← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الأؤلين، ولا منَ الآخِرين. وإنْ كَان [أحدٌ] (١) يقولُ بالوجوبِ (٢) عندَ الشكِّ والتردُّدِ، ولا يقولُ بهِ عندَ التيقنِ (٣)، فهو مخطئٌ. [بلْ منَ العجَبِ أنَّ الظاهريَّ نسِيَ ظاهِريَّتَهُ، وقالَ: إنَّهُ فرضٌ علَى كلِّ مستيقظٍ من النومِ؛ قلَّ أو كثُرَ، نهاراً كانَ أو ليلاً، قاعداً أو مضطَجِعاً أو نائِماً، في الصلاةِ أو في غيرِ الصلاةِ، كيفَ ما نامَ أنْ لا يُدخِلَ يدَهُ في وَضوئِهِ؟ في إناءٍ كان وُضوءهُ، أو منْ نهرٍ، أو مِن غيرِ ذلكَ، إلا حتَّى يغسِلَهَا ثلاثَ مراتٍ، وَيستنشِقَ، ويستنثِرَ ثلاثَ مراتٍ، فإنْ لمْ يفعلْ ذلِكَ لمْ يَجُزِ الوضوءُ ولا الصلاةُ؛ ناسياً في تركِ ذلكَ أو عامداً، وعليهِ أنْ يغسِلَهُما ثلاثَ مراتٍ، ويستنشِقَ كذلكَ، ثمَّ يبدأَ الوضوءَ والصلاةَ. والماءُ طاهرٌ بحسبِهِ إلا أنْ يُصَبَّ علَى يدِهِ ويَتَوضَّأُ دونَ أنْ يغمسَ يدَهُ، فوضُوءُهُ تامٌ، وصلاتُهُ تامةٌ، قالَ: برهانُ ذلكَ، ثمَّ أسنَدَ حديثاً من روايةِ أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفِ، عن أبي هريرةَ، ولفظُهُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ نومِهِ فلا يغمِسْ يدَهُ حتَّى يغسِلَها

стр. 1962

ثلاثاً؛ فإنَّهُ لا يَدرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" (١). ففي أوَّلِ كلامِهِ تخصيصُ هذا الحكمِ بالوضوءِ، والذي استدلَّ بِهِ لا تخصيصَ فيهِ، فالواجبُ أنْ يَعُمَّ الحُكمُ، وإنْ أخذَ ذلكَ منَ الحديثِ الذي فيهِ: "في إنائِهِ"، فذلكَ [بعيدٌ]، عن الصوابِ؛ لأنَّه يَتبعُ الأسماءَ، ويُجري الأحكامَ عليها، واسمُ الإناءِ لا ينطلقُ علَى النهرِ، وقد عدَّى الحكم إليه. وأمَّا أمرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ فإنَّهُ أورَدَ حديثَ أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ، فتوضَّأَ، فليَستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ، فإنَّ الشيطانَ يَبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وأتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ لفظُهُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فليستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ؛ فإنَّ الشيطانَ يبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وإسنادٍ آخرَ لفظُهُ: "إذا استيقظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فتوضَّأَ"؛ كما في الأولِ (٢)، فليسَ في شيءٍ منْ هذا ما يدُلُّ علَى كونِهِ يجبُ أنْ يغسلَها ثلاثَ مراتٍ، ويستنشقَ ويستنثرَ ثلاثَ مراتٍ، قبلَ أنْ يُدخِلَها في الإناءِ، وإنَّما الأمرُ فيهِ الأمرُ بالاستنشاقِ والاستنثارِ في الوضوءِ لا غير. هذا إنْ أوجَبَ الاستنشاقَ والاستنثارَ قبلَ إدخالِ اليدينِ في الإناءِ،

стр. 1963

وإنْ كَان مقصودُهُ مُجرَّدَ وجوِبِهِما، فهو مُجرَّدٌ (١) عن المسألةِ] (٢). الرابعة والعشرون (٣): إذا آلَ الأمرُ إلَى النظرِ في التعبُّدِ، فيمكنُ علَى طريقةِ من يرَى الأمرَ للاستحبابِ، والنَّهيَ للكراهةِ أنْ يُقالَ: [لو كانَ الأمرُ للوجوبِ لكانَ تعبُّداً، ولا يكونُ تعبُّداً، فلا يكونُ الأمرُ للوجوبِ. بيانُ الملازمةِ: أنَّه] (٤) لو كانَ الأمرُ للوجوبِ لامتنعَ التعليلُ بالعلةِ التي دلَّ الحديثُ علَى اعتبارها، وهو عدمُ درايةِ مكانِ مبيتِ اليدِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يوجِبُ الحكمَ؛ لأنَّ مخالفةَ الأصلِ بمجردِ الاحتمالِ والشكِّ غيرُ سائغٍ، وإذا امتنعَ كونُ العلةِ المذكورةِ التي دلَّ اللفظُ علَى اعتبارِها عِلَّةً (٥) للوجوبِ، فينبغي التعليلُ بها علَى تقديرِ (٦) الوجوب، فيَثبتُ التعبُّدُ علَى ذلكَ التقديرِ (٧)؛ لأنَّه لو ثبتَ [كونُهُ] (٨)

стр. 1964

مُعللاً؛ فإمَّا بها؛ وهو ممتَنعٌ لما ذكرناه، وإمِّا بغيرِها؛ وفيه إلغاءُ ما دلَّ اللفظُ علَى اعتبارِ عليَّتِهِ. وأمَّا انتفاءُ اللازمِ: وهو أنَّهُ لا يثبتُ تعبُّداً، فلأنَّ اليدَ يجبُ غسلُ كُلِّها، فلو وجبَ غسلُ الكفَّين منها لتعدَّدَ غسلُ الواجبِ مرتين، وهذا اللازمُ مُنتَفٍ بالقياسِ علَى سائرِ أعضاءِ الوضوءِ، فإنَّه لا شيءَ، ولا واحدَ منها، يجِبُ غسلُهُ مرَّتين. الخامسة والعشرون: قَولُهُ: "فليُفرِغ" يقتضي وجوبَ الصبِّ الذي يحصلُ بهِ مُسمَّى الغسلِ، ولأنَّهُ لا اكتفاءَ (١) إلا بهِ. السادسة والعشرون: قولُهُ في هذهِ الرِّوايةِ: "علَى يديهِ" يقتضي الإفراغَ عليهِما معاً ظاهراً، وهو قولُ ابنِ القاسمِ صاحبِ مالكٍ، قالَ: أُحِبُّ أن (٢) يُفرِغَ عليهما، والمنقولُ عن مالكٍ من روايةِ أشهبَ: أنَّهُ يُفرغُ علَى يدهِ اليمنَى فيغسِلها، ويُدخِلُها في إنائِهِ، فيغسلُ يدَهُ اليُسرَى (٣). وظاهرُ هذهِ الروايةِ ما ذكرناهُ؛ لأنَّه لو كانَ المرادُ الإفراغَ علَى إحدَى اليدينِ، ثمَّ علَى الأُخرَى، لناسبَ ذلكَ أنْ يُقالَ: ثلاثاً ثلاثاً.

стр. 1965

وفي روايةٍ عن عبدِ اللهِ بن زيدٍ: "فأفرغَ علَى يدهِ" (١)، وظاهرُهُ ما (٢) يقولُ مالكٌ، وأنَّه يُؤخَذُ الإفرادُ بالغسلِ من الإفرادِ بالذكرِ. السابعة والعشرون: الحنابلةُ - أو بعضُهم - يدَّعونَ أنَّ إطلاقَ لفظِ اليدِ ينصرِفُ إلَى الكفينِ، ويستدِلُّ بقولهِ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وإنَّما تُقطعُ يدُ السارقِ من مفصَلِ الكوعِ، والدِّيةُ الواجبةُ في اليدِ تجِبُ علَى من قطعَها من الكوعِ (٣). واسمُ اليدِ عندَ غيرهِم حقيقةٌ في جميعِ العضوِ، وما خرجَ عن هذ الحقيقةِ يُؤخَذُ من خارجٍ؛ كبيانِ الشارعِ بالفعلِ، أو قيامِ الأجماعِ علَى الحكمِ. الثامنة والعشرون: لا شكَّ أنَّ المُرادَ باليدِ أو اليدينِ هاهُنا [الكفُّ أو] (٤) الكفان؛ فعلَى طريقةِ الحنابلةِ، وهو ادَّعاءُ الظاهرِ فيهِ، لا حاجةَ إلَى أمرٍ زائدٍ، وعلَى طريقةِ غيرهِم يُؤخَذُ بالبيانِ الشرعي، وهو غسلُ الكفَّينِ علَى مُقتضَى رواية (٥).

стр. 1966

التاسعة والعشرون: الحكمُ المُعلَّقُ باسمِ العضوِ، يتعلقُ بجملةِ ما دلَّ عليهِ الاسمُ لا ببعضِهِ؛ لأنَّ الاسمَ حقيقةٌ في جملتهِ، وإطلاقُهُ علَى البعضِ خلافُ الحقيقةِ، فعلَى هذا: النهيُ المذكورُ في الحديثِ يتعلقُ بغمسِ جُملةِ الكفِّ حقيقةً، لا علَى البعضِ؛ فلو غَمَسَ بعضَ الكفِّ كظُفرٍ أو إصبَعٍ مثلاً، فهل يكونُ كغمسِ جميعِها؟ مُقتضَى ما ذكرناهُ أنَّهُ لا يتعلقُ النهيُ بهِ؛ ولكنَّ النظرَ إلَى العلةِ، وهيَ احتمالُ إصابةِ اليدِ النجاسةَ، أو المستقذرَ، يقتضي المساواةَ بينَ الكلِّ والبعضِ في الحكمِ؛ لعمومِ العلةِ، والاعتمادُ علَى هذا أولَى من الاعتمادِ علَى مُجرَّدِ الاسم؛ فإنَّه قد يحملُ [علَى] (١) أنَّ المُعتادَ أو الغالبَ في الاغترافِ للوضوءِ جملةُ الكفِّ، والحنابلةُ اختلفوا في هذا الفرعِ علَى الوجهينِ، والمرجَّحُ عِندنا ما ذكرناهُ منَ التساوي، والعجبُ ممن عَدلَ عن الاستدلالِ [بما ذكرناهُ] (٢) من العلةِ إلَى قياسٍ شبهيٍ ضعيفٍ، وهو قياسُهُ علَى النجاسةِ بجامعِ استواءِ الكلِّ والبعضِ فيما عُلِّق الحكمُ بجميعِهِ. الثلاثون: فيه دليلٌ علَى أنَّ للنَّجاسةِ (٣) إذا وردَتْ علَى الماءِ تأثيراً

стр. 1967

في المنعِ؛ لأنَّه لو لمْ يكُنْ لها عندَ التحقيقِ (١) أثرٌ، لما كانَ للنهي عندَ احتمالِ النجاسَةِ معنًى. الحادية والثلاثون: وفيهِ دليلٌ علَى الفرقِ بينَ مُرورِ النجاسةِ علَى الماءِ، وورودِهِ عليها؛ للنهيِ عن ورودِها، والأمرُ بورودِهِ. الثانية والثلاثون: يُستَدَلُّ (٢) بهِ علَى أنَّ الماءَ القليلَ ينجُسُ بوقوعِ النجاسةِ فيهِ بنحوِ ما قدَّمنا أنَّهُ لو لمْ ينجُسْ بتحقيقِ (٣) الوقُوعِ لما نُهِيَ عن الغمسِ باحتمالِ الوقوعِ، وأُورِدَ عليهِ أنَّهُ لا يثبتُ بذلِكَ إلا مُجرَّدُ التأثيرِ؛ وهو أعمُّ من التأثيرِ بالتنجيسِ، والتأثيرِ بالكراهةِ، والدالُّ علَى الأعمِّ غيرُ دالٍّ علَى الأخصِّ بعينهِ. واعترضَ علَى هذا بأنّهُ وإن (٤) كانَ التأثيرُ مُجرَّدَ الكراهةِ، وأنها ثابتةٌ قبلَ الغسلِ، لمْ يحصلْ فرقٌ بين التحقيقِ والتوهُّمِ. وأُجيبَ عنهُ بأنَّ مراتبَ الكراهةِ مُختلفَةٌ، فالثابتُ منها بعدَ التحقيقِ (٥) أغلظُ منَ الثابتِ قبلَهُ، وبهِ يثبتُ الفرقُ.

стр. 1968

ومع هذا ففي الدليلِ متانةٌ. الثالثة والثلاثون: الحكمُ يعُمُّ الوضوءَ والغَسلَ معاً؛ إمَّا بِلفظِ [ما] (١) يدُلُّ علَى العمومِ، أو (٢) ممَّا وردَ في بعضَ الرواياتِ: "في إنائِهِ" أو "في وضوئِةِ"، وفيهِ عمومٌ إذا قُلنا: إنَّ الوضوءَ اسمٌ لمطلقِ الماءِ، وإمَّا لعمومِ العلَّةِ إنْ لمْ يكنْ لفظٌ عام. الرابعة والثلاثون: في اللفظِ إيماءٌ (٣)؛ لأنَّ النهيَ مُختصٌّ بالماءِ القليلِ؛ لما يقتضيهِ لفظُ (الإناءِ) غالبًا، معَ الدلائلِ الدالةِ علَى اعتبارِ الكثرةِ في (٤) نفيِ التأثيرِ بالنجاسةِ، وعادة الاستعمالِ كذلك. الخامسة والثلاثون: الحديثُ يقتضي تعليقَ الحُكمِ بما يُسمَّى إناءً، فيقضي مذهبُ الظاهرِ والبعيدِ أنْ لا يتعدَّى إلَى النهرِ، وما لا يُسمَّى إناءً، والظاهريُّ عدَّاهُ إلَى [النهرِ] (٥)، والأحاديثُ التي أوردها في المسألةِ ليسَ فيها لفظُ عمومٍ بالنِّسبَةِ إلَى هذا اللفظِ يقتضي ما فعَلَ إلا في قولهِ في

стр. 1969

حديثِ أبي سلمةَ: "فلا يَغمِسْ يَدَهُ حتَّى يغسلَها ثلاثاً". وقد ذكرنا عن بعضِ الشافعيةِ فيما إذا توضَّأَ من بحرٍ أو نهرٍ: أنَّهُ لا يُستحَبُّ فيهِ [ذلِكَ] (١)، وهو جارٍ علَى ما ذكرناهُ من اعتبارِ لفظِ الإناءِ، واقتضائِهِ عدمَ دخولِ النهرِ (٢) في الحكمِ، مع سبقِ الذِّهن إلَى أنَّ المرادَ بلفظِ: "لا يغمسْ في الإناءِ" إمَّا لتبيُّن ذلكَ في الرواياتِ الأُخرِ (٣)، لاسيَّما إذا كانَ المخرجُ واحداً، وإمَّا للحملِ (٤) علَى العلِّيةِ، مع ما في الثاني من نظرٍ يُشغَّب به. السادسة والثلاثون: ذكَرَ بعضُ المصنفينَ: أنَّ في الحديثِ من الفقهِ إيجابَ الوضوءِ من النومِ لقولهِ: "فليغسِلْ يدَهُ قبلَ أنْ يُدخلَهَا في وَضُوئِهِ"، قالَ: وهو أمرٌ مُجمعٌ (٥) عليهِ في (٦) النائمِ المضطَجعِ إذا استثقلَ (٧) نوماً (٨).

стр. 1970

ولم يبيِّن هذا وجهَ الدليلِ من الحديثِ علَى وجوبِ الوضوءِ من النومِ، ولا هو بالواضحِ البيِّن بحيث يُستغنَى عن ذِكرِهِ، وهذا ممَّا يُعجَبُ منهُ، ويُمكنُ أنْ يُقَالَ فيهِ: إنَّ الحديثَ دليلٌ (١) علَى الأمرِ بالغسلِ في هذهِ الحالةِ عيناً؛ أعني: غيرَ مُعلَّقٍ بشرط، فلو كان الوضوءُ من النومِ غيرَ واجبٍ لما تعيَّنَ الأمرُ [بالغسلِ] (٢)، ولتعلَّقَ بذلكَ بتقديرِ (٣) إرادةِ الوضوءِ. السابعة والثلاثون: يَلزَمُ بمقتضَى هذا الحديثِ وهذا اللفظِ الظاهريِّ [الجانب] (٤) أنْ يُوجبَ غسلَ اليدينِ ثلاثاً قبلَ إدخالِهما في الإناءِ الفارغِ؛ لقولهِ: "قبلَ أنْ يُدخلَهُما في إنائِهِ"، وإدخالُهما في الإناءِ الفارغِ ينطلقُ عليهِ [هذا] (٥) الاسمُ فليجب. وذلكَ (٦) باطلٌ قطعاً؛ واللفظُ مفهومُ المعنَى في إدخالِها في الماءِ أو [في] (٧) غيره ممَّا في الإناءِ إنْ عَمَّمنا الحكمَ، ولعلَّهُ يأخُذُ

стр. 1971

ذلك من قولهِ: "فلا يغمس"؛ فإنَّهُ لا ينطلِقُ علَى إدخالِ اليدِ في الإناءِ الفارغِ غمساً ظاهراً، فإنْ كَانَ تَوهَّمَ ذلكَ وبنَى عليهِ، فيُقَالُ لهُ: دلَّ أحدُ الحديثينِ علَى النهيِ عن الغمسِ، ودلَّ الآخرُ علَى النهيِ عن الإدخالِ في الإناءِ، الذي هو أعَمُّ، ولا تعارُضَ بينهُما حتَّى يُحمَلَ النهيُ العامُّ علَى الغمسِ، وصارَ هذا كما وردَ من النهيِ عن مسِّ الذَّكرِ باليمينِ في الاستنجاءِ، [و] (١) منَ النهيِ عن مسِّ الذَّكرِ مُطلقاً؛ فلَم يحملْ أحدُهُما علَى الآخَرِ، ومَنَعَ من مسِّ الذَّكرِ مُطلقاً لعدمِ التعارضِ بينَ الحُكمينِ، فكذلكَ هاهُنا. [الثامنة والثلاثون] (٢): من لوازمِ الظاهريِّةِ الجامدةِ أنْ يُخصَّ الحُكمُ بالإناءِ المملوكِ؛ لأنَّ الإضافةَ، وإنْ جازَتْ بأدنىَ مُلابسةٍ، إلا أنَّهُ قد قيلَ: إنها حقيقةٌ في المِلْك. وقد اعتمَدَهُ الشافعيُّ ﵀ وهو من العالمينَ باللغةِ حيثُ قالَ: إنَّهُ إذا حلَفَ لا يدخلُ دارَ فلان اختصَّت اليمينُ بملكِهِ؛ حتَّى لا يحنَثَ بدارٍ لا يملِكُها، بل يسكُنُها بإجارةٍ أو إعارةٍ (٣)، إلا

стр. 1972

بنيَّةٍ تقتضي ذلكَ (١). وهذهِ الإلزاماتُ التي نذكُرُها يُعلَمُ قطعاً انتفاءُ (٢) لوازِمِها، وإنما نذكُرُها علَى سبيلِ الإلزامِ لمن يحْمِلُ (٣) علَى اللفظِ؛ ولا يَعتبرُ المعنَى، ولا ما يشهدُ عرفُ الاستعمالِ بحَمْلِ اللفظِ عليهِ، وقد يُدَّعَى عندَ الجزمِ بانتفاءِ اللازمِ في هذهِ المسائلِ أنَّهُ صرفَ عنها الإجماعَ، وهذا ضعيفٌ (٤) علَى مذهبِ من يرَى أنْ لا إجماعَ إلا علَى ما نَصَّ عليهِ المجتهدونَ، وفيهِ جوابٌ آخَرُ دقيقٌ. [التاسعة والثلاثون]: قد ورَدَ العددُ في هذهِ الروايةِ بالثلاثِ، والرواياتُ مختلفةٌ في ذلكَ فلَم يذكر في "الموطإِ" عدداً؛ لا مرّةً، ولا مرتينِ، ولا ثلاثاً. وفي [هذا] (٥) الحديثِ تعيينُ الثلاثِ، وعندَ الترمِذيِّ في روايةٍ: "مرتينِ، أو ثلاث"، والأخذُ بالزائدِ مُتعينٌ، وكذلِكَ الأخذُ باليقينِ [في الروايةِ] (٦) مُقدَّمٌ علَى الشكِّ فيها.

стр. 1973

الأربعون: تعليقُ الأمرِ بالثلاثِ يقتضي عدمَ الاكتفاءِ بما دونَها؛ وأنْ يكونَ غمسُها (١) قبلَ الغسلِ ثلاثاً كغمسِها قبلَ أصلِ الغسلِ؛ لأنَّ النهيَ باقٍ لا يزولُ حتَّى يغسِلَها ثلاثاً، وهو ظاهرُ هذا اللفظِ، وبمعناهُ حَكمَ بعضُ الحنابلةِ (٢)، إلا أنَّ الروايةَ التي ذكرها الترمِذيُّ: "مرتينِ، أو ثلاثاً" [تقتضي الاكتفاءَ بمرتينِ] (٣)؛ لما دلَّ عليهِ ظاهرُ التخييرِ. الحادية والأربعون: استُدلَّ بهِ علَى أنَّ التثليثَ في الغَسلِ مُستحَبٌّ عندَ تحقُّقِ النجاسةِ؛ لأنَّهُ إذا استُحِبَّ عندَ الاحتمالِ، فعندَ التحقيقِ أولَى، واللهُ أعلمُ. الثانية والأربعون: النهيُ عن الشيءِ يقتضي إمكانَ فعلِ المنهيِّ عنهُ؛ فلمَّا نهَى عن الغمسِ قبلَ إدخالِ اليدِ في الإناءِ، وأنَّهُ محلُّ الحكمِ فيخرجُ عنهُ الوضوءُ من إناءٍ لا يُمكنُ إدخالُ اليدِ فيهِ؛ لضيقِ فمِهِ، أو لتشبيكٍ في رأسهِ، فإنْ قيلَ بخلافِ ذلكَ، فليكُنْ بدليلٍ آخرَ. وقد نصَّ بعضُ أكابرِ الشافعيةِ علَى أنَّهُ يُستحَبُّ غسلُ اليدينِ لو كانَ يتوضَّأُ من قُمقُمة (٤)، وعلَّلَ ذلكَ بالاحتياطِ للماءِ الذي يَصبُّهُ علَى

стр. 1974

يديهِ، وينقلُهُ علَى أعضاءِ وضوئِهِ. وعندي: أنَّهُ لو أُخِذَ هذا الاستحبابُ من فعلِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ [وآلهِ] (١) وسلَّمَ لذلكَ في ابتداءِ الوضوءِ لكانَ أقوَى؛ لأنه (٢) في مثلِ هذا الإناءِ يكونُ الماءُ وارداً علَى النجاسةِ غاسِلاً لها؛ فلا تؤثِّرُ النجاسةُ فيهِ التنجيسَ علَى مُقتضَى قولِ منْ يفرِّقُ بينَ الواردِ والمورودِ (٣)، هذا علَى مُقتضَى ما يُفهمُ من أنَّ المرادَ الاحتياطُ عن التنجيسِ، ويمكنُ أنْ يُلحَقَ (٤) بمسألةِ الغُسالةِ، ويكونُ الاحتياطُ إمَّا بسببِ خوفِ التنجيسِ، أو بسببِ عدمِ الطَّهوريةِ، أو يُقَالُ بالطريقةِ المتقدمةِ في إجراءِ الحُكمِ حيثُ تتَحقَّقُ الطهارةُ علَى ما تقدَّمَ، ومنهُ ما قدمناهُ. الثالثة والأربعون: الناسُ أخذوا هذا الحديثَ محمولاً علَى إناءِ الوضوءِ، واللفظُ أعمُّ من ذلكَ، وكذلِكَ التعليلُ يقتضي العمومَ؛ فإنَّ العلةَ التي هي احتمالُ النجاسةِ، أو القذارةِ، تعمُّ إناءَ (٥)

стр. 1975

الوضوءِ، وإناءَ الشربِ والأكلِ؛ لأنَّهُ كما حَرُمَ الوضوءُ بالماءِ (١) النجسِ، فكذلِكَ يحرُمُ أكلُ النجِسِ منَ المأكولاتِ والمشروباتِ، والاحتمالُ إذا اقتضَى الاستحبابَ فيما يتأثرُ بالتنجيسِ علَى تقديرِ التحققِ (٢) عمَّ كلَّ ما يتأثرُ بذلكَ، فاللفظُ لا خُصوصَ فيهِ، والعِلَّةُ تقتضي التعميمَ، واللهُ أعلمُ. الرابعة والأربعون: إذا خالفَ وغمَسَ يدَهُ قبلَ الغَسلِ المأمورِ بهِ، فهل يُفسِدُ الماءَ؟ نُقلَ عن بعضِ أصحابِ داودَ: أنَّهُ لا يجوزُ الوضوءُ مِنهُ؛ وأنَّ مذهبَ داودَ عندَ أكثرِ أصحابهِ: أنَّهُ يَعصِي فاعِلُهُ إذا كانَ عالماً بذلك (٣)، والماءُ طاهِرٌ يجوزُ الوضوءُ بهِ ما لمْ تُرَ (٤) فيهِ نجاسةٌ (٥). وفي كتابِ "الأنوارِ": تقسيمُ المستيقظِ علَى ثلاثةِ أحوالٍ: طاهرٌ، ونجِسٌ، وجُنُبٌ، فالطاهرُ لا يُفسِدُ الماءَ، قالَ: وحكَى ابنُ حارثٍ عنِ ابنِ غافقٍ التونِسيِّ من أصحابِنا: أنَّهُ يُفسِدُهُ. وأمَّا المُوقِنُ بالنجاسةِ فيجري علَى اختلافِهِم في النجاسةِ

стр. 1976

تحُلُّ في قليلِ الماءِ. وأمَّا الجُنبُ أو المُحتلِمُ الذي لا يدري ما أصابَ يدَهُ فقالَ ابنُ حبيبٍ: إنَّهُ يُفسِدُ الماءَ، قالَ: وهو معنَى الحديثِ. ولمالكٍ في "المجموعةِ" (١) نحوُهُ. وقالَ صاحِبُ "المُغني" من الحنابلةِ: فإنْ غمَسَ يدَهُ في الإناءِ قبلَ غسلِها، فعلَى قولِ من لمْ يُوجبْ غسلَها لا يُؤثِّرُ غمسُها شيئاً، ومنْ أوجبَهُ قالَ: إنْ كَانَ الماءُ كثيراً يدفعُ النجاسةَ عن نفسهِ لمْ يؤثرْ شيئاً؛ لأنَّهُ يدفعُ الخبثَ عن نفسهِ، وإنْ [كَان] (٢) يسيراً فقالَ [الإمامُ] (٣) أحمدُ: أعجَبُ إلَيَّ أنْ يُهريقَ الماء.

стр. 1977

قالَ: فيحتملُ أن تجبَ إراقتُهُ، وهوَ قولُ الحسنِ؛ لأنَّ النهيَ عن غمسِ اليدِ فيهِ يدُلُّ علَى تأثيرِهِ، وقد روَى أبو حفصٍ عُمرُ بنُ مَسلمٍ العُكبَريُّ (١) في الخبرِ زيادةً (٢) عن النبي ﷺ : "فإنْ أدخلَها قبلَ الغسلِ أرَاقَ المَاءَ". قالَ: ويحتملُ أن لا تَزولَ طَهورَّيتُهُ، ولا تجبَ إراقتُهُ؛ لأنَّ طهوريَّةَ الماءِ كانت ثابتةً بيقينٍ، والغمسُ المُحرمُ لا يقتضي إبطالَ طهوريتِهِ؛ لأنَّه إنْ كَان لوهمِ النجاسةِ، فالوهمُ لا يزولُ بهِ يقينُ الطهوريةِ؛ لأنَّهُ لمْ يُزِلْ يقينَ الطهارةِ، فكذلكَ لا يُزيلُ يقينَ الطَّهوريةِ؛ فإنِّنَا (٣) لمْ نحكمْ بنجاسةِ اليدِ؛ ولا الماءِ، ولأنَّ اليقينَ لا يزولُ بالشكِّ، فبالوهمِ (٤) أولَى، وإنْ كَانَ بعيداً فيقتَصِرُ علَى مقتضَى الأمرِ والنهيِ، وهو وجوبُ الغسلِ، وتحريمُ الغمسِ، ولا يتَعدَّى (٥) إلَى غيرِ ذلِكَ؛ ولا يصِحُّ قياسُهُ علَى رفعِ الحدثِ، ولا فرقَ هاهُنا بينَ أنْ ينويَ أو لا ينوي.

стр. 1978

قالَ: وقالَ أبو الخطابِ: إنَّ من غَمَسَ يدَهُ في الماءِ قبلَ غسلِها، فهل يُبطِلُ طهورَّيتَهُ؟ علَى روايتينِ (١)، [انتهَى] (٢). الخامسة والأربعون: في مطاوي كلامِهِ ما يُشعِرُ بأنَّ الخلافَ في زوالِ الطهوريةِ لا الطهارةِ، وهو بعيدٌ لوجهينِ: أحدهُما: أنَّهُ قالَ عن أحمدَ: أعجَبُ إلَيَّ أنْ يُهريقَ الماءَ؛ وهذا لا يُناسبُ إلا النجاسةَ؛ فإنَّ الظاهرَ أن لا يؤمَرَ بإراقتِها، وإنَّما يُؤمَرُ بإراقةِ النجسِ إنْ تحققَ، و (٣) يُندبُ إنْ لمْ يتَحققْ (٤). الثاني: أنَّ التعليلَ الذي علَّلوهُ باحتمالِ النجاسةِ، يقتضي اعتبارَ معنَى الطهارةِ، لا معنَى الطهوريةِ (٥). * * *

стр. 1979

الحديث السادس وعنهُ من روايةِ هَمَّامٍ بنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بمَنْخِرَيهِ مِنَ الماءَ، ثمَّ لِيَنْتَثِرْ (١) ". أخرجَهُما مُسلم (٢). الكلامُ عليهِ من وُجوهٍ: * [الوجهُ] (٣) الأوَّلُ: في التعريفِ: فنقولُ: هَمَّامُ بنُ مُنبِّهِ بن كاملٍ بن سِيْجٍ -[بالسينِ المهملةِ] (٤)،

стр. 1980

وبعدَ آخرِ الحروفِ الساكنةِ جيمٌ -: أبو عُقبةَ اليمانيُّ، الصنعانيُّ، الذِّماريُّ، مَنسوبٌ إلَى ذِمار - بالذالِ المعجمةِ المفتوحةِ والمكسورةِ معاً - وهي قريةٌ من قُرَى صنعاءَ، يُقالُ: علَى مرحلتينِ منها، وهو منَ الأبناءِ؛ أي: أبناءِ القريتينِ الذينَ دخلوا اليمنَ، وهو أخو وهبٍ بن منبِّه، ولهما إخوةٌ: مَعقل (١)، وغَيلان، وعبدُ الله، وعُمرُ بنو مُنبِّه. سمعَ هَمَّامٌ أبا هريرةَ الدَّوسي، وابنَ عباسِ الهاشميَّ، ومعاويةَ الأمويَّ ﵁. روَى عنهُ أخوهُ أبو عبدِ الله وهبُ بنُ مُنبهٍ اليمانيُّ، وأبو عُروةَ معمرُ بن راشد البصري، وابن أخيه عقيلُ بن معقل بن منبه. يقالُ: ماتَ سنةَ إحدَى - وقيلَ: اثنتينِ - وثلاثينَ ومِئة. أخرجَ لهُ الشيخانِ في "الصحيحَينِ"، ووَثَّقَهُ يحيَى (٢).

стр. 1981

* الوجهُ الثاني: في تصحيحِهِ: وقد ذكرنا أنَّ مُسلماً أخرجَهُ. * * * * الوجهُ الثالثُ: [مفردات ألفاظ الحديث]: [الأولى]: قد تقدَّمَ [لنا] (١) أنَّ الاستنثارَ هل يدخلُ [تحتَهُ] (٢) الاستنشاقُ أخذاً من النَّثرةِ، أو لا؟ وعلَى كلِّ حالٍ ففي اللفظينِ؛ أعني: الاستنشاقَ والانتثارَ، ما يقتضي تعَمُّلاً (٣) وفِعلاً، وفي الاستنشاقِ دلالةٌ علَى ذلكَ من وجهينِ: أحدَهُما: صيغةُ الاستفعالِ. الثاني: [تاءُ] (٤) الاستعانةِ. [الثانية]: و (مِنْ) في "مِنَ الماءِ" يمكنُ أنْ تُحمَلُ علَى ابتداءِ الغايةِ؛ أي: ليكُنِ ابتداءُ استنشاقِهِ منِ الماءِ، ويمكِنُ أنْ تُحمَلَ علَى البيانِ إذا كانَ الاستنشاقُ دالاً علَى مُجرَّدِ الجذبِ للمائعِ (٥)، فيُخَصَّصُ بالبيانِ أنَّهُ من الماءِ.

стр. 1982

[الثالثة]: ثمَّ [في] (١) "بِمَنخِرَيهِ" حذفٌ لعلَّه يقدَّرُ بـ: نَفَسِ مَنخِرَيهِ، وإنْ كَانَ يُلازِمُ الجذبَ بالنَّفَسِ تحرُّكُ المِنخرَينِ [إلَى جهةِ العُلوِّ] (٢) فقد يُقالُ: إنَّهُ لا يحتاجُ إلَى حذفٍ، وأنَّ الجذبَ بالمِنخرينِ، لكنَّ الحملَ علَى الجذبِ بالنَّفَسِ أولَى؛ لأنَّهُ الموجِبُ بالذاتِ، وأمَّا بالمنخرينِ إنْ صحَّ أنْ يكونَ جَذباً بهِما فبالعَرَضِ. [الرابعة]: و (٣) الانتثارُ - بالثاءِ المثَلَّثَةِ -: منَ النَّثرِ، ولم يُسمَعْ في هذهِ اللفظةِ ونحوها إلا بهذهِ الثاءِ، وأمَّا النَّتْرُ - بالتاءِ المُثنَّاةِ - فغيرُهُ (٤). * * * * الوجهُ الرابعُ: الفعلُ يُطلَقُ علَى إرادتِهِ، وعلَى الشروعِ [فيه] (٥)، وعلَى تمامِهِ، وعلَى مُدَّةِ فعلِهِ، والأولَى أنْ يُحمَلُ هَاهُنا علَى الشروعِ، أو [علَى] (٦) العملِ، ويمكنُ أنْ يُحملَ علَى الإرادةِ، ولا يمكنُ أنْ يُحملَ علَى التمامِ.

стр. 1983

والكلامُ في "ثمَّ لِيَنْتَثِرْ"، واقتضاءِ (ثُمَّ) للتراخي والترتيبِ قد قدَّمنا إشباعَ القولِ فيهِ، ولا إشكالَ في الترتيبِ، وإنما النظرُ في التراخي. * * * * الوجهُ الخامِسُ: في الفوائدِ والمباحثِ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: قد ذكرنا اقتضاءَ الاستنشاقِ والانتثارِ للتَّعَمُّلِ (١)، ففيهِ (٢) دليلٌ علَى أنَّ الانتثارَ ليسَ مُجرَّدَ خروجِ الماءِ منَ الأنْفِ بعدَ دخولهِ فيهِ، إذْ لا فِعلَ في ذلكَ، فلا تتأدَّى السنةُ بمجرَّدِ خروجِهِ، بل لا بدَّ من فعلٍ. الثانيةُ: اختلفوا في المضمَضَةِ والاستنشاقِ علَى مذاهبَ: أحدُها: أنَّهما (٣) سُنَّتانِ في [الطهارتينِ؛ أعني:] (٤) الوضوء والغُسل؛ وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ (٥). والثاني: أنَّهُما واجبتانِ فيهِما؛ ويُروَى عن إسحاق (٦).

стр. 1984

والثالثُ: أنَّهُما سُنَّتانِ في الوضوءِ، واجبتانِ في الغُسلِ منَ الجنابةِ؛ وهو مذهبُ أبي حنيفةَ ﵁ (١). والرابعُ: أنَّ الاستنشاقَ واجبٌ دونَ المضمَضَةِ؛ وذهبَ إليهِ [الإمامُ] (٢) أحمدُ (٣). [الثالثةُ] (٤): [والطائفة الذينَ] (٥) قالوا: إنَّهما سُنَتَّانِ، في مذهبِهِم مُخالفَةٌ لظاهرِ (٦) هذا الأمرِ. وقد كَثُرَ الاعتذارُ عن ذلِكَ بما جاءَ في الحديثِ من الحوالةِ في الوضوءِ علَى ما أمرَ الله بهِ؛ كالقولِ للأعرابيِّ: "توضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ الله" (٧)، فحَمَلوهُ علَى الحوالةِ [علَى] (٨) ما في القرآنِ، وليسَ فيهِ ذكرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ، والموضعُ موضعُ بيانٍ لا يجوزُ تأخيرُ ذكرِ شيءٍ منَ الواجباتِ عنهُ، وقد يُنازعونَ في أنَّ المرادَ الحوالةُ علَى ما في القرآنِ،

стр. 1985

فإنَّ أمرَ الله أعمُّ من ذلكَ، وبهذا الدليلِ حملوا الأمرَ علَى الاستحبابِ، ورُبَّما أُخرِجَ عن ظاهرهِ بأقيسَةٍ شَبهيةٍ تدُلُّ علَى عدَمِ الوجوبِ، ولسنا ننَشطُ لذكرِ مثلَ ذلكَ. وأمَّا مَنْ ذهبَ إلَى وجوبِهِما معاً، فلهُ حُجَّتُه في صيغةِ الأمرِ الواردةِ في هذا الحديثِ مع صيغةِ الأمرِ (١) بالمضمَضَةِ في حديثٍ آخرَ (٢). وأمَّا مَنْ قالَ بوجوبِهِما في غسلِ الجنابةِ دونَ الوضوءِ، فلهُم في وجهِ التفرقَةِ طريقةٌ تَرجِعُ إلَى مراعاةِ الظاهرِ والباطنِ بالنِّسبَةِ إلَى الفمِ والأنفِ، أو إلَى مراعاةِ لفظِ البشرةِ (٣) مع ما وردَ من تعليقِ الحُكمِ بها، والتحقيقُ بعدَ النظرِ إلَى هذا أنْ يُطلَبَ لفظٌ يدلُّ علَى تعليقِ الحكمِ بما علَّقهُ بهِ المجتهدُ؛ فإنْ كَان من الإخبارِ فيُطلَبُ تصحيحُهُ أيضاً، وهذا الحديثُ يُعارضُ مذهبَهُم بالنِّسبَةِ إلَى الاستنشاقِ في الوضوءِ، فيحتاجونَ إلَى ما يُوجِبُ صَرفَ الأمرِ عن ظاهرِهِ. وأمَّا مَنْ ذهبَ إلَى وجوبِ الاستنشاقِ دونَ المضمَضَةِ فقَد ذُكِرَ فيهِ أنَّ الأمرَ واردٌ بهِ دونَ المضمَضَةِ، فإنْ كَان أُريدَ بهِ نفيُ الأمرِ بالمضمضَةِ مُطلقاً؛ فأولاً: في إثباتِ ذلكَ عُسرٌ.

стр. 1986

وثانياً: قد ورَدَ [الأمرُ] (١) بالمضمَضَةِ في حديثِ أبي داودَ في روايةٍ لهُ من حديثِ ابنِ جُريجٍ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ (٢). الرابعةُ (٣): الأمرُ كما توجَّهَ للاستنشاقِ، فكذلِكَ تَوجهَ للانتثارِ، فظاهرُ (٤) الأمرِ الوجوبُ، فإن تُمُسِّكَ بهِ في وجوبِ الاستنشاقِ، فليُتمسَّكْ بهِ في وجوبِ الانتثارِ، وقد بيَّنا أنَّ الانتثارَ ليسَ هو مُجرَّدَ خروجِ الماءِ من الأنفِ بعدَ دخولهِ فيهِ بالاستنشاقِ، فعلَى هذا يقتضي وجوبَ أمرٍ زائدٍ علَى مُجرَّدِ خروجِ الماءِ. الخامسةُ (٥): فيهِ دليلٌ علَى الترتيبِ بينَ سُنَّةِ الانتثارِ، وسنَّةِ الاستنشاقِ؛ بمقتضَى لفظةِ "ثُمَّ"، ولا يُقَالُ: هذا ترتيبٌ متعينٌ في الوجودِ، ولا (٦) يحسُنُ الحكمُ بالاستحبابِ إلا حيثُ يمكنُ أنْ يكونَ الترتيبَ، ويمكنُ أن لا يكونَ؛ لأنَّا نقولُ: لمَّا تبَّينَ (٧) أنَّ الاستنشاقَ والاستنثارَ يقتضيانِ التَّعَمُّلَ (٨)، لا يتعينُ الترتيبُ؛ لإمكانِ أنْ يحصُلَ

стр. 1987

دخولُ الماءِ في الأنفِ مِن غيرِ تَعَّمُلٍ (١) وقَصدٍ؛ كالانغماسِ مثلاً، فإذا اعتبرْنا الترتيبَ، لمْ يُكتفَ بالانتثارِ عندَ (٢) دخولِ الماءِ بهذهِ الصفةِ في تأديةِ السنةِ، وتعيَّنَ أنْ يستنشقَ علَى ما يقتضيهِ اللفظُ، ثمَّ يُتبعُهُ بالانتثارِ (٣). السادسة: في اللفظِ ما يقتضي تعليقَ هذا الأمرِ بالوضوءِ، [وهو قاصرُ الدلالةِ عن تعليقِهِ بالغُسلِ، ففيهِ اختصاصُ هذا الأمرِ بالوضوءِ] (٤) ذكراً، وهل يختصُّ فيهِ اختصاصَهُ بهِ حُكماً من جِهةِ مفهومِ الشرطِ (٥)؟ يُنظرُ فيهِ. السابعة (٦). * * *

стр. 1988

الحديث السابع [و] (١) عن عَاصِم بنِ لَقيطِ بنِ صَبِرَةَ، عن أبيهِ، قالَ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ! أَخبرني عنِ الوُضوءِ قالَ: "أَسْبغِ الوُضُوءَ، وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِماً". أخرجَهُ النَّسائِي، والتِّرمِذي، وصَحَّحَهُ، وابنُ (٢) خُزيمةَ في "صحيحِه"، ورواهُ أبو داودَ مُطوَّلاً، وفيهِ: "أسبغِ الوُضُوءَ" وخَلِّلْ بَينَ الأصَابِعِ" (٣).

стр. 1989

وله في روايةٍ: "إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ" (١). الكلامُ عليهِ من وجوهٍ: * [الوجهُ] (٢) الأوَّلُ: في التعريفِ: أمَّا لَقيطُ بنُ صَبِرةَ: فقال الحافظُ أبو عُمر: لَقيطُ بن عامر العُقَيلي، أبو رَزين، هذا أيضاً ممَّن غَلَبَتْ عليهِ كُنيَتُهُ، ويُقالُ: لقيط بن صبرة، ويُقالُ: لقيط بن المُنتَفِق، فمَنْ قالَ: لقيط بن صَبِرةَ، نسبَهُ إلَى جدِّهِ. وهو لقيط بن عامر بن صَبِرةَ بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عُقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو وافدُ بني المنتفقِ إلَى رسولِ اللهِ ﷺ . قالَ: وقد قيلَ: إنَّ لَقيطَ بن عامر غيرُ لقيط بن صَبِرةَ، وليسَ بشيءٍ. روَى عنهُ وكيعُ بن عُدُس، وابنُهُ عاصم بن لقيط.

стр. 1990

قُلتُ: صَبِرة: بفتحِ الصادِ المُهمَلةِ، وكسرِ الباءِ الموحدَةِ، قالَ بعضُ المتأخرينَ: ويجوزُ إسكانُ الباءِ مع فتحِها وكسرِها (١)؛ فإنْ أرادَ الجواز في اللغةِ بناء علَى قياس فَعِلَة فصحيح (٢)؛ لكنْ ما يغلِبُ علَى ألفاظِ الرواةِ ينبغي أنْ يُقتَصَرَ في الروايةِ عليهِ، وإنْ قيلَ غيرُهُ فيكونُ بالروايةِ أيضاً. قال هذا المتأخِّرُ: وهو أبو رَزين، وقيلَ (٣): أبو عاصِمٍ، وساقَ نسبَهُ إلَى عُقيلٍ، وقالَ: الحِجازي، الطائِفي. [و] (٤) نقلَ عن عبدِ الغني بنِ سعيدٍ المصري أنَّهُ قالَ: أبو رَزين العُقيلي [لقيط بن عامر] (٥): [وهو] (٦) لقيطُ بن صَبِرَة، وقيلَ: هو غيرُهُ، وليسَ بصحيحٍ. ونقلَ أيضاً عن التِّرمذي في كتابِ "العِلَلِ": سمِعتُ البخاري يقولُ: أبو رَزين العُقيلي: [لقيطُ بنُ عامرٍ، وهو عندي لقيطُ بنُ صَبرةَ، قالَ التِّرمِذي: قُلتُ لهُ: أبو رَزين العُقيلي] (٧) هو لقيطُ

стр. 1991

ابنِ صَبرةَ؟ قالَ: نَعمْ، قُلتُ: فحديثُ أبي هاشمٍ، عن عاصمِ بنِ لقيطِ ابنِ صَبرةَ، عن أبيهِ، هو عن أبي رَزين (١) العُقيلي؟ قالَ: نَعمْ، قالَ التِّرمِذي: قالَ [أكثرُ] (٢) أهلِ الحديثِ: لقيطُ بنِ صَبرةَ هو لقيطُ بنِ عامر (٣). قُلتُ: وقالَ البُخاري ﵀ في "تاريخِهِ": لقيطُ بن عامرٍ، وهو ابنُ صَبِرةَ بنِ المُنتفِقِ: أبو رزين العقيلي، لهُ صُحبَةٌ. قالَ البُخاري: قالَ بُندارُ: ثنا ابنُ أبي عَديٍّ، ثنا شُعبةُ، عن يعلَى ابنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ عُدُسٍ، عن عمَّهِ أبي رَزين، عن النبيِّ ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمِنِ كالنَّخْلَةِ، تَأكُلُ طَيِّباً، وتَضَعُ طَيِّباً" (٤). وممَّنْ يقتضي فعلُهُ التفريقَ بينَ لقيطِ بنِ صَبرةَ، ولقيطِ بنِ عامرٍ أبي رزين: أبو نعيم الحافظ؛ فإنهُ ذكرَ لقيطَ بنَ صبرةَ وقالَ: أبو عاصمٍ، [روَى عنهُ ابنهُ عاصمٌ] (٥)، سكنَ مكَّةَ، وقيلَ: إنَّهُ كانَ من بني المنتفِقِ؛ يعني: من بني عُقيلٍ.

стр. 1992

وذكرَ في الكُنَى: أبو رَزين العُقيلي قالَ: واسمُهُ لقيطُ بنُ عامرٍ، وأخرجَ لهُ روايةَ وكيعِ بنِ عُدُسٍ، عن أبي رزين، في الروايةِ من طريقِ حَمَّادٍ. قلتُ: أمَّا مُسلمٌ (١). [انتهَى] (٢) (٣). والمُنْتَفِق: بضمِّ الميمِ، وسكونِ النونِ، وفتحِ التاءِ المثناةِ، وكسرِ الفاءِ، وآخرُهُ قافٌ. عُدُس: بضمَّ العينِ والدَّالِ المُهملتينِ معاً، ويقالُ: حُدُس، روَى شُعبةُ، عن يعلَى، عن وكيعِ بنِ عُدُسٍ - بالعينِ -، وقد ذكرنا في رواية حمادٍ: حُدُس. وأما عاصمُ بنُ لَقيطِ بنِ صَبِرةِ: فقالَ الأندلُسيُّ الأَوْنبَي فيما وجدتُهُ في كتابه: عاصمُ بن لَقيط بن صَبِرة العُقيلي حديثُهُ في المكيِّينِ، سَمعَ أباهُ، روَى عنهُ أبو هاشم إسماعيل بن كثير المكي، أخرَجَ لهُ أبو دوادَ

стр. 1993

وغيرُهُ، وهو ثِقةٌ؛ قالهُ [ابنُ] (١) صالحٍ، وابنُ عبدِ الرَّحيمِ، والنَّسائيُّ، وغيرُهُم (٢). * * * * الوجهُ الثاني: في إيرادِ الحديثِ المطَوَّلِ الذي أشارَ إليهِ في الأصلِ من عندِ أبي داودَ علَى الوجهِ: قالَ أبو داود: ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ في آخرين، قالوا: ثنا يحيىَ بنُ سليمٍ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ، عن (٣) عاصم بن لَقيط بن صَبِرة، عن أبيهِ لقيطِ [بن صَبِرة] (٤)، قالَ: كنتُ وافدَ بني المُنتَفِقِ، أو [في] (٥) وفدِ بني المُنتفقِ إلَى رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: فلمَّا قدِمْنا علَى رسولِ اللهِ ﷺ فلم نصادِفْهُ في منزِلهِ، وصادفنا عائشةَ أمَّ المؤمنينَ ﵂، قالَ:

стр. 1994

فأمرَتْ لنا بخَزِيرَةِ فصُنعَتْ لنا، [قالَ] (١): وأُتِينا بقِناعٍ - ولمْ يقُلْ (٢) قُتيبةُ: [القِناعَ] (٣)، والقناعُ: الطبقُ فيهِ تمرٌ، ثمَّ جاءَ رسولُ الله ﷺ ، فقالَ: "هل أصبْتُم شيئًا، أو أُمِرَ لكُم بشَيء؟ " قُلنا: نَعَم، يا رسولَ اللهِ! قالَ: فبيْنَا (٤) نحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ جلوسٌ إذ دفعَ الراعي غنمَهُ إلَى المُراحِ، ومعَهُ سَخلَةٌ تَيْعَرُ، قالَ: "ما وَلَّدْتَ يا فُلانُ؟ " قالَ: بَهْمَةً (٥)، قال (٦): "فاذبَحْ لنا مكانها شاةً"، ثمَّ قالَ: "لا تَحْسِبَنَّ - ولمْ يَقُلْ: [لا] (٧) تَحْسبَنَّ - أنَّا مِن أجلِكَ ذَبَحناها، لنا غنمٌ مئةٌ، لا نُريدُ أن تزيدَ، فإذا وَلَّدَ الراعي بَهْمةً، ذبحْنَا مكانها شاةً". قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي لي امرأةٌ وإنَّ في لسانِها شيئاً؛ يعني: البَذاءَ، قالَ: "فطلِّقْها إذاً"، قالَ: قُلتُ يا رسولَ اللهِ! إنَّ لها صُحبةً، [ولي مِنها ولدٌ] (٨)، قالَ: " [فَمُرْها] (٩) - يقولُ: عِظْها - فإنْ

стр. 1995

يَكُ فيها خيرٌ فَسَتفعل، ولا تضرِبْ ظَعينَتَكَ كضربِكَ أُمَيَّتَكَ (١) "، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ! أخبرني عن الوضوءِ، قالَ: "أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بينِ الأصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتنشَاقِ إلا أنْ تكونَ صَائِماً". وأخرجَهُ أيضاً عن عُقبةَ بنِ مُكْرَم، وهوَ بضمِّ الميمِ، وإسكانِ الكافِ، وفتحِ الراءِ، عن يحيىَ بنِ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن إسماعيلِ بنِ كثيرٍ، عن عاصم بنِ لقيطٍ بن صَبرةَ، عن أبيهِ وافدِ بني المُنتفِقِ: أنَّه [أتى] (٢) عائِشةَ ﵂، قالَ: فذكَرَ معناهُ، [قالَ:] (٣) فلَمْ ينْشَبْ أنْ جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ يَتَقَلَّعُ يتكفَّأُ، وقالَ: "عَصَيدةٌ (٤) " مكانَ "خَزيرة". ورواهُ عنْ مُحمدِ بنِ يحيَى بنِ فارسٍ، عن أبي عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، وقالَ: بهذا الحديثِ قالَ فيهِ: "إذا توضَّأْتَ فَمَضْمِضْ (٥) ". * * * * الوجهُ الثالثُ: في تصحيحِهِ: قد ذكرنا أمرَ عاصمِ بنِ لقيطٍ، وحَكينا ما ذَكرَ الأَوْنبَي، وليسَ من

стр. 1996

طريقِ يحيى، عن ابنِ جريحٍ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ مَن يُحتاجُ إلَى الكَشفِ عنهُ سِواهُ، فإنَّ يحيى، وابنَ جريجٍ منَ الأعلامِ، وإسماعيلَ ابنَ كثيرٍ. * * * * الوجهُ الرابعُ: في شيءٍ من مُفرداتِهِ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: قالَ الجَوهَرِيُّ: وفد فلانٌ علَى الأميرِ؛ أي: وردَ رسولاً، فهو وافدٌ، والجمعُ: وَفْد، مِثل: صاحِب وصَحْب، وجمعُ الوَ فد: أوفادٌ، ووفودٌ، والاسمُ: الوِفادةُ، وأوفَدْتُهُ أنا إلَى الأميرِ؛ أي: أرسلتُهُ (١). وقالَ الزَّمخشري: وفَدتُ عليهِ وإليهِ وُفوداً ووِفادَةً، وهوَ كثيرُ الوِفاداتِ علَى الملوكِ، وأوفدتُ عليهِ (٢) فُلاناً، وما أوفدَكَ علينا؟ واستوفَدَني، وتوافَدنا عليهِ، ورأيتُ عندَهُ الوَفْدَ، والوُفُودَ (٣)، والوُفَّادَ. قالَ: ومنَ المجازِ: الحاجُّ وَفْدُ الله. وقالَ رؤبةُ [من الرجز]:

стр. 1997

يَكِلُّ وفدُ الرِّيحِ من حيثُ انْخَرَقْ (١) أي: اتَّسَعَ. وبينَما أنا في المضيقِ إذ وفدَ الله عليَّ برَجُلٍ فأخرجَني مِنهُ، بمعنى: جاءَني بِهِ، ورأيتُ وافدَ الإبلِ، ووافدَ الطيرِ، وهو الذي يتقدمُ سائرَها في السيرِ والورودِ. ويُقَالُ للهَرِمِ: غابَ وافداهُ، وهُما الناشِزانِ من الخدَّينِ عندَ المضغِ، وإذا هَرِمَ الإنسانُ غارا. قالَ الأعشَى [من المتقارب]: رأتُ رجُلاً غائِبَ الوافِدَيـ ... ـن مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أَعْشَى ضريراً (٢) وأوفدَ الشيءُ: إذا ارتفَعَ وأشرفَ، وسنامٌ مُوفِدٌ، وما أحسنَ ما أوفدَ حَارِكُه (٣)! قالَ [من الرجز]: تَرَى العُلافيَّ عَليْها مُوفِدَا كأنَّ (٤) بُرجاً فوقَها مُشيَّدَا (٥)

стр. 1998

وقالَ [من الرجز]: ذو وَرِكٍ عظيمةٍ كالتُّرسِ وذُو سَنَامٍ مُوفِدِ المجَسِّ وأوفدَهُ غيرُهُ، قالَ ابنُ أَحمرَ [من السريع]: كأنما المُكَّاءُ في بيدِها ... سُرادِقٌ قد أَوْفدَتْهُ الأُصُرُ رفعتهُ. واستوفدَ في قِعدَتِهِ: ارتفعَ وانتصَبَ، ورأيتُهُ مُستوفِداً. وتوفَّدتِ الأوعالُ فوقَ الجبلِ: تشرَّفَت (١). الثانية: المنازل، والمُصادفةُ: المُوافاةُ تقولُ: صادفتُ فُلاناً في منزلِهِ؛ أي: وجدتُهُ فيهِ (٢). قلتُ: يظهَرُ أنَّ في المُصادفةِ زيادةَ قيدٍ ليسَ في الوِجدانِ. الثالثة: الخَزِيرة: بِفتحِ الخَاءِ، وبعدها زايٌ، بعدها آخِرُ الحُروفِ، بعدها راءٌ مُهمَلةٌ، ثُمَّ هاءُ تأنيثٍ. قالَ ابنُ فارسٍ في "مُجمَلِ اللغةِ": والخزيرةُ: دقِيق يُلبَكُ بِشحيمٍ، كانتِ العربُ تُعيِّر [به] (٣) (٤).

стр. 1999

وقالَ الجَوهَرِيُّ: والخَزيرُ والخَزيرةُ (١): أنْ تُنصَبَ القِدرُ بِلحمٍ يُقطَّعُ صِغاراً في (٢) ماءِ كثيرٍ، فإِذا نَضجَ ذُرَّ عليهِ الدَّقيقُ، وإنْ لمْ يكُنْ لحمٌ فهيَ عصِيدَةٌ، قالَ جريرُ (٣) [من الكامل]: وُضِعَ الخَزِيرُ فقِيلَ أَينَ مُجاشِعٌ ... فَشَحَا جَحَافِلَهُ جُرَافٌ هِبْلَعُ (٤) وقالَ الخَطَّابيُّ في "مَعالِمهِ": قَولُهُ: "فأمَرتْ لنا بِخزِيرةٍ": هي ما يُتَّخَذُ بِدقيقٍ ولحمٍ مِنَ الأطعِمةِ. والخَزيرةُ: حَساءٌ منْ دقيقٍ ودَسمٍ (٥). الرابعة: القِناعُ: بِكسرِ القَافِ، بعدها نونٌ، وآخِرُهُ عَينٌ مُهمَلةٌ، فسَّرَهُ الخَطابيُّ بالطَّبَقِ، وسُمِّي قِناعاً بأنَّ أطرافهُ قدْ أُقنِعَتْ إلَى الدَّاخلِ؛ أي: عُطِفتْ (٦). وقالَ ابنُ فارسٍ: والقِنْعُ والقِناعُ: شِبهُ الطَّبَقِ يُهدَى عليهِ (٧).

стр. 2000

وخَصَّهُ بعضُهمْ بما إذا كانَ معمُولاً منْ عَسَبِ النَّخلِ. قُلتُ: القِنْعُ: بِكسرِ القَافِ وسُكونُ النُّون. الخامسة: [ قال] (١) الهُنَائيُّ: والمُراحُ: حَيثُ تأوِي الماشِيةُ بِالليلِ. وقالَ ابنُ سِيدَه: والإِراحَةُ: ردُّ الإبِلِ والغَنَمِ منَ العَشِي، والمُراحُ: مَأواهُما ذلكَ الأوان، وقدْ غَلبَ في (٢) مَوضِعِ الإبِلِ، والتَّروِيحُ كالإِراحةِ. وقالَ اللَّحيَانِي: أرَاحَ الرَّجُلُ إرِاحَةً وإِرَاحاً: إذا راحَتْ عليهِ إِبلُهُ، [وغنَمُهُ] (٣)، ومالُهُ، انتهَى (٤). السادسة: السَّخْلةُ: ولَدُ الشَّاةِ، يُقَالُ لأِوْلادِ الغَنَمِ ساعةَ تُوْضَعُ مِنَ الضَّأنِ والمَعزِ جميعاً؛ ذَكَراً كانَ أو أُنثَى: سَخْلَةٌ، وجَمْعُهُ: سَخْلٌ وسِخَالٌ (٥). وزادَ (٦) ابنُ سِيدَه: وسِخَلَةٌ، وقالَ: نادِرةٌ، وذَكرَ أيضاً (سُخْلان) في الجَمعِ، وقالَ الطِّرمَّاحُ [من المتقارب]:
следующие страницы →