← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

طريقِ يحيى، عن ابنِ جريحٍ، عن إسماعيلَ بنِ كثيرٍ مَن يُحتاجُ إلَى الكَشفِ عنهُ سِواهُ، فإنَّ يحيى، وابنَ جريجٍ منَ الأعلامِ، وإسماعيلَ ابنَ كثيرٍ. * * * * الوجهُ الرابعُ: في شيءٍ من مُفرداتِهِ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: قالَ الجَوهَرِيُّ: وفد فلانٌ علَى الأميرِ؛ أي: وردَ رسولاً، فهو وافدٌ، والجمعُ: وَفْد، مِثل: صاحِب وصَحْب، وجمعُ الوَ فد: أوفادٌ، ووفودٌ، والاسمُ: الوِفادةُ، وأوفَدْتُهُ أنا إلَى الأميرِ؛ أي: أرسلتُهُ (١). وقالَ الزَّمخشري: وفَدتُ عليهِ وإليهِ وُفوداً ووِفادَةً، وهوَ كثيرُ الوِفاداتِ علَى الملوكِ، وأوفدتُ عليهِ (٢) فُلاناً، وما أوفدَكَ علينا؟ واستوفَدَني، وتوافَدنا عليهِ، ورأيتُ عندَهُ الوَفْدَ، والوُفُودَ (٣)، والوُفَّادَ. قالَ: ومنَ المجازِ: الحاجُّ وَفْدُ الله. وقالَ رؤبةُ [من الرجز]:

стр. 1997

يَكِلُّ وفدُ الرِّيحِ من حيثُ انْخَرَقْ (١) أي: اتَّسَعَ. وبينَما أنا في المضيقِ إذ وفدَ الله عليَّ برَجُلٍ فأخرجَني مِنهُ، بمعنى: جاءَني بِهِ، ورأيتُ وافدَ الإبلِ، ووافدَ الطيرِ، وهو الذي يتقدمُ سائرَها في السيرِ والورودِ. ويُقَالُ للهَرِمِ: غابَ وافداهُ، وهُما الناشِزانِ من الخدَّينِ عندَ المضغِ، وإذا هَرِمَ الإنسانُ غارا. قالَ الأعشَى [من المتقارب]: رأتُ رجُلاً غائِبَ الوافِدَيـ ... ـن مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أَعْشَى ضريراً (٢) وأوفدَ الشيءُ: إذا ارتفَعَ وأشرفَ، وسنامٌ مُوفِدٌ، وما أحسنَ ما أوفدَ حَارِكُه (٣)! قالَ [من الرجز]: تَرَى العُلافيَّ عَليْها مُوفِدَا كأنَّ (٤) بُرجاً فوقَها مُشيَّدَا (٥)

стр. 1998

وقالَ [من الرجز]: ذو وَرِكٍ عظيمةٍ كالتُّرسِ وذُو سَنَامٍ مُوفِدِ المجَسِّ وأوفدَهُ غيرُهُ، قالَ ابنُ أَحمرَ [من السريع]: كأنما المُكَّاءُ في بيدِها ... سُرادِقٌ قد أَوْفدَتْهُ الأُصُرُ رفعتهُ. واستوفدَ في قِعدَتِهِ: ارتفعَ وانتصَبَ، ورأيتُهُ مُستوفِداً. وتوفَّدتِ الأوعالُ فوقَ الجبلِ: تشرَّفَت (١). الثانية: المنازل، والمُصادفةُ: المُوافاةُ تقولُ: صادفتُ فُلاناً في منزلِهِ؛ أي: وجدتُهُ فيهِ (٢). قلتُ: يظهَرُ أنَّ في المُصادفةِ زيادةَ قيدٍ ليسَ في الوِجدانِ. الثالثة: الخَزِيرة: بِفتحِ الخَاءِ، وبعدها زايٌ، بعدها آخِرُ الحُروفِ، بعدها راءٌ مُهمَلةٌ، ثُمَّ هاءُ تأنيثٍ. قالَ ابنُ فارسٍ في "مُجمَلِ اللغةِ": والخزيرةُ: دقِيق يُلبَكُ بِشحيمٍ، كانتِ العربُ تُعيِّر [به] (٣) (٤).

стр. 1999

وقالَ الجَوهَرِيُّ: والخَزيرُ والخَزيرةُ (١): أنْ تُنصَبَ القِدرُ بِلحمٍ يُقطَّعُ صِغاراً في (٢) ماءِ كثيرٍ، فإِذا نَضجَ ذُرَّ عليهِ الدَّقيقُ، وإنْ لمْ يكُنْ لحمٌ فهيَ عصِيدَةٌ، قالَ جريرُ (٣) [من الكامل]: وُضِعَ الخَزِيرُ فقِيلَ أَينَ مُجاشِعٌ ... فَشَحَا جَحَافِلَهُ جُرَافٌ هِبْلَعُ (٤) وقالَ الخَطَّابيُّ في "مَعالِمهِ": قَولُهُ: "فأمَرتْ لنا بِخزِيرةٍ": هي ما يُتَّخَذُ بِدقيقٍ ولحمٍ مِنَ الأطعِمةِ. والخَزيرةُ: حَساءٌ منْ دقيقٍ ودَسمٍ (٥). الرابعة: القِناعُ: بِكسرِ القَافِ، بعدها نونٌ، وآخِرُهُ عَينٌ مُهمَلةٌ، فسَّرَهُ الخَطابيُّ بالطَّبَقِ، وسُمِّي قِناعاً بأنَّ أطرافهُ قدْ أُقنِعَتْ إلَى الدَّاخلِ؛ أي: عُطِفتْ (٦). وقالَ ابنُ فارسٍ: والقِنْعُ والقِناعُ: شِبهُ الطَّبَقِ يُهدَى عليهِ (٧).

стр. 2000

وخَصَّهُ بعضُهمْ بما إذا كانَ معمُولاً منْ عَسَبِ النَّخلِ. قُلتُ: القِنْعُ: بِكسرِ القَافِ وسُكونُ النُّون. الخامسة: [ قال] (١) الهُنَائيُّ: والمُراحُ: حَيثُ تأوِي الماشِيةُ بِالليلِ. وقالَ ابنُ سِيدَه: والإِراحَةُ: ردُّ الإبِلِ والغَنَمِ منَ العَشِي، والمُراحُ: مَأواهُما ذلكَ الأوان، وقدْ غَلبَ في (٢) مَوضِعِ الإبِلِ، والتَّروِيحُ كالإِراحةِ. وقالَ اللَّحيَانِي: أرَاحَ الرَّجُلُ إرِاحَةً وإِرَاحاً: إذا راحَتْ عليهِ إِبلُهُ، [وغنَمُهُ] (٣)، ومالُهُ، انتهَى (٤). السادسة: السَّخْلةُ: ولَدُ الشَّاةِ، يُقَالُ لأِوْلادِ الغَنَمِ ساعةَ تُوْضَعُ مِنَ الضَّأنِ والمَعزِ جميعاً؛ ذَكَراً كانَ أو أُنثَى: سَخْلَةٌ، وجَمْعُهُ: سَخْلٌ وسِخَالٌ (٥). وزادَ (٦) ابنُ سِيدَه: وسِخَلَةٌ، وقالَ: نادِرةٌ، وذَكرَ أيضاً (سُخْلان) في الجَمعِ، وقالَ الطِّرمَّاحُ [من المتقارب]:

стр. 2001

تُراقِبُهُ مُسْتَشِبَّاتُها ... وسُخْلانُهاحولَهُ سارِحَه (١) قالَ: ورِجالٌ سُخَّلٌ وسُخَّالٌ: ضُعَفَاء أرْذال (٢). وقالَ الهُنائِي: يُقَالُ لِولَدِ الضَّأنِ ساعةَ تضَعُهُ أُمُّهُ ذَكَراً كانَ أو أُنثَى: سَخْلةٌ، ثمَّ بَهمةٌ، [ثمَّ] (٣) قرارٌ، ثمَّ جَفْرٌ، ثمَّ جَذَعَةٌ (٤)، ثمَّ ثَنِيَّةٌ، ثمَّ سَديسٌ، ثمَّ صَالِغٌ، وهو (٥) أقصَى أسنَانِهِ. السابعة: تَيْعَرُ: بِفتحِ التَّاءِ المُثنَّاةِ، وبعدها آخِرُ الحُروفِ ساكِناً، ثمَّ عَينٌ مُهمَلةٌ، قالَ ابنُ فارسٍ: [و] (٦) اليُعَارُ: صوتُ الشَّاةِ، يَعَرَتْ تَيْعَرُ يُعَاراً (٧). وقالَ الخَطَّابِي: وقُولهُ تَيعَرُ: منَ اليُعَارِ، وهوَ صَوتُ الشَّاةِ (٨)، انتهَى. وذَكرَ بعضُهُم كَسرَ العَينِ في المُستَقبَلِ.

стр. 2002

قلتُ: اليُعَارُ مَضمومُ (١) اليَاءِ، وأمَّا اليَعْرُ - بفتحِ الياءِ، وسكونِ العين - فهوَ الجديُ يُشَدُّ عندَ الزُّبْيَةِ، وإنَّما جاءَ الفتحُ في الماضِي والمُستَقبَلِ لأجلِ حرفِ الحَلقِ؛ الَّذي هوَ العينُ. الثامنة: قالَ الخَطَّابِي: وقُولُهُ: "ما وَلَّدتَ" هوَ مُشدَّدُ اللَّامِ علَى معنى خِطابِ الشَّاهِدِ. قالَ: [و] (٢) أصحابُ الحَديثِ يَروونَهُ علَى معنى الخَبرِ، يقولُ: (ما وَلَدَتْ) خَفيفَةَ اللَّامِ، ساكنةَ التَّاءِ؛ أي: ما ولدَتِ الشَّاةُ؛ وهوَ غَلَط، يُقالُ: ولَّدْتَ الشَّاةَ: إذا حضَرْتَ وِلادَتها (٣) فعالجْتَها حتَّى يتبَيَّنَ [مِنها] (٤) الوَلدُ، أنشَدَنِي أبو عَمْرو في ذِكرِ قومٍ [من الوافر]: إذا ما وَلَّدُوا يَوماً تَنَادَوا ... أَجَدْيٌ (٥) تحتَ شَاتِكِ أمْ غُلامُ (٦) وقالَ الجَوهَرِيُّ: ويُقَالُ: ولَّدَ الرجلُ إبلَهُ توليداً (٧)؛ كما يُقالُ:

стр. 2003

نَتَجَ إبِلهُ نتجاً (١). التاسعة: فلانٌ: كنايةٌ عن الذَّكَرِ منَ [الإنسانِ، والأُنثَى فلانةٌ، فإذا أطلقوهُ علَى غيرِ] (٢) الأناسِيِّ، قالوا: الفلانُ والفُلانةُ؛ بالألفِ واللامِ (٣). العاشرة: البَهْمةُ: بفتحِ الباءِ الموحَّدَةِ، وسكونِ الهاءِ، قالَ الخطَّابيُّ: والبَهمةُ: ولدُ الشاةِ أوَّلَ ما تُولدُ؛ يُقَالُ للذكرِ والأنثَى: بَهمَةٌ (٤). [قُلتُ:] (٥) وهذا الذي قالَهُ الخطَّابيُّ أقربُ إلَى ظاهرِ الحديثِ ممَّا قالَهُ الهنائِي؛ أعني: (٦) تَسميتَها أوَّل ما توضعُ بهمةً. والجمعُ: البَهْمُ، بفتحِ الباءِ، وسكونِ الهاءِ. قالَ ابنُ فارسٍ: والبَهْمُ: صِغارُ الغَنَمِ. وقالَ بعضُهم: والبَهْمَةُ - بفتحِ الباءِ، وسكونِ الهاءِ -: ولَدُ

стр. 2004

الضَّأنِ؛ ذَكراً كانَ أو أُنثَى، والجمعُ: بَهْم، قالَ: ولا يُقالُ لولدِ المعزِ: بَهمَةٌ، إلا إذا اجتمعَتْ أولادُ المعزِ وأولادُ الضأنِ قُلتَ لهُما جميعاً: بِهامٌ، وبَهْمٌ (١) (٢). الحاديةَ عشرةِ: الوعظُ (٣) (٤). الثانيةَ عشرةَ: حَسِبَ - مكسورُ السينِ - بمعنى: ظنَّ، وهو أحدُ أخواتِ ظنَّ. وأمَّا المفتوحُ السينِ فمِنَ الحسابِ، حَسَبْتُ (٥) الشيءَ حُسباناً، وحِساباً: عدَدتُهُ، والحَسبةُ - بفتحِ الحاءِ -: المرةُ [الواحدةُ] (٦) من الحسابِ، وبكسرِ [الحاءِ] (٧): الهيئةُ منهُ، وبضمِّها: مصدرُ الأحسبِ (٨).

стр. 2005

وأمَّا المضمومُ السينِ علَى وزنِ (١) ظَرُفَ وكَرُمَ، فمنَ الحَسَبِ، والمصدرُ منهُ حَسَابَةٌ [- بفتح الحاء -؛ كخَطُبَ يخطُبُ خَطابةً - بفتحِ الخاءِ -] (٢)؛ [فالكلمةُ منَ المُثلَّثِ] (٣) (٤). الثالثة عشرة: البَذَاءُ - بفتحِ الباءِ والذالِ المُعجَمةِ ممدوداً -: الفُحشُ، ومادةُ اللفظَةِ حيثُ تصرَّفَتْ تُشعِرُ بالكراهَةِ وما بنحوِها منَ الذَّمِّ. قالَ الهنائي: يُقَالُ: بَذَأْتَ الأرضَ: إذا كرِهْتَ مَرعاها، وهي أرضٌ بذيئةٌ: لا مرعَى بها، ويقالُ: بذأْتُ الرجُلَ أبذؤهُ بَذءاً: ذممتُهُ، وبذأتْ عيني فُلاناً بَذءاً وبَذأةً، وعيناي تبذآنِهِ: إذا لمْ يُعجبْكَ مَرآهُ ولا حالُهُ، ورجلٌ بَذِيءُ اللسانِ - علَى مثالِ (فَعِيلٍ) بيِّنُ البَذَاء: إذا كانَ فاحِشاً (٥). الرابعة عشرة: (إذاً) حرفٌ مُفردٌ يدُلُّ علَى الجوابِ والجزاءِ. قالَ الشيخُ أبو عَمرو بنِ الحاجِبِ ﵀: لسنا نعني بالجوابِ جوابَ مُتكلِّمٍ علَى التحقيقِ، بل قد يكونُ جواباً لمتكلمٍ،

стр. 2006

وقد يكونُ جواباً لتقديرِ ثبوتِ أمرٍ. ومُثِّلَ الثاني بقولكَ: لو أكرمتَني [إذاً] (١) أكرمتُكَ، وأشباهِهِ؛ لأنَّهُ في تقديرِ جوابِ مُتكلِّمٍ (٢) سألَ: ماذا يكونُ مُرتبِطاً بالإكرامِ؟ فأجابَهُ بارتباطِ إكرامِهِ. قالَ: وأمَّا معنى الجزاءِ فيها فواضحٌ. وقالَ الزجَّاجُ: تأويلُهَا: إنْ كَانَ الأمرُ كما ذكرتَ فإني أُكرمُكَ؛ تنبيهاً علَى أنَّ فيها معنى الجزاءِ حتَّى صَحَّ تقديرُهُ مُصَرَّحاً بِهِ. وزعمَ بعضهم: أنَّ (إذاً) مركَّبةٌ مِنْ (إذْ) و (أنَّ)، ونقُلتْ حركةُ الهمزةِ، والنَّصبُ بـ (أنَّ)، وهو مردودُ عندَهُم، واللهُ أعلم. الخامسة عشرة: الظَّعِينةُ: بالظاءِ قالَ الجَوهَرِيُّ: والظَّعِينةُ: الهودجُ؛ كانت فيه امرأةٌ، أو لمْ تكُنْ، والجمعُ: ظُعُنٌ، وظُعْنٌ، وظَعائِنٌ، وأظعانٌ. أبو زيدٍ: لا يُقالُ: حمولٌ، ولا ظُعنٌ، إلا للإبلِ التي عليها الهوادجُ؛ كانَ فيها نساءٌ أو لمْ يكنَّ. وهذا بعيرٌ تُظَعِّنُهُ المرأةُ؛ أي: تركبُهُ، وهي تفتعِلُهُ. والظعينةُ: المرأةُ ما دامَتْ في الهودَجِ، فإذا لمْ تَكنْ فيهِ فليسَتْ

стр. 2007

بظعينةٍ (١)، وقالَ عَمرو بنِ كُلثومٍ [من الوافر]: قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يا ظَعِينَا ... نُخَبِّرْكِ اليَقِينَ وتُخْبِرِينَا (٢) كذا قالَ، وقيَّدَ الظعينةَ بالمرأةِ مادامَتْ في الهودجِ، وصَرَّحَ بأنَّها إذا لمْ تكُنْ فيهِ فليسَتْ بظعينةٍ، وغيرُهُ خالفَهُ في هذا التقييدِ، وهو الصوابُ إنْ شاءَ اللهُ، وعليهِ يدُلُّ الحديثُ؛ فإنَّهُ لا يُمكنُ أنْ يُقالَ: إنَّ النهيَ عن الضربِ مخصوصٌ بما (٣) إذا كانَتْ في الهودجِ. قالَ الخطَّابيُّ: الظعينةُ: المرأةُ، سُمِّيت (٤) ظعينةً؛ لأنها تظعنُ مع الزوجِ، وتنتقلُ بانتقالِهِ (٥). وهذا ليسَ فيهِ تقييدٌ كما في كلامِ الجوهري. وقالَ ابنُ فارسٍ: ظعنَ يظعَنُ ظَعْناً وظَعَناً: إذا شخَصَ، والظعينةُ: المرأةُ، وهذا من بابِ الاستعارةِ، ويُقالُ: الظعائِنُ: الهوادجُ؛ كان فيها نساءٌ، أو لمْ يكنْ (٦).

стр. 2008

وهذا أيضا يدلُّ علَى إطلاقِ [لفظِ] (١) الظعينةِ علَى المرأةِ مِن غيرِ تقييدٍ. السادسةَ عشرة: الإسباغُ قد تكلمنا عليهِ فيما مضَى، وسيأتي ما يتعلقُ منهُ بالفوائدِ في وجهِها. * * * * الوجهُ الخامِسُ: في شيءٍ من العربيةِ، وفيهِ مسائل: الأولَى: قالَ أبو عبدِاللهِ بنُ مالكٍ: (لمَّا) في كلامِ العربِ علَى ثلاثةِ أقسامٍ: الأول: أن تكونَ نافيةً جازمةً، [و] (٢) قالَ: وقد تقدَّمَ ذكرُها، وأنَّ الذي يليها من الأفعالِ مُضارعُ اللفظِ ماضِي المعنى. والثاني: أن تكونَ حَرفاً يدُلُّ (٣) علَى وجودِ شيءٍ لوجودِ غيرِهِ، ولا يليها إلا فعلٌ خالصُ المُضيِّ؛ أي: ماضٍ لفظاً ومعنىً؛ كقولهِ تعالَى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]. وهي حَرفٌ عندَ سِيبَوَيْهِ، وظرفٌ بمعنى (حين) عندَ أبي عليٍّ. قالَ: والصحيحُ قولُ سِيبَويْهِ؛ لأنَّ المرادَ أنهم أُهلكوا بسببِ

стр. 2009

ظُلمهِم، [لا أنَّهم أهَلكوا حينَ ظلمِهم] (١)؛ لأنَّ ظُلمَهُم مُتَقَدِّمٌ علَى إنذارِهِم، وإنذارُهُم مُتَقَدِّمٌ علَى إهلاكِهِم. قالَ: ولأنها تُقابلُ (لو)؛ لأنَّ (لو) في الغالبِ تدُلُّ علَى امتناعٍ [لامتناع] (٢)، و (لمَّا) تدُّلُ علَى وجوبٍ لوجوبٍ، ويُحقِّقُ تقابُلَهُما أنَّكَ تقولُ: لو قامَ زيدٌ لقامَ عمرو، ولكنَّهُ لمَّا لمْ يقمْ لمْ يقمْ، ويُقوِّي قولَ أبي عليٍّ أنها قد جاءَتْ لمجرَّدِ الوقتِ في قولِ الراجِزِ: إنِّي لأَرْجُو مُحْرِزاً أنْ يَنْفَعَا إيَّايَّ لمَّا صِرْتُ شَيْخاً قَلِعَا (٣) والثالث: أن تكونَ بمعنى (إلا) في قَسَمٍ، كقولهِ (٤): عزَمتُ عليكَ لمَّا ضَربتَ كاتبَكَ سَوطاً. وكقولِ الآخَر [من الرجز]: قَالَتْ لَهُ بِاللهِ يَا ذَا البُرْدَينْ

стр. 2010

لمَّا غَنِثْتَ نَفَساً أوِ اثْنَينْ (١) قُلتُ: غَنِثَ - مفتوحُ الغينِ المُعجَمةِ، مكسورُ النونِ، آخِرُهُ ثاءٌ مُثلثةٌ - قالَ ابنُ سِيدَه: غنِثَ غَنثاً: شَرِبَ، ثمَّ تَنَفَّسَ، وأنشدَ البيتَ المذكورَ. وقالَ الشيبانيُّ: الغَنَثُ هاهُنا كنايةٌ عنِ الجماعِ. وقالَ أبو حنيفةَ: إنَّما هو غَنِثَ يَغنَثُ غَنَثاً، وأنشَدَ البيتَ المذكورَ (٢). قالَ ابنُ مالكٍ: وقد يكونُ بمعنى (إلا) بعد نفى دونَ (٣) قَسَمٍ، ومنهُ قراءةُ عاصمٍ وحمزة: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥]؛ [ما كلٌّ إلا جميعٌ، وما كلُّ ذلكَ إلا متاعُ الحياةِ الدنيا] (٤)، انتهَى (٥). وقالَ أبو البقاءِ في "شرحِ اللُّمعِ": وأمَّا (لمَّا) فأصلُها (لم) زِيدَتْ عليها (ما)، وصارَتْ بزيادَتِها اسماً تارةً، وحَرفاً أُخرَى، فإذا وَقَعَ بعدها الفعلُ الماضي كانتْ اسماً للزمانِ واقتضَتْ جواباً؛

стр. 2011

كقولكَ: لمَّا قُمتَ قُمتُ، وإنْ وقعَ بعدَها المُستَقبَلُ كانتْ حرفاً جازِماً، واختَصَّت بنفي ما قد فُعِل، وجازَ الوقوفُ عليها دونَ الفعلِ إذا تقدَّمَ ما يدُلُّ عليهِ؛ كقولِكَ: قد قامَ؟ فيقولُ المجيبُ: لمَّا؛ أي: هو مُتَهيِّئٌ لذلكَ، ولم يفعلْ بعدُ. قلتُ: الذي استدلَّ بهِ ابنُ مالكٍ لمذهبِ سِيبَوَيْهِ لا يقوَى؛ فإنَّهُ وإنْ كَانَ الظُلمُ مُتقدِّماً علَى إهلاكِهِم؛ والإنذارُ متقدِماً (١) أيضاً، لكِنْ لا يُنافي ذلكَ (٢) الظرفيةَ؛ لجوازِ (٣) أنْ يستمِرَّ الظُّلمُ إلَى حينِ الإهلاكِ، فيَصِحَّ معنى الظرفيةِ، اللهُمَّ إلا أنْ يلزمَ حملُ (ظلموا) علَى ابتداءِ ظُلمهِم، فيصِحُّ ما قالَ حينئذٍ (٤)؛ لأنَّ الابتداءَ لا يكونُ عندَ الإهلاكِ، وقول الراجِز: شيخاً قَلِعَا (٥). [الثانيةُ] (٦): لا بُدَّ لـ (لمَّا) من جوابٍ، وقد يكونُ جملةً ابتدائيةً؛ ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]، و [قد] (٧) يكونُ مقروناً بـ (إذا) المفاجَأةِ؛ ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا

стр. 2012

﴿يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]، وقد يكونُ جملةً فِعليةً؛ [نحو] (١): لمَّا قامَ زيدٌ [قامَ] (٢) عمرو. الثالثةُ: في مقدمةٍ لغيرِها: المحكيُّ عنِ الأخفَشِ: أنَّهُ يرَى زيادَةَ الواوِ، والفاءِ، وثمَّ. قالَ ابنُ مالكٍ: قالَ ابنُ برهانٍ: اعلمْ أنَّ الفاءَ تكونُ [فاءً] (٣) زائدةً عندَ أصحابنا جميعاً؛ نحو [من الكامل]: لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِساً أهلَكْتُهُ ... وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلكَ فَاجْزَعِي (٤) وكذلكَ قالَ أبو عُثمانَ وأبو الحسنِ في: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. [و] (٥) من زيادةِ الفاءِ قولُ الشاعرِ [من الطويل]: يَموتُ (٦) أُنَاسٌ أو يَشبُّ فَتَاهُمُ ... ويحدثُ ناسٌ والصَّغيرُ فَيكبَرُ (٧)

стр. 2013

[و] (١) منهُ قولُ الآخرِ [من الطويل]: [و] (٢) حتَّى تَرَكْنَ العَائِدَاتِ يَعُدْننَي ... وقُلنَ فلا تَبْعَدْ فقُلْتُ ألا ابْعدِي وقالَ أبو الحسنِ: وقد زادوا (ثمَّ)، وأنشدَ [من الطويل]: أرَانِي إذَا مَا بِتُّ بِتُّ علَى هوًى ... فثُمَّ إذَا أصْبَحتُ أصْبَحتُ غَادِيَا (٣) وعليهِ تأوَّلَ: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. وهذا قولُ الكوفيينَ، وهم يرونَ (٤) زيادةَ الواوِ مع ذلكَ، ويُنشدونَ [من الكامل]: حتَّى إذا قمِلَتْ بُطونُكُمُ ... ورأيتُمُ أبناءكُمْ شَبُّوا وقَلبتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لنَا ... إنَّ الضَّنينَ الفاخرُ الخِبُّ (٥) [أرادَ: قلبتُم] (٦)، فزادَ الواو.

стр. 2014

وقالَ بعضُ متأخري النُّحاةِ: (لمَّا) تقَع رابطةً بينَ فعلينِ واجبينِ، يكونُ وجوبُ الثاني مُسبَّباً (١) عن وجوبِ الأوَّلِ؛ كقولكَ: لما قدِمَ (٢) زيدٌ سُرِرنا بهِ؛ لأنها حرفٌ عندَ سِيبَوَيْهِ من بابِ حرفِ الشرطِ. قالَ: ولا تَدخلُ الفاءُ في الثاني؛ لأنَّه لا بُدَّ أنْ يكونَ ماضياً لفظاً ومعنىً؛ كقولِكَ (٣): لمَّا قدِمَ زيدٌ سُرِرنا، أو معنىً دونَ لفظٍ؛ نحو: لما غِبتَ لمْ نُسرَّ، [وذلك] (٤) حُكمُ الشرطِ (٥) الصريحِ في قولكَ: إنْ قامَ زيدٌ لمْ يقمْ عمرو، أو (٦) قامَ عمرو، إلا علَى مذهبِ الأخفشِ؛ فإنَّه يرَى زيادتَها في نحوِ قولكَ: زيدٌ فقائمٌ، وفي قولهِ: وقَائِلةٍ: خَوْلانَ! فَانْكِحْ فَتَاتَهُم (٧)

стр. 2015

وقالَ الكسائيُّ، وهشامٌ (١)، وخَلفٌ من أصحابهِ: وزيادتُها وزيادةُ الواوِ في الأجوبةِ في بابِ الشروطِ - إذا كانتْ جُملاً - أحسنُ؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. قالَ: وزعمَ بعضُ الكوفيينَ أنَّ (ثمَّ) في قولهِ تعالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] زائدةٌ (٢)، والجوابُ: تابَ عليهِم. [قالوا] (٣): لأنَّ دُخولَ حُروفِ المعاني علَى الجُملِ أحسنُ من دخولهِا علَى المفرداتِ، فعندَهُ لا تمتنِعُ: لمَّا جاءَ زيدٌ فسُررنا، وهيَ في (لمْ نُسرَّ) أحسنُ زيادةً من (سُرِرنا)؛ لأنَّ لفظَهُ مُضارعٌ، وصريحُ الشرطِ إذا كانَ فعلُهُ ماضياً، وجوابُهُ مُضارِعاً، جازَ دُخولُ الفاءِ فيهِ؛ كقولهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]. [قالَ] (٤): فإنْ كَانَ بينَ الفعلِ الثاني والأولِ في السببِ واسطةٌ محذوفة، كانتْ تلكَ الواسطةُ هيَ الجوابُ، والأحسنُ حينئذٍ أنْ يُؤتَى في الفعلِ الثاني بالفاءِ؛ ليكونَ معطوفاً علَى وجهِ التسبُّبِ علَى الجوابِ

стр. 2016

المحذوفِ؛ [نحو] (١) قولك (٢): لما عصَى زيدٌ فتابَ الله عليهِ؛ لأنَّ العِصيانَ ليسَ سبباً مُباشراً لتوبةِ اللهِ عليهِ، [وإنما توبتُهُ هي السببُ المباشرُ لذلكُ، فالتقديرُ: لما عصَى تابَ، فتابَ الله عليهِ] (٣)، فيحسُنُ حينئذٍ دخولُ الفاءِ؛ ليؤذَنَ (٤) بالعطفِ علَى الفعلِ المُقدَّرِ (٥)، والتسببِ (٦) عليهِ، ولا يحسُنُ أن تقولَ: لمَّا عصَى تابَ اللهُ عليهِ، إلا بهذا التأويلِ. وكذلكَ في قولهِ تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، التقديرُ: إذا جاؤوها أُذِنَ لهُم في دخولها، وفُتِحتْ أبوابُها؛ لأنَّ المجيءَ ليسَ سبباً [مباشراً] (٧) للفتحِ، بل الإذنُ في الدخولِ هو السببُ في ذلكَ، وكذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]، رحِمَهُم، ثمَّ تابَ عليهِم.

стр. 2017

وهذا التأويلُ أحسنُ من القولِ بزيادةِ هذهِ الحروفِ، وحذفُ المعطوفِ عليهِ وإبقاءُ المعطوفِ سائغٌ؛ نحو قولهِ تعالَى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦]، التقديرُ - والله أعلمُ -: فذهبا، فبلَّغا، فكُذِّبا، [فقتلناهُم] (١)، فدمرناهُم؛ لأنَّ المعنى يُرشدُ إليهِ. وكذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ أي: فعلتُم، فامتثلتُم (٢)، فتابَ عليكُم، وكذلِكَ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فأفطر، فعليه (٣) عِدَّةٌ، انتهَى (٤). الرابعة: الذي جلبَ لنا هذا قولُهُ في الحديثِ: "فلمَّا قدِمنا علَى رسولِ الله ﷺ ، فلم نصادفْهُ في منزلِهِ، وصادفنا عائشةَ أمَّ المؤمنين ﵂، فأمرَتْ لنا بخزيرةٍ، فصُنِعَتْ لنا"؛ فإنَّ ذلِكَ ليسَ فيهِ جوابٌ ظاهرٌ لـ (لمَّا)، والذي يُقالُ فيهِ وجوهٌ: الأولُ: زيادةُ الفاءِ علَى حسبِ ما قدَّمنا من مذهبِ من حكيناه (٥)

стр. 2018

عنهُ، فعلَى [هذا] (١) [يمكنُ] (٢) أنْ يكونَ [قولهُ] (٣): "لمْ نصادفهُ" هو (٤) الجوابُ، والفاءُ زائدةٌ في قولهِ: فلَم نصادفهُ، والفاءُ [أتَتْ] (٥) بعدَ ذلكَ للعطفِ، ويمكنُ أن [يكونَ] (٦) الجوابُ "صادفنا عائشةَ" علَى مذهبِ زيادةِ الواوِ علَى ما تقدَّمَ، والفاءُ بعدَ ذلكَ للعطفِ. الوجهُ الثاني: أنْ يكونَ الجوابُ محذوفاً، والفاءُ للعطفِ، وقد حَكينا (٧) فيما حَكينا في سياقِ كلامِ المتأخرينَ [منَ] (٨) النُّحاةِ وتابِعه (٩) ما معناهُ: الفرقُ بينَ أنْ يكونَ الأولُ سبباً مُباشرًا [للثاني] (١٠)، وبينَ أن لا يكونَ مُباشراً وبينهما واسطةٌ، وأنهُ إذا كان بينَ الفعلِ الأوَّلِ والثاني في التَّسبُّبِ واسطةٌ محذوفةٌ كانتْ تلكَ الواسطةُ هي (١١) الجوابَ، وأنَّ

стр. 2019

الأحسنَ حينئذٍ أنْ يُؤتَى في الفعلِ الثاني بالفاءِ، والذي (١) في الحديثِ يكونُ أحسنَ علَى هذا التقديرِ؛ لأنَّ القُدومَ ليسَ سَبباً [مُباشَراً] (٢) لِعدَمِ المصادفَةِ، ويكونُ التقديرُ: فلمَّا قدِمنا، وأتينا منزلهُ ﷺ ، فلم نصادفهُ؛ أو ما هذا معناهُ من التقديراتِ. الوجهُ الثالثُ: أن لا يكونَ شيءٌ ممَّا [دخلَتْ] (٣) عليهِ الفاءُ هو الجوابُ، ويكونُ الجوابُ محذوفاً بعد ذلكَ، وقد أجازَ بعضُ المُعْرِبينَ لألفاظِ الكتابِ العزيزِ في قولهِ تعالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أنْ يكونَ الجوابُ محذوفاً بتقديرِ: رُحماً أو سُعداً، ونحوهُ. فمثلُ هذا يأتي هاهُنا، والقاضي أبو مُحمدٍ بنُ عطيةَ المُفسِّرُ يقولُ في أمثالِ هذا: [إنَّ] (٤) التقديرَ: فلمَّا أسلما، [أسلما] (٥) (٦)، وهو علَى هذا الظاهرِ مُشكِلٌ (٧).

стр. 2020

الخامسةُ: قد اشتُهِرَ أنَّ جوابَ السؤالِ ب (أو) هو بـ (نعم)، أو (لا)، وجوابُ السؤالِ ب [أم] (١) بذكرِ الشيئينِ، أو الأشياءِ، فإذا قُلتَ: أقامَ زيدٌ أو عمرو؟ فمعناهُ [أقامَ] (٢) أحدُهُما، فيجابُ بما يجابُ بهِ: نعم، أو لا، وإذا قُلتَ: أقامَ زيدٌ أم عمرو؟ فيجابُ بما يجابُ بهِ: أيُّهما قامَ. وأيضاً فمرتَبةُ السؤالِ ب (أم) بعدِ السؤالِ: بـ (أو)؛ فإنَّ (٣) السؤالَ ب (أم) يكونُ بعدَ العلمِ بثبوتِ أحدِ الشيئينِ عندَ السائلِ، فيسألُهُ بعدَ ذلكَ عنِ التعيينِ. وعلَى مُقتضَى هذينِ الأصلينِ وقعَ السؤالُ ب (أو) في مرتبتِهِ، والجوابُ في محلِّهِ علَى الأصلِ فيهِما. وأشكلَ علَى هذه (٤) القاعدةِ قولُ (٥) ذي الرُّمةِ [من الطويل]: تقولُ عجوزٌ مَدْرَجِي مُتَرَوِّحا ... علَى بابِها منْ عندِ أهْلِي وغَادِيَا

стр. 2021

أذو زَوجةٍ بالمِصْرِ أمْ ذُو خُصُومةٍ ... أَرَاكَ لها بالبَصرةِ العامَ (١) ثاوِيا فقلتُ لها: لا إنَّ أهْلِيَ جِيرةٌ (٢) فأجابَ (أم) بـ (لا)، وجوابُها بتعيين (٣) أحدِ الشيئينِ، فاحتاجوا إلَى تخريجِهِ وتأويلِهِ. السادسةُ: قالَ الجَوهَرِيُّ: و (بَيْنَا) فَعْلَ (٤) أُشبِعَتْ الفتحةُ فصارتْ ألِفاً، و (بينَما) زِيدتْ عليهِ (ما)، والمعنى واحدٌ، تقولُ: بينما نحنُ نرقُبُهُ [أتانا؛ أي: أتانا] (٥) بينَ أوقاتِ رُقبَتِنا [إيَّاهُ] (٦)، والجُملُ مما يُضافُ إليها أسماءُ الزمانِ؛ كقولكَ: أتيتُكَ زمنَ الحجَّاج (٧) أميرٌ، ثمَّ حذفتَ المُضافَ الذي هو (أوقاتُ)، ووليَ الظرفُ الذي هو (بينَ) الجملةَ التي أُقيمَتْ مَقامَ المُضافِ إليها؛ كقولهِ تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ

стр. 2022

الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وكانَ الأصمعي يخفِضُ بعدَ (بينا) إذا صلحَ في موضِعِها (بين)، ويُنشِدُ قولَ أبي ذُؤيبٍ بالكسرِ [من الكامل]: بينا تَعَنُّقِهِ الكُماةَ ورَوْغِهِ ... يوماً أُتيحَ له جَرِيءٌ سَلْفَعُ (١) وغيرُهُ يَرفعُ ما بعدَ (بينا) و (بينما) علَى الابتداءِ والخبرِ (٢) (٣). قلتُ: (تَعَنُّقِهِ) مفتوحُ التاءِ والعينِ، مضمومُ النونِ مشددةً، مكسورُ القاف (٤) علَى هذا المذهبِ، [و (الكُماةَ) منصوب، و (رَوغِهِ) بالغينِ المُعجَمةِ المكسورةِ علَى هذا المذهبِ] (٥). وقالَ أبو محمدٍ القاسمُ بنُ عليٍّ الحريري في "دُرَّة الغوَّاصِ في أوهامِ الخواصِ": ويقولونَ: بينا زيدٌ قائمٌ إذ جاءَ عَمرو، فيتلقونَ (بينا) بـ (إذ)، والمسموعُ عن (٦) العربِ: بينا زيدٌ قائمٌ جاءَ عَمرو، بلا (إذ)؛ لأنَّ المعنى يُخبرُ فيهِ: بينَ أثناءِ الزمانِ جاءَ عَمرو، وعليهِ قولُ أبي ذؤيبٍ:

стр. 2023

بينا تَعَنُّقِه الكماةَ وروغِهِ ... يوماً أُتيحَ لهُ جريءٌ سَلْفَعُ فقالَ (١): أُتيحَ، ولم يقُل: إذ أُتيحَ. وهذا البيتُ يُنشَدُ بجرِّ (تعنقه) و [رفعه] (٢)، فمن جرَّ جعلَ الألِفَ في (بينا) مُلحقةً لإشباعِ الفتحةِ؛ لأنَّ الأصلَ فيها (بينَ)، وجرَّ (تعنقه) علَى الإضافةِ، ومن رفعَ رفعهُ علَى الابتداءِ وجعلَ الألِفَ زيادةً لحقَتْ (بين) (٣)؛ ليوقِعَ بعدها الجُملةَ؛ كما زيدَتْ (ما) في (بينما) لهذهِ العلةِ. وذكرَ أبو محمدِ بنُ قُتيبةَ: قالَ: سألتُ الريَّاشيَّ عن هذهِ المسألةِ فقالَ: إذا وَليَ لفظُ (٤) (بين) الاسمَ العَلَمَ رُفِعتْ، فقُلتَ: بينا زيدٌ قائمٌ جاءَ عَمرو، وإنْ وليها المصدرُ قالَ: فالأجودُ الجرُّ؛ كهذهِ (٥) المسألةِ. وحكَى أبو القاسمِ الآمدِيُّ (٦) في "أمالِيهِ" عن أبي عُثمانَ المازني، قالَ: حضَرتُ أنا ويعقوبُ بنُ السِّكِّيتِ مجلسَ محمدِ بنِ

стр. 2024

عبدِ الملكِ الزيَّاتِ فأفضَى في شُجونِ الحديثِ إلَى أن قُلتُ: كان الأصمَعي يقولُ: بينا أنا جالسٌ إذ جاءَ عَمرو مُحال (١)، فقالَ ابنُ السِّكيتِ: هذا كلامُ الناسِ، قالَ: فأخذتُ في مُناظَرتِهِ عليهِ، وإيضاحِ المعنى لهُ، فقالَ لي مُحمدُ بنُ عبدِ الملكِ: دعني حتَّى أبينَ له ما اشتبهَ عليهِ، ثم التفتَ إليهِ وقالَ [لهُ] (٢): ما معنى بينا؟ فقالَ: حينَ، فقالَ: أفيجوزُ أنْ يُقَالَ: حينَ جلسَ زيدٌ إذ (٣) جاءَ عمرو، فسكَتَ. فهذا (٤) حُكمُ بينا. وأما (بينما) فأصلُها أيضاً (بينَ) فزيدَتْ عليها (ما)؛ لتؤذِنَ بأنَّها [قد] (٥) خرجَتْ عن بابِها بإضافةِ (ما) إليها، وقد جاءتْ في الكلامِ تارةً غيرَ مُتلقَّاةٍ بـ (إذ) مثل بينا، واستُعمِلَتْ تارةً مُتلقاةً بـ (إذ) و (إذا) اللذينِ للمُفاجأة؛ كما قالَ [الشاعرُ] (٦) [من البسيط]: فبينما العسرُ إذْ دارَتْ مَيَاسِيرُ

стр. 2025

وكقولهِ (١) في هذهِ القطعةِ: وبَيْنَمَا المرءُ في الأحياءِ مُغتَبِطاً إذ صار في (٢) الرَّمْسِ تَعْفُوهُ الأعاصيرُ (٣) فتلقَى هذا الشاعرُ (بينما) في البيتِ الأولِ بـ (إذ)، وفي الثاني بـ (إذا). وليس بِبِدْعٍ أنْ يتغيَّرَ حُكمُ (بين) بضمِّ (ما) إليهِ (٤)؛ لأن التركيبَ يُزيلُ الأشياءَ عن أُصولها، ويُحيلُها عن أوضاعِها ورسومِها، ألا ترَى أنَّ (رُبَّ) لا يليها إلا الاسمُ؟ (٥) فإذا اتصَلَتْ بها (ما) غيَّرتْ حُكمَها وولِيَها الفعلُ؛ كما جاءَ في القرآنِ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].

стр. 2026

وكذلِكَ (لم) حرفٌ، فإذا زيدَتْ عليها (ما)، وهي أيضاً حرفٌ، صارَتْ (لمَّا) اسماً في بعضِ المواطنِ بمعنى حينَ؛ نحو قولهِ تعالَى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٣]. وهكذا (قلَّ) و (طالَ) لا يجوزُ أنْ يليَهَما الفعلُ، فإنْ وُصِلَتَا بـ (ما) (١) وليهما الفعلُ؛ كقولكَ: طالما زُرتُكَ، وقلَّما هَجَرتُكَ، انتهَى (٢). قالَ ابنُ الضَّائِع في "شرحِ الجُملِ" (٣): الأكثرُ في الكلامِ أن لا تُذكرَ (إذ) مع الفعلِ بعدها؛ يعني: بعدَ (بينما)، بل زَعَمَ الأستاذُ أبو علي عن أهلِ اللغةِ: أنهم يمنعونهُ، وسِيبَوَيْهِ قد مثَّلَ المسألةَ بـ (إذ) كما فعلَ المؤلفُ - يعني: أبا القاسمِ الزجاجيَّ - في قولهِ: بينما (٤) زيدٌ قائمٌ إذ جاءَ عمرو. وقالَ ابنُ الضائع: فهو من كلامِ العربِ، وأنشدَ [من المنسرح]:

стр. 2027

بَيْنَمَا نَحنُ بالأراكِ مَعاً ... إذْ أتَى رَاكِبٌ [علَى] (١) جَمَلِه (٢) ثمَّ قالَ: وقد تجيءُ (إذا) في موضِعِ (إذ)، أنشدَ السّيرافي [من الطويل]: استَقْدِرِ اللهَ خيراً وارْضَيَنَّ بهِ ... فبينما العُسرُ إذْ دارتْ مَيَاسيرُ وبَيْنَمَا المرءُ في الأحياءِ مُغتبِطاً ... إذا هوَ الرَّمسُ تَعْفُوهُ الأعاصيرُ وهذ (إذا) التي للمفاجأةِ، وكأنها (٣) دخَلَتْ لما في الكلامِ من معنى السببيَّةِ؛ لأنَّ المعنى: إن يكُنِ المرءُ في الأحياءِ مُغتبِطاً إذا الموتُ نازلٌ بهِ. قُلتُ: الضائعُ: بالضادِ المُعجَمة، والعين المُهمَلة. ومِنْ تلقِّي (٤) (بينما) بالفعلِ [في] (٥) الشعرِ [قولُ] (٦) الحماسِيِّ [من الخفيف]: بَيْنَما نَحْنُ بالبَلاَكث (٧) بالقَا ... عِ سِرَاعاً والعِيسُ تَهْوِي هُوِيَّا

стр. 2028

خَطَرَتْ خَطْرَةٌ علَى القَلْبِ من ذِكـ ... ـرَاكِ وَهْناً فَمَا استَطَعْتُ مُضِيَّا (١) والذي في الحديثِ الذي نحنُ في شرحِهِ تلقَّى (بينما) بـ (إذ) في قولهِ: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ جُلوسٌ إذ دفعَ الراعي غنَمَهُ. السابعة: قولُهُ: "ما وَلَّدْت؟ " قالَ: بَهْمةً، إذا كانَ (ولَّدت) مَعناهُ مَا ذَكرَهُ الخطابيُّ من حُضورِ الولادةِ والمعالجَةِ حتَّى يتبينَ الولدُ (٢)، فالبَهمةُ غيرُ مولَّدَةٍ بهذا التفسير (٣)، فلا بُدَّ من إضمارٍ، أو مجازٍ، يصِحُّ بهِ اللفظُ علَى هذا التقديرِ، فيمكِنُ أن تُنصبَ بهمةٌ بفعلٍ مُضمرٍ؛ كأنَّهُ قالَ: وَلَّدْتُ بهمةً؛ لدلالةِ (وَلَّدْتَ) علَى الولادةِ؛ ولأنَّ المقصودَ إنما هو معرفةُ المولودِ، لا معرفةُ المولَّدِ؛ الذي هو الشاةُ، ويمكنُ أنْ يُحذفَ مُضافٌ في الكلامِ. العاشرة (٤): أصلُ الشاة: شَوْهَةٌ علَى (فَعْلَة)، مفتوح الفاء، ساكن العين، واللامُ هاء، [وهذا يحتاج إلَى أمرين: أحدهما: الدلالة علَى أنَّ اللامَ هاء] (٥)، ودليلُهُ قولُهم في الجمعِ: شِيَاه، وفي التصغيرِ: شُوَيْهَة، ثم حذفت اللام، وهي الهاء

стр. 2029

علَى غير قياس، كما حُذِفَ (يد) و (دم)، فبقيت التاء تطلب بفتح ما قبلها، مكان (١) شَوَة، فتحرَّكت الواو وانفتحَ ما قبلها (٢)، فانقلبت ألفاً، فقالوا: شاة. والثاني: [الدليلُ] (٣) علَى أنَّ عينَ الكلمةِ ساكِنٌ، ودليلُهُ: أنَّهُ الأصلُ؛ لأنَّ الحرفَ لا تُدَّعَى فيهِ الحركةُ إلا بدليل عارضٍ. الحادية عشرة: أَمَةٌ: أصلُها أَمَوَةٌ علَى (فَعَلةٌ)، مفتوح الفاءِ والعينِ معاً، واللامُ واوٌ، والدليلُ علَى كونها واواً قولُهُ في الجمعِ: أمَواتٌ، والدليلُ علَى تحريكِ العينِ (٤). الثانية عشرة: [ قالَ الخطابيّ] (٥): لا تحسِبَنَّ - مَكسُورةُ (٦) السينِ - إنما هي لغةُ عُليا مُضرَ، وتحسَبنَّ - بفتحِها - لغةُ سُفلاها، وهو القياسُ عندَ النحويينَ؛ لأنَّ المُستَقبَلَ من (فعِل) - مكسورةَ العينِ - (يفعَلُ) - مفتوحَها - كعلِمَ يعلَمُ، وعجِلَ يعجَلُ، إلا أنَّ حروفاً شاذة قد جاءَتْ نحو: نعِم ينعِمُ، وبئِسَ يبئِسُ، وحسِبَ يحسِبُ، وهذا في

стр. 2030

الصحيحِ، وأمَّا المعتلُ فقد جاءَ فيهِ: ورِم يرِمُ، ووثقَ يثيقُ، وورع يرِعُ، وورِي يرِي (١). الثالثة عشرة: الغنمُ لفظٌ يدلُّ علَى الكثرةِ، ولا واحدَ لهُ في لفظِهِ، وهو اسمُ جمعِ. الرابعة عشرة: قولهُ: "مئةٌ" صفَةٌ للغنمِ، ولا يمنعُ من ذلكَ كونها غيرَ مُشتقَّةٍ في ظاهرِ لفظِها؛ لأنَّهُم قد يصِفونَ بما ليسَ بمشتقِ بتأويلِهِ علَى ما لزِمَهُ من معنىَ مُشتقِّ، تقولُ: مررت بحبلِ ذراعِ، وبحبل سبعة أذرع، بتأويل: حبل قصير، وحبل طويل، وكذا (٢) أسماءُ الأعدادِ يُوصفُ بها؛ كـ: مرَرتُ بنسوةِ أربعِ، وكذلكَ قالوا [في] (٣): مررتُ بقاعٍ عرفَجٍ، [و] (٤) العرفَجُ اسم غيرُ مشتقٍّ، تأويلُهُ حسَنٌ (٥). قالَ أبو سعيدِ السِّيرافي ﵀ (٦): ما كانَ من المقاديرِ، إذا

стр. 2031

تفرَّدَ كانَ نعتًا لما قبلَهُ بما يتضمَّنُ لفظُهُ من الطُّولِ والقِصَرِ، والقِلةِ والكثرةِ، فنابَ ذلكَ عن طويلٍ وقصيرٍ، وقليل وكثير، وإذا قال: مررتُ بإبلٍ مئةٍ، فكأنَّهُ قالَ: بإبل كثيرة، وإذا قالَ: بإبل خمسٍ، كأنَّهُ قالَ: بإبلٍ قليلةٍ. ويمكنُ أنْ يقالَ: يمكنُ أن تُعرَبَ مئةٌ بالبدليَّةِ. الخامسة عشرة: "أُميِّتكَ" تصغيرُ أمةٍ، والأصلُ في أمةٍ: أَمَوةٌ؛ لقولهم في الجمعِ: أمَوَاتٌ، وآم، فأمَّا أخذُهُ من أمواتٍ فظاهرٌ؛ لظهورِ الواوِ في الجمعِ، وأمّا آم فإنما هو بعدَ اعتبارِ الواوِ أيضاً؛ كما تكلَّموا فيهِ في التصريفِ، وأنَّ أصلَهُ (أأْمُو) علَى (أَفْعُل)، قُلبَتْ الهمزةُ الثانيةُ ألِفاً وجوبًا كآدمَ، فوجَبَ قلبُ الواوِ المتطرفَةِ ياءً؛ لوقوعِها طَرفاً بعد ضمَّةٍ، وهو مرفوضٌ في الأسماءِ المتمكِنةِ، فوجَبَ كسرُ ما قبلها، فصارَ آمي، ثم أُعلَّ إعلالَ قاضي؛ أي: دخلَ التنوينُ، فحُذِفتْ الياء لالتقاء الساكنين، فصار (آم) تقول في الرفع: هذه آمٍ، وفي الجرِّ مررت بآمٍ، وفي النصب: رأيتُ آمياً (١)، فإذا صَغَّرْتَ ردَدتَ اللامَ المحذوفةَ، فصارَتْ (أميوة)، اجتمعتْ الواو والياءُ وسُبقَتْ إحداهُما (٢) بالسكونِ

стр. 2032

فقُلبَتْ الواو ياءً، وأُدغِمَت علَى القاعدةِ. * الوجهُ السادسُ: في شيءٍ مما يتعلقُ بالألفاظِ غيرِ ما تقدَّمَ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: التجنيسُ عندَ أهلِ البديعِ أنواعٌ: منها التجنيسُ الخطِّي، ووقعَ في الحديثِ، منهُ قوله ﵇: "ما نُريدُ أنْ تزيدَ"، وهو من نوعِ البديعِ الذي لا تَكَلُّفَ فيهِ. الثانية: الجوابُ عن (أم) و (أو) بالنِّسبَةِ إلَى الاحتياجِ إلَى السؤالِ بـ (أم) بعدَ السؤالِ بـ (أو) يختلفُ باختلافِ مقصودِ السائلِ، ومتعلَّقِ غرضِهِ، فإنْ لم يتعلقْ غرضُهُ بالتعيينِ اكتفَى بالسؤالِ بـ (أو)، وإنْ تعلَّقَ احتاجَ بعد السؤالِ بـ (أو) إلَى السؤالِ بـ (أم)، وقد يكونُ الجوابُ عن (أو) مُستلزِماً لحصولِ الغرضِ للتعيينِ (١)، فلا يحتاجُ إلَى سؤالِ (أم)، وإنْ كَانَ مُتعلِّقَ [الغرضِ] (٢). وقد وقعَ في الحديثِ السؤالُ بـ (أو)، [و] (٣) لم يقعْ بعدهُ السؤال بـ (أم)، ولعلَّ سببَهُ حصولُ الغرضِ منَ الصيانة (٤) بالإصَابةِ أو بالأمرِ؛

стр. 2033

لاستلزامِ الأمرِ الإصابةَ إذْ هي المقصودُ بالأمرِ. الثالثة: السؤالُ (١) بـ (هل) يقتضي احتمالَ عدمِ وقوعِ الشيءٍ، و [احتمالَ] (٢) عدمِ وقوعِ أحدِ [هذينِ] (٣) الشيئينِ، يمكنُ أنْ يكونَ لعدمِ ما تقعُ بهِ الإصابةُ أو الأمرُ بالفعلِ، ويمكن أنْ يكونَ للتأخيرِ مع الإمكانِ، ولا ينبغي أنْ يُحمَلَ علَى هذا لمخالفتهِ (٤) لعادةِ كرامِ العربِ، لا سيَّما أهلُ النبي ﷺ ، وإذا حملناهُ علَى الأول، كان دليلاً علَى أمرينِ: أحدهُما: ما كانت معيشةُ رسولِ الله ﷺ وأهلِهِ عليهِ من التقلُّلِ من الدنيا، كما وقعَ التصريحُ بهِ في أحاديثَ أُخَرَ، واستلزامُ ذلكَ للزُّهدِ في الدنيا والتمتُّعِ بها مع (٥) القُدرَةِ. والثاني: ما يَدُلُّ عليهِ من كريمِ الأخلاقِ من عدمِ السؤالِ عمَّا (٦) يكونُ في البيتِ من المطعوماتِ وما يشبهُها، كما وقعَ المدحُ [به] (٧)

стр. 2034

[بقولهِ: و] (١) لا يسألُ عمَّا عَهِدَ. الرابعة: قولهُ ﷺ : "فاذبح لنا" يُحتمَلُ أنْ يكونَ الضميرُ في "لنا" للنبيِّ ﷺ وأضيافِهِ، وإذا حُمِلَ عليهِ كان فيهِ معنىً لطيف؛ وهو العُدولُ عن اللفظِ الذي يُشعِرُ بأنَّ الذبحَ (٢) لأجلِ الضيفِ، ويُحتملُ أنَّه (٣) لهم ولهم (٤). ولا شكَّ أنَّ اللفظَ المعينَ لأنَّهُ لأجلِ الضيفِ قد يوقعُ عِندهُ التكلُّفَ لأجلِهِ (٥)، ولهذا ترى الضِّيفانَ إذا فهموا من المُضيفِ مثلَ هذا بادروا إلَى منعهِ من التكلُّفِ، فيكونُ العدولُ إلَى [اللفظِ] (٦) الذي لا يُعيِّنُ أنَّ الذبحَ لهُم أَدخَلَ في بابِ الكرمِ وإيناسِ الضيفِ، مما إذا عَيَّنَ [أنه] (٧) للضيفِ. الخامسة: قولهُ ﷺ : "مكانَها" تأكيدٌ للمعنى الذي أَخبرَ عنهُ ﷺ من أنَّهُ لا يريدُ أن تزيدَ. السادسة: "مكانها" بمعنى: عوضِها وبدَلِها، واستعمالُ المكانِ في

стр. 2035

ذلكَ مجازٌ، وكأن سبَبَهُ أنَّ الجالسَ في مكانٍ كَان غيرُهُ جالِساً فيه، لمَّا امتنعَ اجتماعُهُما في وقتٍ (١) واحِد، دلَّ علَى زوالِ الأولِّ عن المكانِ (٢)، وقيامِ الثاني فيهِ بدلَهُ، وكذلكَ ما كان عوضاً عن الشيءِ (٣) يقومُ مقامَهُ مع عدمِهِ في نفسِهِ. السابعة: قولهُ: "أُمئتَكَ" تصغيرُ تحقيرٍ، فقد حصلَ التنبيهُ علَى هذا المعنى من وجهينِ: أحدهُما: ما دلَّ عليهِ مدلولُ الأمَّةِ من الرقِّ. والثاني: ما دلَّ عليه التصغيرُ، وقد روِي في غيرِ هذه الرواية: "أَمَتَك" مِن غيرِ تصغيرٍ (٤)، والله أعلمُ. * الوجهُ السابع: في الفوائدِ والمباحثِ، وفيهِ مسائلُ: [الأولَى] (٥): الوِفادةُ إلَى رسولِ الله ﷺ من القبائلِ، إحدَى
следующие страницы →