قيل: لا يجبُ الإعلامُ بوقوع الفعل] (٤) علَى تلك الصفة؛ فإنَّهُ قد يقعُ البيانُ بقولٍ سابقٍ أو لاحق، فلا يتعينُ الإعلامُ بوقوع الفعل علَى تلك الصفة. قلنا: الفرضُ فيما يقع البيانُ فيه بالفعلِ، وإذا وقع البيان بقولٍ سابق أو لاحق، فليس البيانُ فيه بالفعلِ، بل بالقول.

стр. 1917

السابعة والأربعون: ويلزمُ من هذا: أنَّ ما اختُلِفَ في وجوبِهِ ممَّا لا يُطَّلَعُ عليه بالرؤيةِ إذا لَمْ يقعِ البيان بوقوع الفعل عليه، لا يكون واجبًا. وقد بينا أنَّ الحديثَ دلَّ علَى قصدِ النية إلَى الفعلِ، أو فعل الوضوء بخصوصه، فتستفادُ من هذه القاعدة مسألةٌ اختلف فيها الفقهاءُ الشافعية، وهو أنَّ نيةَ الإضافة إلَى اللهِ تعالَى هل هي واجبة، أم لا (١)؟ فإذا لَمْ يقعِ الإخبارُ عن كونِها وقعت دلَّ علَى عدم الوجوب، وإلا تأخَّرَ البيان. ويمكنُ أنْ يُقَالَ فيه: إنَّهُ إذا وقع القصدُ إلَى الفعلِ في العبادات فالقصدُ إلَى كونِها لله تعالَى واقعٌ من باب المَلَكةِ الحاصلةِ للنفس لكثرة التكرار، ويُنزَّلُ ذلك منزلةَ الواقع قصدًا وذكرًا، وهذا فيه غَورٌ يتعلَّقُ بالبيانِ في باب الأيمان، ولعلَّه سنذكره، إن شاء الله تعالَى. الثامنة والأربعون: لقائلٍ أنْ يقولَ: مُقتضَى ما ذكرتَ من القاعدةِ أنْ لا تُشترطَ النيَّاتُ التي ذكر الفقهاء اشتراطَها في الوضوءِ؛ كنيَّة رفعِ الحدث، أو استباحةِ الصلاة، أو استباحةِ ما لا يُستباحُ إلا بالوضوءِ، أو أداءِ فرض الوضوء؛ لأنَّ شيئًا منها لَمْ يقعِ البيان عن وقوعه بالفعلِ، فلا يكون واجبًا؛ لما ذكرتموه من لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 1918

والجواب: أنَّا قد ذكرنا أنَّ الحديثَ دلَّ علَى وجودِ القصد (١) إلَى الوضوءِ، وأن ذلك كافٍ في الإجزاءِ، وذلك دافعٌ لمفسدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، أو نقولُ بأخذِ الوجوبِ لإحدَى النيَّاتِ المعنيَّة من دليل آخر، ويتمُّ البحث إلَى آخره. التاسعة والأربعون: البيانُ في هذا الحديث بالفعلِ؛ كما في حديث عثمان، وعبد الله بن زيد ﵄، إلا أنَّهُ هاهُنا أقوَى؛ لأنَّ الفعلَ هاهنا فعلُ النبيِّ ﷺ ، وبه وقع البيان، وفي ذَينك الحديثين البيانُ بفعل الراوي؛ فما (٢) يتعلَّقُ بمباحث الفعل التي ذكرنا بعضها ثَمَّ أقوَى هاهنا؛ لأنَّهُ حجَّةٌ جزمًا، لا يمكنُ (٣) النزاعُ فيه، وفي فعل (٤) الراوي يمكن أنْ يُنازَعَ في الاحتجاجِ به - إذا استُدلَّ به علَى مسألة مُتنازَعٍ فيها - بالنزاعِ في أنَّ فعلَ الصحابي حجةٌ. الخمسون: قد يُتوهَّمُ أنَّ البيانَ هاهُنا بالقولِ، وهو قوله ﷺ : "هَكَذَا الوُضُوءُ"، وليس الأمرُ كما يُتوهَّمُ، بل هذا اللفظُ بيانٌ؛ لأنَّ الفعلَ بيانٌ، فالبيانُ بالفعلِ الذي دلَّ هذا (٥) اللفظُ علَى أنَّهُ بيان؛

стр. 1919

أي: المقصود به البيان، لا لأنَّ هذا اللفظ بنفسه مِن غيرِ واسطة بيانٌ. الحادية والخمسون: المباحثُ الأصوليةُ التي تتعلَّقُ بجواز البيان بالفعلِ، وأنه هل هو أقوَى من البيانِ بالقولِ، أو لا (١)؟ تأتي (٢) هاهُنا، والاستدلال بهذا الحديث كما بيَّنا أقوَى من الاستدلالِ بذينك الحديثين؛ أعني: حديث عثمان وعبد الله بن زيد، ﵄. [الثانية والخمسون: لا شكَّ أنَّ الحديثَ يقتضي انحصارَ الوضوءِ فيما وقعَ] (٣) من الفعلِ المشارِ إليه بيانًا؛ لأنه لو لَمْ ينحصرِ الوضوء في الفعلِ المشار إليه؛ إمَّا بزيادة أو نقصان، لَمْ يحصلِ البيانُ؛ لأنَّهُ إذا كان الوضوءُ فيه أمرٌ زائدٌ، لَمْ يكنْ هذا الفعلُ بيانًا للوضوء؛ لنقصانه عن بعض ما يَنطلِقُ عليه اسمُ الوضوء، وكذلك إنْ كَان هذا الفعلُ فيه زيادةٌ عن الوضوءِ، فلا بيانَ للوضوء؛ لاشتباهِ الشيء بما ليس منه (٤). الثالثة والخمسون: هذا الحصرُ الذي ذكرناه مأخوذٌ من ضرورةِ كونِ الفعل بيانًا، فلو أردنا (٥) أنْ نأخذَهُ من جهة حصرِ المبتدأ في الخبرِ

стр. 1920

كما اشتُهِرَ، احتجنا إلَى تعيين المبتدأ أو الخبر، فيقال (١): المبتدأ هو (الوضوء)، و (هكذا) هو الخبر؛ لأنَّ الكافَ؛ إمَّا حرفٌ للجر، والجارُّ (٢) والمجرور هو الخبر، وإمَّا اسمٌ بمعنى (مِثْل) علَى مذهب من يراه، فالمشهورُ أنَّ (مِثلًا) لا تتعرَّفُ بالإضافةِ، فتكون نكرةً، وقد حكينا ما يُشعِرُ بقَبولها [للتعريف] (٣) إذا أُضيفَتْ إلَى معرفةٍ بشرطٍ تقدَّمَ، وقد أُضيفت هاهنا إلَى اسم الإشارة، وهو معرفة، فإنْ وُجِدَ الشرطُ في تعريفها فقد اجتمعَ معرفتان؛ أعني: المبتدأ والخبر، والمشهورُ أنَّهُ لك أنْ تجعلَ أيَّ المعرفتين المبتدأَ، والآخر الخبر، فتأمَّلْ حكمَ الحصر حينئذٍ. وأما إذا كان المبتدأُ معرفةً، والخبر نكرة، فلا إشكالَ في عدم الحصر؛ كما إذا قلنا: زيد قائم، فإنه لا ينحصرُ زيدٌ في القيامِ قطعًا. الرابعة والخمسون: إذا كان (الوضوء) هو المبتدأ، وقوله (٤) ﷺ : "هكذا" هو الخبر، فيقتضي ذلك انحصارَ الوضوء في الفعلِ المشار إليه، ويلزمُ منه أنَّ ما لا يكونُ منه لا يكونُ وضوءًا، أو ليس من الوضوءِ، فيمكنُ أنْ يستدلَّ به في المسائلِ التي يقعُ الخلافُ

стр. 1921

فيها (١)؛ [إمَّا] (٢) في الوجوبِ، وإما في الاستحبابِ. ويُستدلُّ بذلك من جانب من ينفي أحدَهما بأنْ يقول مثلًا: مسحُ الرقبة ليس بسنة؛ لأنَّ الحصرَ يقتضي خروجَهَ عن مُسمَّى الوضوء، ولو كان سنةً لدخلَ في مُسمَّاه. ولو استُدلَّ به علَى أنَّ المضمضةَ والاستنشاقَ ليسا بواجبين تعيَّنَ ما ذكرناه، وهو أنَّ الحصرَ يقتضي خروجَ ما لَمْ يقعْ في الفعلِ عن الوضوء، ولم تقعِ المضمضةُ والاستنشاقُ فيه لكان مُشكلًا؛ فإنه إمَّا أنْ يُحمَلَ "هَكَذَا الوُضوءُ" علَى الوضوءِ المشروع، أو الوضوءِ الواجب، لا سبيلَ إلَى الأول؛ لأنَّ المضمضةَ والاستنشاق مشروعان إجماعًا، ولا سبيل إلَى الثاني؛ لأنه قد وقعَ في الفعلِ ما ليس بواجبٍ؛ كتكرار المغسول، وذلك يمنعُ (٣) من حملِ الوضوء المذكور علَى الوضوءِ الواجب. ويمكنُ أنْ يجابَ عنه بوجوهٍ: منها: أن تكونَ الإشارةُ راجعةً إلَى عدد المرَّات، ويُحمَلُ الوضوءُ حينئذٍ علَى المشروعِ، [وما زاد علَى ذلك فليس بمشروعٍ] (٤)، ويشهدُ لذلك السياقُ، وهو قولُهُ عقبَ ذلك: "فمَنْ زادَ علَى هذا، أو

стр. 1922

نَقَصَ"، فلم يتعرَّضْ ﷺ لغيرِ الزيادة والنقص بعد التعريف للوضوء، ولو كان المرادُ غيرَ ذلك، لأشبهَ أن لا يقتصرَ في السياقِ علَى الزيادة والنقص، إذا حملناه علَى الزيادةِ في العددِ والنقصان (١) منه. ورُبَّما يُدَّعى أنَّ القرينةَ شاهدةٌ بهذا الحَمل، ولا يُشكِلُ علَى هذا إلا نقصانُ العدد عن الثلاثِ؛ فإنه إذا حُمِلَ لفظُ (الوضوء) علَى المشروعِ يلزمُ منه أن لا تكونَ المرتان من المشروعِ، ولا المرةُ كذلك، وسيأتي الكلام علَى معنى النقصان إن شاء الله تعالَى. [ومنها] (٢) - وهو جدليٌّ - أنْ يُقَال: نختارُ أنَّ المرادَ الوضوءُ المشروع، وقوله: لا سبيل إلَى ذلك؛ لأنَ المضمضةَ والاستنشاق مشروعان بالإجماع. قلنا: لا نُسلِّم حينئذ (٣)؛ أي: عندَ فعل هذا الوضوء، ولا بدَّ من دليل يدلُّ علَى ذلك، وإلا لَمْ يلزمِ امتناعُ هذا التفسير؛ أعني: تفسير الوضوء بالمشروعِ. الخامسة والخمسون: لقائلٍ أنْ يعترِضَ علَى هذا، و (٤) يقول: إمَّا أنْ يحملَ الوضوءُ المذكور في الحديثِ علَى الوضوء المشروع، أو

стр. 1923

علَى الوضوءِ الواجب. والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ المضمضةَ والاستنشاق مستحبَّان في الوضوءِ بالإجماع، فيكونان مشروعين بالضرورةِ، وما ذكرتَهُ يقتضي عدمَ المشروعية، وهو باطلٌ بالإجماعِ. والثاني أيضًا باطل؛ لأنه قد فُعلَ في ذلك الوضوء ما ليس بواجب؛ كغسلِ اليدين في ابتداء الوضوء، وتكرارِ أعداد الغسلات. وعند الانتهاء إلَى هذا فيمكن أنْ يقال: عدمُ المشروعيةِ أعمُّ من عدمها وجوبًا، أو عدمها استحبابًا، فإذا امتنعَ حملُها علَى المشروعيةِ بجهة الاستحبابِ، حُملَتْ علَى عدم المشروعية بجهة الوجوب، وهو المطلوب. السادسة والخمسون: قولُهُ في الحديث: "فَقَدَ أَسَاءَ وظَلَمَ، أو ظَلَمَ وأَسَاءَ" داخلٌ في الشكِّ من (١) الراوي، لا أنَّهُ في لفظِ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ الواوَ لمَّا لَمْ تقتضِ الرُّتبةَ، فلا فرقَ بين ظلم وأساء، وأساء وظلم، ولا اختلافَ في المعنى، ولو كانَ من لفظِ النبيِّ ﷺ لاقتضَى ذلك اختلافًا في المعنى. السابعة والخمسون: يجبُ النظرُ في مدلول الإساءةِ والظلم، هلْ هُما بمعنى واحد، أم لا؟

стр. 1924

وإذا اختلفَ معناهما، فهل بينَهما عمومٌ وخصوصٌ، أم لا؟ فإنْ كَان معناهما واحدًا، فعطفُ أحدِهما علَى الآخرِ من باب العطفِ عندَ اختلافِ اللفظ واتحادِ المعنى؛ كـ: أقوَى (١) وأقفرَ، والنأيِ والبعدِ، والكذب والمَيْن، فيما ورد من ذلك في أشعارهم (٢)، وإنْ كَان بينهما اختلافٌ (٣) * * *

стр. 1925

الحديث الخامس وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ (١) فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إنَائِهِ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي فيمَ (٢) بَاتَتْ يَدُهُ". أخرجه مسلم (٣).

стр. 1926

[وقد تقدَّم ذِكر أبي هُريرةَ] (١).

стр. 1927

ثُمَّ الكلامُ عليهِ من وجوه: * الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنَّ مُسلمًا أخرجَهُ، والحديثُ لأبي هُريرةَ، رواهُ جماعةٌ: جابرُ بن عبدِ الله، وعبدُ اللهِ بن شقيق، وأبو رَزِين، وأبو صالح، وأبو سلمةَ، والأعرجَ، ومحمدُ بن سيرين، وعبدُ الرحمن والدُ العلاءِ، وهَمَّامُ بن مُنبِّه، وثابتٌ مولَى عبد الرحمن، وكلُّ هذه عندَ مسلم، ولم تُسقْ ألفاظُها كاملةً إلا لفظُ روايةِ جابرٍ، وروايةِ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ. فأمَّا روايةُ جابرٍ فهيَ التي ذكرناها في الأصلِ، وأما روايةُ عبد الله ابن شقيق فلفظُها عندَهُ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِنَ نومِهِ فلا يَغْمِسْ يدَهَ في الإناءِ حتَّى يغسلَهَا ثلاثًا؛ فإنَّهُ لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" (١). وصدَّر مسلمٌ بروايةِ عبد اللهِ بن شقيقٍ، وأحالَ بالمثلِ في روايةِ أبي رَزِين، وأبي صالحٍ، وأبي سلمةَ، وابنِ المُسيِّبِ، ثمَّ ذكرَ روايةَ جابرٍ، وتابعَ بروايةِ الأعرجِ، ومحمدٍ، ووالدِ العلاءِ، وهَمَّامٍ، وثابتٍ مولَى عبدِ الرحمنِ، مِن غيرِ سياقةِ اللفظِ، وقالَ في روايتهِم جميعًا: عن (٢) النبيِّ ﷺ بهذا الحديثِ؛ كُلُّهُم يقولُ: "حتَّى يغسِلَها" (٣)، ولمْ

стр. 1928

يَقُلْ واحدٌ منهم: "ثلاثًا"، إلا ما قدَّمنا من روايةِ جابرٍ، وابنِ المُسيِّبِ، وأبي سلمةَ، وعبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، وأبي صالحٍ، وأبي رَزين، فإنَّ في حديثِهِم ذِكرَ الثلاث (١). * * * * الوجهُ الثاني: في شيءٍ من العربيةِ، وفيه مسائل: الأولَى: استيقظَ: (استفعلَ) من اليَقَظةِ (٢). الثانية: (ظلَّ) و (باتَ) يكونانِ تامَّينِ وناقصينِ، قالَ أبو الحسنِ ابنُ عُصفور: إنْ كَانا تامَّين كانتْ (ظلَّ) تدُلُّ علَى إقامةِ الفاعلِ (٣) نهَارَهُ، و (باتَ) علَى إقامةِ الفاعلِ ليلَهُ. وإنْ كَانا ناقصينِ جازَ أنْ يكونَ فيهِما [ضميرُ] (٤) أمرٍ وشأن، وأنْ لا، وتكونُ (ظلَّ) للدلالةِ علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في النهارِ، و (باتَ) علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في الليلِ، فيكونُ (ظلَّ زيدٌ قائمًا)؛ أي: وقعَ قيامُهُ في نهارٍ، و (باتَ زيدٌ ضاحكًا)؛ أي: وقَعَ ضَحِكُهُ في الليلِ.

стр. 1929

وقدْ يكونانِ بمعنَى صارَ، ومنهُ قولُهُ تعالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، وقد حُمِلَ [قولُهُ] (١) ﷺ : "فإنَّ أحدَكُم لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" علَى ذلكَ؛ أي: صارتْ (٢). وقالَ أبو موسَى الجُزُوليُّ (٣): و (ظلَّ) لمصاحبةِ الصفةِ الموصوفَ نهارَهُ و (باتَ) ليلَهُ. قالَ الأُبَّدِيُّ الشارحُ: يعني: أنَّ (ظلَّ) و (باتَ) ناقصين يدُلان علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في النهارِ والليلِ، وتكونُ بمعنَى صارَ؛ كقولهِ تعالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]؛ أي: صار، وقوله تعالَى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، وقوله ﵇: "فإنَّ أحدَكُم لا يدري أينَ باتَتْ يدُهُ"؛ أي: صارتْ، ومعناهُما تامَّتين: أقامَ نهارًا أو ليلًا.

стр. 1930

الثالثة: إنْ كَانَتْ (باتَ) تامةً (١). الرابعة: أفعالُ القُلوبِ، [ومنها] (٢) درَى، تُعلَّقُ عن العملِ في اللفظِ إذا حالَ بينها وبينَ معمُولهِا ما من شأنِهِ أنْ يكونَ لهُ صدرُ الكلامِ، وأنْ يقطَعَ ما بعدَهُ عمَّا قبلَهُ، فيكونَ [ذلِكَ] (٣) الحائلُ مانعاً من العملِ في لفظِ ما بعدَها من المبتدأِ والخبرِ اللذينِ لولا المانعُ الداخلُ لأفضَى الفعلُ إليهِما، فنصَبَهُما علَى أنَّهُما مفعولان لهٌ. الخامسة: هذه الموانعُ المشارُ إليها، مِنها: أنْ يكونَ المعمولُ اسمَ استفهامِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ﴾ [طه: ٧١]. أو مضافاً إليه: علِمتُ صاحِبَ أيِّهُم [أنتَ] (٤). أو همزةُ (٥) الاستفهامِ: علِمتُ أزيدٌ قائمٌ أو عمرو؟ أو لامُ الابتداءِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢].
следующие страницы →