← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

[وقد تقدَّم ذِكر أبي هُريرةَ] (١).

стр. 1927

ثُمَّ الكلامُ عليهِ من وجوه: * الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنَّ مُسلمًا أخرجَهُ، والحديثُ لأبي هُريرةَ، رواهُ جماعةٌ: جابرُ بن عبدِ الله، وعبدُ اللهِ بن شقيق، وأبو رَزِين، وأبو صالح، وأبو سلمةَ، والأعرجَ، ومحمدُ بن سيرين، وعبدُ الرحمن والدُ العلاءِ، وهَمَّامُ بن مُنبِّه، وثابتٌ مولَى عبد الرحمن، وكلُّ هذه عندَ مسلم، ولم تُسقْ ألفاظُها كاملةً إلا لفظُ روايةِ جابرٍ، وروايةِ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ. فأمَّا روايةُ جابرٍ فهيَ التي ذكرناها في الأصلِ، وأما روايةُ عبد الله ابن شقيق فلفظُها عندَهُ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِنَ نومِهِ فلا يَغْمِسْ يدَهَ في الإناءِ حتَّى يغسلَهَا ثلاثًا؛ فإنَّهُ لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" (١). وصدَّر مسلمٌ بروايةِ عبد اللهِ بن شقيقٍ، وأحالَ بالمثلِ في روايةِ أبي رَزِين، وأبي صالحٍ، وأبي سلمةَ، وابنِ المُسيِّبِ، ثمَّ ذكرَ روايةَ جابرٍ، وتابعَ بروايةِ الأعرجِ، ومحمدٍ، ووالدِ العلاءِ، وهَمَّامٍ، وثابتٍ مولَى عبدِ الرحمنِ، مِن غيرِ سياقةِ اللفظِ، وقالَ في روايتهِم جميعًا: عن (٢) النبيِّ ﷺ بهذا الحديثِ؛ كُلُّهُم يقولُ: "حتَّى يغسِلَها" (٣)، ولمْ

стр. 1928

يَقُلْ واحدٌ منهم: "ثلاثًا"، إلا ما قدَّمنا من روايةِ جابرٍ، وابنِ المُسيِّبِ، وأبي سلمةَ، وعبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، وأبي صالحٍ، وأبي رَزين، فإنَّ في حديثِهِم ذِكرَ الثلاث (١). * * * * الوجهُ الثاني: في شيءٍ من العربيةِ، وفيه مسائل: الأولَى: استيقظَ: (استفعلَ) من اليَقَظةِ (٢). الثانية: (ظلَّ) و (باتَ) يكونانِ تامَّينِ وناقصينِ، قالَ أبو الحسنِ ابنُ عُصفور: إنْ كَانا تامَّين كانتْ (ظلَّ) تدُلُّ علَى إقامةِ الفاعلِ (٣) نهَارَهُ، و (باتَ) علَى إقامةِ الفاعلِ ليلَهُ. وإنْ كَانا ناقصينِ جازَ أنْ يكونَ فيهِما [ضميرُ] (٤) أمرٍ وشأن، وأنْ لا، وتكونُ (ظلَّ) للدلالةِ علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في النهارِ، و (باتَ) علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في الليلِ، فيكونُ (ظلَّ زيدٌ قائمًا)؛ أي: وقعَ قيامُهُ في نهارٍ، و (باتَ زيدٌ ضاحكًا)؛ أي: وقَعَ ضَحِكُهُ في الليلِ.

стр. 1929

وقدْ يكونانِ بمعنَى صارَ، ومنهُ قولُهُ تعالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، وقد حُمِلَ [قولُهُ] (١) ﷺ : "فإنَّ أحدَكُم لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" علَى ذلكَ؛ أي: صارتْ (٢). وقالَ أبو موسَى الجُزُوليُّ (٣): و (ظلَّ) لمصاحبةِ الصفةِ الموصوفَ نهارَهُ و (باتَ) ليلَهُ. قالَ الأُبَّدِيُّ الشارحُ: يعني: أنَّ (ظلَّ) و (باتَ) ناقصين يدُلان علَى وقوعِ مضمونِ الجملةِ في النهارِ والليلِ، وتكونُ بمعنَى صارَ؛ كقولهِ تعالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]؛ أي: صار، وقوله تعالَى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، وقوله ﵇: "فإنَّ أحدَكُم لا يدري أينَ باتَتْ يدُهُ"؛ أي: صارتْ، ومعناهُما تامَّتين: أقامَ نهارًا أو ليلًا.

стр. 1930

الثالثة: إنْ كَانَتْ (باتَ) تامةً (١). الرابعة: أفعالُ القُلوبِ، [ومنها] (٢) درَى، تُعلَّقُ عن العملِ في اللفظِ إذا حالَ بينها وبينَ معمُولهِا ما من شأنِهِ أنْ يكونَ لهُ صدرُ الكلامِ، وأنْ يقطَعَ ما بعدَهُ عمَّا قبلَهُ، فيكونَ [ذلِكَ] (٣) الحائلُ مانعاً من العملِ في لفظِ ما بعدَها من المبتدأِ والخبرِ اللذينِ لولا المانعُ الداخلُ لأفضَى الفعلُ إليهِما، فنصَبَهُما علَى أنَّهُما مفعولان لهٌ. الخامسة: هذه الموانعُ المشارُ إليها، مِنها: أنْ يكونَ المعمولُ اسمَ استفهامِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ﴾ [طه: ٧١]. أو مضافاً إليه: علِمتُ صاحِبَ أيِّهُم [أنتَ] (٤). أو همزةُ (٥) الاستفهامِ: علِمتُ أزيدٌ قائمٌ أو عمرو؟ أو لامُ الابتداءِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 1931

أو (١) دخولُ (إنَّ) وفي خبرها اللامُ: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. أو دخولُ ما النافية: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. و (إنْ) بمعنَى النفي (٢). السادسة: إنما منعَتْ هذهِ الموانعُ عندهُم؛ لأنَّ العرَبَ جَعَلَتْ لها صدرَ الكلامِ؛ أي: لمْ يستعمِلوها إلا في صدرِ جملةٍ، وإعمالُ الفعلِ الذي قبلَها في المبتدأِ و (٣) الخبر يُخرجُها عمَّا وضِعَتْ له منَ الصدريَّة (٤). وقالَ بعضُ المتأخرينَ في لامِ الابتداءِ: إنَّ من خصائصها أنْ تقطعَ ما بعدها عمَّا قبلها، وإلا لمَ (٥) دُعيَتْ لامُ الابتداء؟ قالَ: إنما سُمِّيتَ هانئاً (٦) لتَهنأ.

стр. 1932

وهذا استدلالٌ طريفٌ منْ حيثُ اللفظُ إلا أنَّهُ غير عامٍّ في جميعِ الموانعِ، ولم يَقصِد العمومَ. السابعة: هذا التعليقُ إنما هوَ بالنِّسبَةِ إلَى العملِ في اللفظِ، وأمَّا الموضعُ فإنَّ الفعلَ يعملُ فيه، واستدَلَّ علَى ذلكَ بقولِ كُثيِّرٍ [من الطويل]: وما [كُنْتُ] (١) أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ ما الهَوَى ... ولا مُوجِعاتِ القَلبِ حتَّى تَوَلَّتِ (٢) فعَطْفُ (موجعاتِ)، وهو منصوبٌ، علَى الجملةِ التي هِيَ (ما الهوَى)، دليلٌ علَى أنَّ الجملةَ في موضعِ النصبِ، وهذا الفرقُ بين التعليقِ والإلغاءِ؛ لأنَّ الإلغاءَ لا يعملُ في لفظٍ ولا موضعٍ؛ كقولِكَ: (زيدٌ قائمٌ ظَنَنتُ)، ويفترقانِ أيضاً في الوجوبِ والجوازِ، فالتعليقُ في مَحلِّهِ واجبٌ، والإلغاءُ إبطالُ العملِ علَى سبيلِ الجوازِ. الثامنة: التعليقُ بالعشرة لازمٌ لمعاني هذهِ الألفاظِ، فالعلمُ لا بدَّ لهُ من مُتَعلقٍ، وهو المعلومُ، والظنُّ لا بدَّ لهُ من مُتَعلقٍ، وهو المظنونُ، وكذلكَ سائِرُها، وإذا كانَ كذلِكَ ونَظَرْنا إلَى المعنَى فلا بُدَّ وأن نعلمَ مُتَعلقَ هذهِ الأفعال فيما تدخُلُ عليهِ، وقد يظهرُ ذلكَ في بعضِها،

стр. 1933

وُيشكِلُ في بعضها؛ فأمَّا في (علِمت أزيدٌ قائمٌ)، و (ما زيدٌ قائمٌ)، و (إنَّ زيداً لقائمٌ)، فلكَ أن تجعلَ المعنَى مدلولَ تلكَ الألفاظ، فـ (علمت لزيدٌ قائمٌ)، و (علمتُ أنَّ زيداً لقائمٌ) معناه: (علمتُ قيامَ زيد)، وكذلِكَ (علمتُ ما زيدٌ قائمٌ) معناهُ: عَدَمَ قيامِ زيدٍ، أمَّا الاستفهامُ فمُشكِلٌ، ولفظُ الحديثِ الذي نحن فيهِ، وهوَ: "لا يدري فيمَ باتَتْ يدُه"، أو "أينَ باتتْ يدُه"، منْ هذا النوعِ. ووجهُ الإشكالِ: أنَّا إذا نظرنا إلَى هذا التعليقِ لمْ يمكنْ أنْ يكونَ المتعلقُ (١) لا اللفظَ ولا مدلولَ اللفظِ؛ أما اللفظُ فإنِّما هو صيغةُ (أزيدٌ أم عمرو)، وليسَ المرادُ تعلقَ العلمِ بذلكَ، وكذلكَ المدلولُ، هو الاستفهامُ، وليس الاستفهامُ متعلقَ العلمِ؛ لأنَّهُ ليسَ المرادُ (علِمتُ الاستفهامَ)، فهو مشكلٌ. قالَ الشيخُ العلامةُ أبو عَمرو بنُ الحاجبِ ﵀ في قولكَ: (علِمتُ أزيدٌ عندَكَ أم عَمرو) مُعلِّلاً لامتناعِ الإِعمالِ: لأنَّ ما قبلَ الاستفهامِ لا يعملُ فيما بعدَهُ، قالَ: وإنْ كَان في المعنَى مُراداً، ومعناهُ علِمتَ أحَدَهُما بعينهِ عندَكَ منهُما؛ لأنَّ المعنَى علِمتُ جوابَ ذلكَ؛ وجوابُ ذلك إنما هو بالمتعيِّنِ (٢)؛ [أو قالَ: بالتعيُّن] (٣).

стр. 1934

وكذلكَ قالَ في (علِمتُ لزيدٌ مُنطلقٌ): إنَّ المعنَى: (علِمتُ زيداً مُنطلقاً) (١). وهذا الذي ذَكَرَهُ في الاستفهامِ، وأنَّ المعنَى علِمتُ جوابَ ذلك، يقتضي أنْ يكونَ هاهُنا حذفُ مضاف. * * * * الوجهُ الثالث: في المباحثِ والفوائد (٢): نقدم (٣) في ابتدائِها قواعدَ أُصُوليَّة، ونبينُ في المسائلِ وجهَ الحاجةِ إليها. الأولَى: من القواعدِ الأصوليةِ أخذُ التعليلِ منَ (الفاءِ)؛ إمَّا بأنْ يتقدمَ الحكمُ علَى ما دَخَلَتْ عليهِ، وتكونُ داخلةً علَى العِلَّةِ: "لا تُخمرُوا رأسَهُ؛ فإنَّهُ يُبعَثُ يومَ القِيامةِ مُلَبِّياً" (٤)، "زَمِّلُوهُم بكُلُومِهِم؛ فإنَّهُم يُحشَرونَ يومَ القيامةِ، وأوداجُهُم تَشخُبُ دَماً" (٥).

стр. 1935

وإمَّا بأن تدخل (الفاءُ) علَى الحُكمِ، فتكونُ العلةُ متقدمةً: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة:٣٨]، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. الثانية: قد اشتركَ الأمرانِ في التعليلِ؛ أعني: تقديمَ الحكمِ علَى ما دخلتْ عليهِ الفاءُ [ودُخولَ الفاءِ] (١) علَى الحكمِ، لكنَّ الذي تَتقدَّمُ العِلةُ فيهِ علَى الحكمِ مُرجِّحٌ بالإشعارِ بالعلَّيةِ علَى التي تَدخُلُ الفاءُ فيه علَى الحكمِ، وعُلِّلَ بأنَّ إشعارَ العلةِ بالمعلولِ أقوَى [من إشعارِ] (٢) المعلولِ بالعلةِ؛ لأنَّ الطردَ واجبٌ في العللِ، والعكسُ غيرُ واجبٍ فيها (٣). الثالثة: (إن) المكسورةُ المشدَّدة (٤) المصدَّرُ بها الجملةُ تدُلُّ علَى التعليلِ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الاسراء: ٢٦ - ٢٧]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسرا: ٣٤] ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ

стр. 1936

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١]، "إنِّهَا ليسَتْ بنَجَسٍ؛ إنَّهَا من الطَّوَّافينِ عليكُمْ" (١). الرابعة: اللفظُ العامُّ إذا عادَ إليهِ ضميرٌ يتأخرُ (٢) عنهُ يقتضي تخصيصَ الحكمِ ببعضِ أفرادِهِ، فهل يُوجِبُ أنْ يكونَ ذلِكَ العامُّ خاصاً؛ لأجلِ عَودِ الضميرِ علَى بعضِ أفرادِهِ فقط، أو لا، ويبقَى (٣) علَى عمومِهِ؟ اختلفوا فيه (٤). الخامسة: ينبغي أنْ يُنظَرَ أنَّ مناسبَةَ الوصفِ للحكمِ هل تُوجِبُ مناسبةَ نقيضِهِ لنقيضِه، أو لا توجبُ إلا عدمَ مناسبةِ النقيضِ لذلكَ الحكمِ (٥)؟

стр. 1937

السادسة: [ النظرُ] (١) في حكمِ مفهومِ الصفةِ (٢) وغيرِها. السابعة: لنا نظرٌ [في] (٣) أنَّ [لفظَ] (٤) الوَضوءِ - بالفتحِ -[هل] (٥) هو دالٌّ علَى مُطلَقِ الماءِ حتَّى يكونَ مُرادفاً لهُ، إذْ (٦) هو دالٌّ علَى الماءِ بقيدِ نسبتِهِ إلَى الوضوءِ، وموجودٌ في كلامِهِم: أنَّ الوَضوءَ - بالفتحِ - عبارةٌ عن الماءِ، والوُضوءُ - بالضمِّ - المصدرُ، مثلَ: الوَقود والوُقود. ورأيتُ في كتابِ "المسالكِ" المنسوب للقاضي أبي بكر بن العربي حكايَتَهُ عن الفراءِ أنَّهُ قال: الوَضوءُ - بالفتح -: اسمُ الماء الذي يُتَوَضأُ به، وبالضم: هو الفعلُ، مصدرُ وضأَ وضاءَةً ووضُوَءاً.

стр. 1938

فإنْ كَان قوله: اسمُ الماءِ الذي يُتَوضَّأُ بهِ، أرادَ به هذا المعنَى الذي أشرنا إليه، وأنَّ تسميتَهُ (١) بذلك مفيدةٌ بالنِّسبَةِ إلَى الوضوءِ، فقد حصَلَ النقلُ عن أهلِ اللغةِ علَى هذا التقديرِ. وإنْ أُريدَ بهِ: الذي من شأنِهِ ومن صِفَتِهِ أنْ يُستعملُ في الوضوءِ، فلا يفيدُ بهذا (٢) الذي ذكرناه، وقد كانَ وقعَ لي أنْ يستدلَّ في هذا بما وقَعَ في حديثِ ميمونةَ ﵂ في صفةِ الغُسل (٣). الثامنة: اللفظُ يقتضي تعليقَ الحكمِ بمُسمَّى النوم، فما يُسمَّى (٤) نوماً يتَرَتّب عليه الحكمُ؛ طويلاً كانَ، أو قصيراً، والحنابلةُ اختلفوا: قالَ صاحبُ "المُغني": والنومُ الذي يتعلقُ به الأمرُ بغسلِ اليدِ ما نقَضَ الوضوءَ؛ ذكَرَهُ القاضي؛ لعمومِ الخبرِ في النومِ. وقالَ ابنُ عَقيل: هو ما زادَ علَى نصفِ الليلِ؛ لأنَّه لا يكونُ بائتاً إلا بذلكَ، واستشهدَ بالدفعِ منَ المزدلفةِ (٥). والاعتراضُ علَى الأوَّلِ: أنَّ انتقاضَ الوضوءِ (٦) لا يدورُ علَى

стр. 1939

مُسمَّى النومِ وجوداً أو عدَماً؛ فإنَّ القاعِدَ إذا نامَ يُحكَمُ بعدمِ انتقاضِ طهارتهِ، ولا ينتفي عنهُ اسمُ النومِ، وفي حديثِ أنسٍ [الصحيح] (١): كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ينامونَ، ثم يُصلُّونَ، ولا يَتَوضَّؤون (٢)، فأثبَتَ النومَ، ونفَى الانتقاضَ. ويقولُ الفُقهاءُ: نومُ القاعدِ لا يَنقُضُ الطهارةَ. والحكمُ هاهُنا مُعَلقٌ بنفسِ المُسمَّى، فَمَن عَلَّقَهُ بما ينقُضُ فقد زادَ قيداً فيما يتَرَتَّبُ عليهِ الحكمُ، وعليه فيه الدليلُ، ولا يصِحُّ القولُ بإدخالِهِ في عمومِ الخبرِ؛ فإنَّهُ لمْ يقلْ بالعمومِ حينئذٍ؛ أي: علَى تقديرِ اعتبارِ النومِ الناقضِ، بل بالخصوصِ؛ فإنَّ النومَ الناقضَ أخصُّ من مُطلقِ النومِ. والاعتراض علَى الثاني من وجهين: أحدهما: أنَّهُ سَنُبينُ أنَّ العِلَّةَ في هذا الحُكمِ احتمالُ النجاسةِ، أو التلبُّس بالمُستقذراتِ؛ صيانةً للماءِ، وهذا مجزومٌ بهِ لا يتَطرَّقُ إليهِ شَكٌّ، وفي التقيِّيدِ بنصفِ الليلِ فما فوقَهُ إبطالٌ لهذا التعليلِ؛ فإنَّ إمكانَ الاتصالِ بالنجاسةِ أو المستقذرِ لا يختَصُّ بنصفِ الليلِ قطعاً.

стр. 1940

[و] (١) الثاني: إذا كانَ الأمرُ كما ذكرنا (٢)، فـ (أينَ) سؤالٌ عن المكانِ، فإنَّ (٣) تقديرَ الكلامِ: فإنَّهُ لا يدري المكانَ الذي أقامَتْ يدُهُ فيهِ نصفَ الليلِ، [وهذا لا يصِحُّ؛ لأنَّ مثلَ هذا الكلامِ، يقتضي حصولَ الإقامةِ نصفَ الليلِ] (٤)، كما إذا قيلَ: لا أدري أيُّ بلدٍ أقامَ فيهِ فلانٌ شهراً؟ فإنَّه يقتضي أنْ يكونَ قد أقامَ ببلدٍ شهراً، إلا أنَّ المتكلمَ لا يدري عينَ (٥) ذلكَ المكانِ. وكذا لو قالَ: لا أدري أيُّ الدارينِ دخَلَها فلانٌ؟ فإنَّه يقتضي أنَّهُ قد عَلِمَ دُخولَ إحداهُما، ولم يجهل إلا التعيينَ. وكذلكَ في هذا النظيرِ يقتضي (٦) أنْ تكونَ اليدُ أقامَتْ في مكانٍ من بدنِهِ نصفَ الليلِ، إلا أنَّهُ لمْ يَدْرِ عينَهُ، والحكمُ عامٌّ - كما دلَّ الحديثُ عليهِ - في كلِّ مُستيقظٍ من النومِ، فيلزَمُ علَى هذا التقديرِ أنْ يكونَ إقامةَ اليدِ في مكانٍ نصفَ الليلِ حاصلٌ لكلِّ مستيقظٍ، وهذا باطلٌ جَزماً.

стр. 1941

التاسعة: تعليقُ الحكمِ بالاستيقاظِ تعليقٌ لهُ بالصِّفةِ، فمَن يقولُ بدلالتِهِ علَى نفي الحُكمِ عما عَدَاهُ (١) يحتاجُ إلَى اعتذارٍ عن هذا؛ لأنَّ استحبابَ الغسلِ لا يَختَصُّ بالاستيقاظِ من النومِ عندَ الفقهاءِ، بل هو مُستحَبٌ في [ابتداءِ] (٢) كلِّ وضوءٍ، وكلامُ الشافعيةِ مُختلفٌ [فيه] (٣)، فمنهُم من يُطلقُ الاستحبابَ في ألفاظِهِ عندَ الكلامِ علَى هذا الحكمِ، والشيخُ أبو إسحاق لمَّا قالَ في "تنبيهِهِ": ثمَّ يغسِلُ يديهِ ثلاثاً، فإنْ كَان قد قامَ من النومِ، كُرِهَ له أنْ يَغمسَ كفَّيهِ في الإناءِ قبلَ أنْ يغسلَهُما ثلاثاً (٤). اقتضَى كلامُه أنَّ الغسلَ مُستحَبٌّ في صفةِ الوضوءِ؛ وأنَّ [كراهةَ] (٥) الغَمسِ فيما إذا قامَ منَ النومِ. ومعلومٌ أنَّ استحبابَ الفعلِ لا يلزَمُ منهُ كراهةُ التركِ، فعلَى هذا (٦) يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّهُ وَفَّينا بدلالةِ المفهومِ؛ لأنَّ الثابتَ عندَ الاستيقاظِ من النومِ هو الكراهةُ، وأنها مُنتَفيةٌ عندَ غيرِ هذهِ الحالةِ؛

стр. 1942

أعني: في ابتداءِ الوضوءِ؛ لما بيَّنا أنَّ استحبابَ الفعلِ لا تُلازمُهُ كراهةُ [التركِ، ولا استحبابُ تركِ الفعلِ مُلازِمةٌ كراهةَ] (١) الفعل. العاشرة: لمْ يخُصُّوا الحكمَ بحالةِ الاستيقاظِ؛ كما أشرنا إليهِ؛ أعني: طلبيةَ الغسلِ قبلَ الإدخالِ في الإناءِ. قالَ إمامُ الحرمينِ في "النهايةِ" بعد أنْ ذكرَ الاستحبابَ المذكورَ، ثمَّ قالَ: [قال] (٢) الأئمةُ: هذهِ السُّنَّةُ قائمةٌ وإنْ استيقنَ المرءُ طهارةَ يدِهِ، ولا فرقَ بين أنْ يستيقظَ منْ [نومِهِ] (٣)، وبينَ أنْ يُقدمَ علَى الوضوءِ عن دوامِ اليقظةِ (٤). وقالَ الشيخُ أبو القاسمِ البصريُّ المالكي بعد أنْ ذكرَ الاستحبابَ عندَ الاستيقاظِ من النومِ: وكذلكَ كلُّ مُنتقضِ الطهارةِ من متغوطٍ وبائلٍ وجُنُبٍ وحائضٍ وماسٍّ لذَكَرِهِ ومُلامِسٍ لزوجَتِهِ. وإنما حَمَلهُم علَى [هذا] (٥) النظرُ إلَى العلَّةِ المذكورةِ في الحديثِ، وأنها موجودةٌ في غيرِ حالةِ النوم، وهي إمكانُ تَطوافُ (٦)

стр. 1943

اليدِ علَى البدنِ، وقد يوجَدُ ذلكَ منَ المستيقِظِ (١) في حالِ غفلاتِه، ولعلَّ ذلكَ أكثرُ وُقوعاً منَ المستيقِظِ (٢) في تصرفاتِهِ وتحركاتِهِ، وإنما جرَى ذكرُ النومِ؛ لأنهُ مظنَّةُ الغفلَةِ غالباً، وفي ذكرِ السببِ المرتبِ علَى النومِ ما يُشعِرُ بتعميم المعنَى، والحُكمُ [يَعمُّ] (٣) بعمومِ علَّتِهِ. الحادية عشرة: في مطاوي هذا الكلامِ الذي حَكيناهُ ما يُشعِرُ بأنَّ العلَّةَ في حالِ اليقَظَةِ؛ [أعني:] (٤) التطوافَ، أكثرُ منها في حالِ النومِ، ورُبَّما ادُّعي ذلك، فإن صحَّ فيكونُ هذا من بابِ مفهومِ الموافقةِ، ولا يحتاجُ إلَى الجوابِ عن اقتضاءِ المفهومِ مخالفةَ الحكمِ. الثانية عشرة: قد نقلنا نصَّ إمامِ الحرمينِ علَى: أن هذه السنَّةَ قائمةٌ، وإنْ استيقنَ طهارةَ يديهِ (٥)، وقالَ أيضاً: [و] (٦) لو استيقنَ المتوضِّئُ طهارةَ يديهِ، فغَسلُ اليدين في حَقِّهِ سنةٌ أيضاً. وبعضُ المتأخرينَ عن زمانِهِ يَذكُرُ فيما إذا لمْ يكنْ قد قامَ منَ النومِ؛ أي: وهو يتحقَّقُ طهارةَ [يديه] (٧): أنَّهُ بالخيارِ؛ إنْ شاءَ غمَسَ

стр. 1944

يديهِ (١) في الإناءِ، وغرَفَ منهُ الماءَ، ثمَّ يَغسِلُ كفَّيهِ، وإنْ شاءَ أفرغَ الماءَ علَى يديهِ فغسلَهُما، ثمَّ غَمَسَ؛ أي: يديهِ (٢) في الإناءِ (٣). [و] (٤) ظاهرُ هذا الكلامِ إنَّما هو التخييرُ مِن غيرِ [ترجيحِ] (٥) الاستحبابِ. وقالَ: فإنْ (٦) لمْ يدرِ [حالهما] (٧)، أو كان قد قامَ منَ النومِ، ولم يدرِ حالهما، فالمُستحَبُّ أنْ لا يَغمِسَ يدَهُ في الإناءِ حتَّى يغسِلَهُما (٨) ثلاثاً. قالَ: ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: غَسلُ اليدينِ (٩) قبلَ إدخالهِما [في الإناءِ] (١٠) مُستَحَبٌّ، وإنْ تيقَّنَ طهارةَ يدهِ، والمذهبُ الأولُ (١١).

стр. 1945

وهذا ممَّن أطلَقَ لفظَ الاستحبابِ علَى حالةِ القيامِ من النومِ. الثالثة عشرة: المالكيةُ يذكُرونَ خِلافاً في أنَّ هذهِ (١) عِبادةٌ، أو للنظافةِ؟ ويريدونَ بالعبادةِ التَّعبُّدَ، وبُنِيَ عليهِ ما إذا تيقَّنَ طهارةَ يدِهِ، وأنَّهُ هل يغسلهُما مجموعتينِ أو مُتفرقتين، وأنَّهُ هل تُشتَرطُ النيةُ (٢)؟ فعلَى التعبُّدِ تثبُتُ هذهِ الأحكامُ؛ أعني: الغَسلَ مع تَيقُّن الطهارةِ، وغَسلَهُما مفردتينِ، واشتراطَ النيةِ، ومع التعليلِ بالنظافةِ تنتفي هذهِ الأحكامُ. وفي كلامِ بعضِ الحنابلةِ [أيضاً] (٣) ما يقتضي أنَّهُ تعبد، ذَكرَ ذلك في تعليلٍ ومُباحثةٍ أورَدَهُما (٤). فنقولُ: إنْ كَان مَحَلُّ هذا الخلافِ استحبابَ غسلِ اليدينِ في ابتداء الوضوءِ - وإنْ لمْ يكنْ نومٌ - فهذا قريبٌ، وإنْ كَان مَحَلُّهُ ما إذا قامَ من النومِ فهو بعيدٌ [جدًّا] (٥)؛ لما يَدُلُّ عليهِ اللفظُ من التعليلِ، وتقتَضيهُ مناسبةُ الوصفِ للحكمِ، فلا وجهَ لقولِ من يقولُ بالتَّعبُّدِ هاهُنا.

стр. 1946

الرابعة عشرة: يستدلُّ المالكيةُ علَى التعبُّدِ - أو مَنْ قالَ منهم - بطلبِ العددِ، ويقولونَ: لو كان للنظافةِ [لم يُعتَدَّ بالعدد] (١)، وكذا قالوا في تعدادِ المراتِ في غسلِ الإناءِ من ولوغِ الكلبِ. وهو ضعيفٌ؛ لأنَّهُ لا يلزمُ من كونِ الشيءِ مَقصوداً انحصارُ المقصودِ فيهِ، وقد يكونُ معهُ شيءٌ آخرُ مقصودٌ، وهو زيادةُ الاستظهارِ في التطهيرِ بالعددِ. الخامسة عشرة: قد ذكرنا أن المُعَمِّمين (٢) للحكمِ يُعَلِّلُونهُ بعُمومِ العِلةِ، وهاهُنا طريقٌ (٣) أخرَى تُخيَّلُ من خيالِ الفقهاءِ، وهو أنَّ أسبابَ النجاسةِ، قد يخفَى دَرْكُها علَى مُعظَمِ الناسِ، فيَعتقدُ انتفاءَ السببِ يقيناً، وليس الأمرُ علَى ما يَعتقدُهُ، فاطَّردَتِ السُّنَّةُ علَى الناسِ كافةً. وشُبِّهَ هذا بالعِدَّةِ المنوطَةِ بالوطءِ؛ فإنها تَجِبُ لتبرِئَةِ الرحِمِ، وقد تجِبُ مع القَطعِ ببراءةِ الرحمِ تعميماً للبابِ. قال: وقالَ بعضُ المُصَنفين: إذا استيقَنَ المرءُ طهارةَ يدَيهِ فلا عليهِ أنْ يَغمِسَ يديهِ، ولكِنَّا نستحبُ غَسلَ اليدينِ مع هذا (٤). قالَ: وهذا عندي خطأٌ، فليُقَدِّم غَسلَ اليدينِ علَى غَمسِهما، إذ الغرضُ تعميمُ رعايةِ الاحتياطِ في حقُوقِ الناسِ، وذلك يتعلقُ بالماءِ.

стр. 1947

وهذا الذي قالَهُ (١) فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ يقتضي ثبوتَ هذا الحُكمِ في حالةِ التَّيَقُّنِ، والحكمةُ (٢) إذا تُيُقِّنَ انتفاؤُها لا نثُبِتُ الحكمَ بالمظنةِ علَى قاعدةِ مذهبِ الشافعي ﵁ بدليلِ مسألةِ المشرقي والمغربية. وأما العِدَّةُ والاستبراءُ فقد عُلِمَ أنَّ المقصودَ بهما براءةُ الرحِمِ جَزماً، وصيانةُ المياهِ عن الاختلاطِ، فمهما احتملَ وقوعُ هذ المفسدةِ وجَبَ الحُكمُ بالتحريمِ جَرياً علَى ظواهِرِ (٣) العموماتِ والألفاظِ الدالةِ علَى الحكمِ؛ أعني: الوجودب، وإنْ انتفَى الاحتمالُ وحصلَ القطعُ بانتفاءِ المفسدةِ؛ فإِمَّا أنْ يقومَ الإجماعُ علَى الوجوبِ، أو لا، فإنْ قامَ وجَبَ اتباعُهُ، ويكونُ الدليلُ علَى الحكمِ هاهُنا هو الإجماعُ، وإنْ لمْ يقُمْ إجماعٌ علَى ذلِكَ الحُكمِ فالقياسُ الإباحةُ، وعلَى من يوجِبُ التحريمَ مع انتفاءِ العلةِ قطعاً الدليلُ (٤). السادسة عشرة: ما تقدمَ في القواعدِ من اقتضاءِ (الفاء) و (إنّ) للتعليلِ، ومقتضَى ذلك تعليلُ الأمرِ أو النهي السابقِ علَى دخولِ الفاءِ بعدمِ الدرايةِ المذكورةِ، أعني: دراية "أينَ باتَتْ يدُهُ"، ومناسبةُ هذا

стр. 1948

تحتاجُ إلَى أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الغَمسَ قبلَ الغَسلِ يُفضِي إلَى مَفسَدَةٍ، أو قد يُفضِي إليها، فبهذا تتِمُّ المناسبةُ. فَمِنَ الناسِ من يقولُ: إنَّ التطوافَ قد يُفضِي إلَى مُمَاسةِ مَحَلِّ النجاسةِ؛ أي: محلِّ الاستنجاءِ بالأحجارِ؛ لأنَّهُ كانَ عادَتَهُم. ومنهُم من يُحيلُ ذلِكَ علَى أَعَم مِنَ النجاسةِ، وهوَ مُماسةُ ما يُستَقذَر. والأول: مُقتَضَى مذهبِ [مَنْ يرَى أنَّ النجاسةَ تُفسِدُ قليلَ الماءِ. والثاني: مُقتَضَى مذهبِ] (١) من يرى أنَّهُ لا يَفسُدُ الماءُ إلا بالتغيرِ. السابعة عشرة: فإذا كانَ كلُّ واحدٍ مِنَ الأمرينِ مُحتَمَلاً، فلا بُدَّ لِكُلِّ واحدٍ ممَّنْ قالَ بقولٍ [من] (٢) ترجيحِ مَذهَبِهِ (٣)، فَيُمكِنُ أنْ يُرَجَّحَ الأولُ بأنَّ عنايةَ الشرعِ بالتحرُّزِ عنِ النجَاسَةِ أقوَى مِنْ عنايتِهِ بالتحرُّزِ عن المستقذراتِ، فالظاهرُ انصرافُ الحكمِ إليهِ. ويُمكِنُ الثاني أنْ يُرَجَّحَ (٤) بأنَّ مُلامسةَ النائمِ المستقذراتِ أكثرُ

стр. 1949

وأقربُ (١) من ملامَسَتِهِ لِمَحَلِّ الاستنجاءِ، وإذا كانَ أكثرَ و (٢) أقربَ وُقوعاً، فَحَمْلُ اللفظِ عليهِ أولَى؛ لأنَّ المناسَبَةَ فيهِ أكثرَ. وقد قالَ بعضُهُم: إنَّ موضِعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يدُ النائمِ إلَّا معَ القصدِ لذلِكَ. وقالَ أيضًا: ولو كانَ غَسلُ اليدينِ بتجويزِ (٣) ذلكَ، لأَمَر بغسلِ الثيابِ؛ لجوازِ ذلِكَ عليها. قالَ: والأظهرُ ما ذَهَبَ إليهِ العراقيونَ مِنَ المالكيةِ وغيرهِم: أنَّ النائِمَ لا يكَادُ يَسلَمُ مِن حَكِّ (٤) مغابِنِه (٥)، أو بَثْرةٍ في بَدَنِهِ، وموضعِ عَرَقِهِ، وغير ذلكَ، فاستُحِبَّ لهُ غَسلُ يدِهِ تَنَظُّفاً (٦). وفي كلامِهِم ما يشعر بأنَّ العلَّةَ احتمالُ مَسِّ نجاسةٍ خَرَجَتْ مِنهُ لمْ يَعلمْ بها (٧)، أو غيرِ نجاسةٍ ممَّا يُتَقَذَّرُ، وكانَ هذا تَعليلاً يَعُمُّ النائمَ

стр. 1950

والمستيقظَ [وغيرَهُ] (١). واعتُرضَ عليهِ: بأنَّ النجاساتِ لا تخرجُ في الغالبِ إلا بِعلمٍ مِنهُ، وما لمْ يعلمْ به، فلا (٢) حُكمَ لهُ. الثامنة عشرة: صريحُ الأمرِ [بغسلِ اليدِ يقتضي] (٣) طلبِيَّةَ (٤) ذلك، وصريحُ النهيِ يقتضي تركَ ذلكَ، لكنْ في حقِّ المستيقظِ من النومِ. ورأيتُ في كتابِ "الأنوارِ" لأبي الحُسينِ بن زرقونَ: أنَّ ابنَ شَعبانَ حكَى عن مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ أنْ يُدخِلَ المستيقِظُ يَدَهُ في الإناءِ قَبلَ غَسلِها. وفي سماعِ ابنِ القاسمِ في "العتبية" ما ظاهِرُهُ مثلُ ما حَكَى ابنُ شَعبانَ من إجازةِ ذلكَ ابتداءً. وهذا الكلامُ المحكيُّ عنِ ابنِ شعبانَ يحتملُ أمرين: أحدَهُما: أنْ يُريدَ بالمستيقِظِ منْ لمْ يقمْ من النومِ، فعلَى (٥) هذا يوافقُ دلالةَ مفهومِ المخالفةِ الذي قَدَّمنا الكلام [فيه] (٦).

стр. 1951

ويحتملُ أنْ [يُريد] (١) المستيقظَ منَ النومِ، فعلَى هذا يكونُ مُخالفاً للحديثِ، إنْ لمْ يُردْ بقولهِ: (لا بأسَ) نفيَ التحريمِ فقط. التاسعة عشرة: ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وظاهرُ النهي التحريمُ، وأكثرُ الفقهاءِ أخرجوا كلَّ واحدٍ منهُما عنْ ظاهِرِهِ، وبعضُهُم يقولُ بظاهِرِهِ في الوجوبِ والتحريمِ، و [الإمامُ] (٢) أحمدُ فَرَّقَ بينَ نومِ الليلِ ونومِ النهارِ، فأوجَبَ ذلِكَ في نومِ الليلِ دونَ نومِ النهارِ؛ لأجلِ لفظةِ المبيتِ (٣). وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ أنَّهُ قال: القياسُ في نومِ النهارِ مثلُ نومِ الليلِ، وإنما خَرَجَ ذِكرُ المبيتِ علَى الأغلبِ؛ لأنَّهُ نومٌ كُلُّه (٤). وقد ذكرنا [ما] (٥) في لفظِ (المبيتِ) في [وجهِ] (٦) العربيةِ. العشرون: أرادَ بعضُ أتباعِ أحمدَ ذِكرَ الفرقِ بينَ نومِ الليلِ ونومِ النهارِ، وامتناعِ قياسِ نومِ النهارِ على نومِ الليلِ، فذكرَ وجهين:

стр. 1952

أحدهما: أنَّ الحُكمَ ثبتَ تعبُّداً فلا تَصِحُّ تعديتُه (١). الثاني: أنَّ الليلَ مَظِنَّةُ النومِ والاستغراقِ فيهِ، وطولِ مُدَّتِهِ، واحتمالُ إصابةِ يدِهِ لِنجاسةٍ لا يشعرُ بها آكدُ منَ احتمالِ ذلكَ في (٢) نومِ النهارِ (٣). قلت: أما القَولُ في هذا بالتَّعبُّدِ، ففيهِ عن الصوابِ تَبَعُّدٌ، وكيفَ يذهبُ إليهِ معَ ظُهورِ التعليلِ منَ (الفاءِ) و (إنَّ)، ومناسبةِ ما دلَّ اللفظُ عليهِ من العلةِ للحكمِ [المعلَّل] (٤). وفي المنقولِ عن بعضِ فضلاءِ المالكيةِ: أنَّهُ اختلفَ العلماءُ في غسلِ اليدِ قبلَ إدخالها في الإناءِ عندَ الوضوءِ هل ذلكَ للعبادةِ، أو معللٌ بالنظافةِ (٥)؟ (٦). وهذا أقربُ قليلاً ممَّا ذَكرَهُ الحنبليُّ؛ لأنَّه لمْ يفرِضِ المسألةَ عندَ القيامِ من النومِ، وإنَّما فرضَها عندَ الوضوءِ، فلا يقعُ الحكمُ بالتَّعبُّدِ

стр. 1953

مُصادِماً لما دلَّ عليهِ التعليلُ في حديثِ المستيقظِ من النومِ (١). الحادية والعشرون: الذينَ أخرجوا الأَمرَ عن ظاهرِهِ في الوجوبِ، والنَّهيَ عن ظاهِرِهِ في التحريمِ، يستَدِلون - أو بعْضُهُم - علَى عَدَمِ الوجوبِ بأنَّ الحُكمَ مُعَللٌ بالشكِّ؛ لقولهِ ﵇: "فإنَّهُ لا يدري أينَ باتَتْ يَدُهُ"، والشَّكُّ لا يوجِبُ حُكماً في الشرعِ. واعتُرضَ عليهِ بوجهينِ: أحَدهما: منعُ كونِ الشَّكِ لا يُوجِبُ حُكماً في الشرعِ؛ فإنَّ النائمَ يجبُ عليهِ الوُضوءُ، والأصلُ عدمُ خروجِ الخارجِ منهُ، وليسَ الظاهرُ خروجَ الحدثِ، ولا الغالبُ، حتَّى يُحكمَ بهِ علَى الأصلِ، فليسَ إلا مُجرَّدَ الاحتمالِ المخالفِ للأصلِ، فليكُنْ كذلِكَ في غسلِ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما الإناءَ؛ لتساويهِما في أنَّ الأصلَ عَدمُ الموجِبِ، وأنَّ المخالفةَ له غيرُ متيَقَّنةٍ (٢)، بل رُبُّما يُدَّعَى تَرَجُّحُ هذه المسألةِ علَى مسألةِ النومِ؛ لأنَّ جولانَ اليدِ أغلبُ من خروجِ الحَدَثِ عندَ النومِ. ولقد شجعَ القاضي أبو بَكر بنُ العربي - وذلكَ من شأنِهِ ﵀ مع مالكيَّتِهِ حيثُ قالَ - فيما وجدتُهُ عنهُ في "عارضةِ الأحوَذِيّ في شرحِ كتابِ الترمذي" -: والصحيحُ وجوبُ الغَسلِ من

стр. 1954

طريقِ الأثرِ والنظرِ، وذلكَ أنَّهُ قالَ في الحديثِ: "فإنَّ أحَدَكُم لا يدرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ"، فعَلَّلَ بذلك؛ كما علَّلَ في وجوبِ الوُضوءِ من النومِ: "فإذا نَامَتِ العينانِ استطلَقَ الوِكَاءُ" (١)، وكما يوجِبُ النومُ الوضوءَ، كذلكَ يُوجِبُ غسلَ اليدِ، هذا إذا لمْ يكنِ استنجَى بالماءِ، وفي المذهبِ أنَّ منْ شكَّ هل أصابَتهُ نجاسةٌ، أمْ لا؟ وَجَبَ عليهِ غَسلُ اليدِ في مشهورِ المذهبِ، والصحيحُ أنَّهُ لا يَجِبُ (٢)، انتهَى. الوجهُ الثاني مِنَ الاعتراضِ: أنَّ مُرسِلَ السَّهمِ والكلبِ علَى الصيدِ، إذا وُجِدَ مع ذلِكَ أمرٌ يُمكنُ أنْ يَكُونَ له مدخَلٌ في الموتِ حَرُمَ الصيدُ (٣)، وإرسالُ السهمِ والكلبِ سببٌ ظاهِرٌ في الموتِ، وقد أُزِيل باحتمالِ إحالةِ الموتِ علَى ما طَرَأَ، مع مخالفَتِهِ للظاهِرِ. فأمَّا الاعتراضُ الأولُ: فأجابَ الجُوريُّ الشافِعيُّ (٤) - وهو بضَمِّ الجيمِ، والراءِ المُهمَلَةِ - في شرحِهِ لكلامِ الشافعيِّ ﵁ بأنَّ النائِمَ

стр. 1955

يخرجُ مِنهُ الريحُ فلا يشعرُ بِهِ، والأغلبُ من الناسِ كذلك، وإذا انتبَهَ لمْ يَكُنْ لهُ سبيلٌ إلَى معرفةِ حدثٍ إنْ كَان تقدَّمَ [في النومِ] (١)، فَمِن أجلِ ذلِكَ وَجَبَ عليهِ الوضوءُ؛ وإنْ لمْ يتيقَّنِ الحدث، وليسَ كذلكَ إدخالُ اليدِ في الإناءٍ؛ لأنَّ الذيَ يتَخَوَّفُ عليهِ أنْ يكونَ [مَسَّ] (٢) موضِعَ الاستنجاءِ في نومِهِ، فتعلَّقَ بيدِهِ من بقايا الاستنجاءِ، وإذا (٣) انتبهَ كانَ لهُ سبيلٌ إلَى معرفةِ ذلِكَ إنْ كَانَ أصابَهُ ريحٌ تَعلقُ بيدِهِ أو لون، فإذا لمْ يجدْه كانَ علَى يقينِهِ الأول، فلذلكَ لمْ يجبْ عليهِ الوضوءُ هاهنا فرضًا، واللهُ أعلمُ. وهذا الذي ادَّعاهُ من الأغلبيةِ بخروجِ الريحِ في النومِ من الناسِ غيرُ مُسَلَّم. وأما الاعتراضُ الثاني: فُيجابُ عنهُ بأنَّ الأصلَ تحريمُ الميتةِ إذا لمْ تقَعْ في الحيوانِ ذكاةٌ، وحِلُّها في حالةِ الصَّيد رُخصةٌ؛ إحالةَ علَى الظاهرِ، فإذا وقعَ ما يُوجِبُ الشَّكَّ رَجَعنا إلَى الأصلِ، وهو تحريمُ الميتة. وهاهنا يرجعُ إلَى الأصلِ، وهو طهارةُ اليدِ، [فلا يثبتُ الوجوبُ؛ وفيه نظرٌ] (٤).

стр. 1956

الثانية والعشرون: اختلفَ الفُقهاءُ في تعارضِ الأصلِ والظاهرِ؛ أيُّهُما يُرَجَّح؟ فلقائِل أنْ يقولَ: الحديثُ يقتَضي ترجيحَ الظاهرِ لمخالفةِ الحُكمِ للأَصلِ، ورأيتُ الإشارةَ إلَى هذه المسألةِ في هذا الحديثِ في كتابِ "المسالكِ" المنسوبِ للقاضي أبي بكرٍ بنِ العربيِّ، وأنَّهُ قالَ: سمعت أبا بكرٍ الطَّرطوشي (١) يقولُ بالمسجدِ (٢) الأقصَى - طهَّرهُ الله -: خَرَجتُ مِنَ الأندلسِ، وقد تفقَّهتُ (٣) علَى الباجِيِّ ولَزِمتُهُ مُدَّةً؛ ودَخَلتُ بغدادَ فأَتَيتُ (٤) المدرسةَ، وكانَ النائبُ في إقامةِ التدريسِ بِها أبا سعيدٍ المُتُوَلِّي، فَسَمِعتُهُ يَقُولُ: خُذوا مسألة: إذا تعارضَ الأصلُ والظاهرُ بأيِّهِما يُحكَم؟ فما علِمتُ ما يقولُ، ولا دَرَيتُ إلَى ماذا يُشيرُ (٥).

стр. 1957

قالَ: ثمَّ لزِمتهُ حتَّى فَتَحَ اللهُ، وبلغْتُ ما بلغتُ مِنَ العلمِ. وفيما رأيتُهُ مِنِ النُّسخةِ تصحيفٌ لاسمِ أبي سعيدٍ المُتولي فَكَتَبتُهُ علَى الصوابِ. وذكَرَ القاضي هذه الحكايةَ بعدَ ألفاظٍ أوردَها لقصدِ تعظيمِ المسألةِ، وأنَّها تفتقرُ إلَى مزيدِ بيانٍ، واحتفالٍ في الاهتبالِ (١)، هذا معَ ادِّعاءِ أنَّ الظاهرَ يُخالفُ الأصلَ، وفيهِ نظرٌ؛ لاسيما إذا عُلِّلَ بإصابةِ مَحَلِّ الاستنجاءِ، فإنَّ كونَ الظاهرِ ذلكَ فيهِ بعدٌ، وقد قدَّمنا قولَ مَنْ قالَ: إنَّ موضِعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يدُ النائِمِ إلَّا معَ القصدِ لذلكَ، وما قالَهُ ظاهِرٌ أو قريبٌ من الظهورِ، وأمَّا إذا عُلّلَ بملامَسةِ المُستقذراتِ فدعوَى الظهورِ في ذلكَ أقرب. الثالثة والعشرون: جرَى الظاهريُّ علَى سبيلهِ المعروفةِ وطريقِهِ المألوفَةِ، وقالَ: زعَمَ قومٌ أنَّ هذا الغَسلَ خوفَ نجاسةٍ تكونُ في اليدِ، وهذا باطلٌ لا شكَّ فيهِ؛ لأنَّهُ ﵇ لو أرادَ ذلكَ لمَا عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَهُ، ولما (٢) كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ، وأيضاً فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسةٍ لكانَت الرِّجلُ كاليدِ في ذلِكَ، ولَكانَ باطنُ الفَخِذَينِ، وما بينَ الأليَتَينِ، أولَى بذلكَ.

стр. 1958

قالَ: ومِنَ العجبِ علَى أصُولهِم أنْ يكونَ ظَنُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسلَهُما ثلاثاً، فإذا تَيَقَّنَ كونَ النجاسَةِ فيهِ أجزأَ إزالتُهَا (١) بِغَسلَةٍ واحدةٍ. وإنَّما السببُ الذي من أجلِهِ وَجَبَ غَسلُ اليَدِ هو ما نصَّ رسولُ الله ﷺ من مَغيبِ النائِمِ عن دِرايَةِ أينَ باتَتْ يدُهُ فقط، ويجعلُ اللهُ تعالَى ما شاءَ سبباً لما شاء؛ (٢) كما جعلَ بُعدَ الريحِ الخارجِةِ من أسفَل سبَباً (٣) يوجِبُ الوضوءَ، وغَسلَ الوجهِ، ومسحَ الرأسِ؛ وغسلَ الذراعين؛ والرِّجلينِ (٤). فنقولُ: أمَّا قولُكَ: إنَّهُ باطِلٌ لا شَكَّ فيه؛ لأنه ﵇ لو أرادَ ذلكَ لما عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَهُ، ولما كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ. فإنْ أرَدْتَ بِهِ وجوبَ البيانِ بالنصِّ الصريحِ الذي لا يحتملُ التأويلَ فهذا باطلٌ، وكَم من نُصوصٍ في الكتابِ والسنةِ تحتاجُ في تعيينِ المرادِ مِنها إلَى نَظَرٍ دقيقٍ، ولو وَجَبَ البيانُ الصريحُ الذي لا يقبلُ الاحتمالَ لارتفعَ الخلافُ.

стр. 1959

وإنْ أردتَ ببيانِهِ ما هوَ أعَمُّ مِنْ ذلِكَ، فقدْ بيَّنَهُ ﷺ علَى حسبِ ما يَفهَمُهُ الناسُ، ويتخاطَبُونَهُ (١) بينهم؛ فأمَّا أصلُ التعليلِ فَقَد تَبَيَّنَ بـ (الفاءِ) و (ثمَّ)، وأمَّا كونُهُ لأَجلِ احتمالِ النجاسةِ، أو القذارةِ، فذلكَ لفَهمِ السياقِ في مثلِ هذا الكلامِ للعلةِ؛ لأنَّ مَنْ عَلِمَ من قواعِدِ الشرعِ التحرُّزَ (٢) مِنَ النجاسةِ، وتأثرَ الماءِ بوقوعِ النجاسةِ فيهِ، وطَلَبَ الشرعِ النظافةَ، وسَمعَ هذا اللفظ المُقتضي للتعليلِ، لمْ يَشكَّ بأنَّ المقصودَ التَّحرُّزُ؛ إمَّا عن النجاسةِ، أو القذارةِ. ومنْ زَعَمَ أنَّهُ لا فَرقَ بينَ أنْ يُؤمَرَ قاصدُ وضْعِ يدهِ في الماءِ للوضوءِ بِغَسلِهَا قبلَ ذلك؛ ويُعلَّلُ ذلِكَ بأنَّهُ لا يدري مبيتَ اليدِ أيَّ مكانٍ من الجسدِ، وبينَ أنْ يؤمَرَ بهذا الغسلِ في مثلِ هذه الحالةِ، ويعلَّلَ بهبوبِ الرياحِ، و (٣) نَعيقِ الغرابِ، بالنِّسبَةِ إلَى عدمِ (٤) المناسبةِ، فما بهِ في العقلِ من طباخٍ. وأما قولُهُ: فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسَةٍ لكانَتِ الرِّجلُ كاليدِ في ذلكَ، ولكانَ باطنُ الفخذينِ، وما بينَ الأَليتينِ، أولَى بذلكَ، فكأنَّهُ فهمَ أنَّ المقصودَ من قولِ مَنْ قالَ: إنَّ ذلِكَ للنجاسةِ،

стр. 1960

مُجرَّدُ إزالة النجاسة، وليسَ الأمرُ كذلِكَ، وإنما المقصودُ إزالةُ احتمالِ النجاسةِ؛ حَذَراً مِنْ أنْ تَصِلَ إلَى ماءِ الوضوءِ فتُفسِدَهُ، وهذا المعنَى مُحَالٌ في الفَخِذَينِ؛ لأنَّهُما لا تَعَلُّقَ للوضوءِ بِهِما، وإنَّما المقصودُ ما يتعلقُ بأعضاءِ الوضوءِ وغَسلِهِما، وتنزيهُ ماءِ الوضوءِ المستعملِ في أعضائِهِ عن احتمالِ التَّنجِيسِ. وأمَّا قَولُهُ: ومِنَ العَجَبِ علَى أُصُولهِم أنْ يكونَ ظَنُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسلَهُما ثلاثاً، فإذا تيقَّنَ كونَ النجاسةِ فيهِ أجزأَ إزالتُهَا بغسلةٍ واحدةٍ. فإمَّا أنْ يكونَ كلامُهُ معَ منْ يقولُ: إنَّ هذا الأمرَ للاستحبابِ أو الندبِ، أو مع منْ يقولُ بأنَّهُ للوجوبِ، فإنْ كَانَ الأولُ فقدْ [التزمَ] (١) ذلكَ، وقيلَ بأنَّه (٢) يُستَحَبُّ في غسلِ النجاسةِ التثليثُ، فإنَّهُ إذا استُحبَّ مع الشكِّ فلَأَنْ يُستَحَبَّ مع اليقينِ أولَى. وإنْ كَان مع منْ يقولُ بالوجوبِ فلأحمدَ بنِ حنبلٍ - وهوَ منَ القائلينَ بهِ - قولٌ: إنَّ النجاسةَ تُغسَلُ سبعاً؛ كما في الكلبِ، واختلفَ أصحابُهُ في وجوبِ التتريبِ علَى وجهينِ (٣)، فلا عجَبَ من

стр. 1961

الأؤلين، ولا منَ الآخِرين. وإنْ كَان [أحدٌ] (١) يقولُ بالوجوبِ (٢) عندَ الشكِّ والتردُّدِ، ولا يقولُ بهِ عندَ التيقنِ (٣)، فهو مخطئٌ. [بلْ منَ العجَبِ أنَّ الظاهريَّ نسِيَ ظاهِريَّتَهُ، وقالَ: إنَّهُ فرضٌ علَى كلِّ مستيقظٍ من النومِ؛ قلَّ أو كثُرَ، نهاراً كانَ أو ليلاً، قاعداً أو مضطَجِعاً أو نائِماً، في الصلاةِ أو في غيرِ الصلاةِ، كيفَ ما نامَ أنْ لا يُدخِلَ يدَهُ في وَضوئِهِ؟ في إناءٍ كان وُضوءهُ، أو منْ نهرٍ، أو مِن غيرِ ذلكَ، إلا حتَّى يغسِلَهَا ثلاثَ مراتٍ، وَيستنشِقَ، ويستنثِرَ ثلاثَ مراتٍ، فإنْ لمْ يفعلْ ذلِكَ لمْ يَجُزِ الوضوءُ ولا الصلاةُ؛ ناسياً في تركِ ذلكَ أو عامداً، وعليهِ أنْ يغسِلَهُما ثلاثَ مراتٍ، ويستنشِقَ كذلكَ، ثمَّ يبدأَ الوضوءَ والصلاةَ. والماءُ طاهرٌ بحسبِهِ إلا أنْ يُصَبَّ علَى يدِهِ ويَتَوضَّأُ دونَ أنْ يغمسَ يدَهُ، فوضُوءُهُ تامٌ، وصلاتُهُ تامةٌ، قالَ: برهانُ ذلكَ، ثمَّ أسنَدَ حديثاً من روايةِ أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفِ، عن أبي هريرةَ، ولفظُهُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ نومِهِ فلا يغمِسْ يدَهُ حتَّى يغسِلَها

стр. 1962

ثلاثاً؛ فإنَّهُ لا يَدرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" (١). ففي أوَّلِ كلامِهِ تخصيصُ هذا الحكمِ بالوضوءِ، والذي استدلَّ بِهِ لا تخصيصَ فيهِ، فالواجبُ أنْ يَعُمَّ الحُكمُ، وإنْ أخذَ ذلكَ منَ الحديثِ الذي فيهِ: "في إنائِهِ"، فذلكَ [بعيدٌ]، عن الصوابِ؛ لأنَّه يَتبعُ الأسماءَ، ويُجري الأحكامَ عليها، واسمُ الإناءِ لا ينطلقُ علَى النهرِ، وقد عدَّى الحكم إليه. وأمَّا أمرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ فإنَّهُ أورَدَ حديثَ أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ، فتوضَّأَ، فليَستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ، فإنَّ الشيطانَ يَبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وأتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ لفظُهُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فليستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ؛ فإنَّ الشيطانَ يبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وإسنادٍ آخرَ لفظُهُ: "إذا استيقظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فتوضَّأَ"؛ كما في الأولِ (٢)، فليسَ في شيءٍ منْ هذا ما يدُلُّ علَى كونِهِ يجبُ أنْ يغسلَها ثلاثَ مراتٍ، ويستنشقَ ويستنثرَ ثلاثَ مراتٍ، قبلَ أنْ يُدخِلَها في الإناءِ، وإنَّما الأمرُ فيهِ الأمرُ بالاستنشاقِ والاستنثارِ في الوضوءِ لا غير. هذا إنْ أوجَبَ الاستنشاقَ والاستنثارَ قبلَ إدخالِ اليدينِ في الإناءِ،

стр. 1963

وإنْ كَان مقصودُهُ مُجرَّدَ وجوِبِهِما، فهو مُجرَّدٌ (١) عن المسألةِ] (٢). الرابعة والعشرون (٣): إذا آلَ الأمرُ إلَى النظرِ في التعبُّدِ، فيمكنُ علَى طريقةِ من يرَى الأمرَ للاستحبابِ، والنَّهيَ للكراهةِ أنْ يُقالَ: [لو كانَ الأمرُ للوجوبِ لكانَ تعبُّداً، ولا يكونُ تعبُّداً، فلا يكونُ الأمرُ للوجوبِ. بيانُ الملازمةِ: أنَّه] (٤) لو كانَ الأمرُ للوجوبِ لامتنعَ التعليلُ بالعلةِ التي دلَّ الحديثُ علَى اعتبارها، وهو عدمُ درايةِ مكانِ مبيتِ اليدِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يوجِبُ الحكمَ؛ لأنَّ مخالفةَ الأصلِ بمجردِ الاحتمالِ والشكِّ غيرُ سائغٍ، وإذا امتنعَ كونُ العلةِ المذكورةِ التي دلَّ اللفظُ علَى اعتبارِها عِلَّةً (٥) للوجوبِ، فينبغي التعليلُ بها علَى تقديرِ (٦) الوجوب، فيَثبتُ التعبُّدُ علَى ذلكَ التقديرِ (٧)؛ لأنَّه لو ثبتَ [كونُهُ] (٨)

стр. 1964

مُعللاً؛ فإمَّا بها؛ وهو ممتَنعٌ لما ذكرناه، وإمِّا بغيرِها؛ وفيه إلغاءُ ما دلَّ اللفظُ علَى اعتبارِ عليَّتِهِ. وأمَّا انتفاءُ اللازمِ: وهو أنَّهُ لا يثبتُ تعبُّداً، فلأنَّ اليدَ يجبُ غسلُ كُلِّها، فلو وجبَ غسلُ الكفَّين منها لتعدَّدَ غسلُ الواجبِ مرتين، وهذا اللازمُ مُنتَفٍ بالقياسِ علَى سائرِ أعضاءِ الوضوءِ، فإنَّه لا شيءَ، ولا واحدَ منها، يجِبُ غسلُهُ مرَّتين. الخامسة والعشرون: قَولُهُ: "فليُفرِغ" يقتضي وجوبَ الصبِّ الذي يحصلُ بهِ مُسمَّى الغسلِ، ولأنَّهُ لا اكتفاءَ (١) إلا بهِ. السادسة والعشرون: قولُهُ في هذهِ الرِّوايةِ: "علَى يديهِ" يقتضي الإفراغَ عليهِما معاً ظاهراً، وهو قولُ ابنِ القاسمِ صاحبِ مالكٍ، قالَ: أُحِبُّ أن (٢) يُفرِغَ عليهما، والمنقولُ عن مالكٍ من روايةِ أشهبَ: أنَّهُ يُفرغُ علَى يدهِ اليمنَى فيغسِلها، ويُدخِلُها في إنائِهِ، فيغسلُ يدَهُ اليُسرَى (٣). وظاهرُ هذهِ الروايةِ ما ذكرناهُ؛ لأنَّه لو كانَ المرادُ الإفراغَ علَى إحدَى اليدينِ، ثمَّ علَى الأُخرَى، لناسبَ ذلكَ أنْ يُقالَ: ثلاثاً ثلاثاً.

стр. 1965

وفي روايةٍ عن عبدِ اللهِ بن زيدٍ: "فأفرغَ علَى يدهِ" (١)، وظاهرُهُ ما (٢) يقولُ مالكٌ، وأنَّه يُؤخَذُ الإفرادُ بالغسلِ من الإفرادِ بالذكرِ. السابعة والعشرون: الحنابلةُ - أو بعضُهم - يدَّعونَ أنَّ إطلاقَ لفظِ اليدِ ينصرِفُ إلَى الكفينِ، ويستدِلُّ بقولهِ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وإنَّما تُقطعُ يدُ السارقِ من مفصَلِ الكوعِ، والدِّيةُ الواجبةُ في اليدِ تجِبُ علَى من قطعَها من الكوعِ (٣). واسمُ اليدِ عندَ غيرهِم حقيقةٌ في جميعِ العضوِ، وما خرجَ عن هذ الحقيقةِ يُؤخَذُ من خارجٍ؛ كبيانِ الشارعِ بالفعلِ، أو قيامِ الأجماعِ علَى الحكمِ. الثامنة والعشرون: لا شكَّ أنَّ المُرادَ باليدِ أو اليدينِ هاهُنا [الكفُّ أو] (٤) الكفان؛ فعلَى طريقةِ الحنابلةِ، وهو ادَّعاءُ الظاهرِ فيهِ، لا حاجةَ إلَى أمرٍ زائدٍ، وعلَى طريقةِ غيرهِم يُؤخَذُ بالبيانِ الشرعي، وهو غسلُ الكفَّينِ علَى مُقتضَى رواية (٥).
следующие страницы →