← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

تفرَّدَ كانَ نعتًا لما قبلَهُ بما يتضمَّنُ لفظُهُ من الطُّولِ والقِصَرِ، والقِلةِ والكثرةِ، فنابَ ذلكَ عن طويلٍ وقصيرٍ، وقليل وكثير، وإذا قال: مررتُ بإبلٍ مئةٍ، فكأنَّهُ قالَ: بإبل كثيرة، وإذا قالَ: بإبل خمسٍ، كأنَّهُ قالَ: بإبلٍ قليلةٍ. ويمكنُ أنْ يقالَ: يمكنُ أن تُعرَبَ مئةٌ بالبدليَّةِ. الخامسة عشرة: "أُميِّتكَ" تصغيرُ أمةٍ، والأصلُ في أمةٍ: أَمَوةٌ؛ لقولهم في الجمعِ: أمَوَاتٌ، وآم، فأمَّا أخذُهُ من أمواتٍ فظاهرٌ؛ لظهورِ الواوِ في الجمعِ، وأمّا آم فإنما هو بعدَ اعتبارِ الواوِ أيضاً؛ كما تكلَّموا فيهِ في التصريفِ، وأنَّ أصلَهُ (أأْمُو) علَى (أَفْعُل)، قُلبَتْ الهمزةُ الثانيةُ ألِفاً وجوبًا كآدمَ، فوجَبَ قلبُ الواوِ المتطرفَةِ ياءً؛ لوقوعِها طَرفاً بعد ضمَّةٍ، وهو مرفوضٌ في الأسماءِ المتمكِنةِ، فوجَبَ كسرُ ما قبلها، فصارَ آمي، ثم أُعلَّ إعلالَ قاضي؛ أي: دخلَ التنوينُ، فحُذِفتْ الياء لالتقاء الساكنين، فصار (آم) تقول في الرفع: هذه آمٍ، وفي الجرِّ مررت بآمٍ، وفي النصب: رأيتُ آمياً (١)، فإذا صَغَّرْتَ ردَدتَ اللامَ المحذوفةَ، فصارَتْ (أميوة)، اجتمعتْ الواو والياءُ وسُبقَتْ إحداهُما (٢) بالسكونِ

стр. 2032

فقُلبَتْ الواو ياءً، وأُدغِمَت علَى القاعدةِ. * الوجهُ السادسُ: في شيءٍ مما يتعلقُ بالألفاظِ غيرِ ما تقدَّمَ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: التجنيسُ عندَ أهلِ البديعِ أنواعٌ: منها التجنيسُ الخطِّي، ووقعَ في الحديثِ، منهُ قوله ﵇: "ما نُريدُ أنْ تزيدَ"، وهو من نوعِ البديعِ الذي لا تَكَلُّفَ فيهِ. الثانية: الجوابُ عن (أم) و (أو) بالنِّسبَةِ إلَى الاحتياجِ إلَى السؤالِ بـ (أم) بعدَ السؤالِ بـ (أو) يختلفُ باختلافِ مقصودِ السائلِ، ومتعلَّقِ غرضِهِ، فإنْ لم يتعلقْ غرضُهُ بالتعيينِ اكتفَى بالسؤالِ بـ (أو)، وإنْ تعلَّقَ احتاجَ بعد السؤالِ بـ (أو) إلَى السؤالِ بـ (أم)، وقد يكونُ الجوابُ عن (أو) مُستلزِماً لحصولِ الغرضِ للتعيينِ (١)، فلا يحتاجُ إلَى سؤالِ (أم)، وإنْ كَانَ مُتعلِّقَ [الغرضِ] (٢). وقد وقعَ في الحديثِ السؤالُ بـ (أو)، [و] (٣) لم يقعْ بعدهُ السؤال بـ (أم)، ولعلَّ سببَهُ حصولُ الغرضِ منَ الصيانة (٤) بالإصَابةِ أو بالأمرِ؛

стр. 2033

لاستلزامِ الأمرِ الإصابةَ إذْ هي المقصودُ بالأمرِ. الثالثة: السؤالُ (١) بـ (هل) يقتضي احتمالَ عدمِ وقوعِ الشيءٍ، و [احتمالَ] (٢) عدمِ وقوعِ أحدِ [هذينِ] (٣) الشيئينِ، يمكنُ أنْ يكونَ لعدمِ ما تقعُ بهِ الإصابةُ أو الأمرُ بالفعلِ، ويمكن أنْ يكونَ للتأخيرِ مع الإمكانِ، ولا ينبغي أنْ يُحمَلَ علَى هذا لمخالفتهِ (٤) لعادةِ كرامِ العربِ، لا سيَّما أهلُ النبي ﷺ ، وإذا حملناهُ علَى الأول، كان دليلاً علَى أمرينِ: أحدهُما: ما كانت معيشةُ رسولِ الله ﷺ وأهلِهِ عليهِ من التقلُّلِ من الدنيا، كما وقعَ التصريحُ بهِ في أحاديثَ أُخَرَ، واستلزامُ ذلكَ للزُّهدِ في الدنيا والتمتُّعِ بها مع (٥) القُدرَةِ. والثاني: ما يَدُلُّ عليهِ من كريمِ الأخلاقِ من عدمِ السؤالِ عمَّا (٦) يكونُ في البيتِ من المطعوماتِ وما يشبهُها، كما وقعَ المدحُ [به] (٧)

стр. 2034

[بقولهِ: و] (١) لا يسألُ عمَّا عَهِدَ. الرابعة: قولهُ ﷺ : "فاذبح لنا" يُحتمَلُ أنْ يكونَ الضميرُ في "لنا" للنبيِّ ﷺ وأضيافِهِ، وإذا حُمِلَ عليهِ كان فيهِ معنىً لطيف؛ وهو العُدولُ عن اللفظِ الذي يُشعِرُ بأنَّ الذبحَ (٢) لأجلِ الضيفِ، ويُحتملُ أنَّه (٣) لهم ولهم (٤). ولا شكَّ أنَّ اللفظَ المعينَ لأنَّهُ لأجلِ الضيفِ قد يوقعُ عِندهُ التكلُّفَ لأجلِهِ (٥)، ولهذا ترى الضِّيفانَ إذا فهموا من المُضيفِ مثلَ هذا بادروا إلَى منعهِ من التكلُّفِ، فيكونُ العدولُ إلَى [اللفظِ] (٦) الذي لا يُعيِّنُ أنَّ الذبحَ لهُم أَدخَلَ في بابِ الكرمِ وإيناسِ الضيفِ، مما إذا عَيَّنَ [أنه] (٧) للضيفِ. الخامسة: قولهُ ﷺ : "مكانَها" تأكيدٌ للمعنى الذي أَخبرَ عنهُ ﷺ من أنَّهُ لا يريدُ أن تزيدَ. السادسة: "مكانها" بمعنى: عوضِها وبدَلِها، واستعمالُ المكانِ في

стр. 2035

ذلكَ مجازٌ، وكأن سبَبَهُ أنَّ الجالسَ في مكانٍ كَان غيرُهُ جالِساً فيه، لمَّا امتنعَ اجتماعُهُما في وقتٍ (١) واحِد، دلَّ علَى زوالِ الأولِّ عن المكانِ (٢)، وقيامِ الثاني فيهِ بدلَهُ، وكذلكَ ما كان عوضاً عن الشيءِ (٣) يقومُ مقامَهُ مع عدمِهِ في نفسِهِ. السابعة: قولهُ: "أُمئتَكَ" تصغيرُ تحقيرٍ، فقد حصلَ التنبيهُ علَى هذا المعنى من وجهينِ: أحدهُما: ما دلَّ عليهِ مدلولُ الأمَّةِ من الرقِّ. والثاني: ما دلَّ عليه التصغيرُ، وقد روِي في غيرِ هذه الرواية: "أَمَتَك" مِن غيرِ تصغيرٍ (٤)، والله أعلمُ. * الوجهُ السابع: في الفوائدِ والمباحثِ، وفيهِ مسائلُ: [الأولَى] (٥): الوِفادةُ إلَى رسولِ الله ﷺ من القبائلِ، إحدَى

стр. 2036

الوظائفِ علَى من كان في زمنِ النبي ﷺ ، وأحدُ أنواعِ ما ينطلِقُ [عليه] (١) اسمُ الهجرةِ. الثانية: فائدتُها المبايعةُ علَى الإسلامِ، وتعلُّمُ شرائعِهِ، والتفقُهُ في الدينِ، قالَ الله تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. والحمل علَى هذهِ الوِفادةِ وهذهِ الطائفةِ مذهبٌ لبعضِ المفسرينَ، ويكونُ المعنى علَى هذا التقديرِ: أنَّ الطوائفَ لا تنفُرُ من أماكنِها (٢) وبوادِيها جملةً، بل بعضهم؛ ليحصلَ التفقُّه بوفودِهِم علَى الرسولِ ﷺ ، وإذا رجعوا إلَى قومهِم أعلموهُم بما حصلَ لهُم. والفائدةِ (٣) في كونهِم لا ينفرونَ جميعاً عن بلادِهِم حصولُ المصلحَةِ في حفظِ من يتخَلَّفُ من بعضهِم ممَّن لا يمكنُ نفيرُه (٤) أو يتَعَسَّرُ. وأما (٥) علَى مذهبِ بعضِ المفسرينَ: فلا يتناولُ هذهِ الوفادةَ (٦)

стр. 2037

ولا الطائفة؛ فإنَّ بعضهُم يقولُ: إنَّ الفئةَ النافرَةَ هي من يسيرُ [مع] (١) رسولِ الله ﷺ في مغازيهِ وسراياهُ، والمعنى حينئذٍ: أنَّهُ ما كانَ لهُم أنْ ينفروا أجمعينَ مع الرسولِ ﷺ في مغازيهِ لتحصُلَ الفائدةُ (٢) المتعلقةُ ببقاءِ من يبقَى في المدينة (٣)، والفئةُ النافرةُ مع الرسولِ ﷺ تتفَقَّهُ في الدينِ بسببِ ما يرونَ (٤) ويسمعونَ منهُ، فإذا رَجعوا إلَى من بقي بالمدينةِ أعلموهُم بما حصلَ لهم في صحبةِ الرسولِ ﷺ من العلمِ (٥). والأقربُ الآنَ عندي: هو الأوَّلُ، والأولَى من هذا التأويلِ؛ لأنَّا إذا حمَلناهُ علَى هذا الثاني فقد يخالفُهُ ظاهرُ قولِي تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقولُهُ تعالَى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]؛ فإن ذلكَ يقتضي؛ إمَّا طلبَ الجميعِ بالنفيرِ (٦)، أو إباحتَه، وذلكَ في ظاهرِ؛ يخالِف النَّهي عن نفيرِ الجميعِ، وإذا (٧)

стр. 2038

تعارضَ مُجمَلانِ يَلزَمُ من أحدِهِما تعارضٌ، ولا يلزمُ منَ الآخَرِ، والثاني أولَى، ولا نعني بلزومِ التعارضِ لزومًا لا يُجابُ عنهُ، ولا يتخرَّجُ علَى وجهٍ مقبولٍ، بل [ما] (١) هوَ أعمُّ من ذلكَ؛ فإنَّ ما أشرنا إليهِ من الاثنينِ يجابُ عنهُ بأن تُحمَلَ (أو) في قولهِ تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] علَى التفصيلِ دونَ التخييرِ، كما رضيَهُ بعضُ المتأخرينَ من النُّحاةِ، فيكونُ نفيرُهُم (٢) ثُباتٍ فيما (٣) لا تدعو الحاجةُ إلَى نفيرهِم فيهِ جميعاً، ونفيرهُم جميعاً فيما تدعو الحاجةُ إليهِ. ويحملُ قولُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] علَى ما إذا كان الرسولُ ﷺ هو النافِرُ للجهادِ، ولم تحصُل الكفايةُ إلا بنفيرِ (٤) الجميعِ ممَّن يصلُحُ للجهادِ. وهذا أولَى من قولِ من يقولُ بالنسخِ، وأن تكونَ هذهِ الآيةُ ناسخَةً لما اقتضَى النفير (٥) جميعاً.

стр. 2039

ومن المفسرينَ من يقولُ: إنَّ منعَ النفيرِ (١) جميعاً حيثُ يكونُ الرسولُ ﷺ بالمدينةِ؛ فليس لهم أنْ ينفروا جميعاً ويتركوه وحدهُ (٢). والحملُ أيضًا علَى النفيرِ (٣) الذي ذكرناهُ أولَى من هذا؛ لأن اللفظَ يقتضي أن نفيرَهُم للتفقُّهِ في الدينِ (٤) والإنذارِ، ونفيرُهُم مع بقاء الرسولِ ﷺ [بعدَهُم] (٥) لا يناسِبُهُ التعليلُ بالتفقُهِ في الدينِ؛ [إذ التفقهُ منهُ ﷺ ، وتعليمُ الشرائعِ من جهتِهِ، فكيفَ يكونُ خروجُهُم عنهُ فِعلاً للتفَقُّهِ في الدينِ] (٦)؟! الثالثة: الوِفادةُ المذكورةُ التي ذكرنا أنها أحدُ الوظائفِ لا تتعيَّنُ، ولا بدَّ أن تكونَ هذهِ الوِفادةُ، قالَ المباركُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الكريمِ في كتابِهِ "الشافي" (٧): والذي جاءَ في رواية الشافعيِّ: "كنتُ وفدَ بني

стр. 2040

المنتَفِقِ" (١) بغيرِ ألفٍ، قالَ: ووجهُهُ أنَّهُ جَعلَ نفسهُ بمنزلةِ الوفدِ الذين هُم الجماعةُ؛ لأنَّ العادةَ في مثل هذا الأمرِ العظيم أِن لا ينفرَ (٢) فيهِ إلا جماعة منَ الرُّسُلِ، لاسيَّما مثل القدومِ علَى النبيِّ ﷺ ، وما كان قد ظهرَ من أمرِه العظيمِ وشأنِهِ الجليلِ، الذي غيَّر الأديانَ ونسَخَ (٣) الشرائِعَ، فانثالَ (٤) الناسُ إليهِ بالوقوفِ علَى حقيقةِ أمره، وكنهِ شأنِهِ، فكانَ (٥) كلُّ قومٍ يُنفِذونَ إليهِ جماعةً من أعيانهِم وأشرافِهِم، يكشِفونَ لهم ذلِكَ، وما كانوا يقنعونَ بالواحدِ والاثنينِ، إنما كانوا يَندبونَ إليهِ جماعةً، فلمَّا كانَ هذا الرجُلُ عظيماً في قومِهِ، نزلوهُ مَنزِلَ الجماعةِ في الوثوقِ والاكتفاء بهِ في الإصدارِ والإيرادِ، فندبوه وحدَهُ، فقالَ: كنتُ وفدَهُم؛ أي: الذي سدَّ مَسدَّ وفدِهِم، وقامَ مقامَهُ، وجائزٌ في العربيةِ أنْ يَردَ لفظُ الجماعةِ ويرادَ بهِ الواحِدُ؛ كقولهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أرادَ بالناسِ الأؤلِ: نُعَيمَ بنَ مَسعودٍ، وبالثاني: أبا سفيانَ بنَ حربٍ؛ كذا جاءَ في التفسيرِ.

стр. 2041

قُلتُ (١): هذ وفادَةٌ غيرُ الأولَى ليسَتْ مُتعينةً، ولا أُبعِّدُ أنْ يكونَ (وفدُ) الذي شرحَهُ من تغييرِ بعضِ الرواةِ، فينْ كَانَ مُخفَّفًا فالذي ذَكَرَهُ في توجيهِهِ وجهٌ. الرابعة: قولُهُ: "كنتُ وافِدَ بني المُنتَفقِ"، أو "في وفدِ بنيِ المُنتفقِ"، معناهُما مُتغايرٌ، ليسَ مدلولُ أحدِهِما ما يدلُّ عليهِ الآخرُ؛ لأنَّ قولَهُ: "كنتُ وافدَ بني المنتفِقِ" يُشعرُ إمَّا بتفردِهِ، أو (٢) بترأسُه علَى من مَعَهُ، وقولُهُ: "في وفدِ بنيِ المُنتفقِ" ينافي أحدَ هذينِ المعنيينِ، ولا يُشعرُ بالآخَرِ. الخامسة: إذا تبيَّنَ التفاوتُ؛ ففيهِ التيَقُّظُ لمدلولاتِ الألفاظِ، وتَرادُفِها وتَباينها، والتحرُّزُ عمَّا يقَعُ منَ الغلطِ فيهِ، وإنْ لم يتعلَّقْ به الغرضُ المقصود بالذاتِ [فيما يُخبرُ بهِ؛ تحرِّياً للصدقِ، وإقاعةً لواجدِ الحق في الكلامِ؛ لأن الغرضَ المقصودَ بالذاتِ] (٣) ما وَقعَ مع النبي ﷺ سُؤالاً وجواباً وحالاً. السادسة: [ الظاهِر] (٤) أنَّ هذا التردُّدَ في قولهِ: "وافد يني المُنتفقِ"، أو"في وفد بني المنتفقِ"، من الراوي عن الصحابيِّ، أو من دونَهُ،

стр. 2042

لا منَ الصحابِيِّ؛ لأنَّ انفرادَهُ بالوفادَةِ، أو رياستَهُ علَى الوافدينِ إلَى رسولِ الله ﷺ يَبعدُ في العادةِ نسيانُ مِثلِها. السابعة: [ قولهُ] (١): "فأمرتْ لنا بخزيرةٍ، فصُنِعتْ لنا"، عادةٌ كريمة من الكرامِ، والاهتمامِ بالضَّيفِ في المبادرةِ إلَى نزلهِ؛ لما في ذلكَ من المبادرةِ إلَى حق الضيفِ، وتعجيلِ سرورِه بالاهتمامِ بإكرامِهِ. الثامنة: [ يجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ بإذنٍ عامٍّ من النبيِّ ﷺ ، و] (٢) يجوزُ أنْ يكونَ بشهادةِ العادةِ بمثلِهِ؛ اكتفاءً بالدلالةِ علَى الرضَا عن التصريحِ، وهذا أقربُ إلَى عادةِ كرامِ العربِ، لاسيَّما (٣) رسولُ الله ﷺ ، وهذا أيضًا بناء علَى الظاهرِ في أنَّ المصنوعَ مِلكُهُ ﷺ . التاسعة: يُؤخَذُ منهُ إكرامُ الضيفِ بما الحاجةُ داعيةٌ إليهِ، ورُبَّما زادَ علَى الحاجةِ ما (٤) يُتفَكَّهُ بهِ زيادةً في الإكرامِ. ووجهُهُ من الحديثِ: أنَّ الحاجَةَ داعيةٌ إلَى القُوتِ، وسدّ ضرورةِ الجوعِ، والتمرُ المتَفَكَّهُ بهِ، وقصدُ الحلاوةِ منهُ، زائدٌ علَى ذلكَ، وقد يكونُ لأنَّ الخزيرةَ غيرُ كافيةٍ، والتمرُ قوتٌ فتكمُلُ بهِ الحاجةُ، لكنَّهُ

стр. 2043

شيءٌ لا دليلَ عليهِ، وقصدُ التحلي بالتمرِ ظاهرٌ فيهِ، مُعتادٌ مقصودٌ في التفكُهِ، فلا يُترَكُ اعتبارُهُ (١) لأمرٍ محتمَلٍ لا دليلَ عليهِ. العاشرة: قولهُ ﵇: "هل أصبتُم شيئًا، أو أُمِرَ لكُم بشيءٍ" يدُلُّ علَى أن الكلامَ محمولٌ علَى ما يُعلمُ من المقصودِ بهِ، لا علَى ظاهرِه، إذ ليسَ المقصودُ مُجرَّدَ إصابةِ شيءٍ ما، ولا الأمرَ بشيءٍ ما، وفَهمُ المقصودِ؛ إما أنْ نَجعلَهُ مأخوذاً من مُجرَدِ العُرفِ، وإمَّا أنْ نجعلَهُ من حذفِ الصفةِ، فيدخلُ في فنِّ (٢) العربية، والأوَّلُ عندي أولَى؛ لأنَّ الفَهمَ يحصُلُ مِن غيرِ شعورٍ بحذفٍ أصلاً، وأمثالُ هذا كثيرٌ. الحادية عشرة: مخاطبةُ الصحابةِ - رضوانُ الله عليهِم - بـ (يا رسولَ الله)، و (يا نبيَّ الله) في المحاوراتِ سُؤالاً وجوابًا، والتزامُ ذلكَ في أكثرِ الأوقاتِ، يُؤخَذُ منهُ مخاطبةُ الأكابِرِ والعُلماء بما هو تعظيمٌ لهم، لكن استحبابَهُ في حقِّ غيرِ الرسولِ ﷺ لكونهِ تسبُّبًا إلَى سرورِ المؤمنِ أو المعظَّمِ، وأما مخاطبةُ الرسولِ ﷺ فامتثالاً لقولِ الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] علَى أحدِ التأوبلينِ. الثانية عشرة: قولُهُ ﷺ : "فاذْبَحْ لنا مَكَانهَا شاةً" فيهِ التقديمُ

стр. 2044

لأعظمِ (١) المصلحتينِ، والفعلُ لأفضلِ الإكرامينِ، فإنَّ الشاةَ أنفعُ في الضيافةِ، وأكملُ من البَهمةِ. الثالثة عشرة: فيهِ دليلٌ علَى [صِحَّةِ] (٢) استنابةِ الإنسانِ فيما له مباشرتُهُ بنفسِهِ، وقد يُؤخَذُ منهُ جوازُ الوكالةِ. الرابعة عشرة: فيه دليلٌ علَى التفويضِ والتخييرِ في مثلِ هذا، وإنِ اختلفَ الغرضُ في آحادِهِ، ويَنشأُ من هذا نظرٌ في الوكالةِ إذا قالَ: بعْ عبداً من عبيدي، أو شاةَ من غنَمي، [وهي المسألةُ] (٣). الخامسة عشرة: قالَ الرافعيُّ الشافعيُّ (٤). السادسة عشرة (٥): قولُهُ ﵇: "لا تَحسِبَنَّ أنَّا من أجلِكَ ذَبَحْنَاها" فيهِ مَا ذَكرَهُ الخطابيُّ ﵀: أنَّ معناهُ تركُ الاعتدادِ

стр. 2045

[به] (١) علَى الضيفِ، والتبرؤُ من الرياءِ (٢). قُلتُ: أمَّا ترك الاعتدادِ فقد تقدَّمَ لنا في "لنا" ما يُشيرُ إليهِ بألطف في الدلالةِ من هذا، وأمَّا التبرؤ من الرياءِ فينبَغي أنْ يجعلَ وجهاً آخرَ. ووجا ثالِثٌ: أنْ يكونَ المرادُ التنبيه (٣) علَى الزيادةِ من الاستكثارِ في الذُنيا، والرغبةِ فيما زادَ علَى ما تقتضيهِ الحاجةُ أو المصلحةُ، ويدُلُّ عليهِ ويُشعِرُ بهِ قولُه ﵇: "لا نُرِيدُ أن تَزِيدَ" إلَى آخرِه. وليسَ بينَ هذهِ المعاني المحتملةِ تنافٍ، فيُمكنُ أن تُرَادَ كُلها؛ أعني: عدمَ الاعتدادِ علَى الضيفِ، والتبرؤَ، والزهادةَ. السابعة عشرة: قوله ﷺ : "ما نُريدُ أنْ تَزيدَ" فيه الزهادةُ في الدنيا، وعدمُ الرغبة في الاستكثارِ منها. وأما الانتهاءُ إلَى هذا العدد، فلعلَّ السببَ فيه أنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه. الثامنة عشرة: قد يُؤخَذُ [منهُ] (٤) ترجيحُ اتخاذِ الغنَمِ علَى غيرها منَ الحيوانِ، وقد وردَ في بعضِ الأحاديثِ ما يدُلُّ أو يُشعرُ بذلكَ، وهو ما جاءَ مما يدُلُّ علَى الأمرِ باتخاذِ الأغنياءِ الغنمَ

стр. 2046

والفقيرِ (١) الدجاجَ (٢)، وما جاءَ: أنَّ الشاةَ من دوابِّ الجنَّةِ (٣)، وفِعلُهُ ﷺ ، واتخاذُهُ لها مما قد يُشعرُ بذلِكَ. التاسعة عشرة: [ فيه دليلٌ] (٤) علَى جوازِ ذكرِ الصفاتِ المكروهةِ أو الممنوعةِ من الغيرِ بحاجةِ الاستفتاءِ ومعرفَةِ الحُكمِ، أو بحاجةِ (٥) الاستشارةِ؛ لقولهِ: "إنَّ في امرأةً، وإنَ في لسانِها شيئًا"، ولم يُنكرْ عليهِ النبيُّ ﷺ . الحاديةُ والعشرون (٦): وفيهِ التورُّعُ عن التصريحِ بمثلِ هذا إذا حصلَ فهمُ المعنى، مِنِ [قوله] (٧): "شيئاً"، ولم يَقُل: بذاءةً (٨)، وقد

стр. 2047

يكونُ هذا التعريضُ واجِبًا إذا كان التصريحُ مُحرَّمًا، وحصلَ الاهتداءُ إلَى الكنايةِ عنهُ. الثانية والعشرون: قد وَرَدَ في الحديثِ ما يدلُّ علَى كراهةِ الطلاقِ (١): "أبْغَضُ المُبَاحَاتِ إلَى اللهِ الطَّلاقُ" (٢)، ففي هذا الحديثِ دليل (٣) علَى جوازِهِ لمثل هذا العذرِ؛ أعني: البذاءةَ في اللسانِ. الثالثةُ والعشرون: ويدُلُّ علَى جوازِ؛ أيضًا بما هو أضرُّ من البذاءَةِ بطريقِ الأولَى، وقد تقدمَّ لنا أنَّ ما هو في معنى الأصلِ نذكُرُهُ في فوائدِ الحديثِ. الرابعةُ والعشرون: قولُهُ: "إنَّ لها صُحبةً، ولي مِنها ولدٌ" ذكرٌ لقيامِ المانعِ من طلاقِها بعدَ وجودِ المُقتضي لهُ من البذاءِ؛ وتقريرُ النبي ﷺ على هذِهِ المانِعيةِ دليل علَى أنَّ مِثلها يعارِضُ تلكَ المفسدةَ ويُرجَّحُ عليها. وهذا إنَّما نأخُذُهُ من الترجِيحِ، إنما هو بالنِّسبَةِ إلَى مُسمَّى البذاءِ،

стр. 2048

وأما أفرادُهُ وأشخاصُهُ فقد لا تكونُ هذهِ المصلحةُ راجِحةً عليهِ؛ ولكنَّهُ من الأمورِ العارضةِ، وإنما يُعتبرُ عندَ الإطلاقِ ما يدلُّ عليهِ اللفظُ والمُسمَّى. الخامسةُ والعشرون: لمَّا ذكرَ المعارضَ لطلاقِها، وهو الصُّحبةُ والولدُ، أمرَهُ النبي ﷺ بأمرِها ولم يُرخص لهُ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ، ففيهِ أن الميسورَ لا يُتركُ بالمعسورِ؛ لأنَّه لم يترُكْ وظيفةَ الأمرِ لتعذُرِ الطلاقِ. السادسةُ والعشرون: يتعلَّقُ بهذا مسألة من مسائلِ الأصولِ، وهي أنَّ الأمرَ بالأمرِ بالشيءِ، هل هو أمرٌ بذلكَ الشيءِ (١)؟ فإذا قُلنا بذلكَ، فقد توجَّه عليها الأمرُ بالكَفِّ عمَّا هي فيهِ من البذاءِ من هذا اللفظِ، فهو من فوائد (٢)، ولا يمنعُ منهُ كونَهُ معلوماً من غيرِه. السابعةُ والعشرون: لا شَكَّ أنَّ الأمرَ قد يوجَّهُ إلَى هذا المخاطَبِ الذي هو الزوجُ، فإذا حملنا الأمرَ علَى الوجوبِ علَى ما هو ظاهرُهُ، ففيهِ

стр. 2049

وجوبُ أمرِ الزوجِ أهلَهُ بالمعروفِ؛ للعِلمِ (١) بأنهُ ذو خصوصيةٍ بهذا المعَيَّنِ للوجوبِ جَزماً، أو يُدعَى المُطلَقُ، ولا يحتاجُ إلَى هذا. الثامنةُ والعشرون: القاعدةُ (٢) المشهورةُ في أنَّ ترَكَ الاستفصالِ عن قضايا الأحوالِ يتَنزلُ (٣) منزِلةَ العمومِ (٤)، قد بيَّنا أنَّ المرادَ تركُ الاستفصالِ في القولِ الذي وردَ علَى قاعدة (٥) تحتملُ أموراً مُختلفة، وإذا كان كذلكَ، فقد أخبرَ هذا الزوجُ عن هذهِ المرأةِ بالبَذاءِ، ولها في ذلكَ حالانِ، أو أحوالٌ؛ منها أن تكونَ قابلةً للموعِظةِ منزجرةً بالزجرِ، ومنها أن لا تكونَ كذلكَ، ولا يفيدُ فيها الوعظُ والزجرُ، وقد أمرَ بأمرِها مُطلقًا مِن غيرِ استفصالٍ، فعلَى القاعدةِ المذكورةِ، يتوجَّهُ الأمرُ سواء كانت قابلة أو لا، بل قد نزيدُ علَى هذا ونقولُ: إنَّ الغالبَ علَى من اعتادَ هذا الأمرَ أنَّهُ يَعسُرُ عليهِ الانكفافُ عنهُ، فهو إلَى التناولِ أقربُ، لكنَّا إذا فعلنا هذا، وجَعلنا الأمرَ للوجوبِ، اقتضَى (٦) ذلكَ أنَّهُ يجبُ الأمرُ في حالةِ العلمِ بعدمِ الفائدةِ فيهِ، ولكنَّهم أسقطوا

стр. 2050

الوجوبَ في مثلِ هذهِ الحالةِ، وجعلوهُ في بابِ الجوازِ و (١) الاستحبابِ، لا الوجوبِ، فيحتاجُ إلَى دليل معارضٍ لظاهرِ الأمرِ، لكِن بناء [علَى] (٢) هذهِ القاعدةِ. وقد يُقَالُ في بيانِ عدمِ الوجوبِ: إنَّ اللفظَ مُطلقٌ، لا عامٌّ، يتأدَّى بأمرِها في صورةِ، أو حالةٍ، فلا يقتضي الوجوبَ في حال عدمِ الفائدةِ، ونأخذُ الاستحبابَ من دليلِ آخَر. التاسعةُ والعشرون: قد فسَّرَ الراوي" مُرها" بِـ (عِظها) (٣). الثلاثون: (٤). الحاديةُ والثلاثون: [ قولهُ ﵇] (٥): "ولا تَضرِبْ ظَعينَتَكَ" فيهِ النهيُ عن ضربِ المرأةِ. قالَ الخطابيُّ: وليسَ في هذا ما يمنعُ [من] (٦) ضربِهِنَّ، أو تحريمُهُ علَى الأزواجِ عندَ الحاجةِ إليهِ، فقد أباحَ الله تعالَى ذلكَ في قولهِ:

стр. 2051

﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، وإنما فيهِ النهي عن تبريحِ [الضربِ] (١) كما تُضربُ المماليكُ (٢). قُلتُ: اللفظُ يحتملُ النهيَ عن أصلِ الضربِ، و (٣) عدمَ تشبيهِهِ بأصلِ ضربِ المماليكِ، ويحتملُ النهيَ عن الضربِ الموصوفِ بمشابهتِهِ لضربِ المماليكِ. وإنما (٤) يقتضي [النهيَ] (٥) عن أصلِ الضربِ بالمعنى الأوَّلِ، فإذا دلَّ الدليلُ علَى جوازِ أصلِ الضربِ، كان مُعارِضاً لهذا (٦)، [و] (٧) الأصلُ عدَمُ (٨) التعارضِ، فيُعدَلُ إلَى الثاني. ولا يمتنِعُ أنْ يُقَالَ بظاهرِ هذا؛ لأنَّ الضربَ الذي أُبيحَ هو ضربُ التأديبِ في الجانبينِ، فيكونُ قد أَمَرَ بانْ يكونَ الضربُ الذي لتأديبِ المرأة دونَ الضرب الذي لتأديب الخادم؛ جرياً علَى العادةِ

стр. 2052

المُستحسَنةِ بين الناسِ. وقد اعتبرَ الفقهاءُ مثلَ هذا في بابِ النفقاتِ؛ فلم يجعلوا نفقةَ المرأةِ كنفقةِ خادمِها، ومنهُم من يخالِفُ في النفقاتِ بين أحوالِ الزوجاتِ أيضاً، ففي بابِ الإيذاءِ أولَى. الثانيةُ والثلاثون: قد يُتوهَّمُ من: "كَمَا تَضرِبُ أُمَيَّتَكَ (١) " والتفرِقَةِ بينَهُ وبين ضربِ الظعينةِ في النهي، جوازُ ضربِ الإماء. قالَ الخطابي في هذا المعنى: لا يوجبُ إباحةَ ضربِهِم، وإنما جرَى ذِكرُ هذا علَى طريقِ الذمُّ لأفعالهِم، ونهاهُ عن الاقتداءٍ بها، وقد نهى ﵇ عن ضربِ المماليكِ إلا في الحدودِ، وأمرَ بالإحسانِ إليهِم، وقالَ: "مَنْ لم يوافِقْكُم منهُم فبيعوهُ، ولا تُعذِّبُوا خَلقَ الله" (٢). قال (٣): وأمَّا ضربُ الدوابَّ فمباحٌ؛ لأنها [لا] (٤) تتأدَّبُ بالكلامِ، ولا تعقلُ معنى الخطابِ كما يعقلُ الإنسانُ، وإنما يكونُ تقويمُها

стр. 2053

غالباً بالضربِ، وقد ضربَ رسولُ الله ﷺ ، أو حَرَّكَ بعيرَهُ بمحجَنِهِ، ونخَسَ جملَ جابر حينَ أبطأَ عليهِ، فسبقَ الركبَ حتَّى ما (١) يملكَ رأسَه (٢). قُلتُ: لا ينبغي إطلاقُ القول في الإباحةِ في ضربِ الدوابِّ، بل يُقيَّدُ بالحاجَةِ؛ كما يُقيَّدُ ضَربُ المماليكِ بها، ولا يبعُدُ الفرقُ بينَهُما في مقدارِ الضربِ وصفَتِهِ. الثالثةُ والثلاثون: قولُهُ: "يا رسولَ الله! أخبرني عن الوضوءِ"، [قالَ الخطابيّ: وقولُهُ: "أخبرنِي عن الوضوءِ"، (٣)، فإنَّ ظاهرَ هذا السؤالِ يقتضي الجوابَ عن جملةِ الوضوءِ، إلا أنَّه ﵇[لمَّا] اقتصرَ في الجوابِ علَى تخليلِ الأصابعِ والاستنشاقِ، عَلِمَ أنَّ السائلَ لم يسألْهُ عن حُكمِ ظاهرِ (٤) الوضوءِ، وإنما سألَهُ عمَّا يخَفَى من حُكمِ باطنهِ (٥)؛ لأنَّ الماءَ قد يأخُذُهُ بجميعِ الكفِّ، وضمِّ الأصابعِ [بعضِها

стр. 2054

إلَى بعضٍ]، (١)، فيسُدُّ خَصَاصَ (٢) ما بينهِما، فرُبَّما لم يصلِ الماءُ إلَى باطنِ الأصابعِ، وكذلكَ هذا في باطنِ أصابعِ الرِّجلِ، فرُبما (٣) ركِبَ بعضُها بعضًا حتَّى تكاد تلتحِمُ، فقدَّمَ لهُ الوصاة (٤) بتخليلِها، ووكَّد (٥) القولَ فيها لئلا يُغفِلها (٦). الرابعةُ والثلاثون: قد قدَّمنا الكلامَ علَى الإسباغِ، وأنهُ الإتمامُ والإكمالُ (٧)، قالَ بعض الفقهاءِ: المبالغةُ مُستحبة في سائرِ أعضاءِ الوضوءِ؛ لقولهِ ﵇: "أسبغِ الوضوءَ" (٨). فاستدَلَ بهِ علَى المبالغةِ، وأدرَجَها (٩) تحتَ اللفظِ. قالَ: والمبالغةُ في المضمضَةِ إدارةُ الماءِ وفي أعماقِ الفمِ وأقاصيهِ وأشداقِهِ، ولا يجعلهُ وَجوراً (١٠)، ثمَ يمُجُّهُ. قالَ: وإن ابتَلعَهُ جازَ؛ لأنَّ الغَسلَ قد حَصَلَ.

стр. 2055

قالَ: والمبالغَةُ في سائرِ الأعضاءِ بالتخليلِ، وتَتَبُّعُ المواضِعِ التي ينبو عنها بالدلكِ والعركِ، ومجاوزةِ مواضعِ الوضوءِ بالغسلِ (١). الخامسةُ والثلاثون: قد أدرجَ في المبالغةِ مجاوزةَ مواضعِ الوضوءِ بالغسلِ، وهو الذي يُسمِّيهِ الفُقهاءُ الشافعيةُ: تطويلَ الغُرةِ (٢)، وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّ الأمرَ متوجِّهٌ لصِفَةِ (٣) الوضوءِ، فينبغي أن تكونَ معرفةُ الوضوءِ مُتقدمَةَ علَى الأمرِ بصفتِهِ، ومن معرفتِهِ معرفةُ مواضِعِهِ، فما لم يثبُتْ أنَّ هذهِ المواضعَ التي فيها التطويلُ من مواضِعِ الوضوء، لم يتوجهِ الأمرُ إلَى تلكَ الصفةِ، ولا يكونُ الأمرُ بذلكَ مأخوذاً من الأمرِ بتلك الصفةِ. نعم ثَمَّ ما يدُلُّ من الحديثِ علَى تطويلِ [الغُرةِ] (٤): "أنتُم الغُرُّ المُحَجَّلونَ يومَ القيامةِ، فمن استطاعَ منكُم فليُطِلْ غُرَّتَهُ وتَحجِيلَهُ" (٥). السادسةُ والثلاثون: قالَ بعضُهُم: معنى المبالغةِ في الاستنشاقِ اجتذابُ الماءِ إلَى أقصى (٦) الأنفِ، ولا يجعلُهُ سَعوطاً.

стр. 2056

وقالَ: وذلكَ سُنَّةٌ مُستحبَّةٌ في الوضوءِ، إلا أنْ يكونَ صائماً فلا يُستحَبُّ، قالَ: لا نعلمُ في ذلكَ خِلافاً (١). السابعةُ والثلاثون: قد تقدَّمَ في مطاوي الكلامِ ما يقتضي الاقتصادَ في مُسمَّى المبالغَةِ، وعدمَ مجاوزةِ الحدِّ، وهو صحيحٌ مأخوذٌ من القواعدِ في النهي عن التنطُّعِ، والجري علَى غالبِ عادةِ أهلِ الشرعِ في استعمالاتِهِم، ويمكنُ أنْ يُجعلَ ذلكَ تخصيصاً للأمرِ بالمبالغَةِ في الاستنشاقِ. الثامنةُ والثلاثون: لا شَكَّ أنَّ الإسباغَ يتناولُ إكمالَ أعضاءِ الوضوءِ بالمُطهرِ، وتأديةَ الواجِبِ، قالَ ﷺ لمَا رأَى الأعقابَ تلوحُ: "ويلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّار"، [و] (٢) "أسْبِغُوا الوُضُوءَ" (٣)، فإذا حُمِلَ علَى المُستحَبَّاتِ؛ كما حكينا عن بعضهِم، كان فيهِ استعمالُ اللفظُ في حقِيقَتِهِ ومجازِهِ. التاسعةُ والثلاثون (٤): قالَ الخطابيُّ: وفي الحديثِ دليل علَى أنَّ ما وصَلَ إلَى الدماغِ من سَعوطٍ ونحوِهُ، فإنه يُفطرُ الصائمَ؛ كما

стр. 2057

يفُطِّرُهُ ما يصِلُ إلَى مَعِدَتِهِ، وإذا (١) كان ذلكَ من فِعلِهِ، أو بإذنه (٢) (٣). قُلتُ: منصُوصُهُ في شيءٍ مخصوصٍ، والتعميمُ الذي ذكرَهُ الخطابيُّ إنما يُؤخَذُ من طريقِ القياسِ في معنى الأصلِ. الأربعون: قالَ الخطابيُّ: وفيهِ دليلٌ علَى أنَّهُ إذا بالغ في الاستنشاقِ ذاكِراً لصومِهِ، فوصَلَ الماءُ إلَى دماغِهِ، فقد أفسدَ صومَه (٤). وهذ المسألةُ قد اختُلِفَ فيها، ولأصحابِ الشافعيِّ ﵏ طريقانِ فيما إذا استنشَقَ فوصلَ الماءُ إلَى جوفهِ: أحدهُما (٥): إنْ بالغَ فَسَدَ صومُهُ جزماً، وإلا فقولانِ. والثاني (٦): إذا لم يبالغْ لم يَفسدْ، وإلا فقولانِ (٧). وقولُ الخطابيِّ: (فوصلَ الماءُ إلَى دماغِهِ) فيهِ تخصيصٌ لا يقتضيهِ اللفظُ. الحادية والأربعون: استدلَّ بهِ الخطابيُّ علَى أنَّ الاستنشاقَ

стр. 2058

ليسَ بواجبٍ، فقالَ في الكلامِ علَى الحديثِ: وفيهِ من الفقهِ: أنَّ الاستنشاقَ في الوضوص غيرُ واجبٍ، ولو كان فرضا فيهِ، لكان علَى الصائمِ كهُوَ علَى المُفطرِ (١). والاعتراضُ: أنَّ الحديثَ إنما يتعلقُ بالمبالغةِ (٢)، وفيها وقعُ التفريقِ بينَ الصومِ وغيرِه، لا في أصلِ الاستنشاقِ، فإنْ وجبَ الاستواءُ بين الصائمِ وغيرِ؛، فليكُنْ في المبالغةِ التي تعلَّقَ بها الأمرُ (٣)، لا في أصلِ الاستنشاقِ، ولم يقُلْ أحدٌ بوجوبِ المبالغةِ، فيقام عليهِ الدليلُ المذكورُ في الاستواء، ولو قيلَ بِهِ لكانَ الفارقُ ظاهِراً، وهو التقريرُ بالصومِ. الثانية والأربعون: قالَ الخطابيُّ ﵀: ونَرَى أنَّ مُعظَمَ ما جاءَ من الحَثّ والتحريضِ (٤) علَى الاستنشاقِ في الوضوء، إنَّما جاءَ لما فيهِ من المعونَةِ علَى القراءَةِ، وتنقيَةِ مجاري النَّفَسِ، والذي تكونُ بهِ التلاوَةُ، وبإزالةِ ما فيهِ منَ الثّفلِ (٥) تَصِحُّ (٦)

стр. 2059

مخارجُ الحروفِ، انتهى (١). وهذا إظهارُ عِلَةٍ مُناسبَةٍ لهذا الحُكمِ. الثالثةُ والأربعون: فيه الأمرُ بتخليلِ الأصابعِ؛ أي: في الوضوءِ، وهذا فيما يُعلمُ منَ (٢) السياقِ، ولا يتردَّدُ فيهِ، وهو ممَّا يُدفَعُ في صدرِ الظاهريةِ الجامدةِ، فلم يزَلِ (٣) الناسُ يحمِلونَهُ علَى هذا. الرابعةُ والأربعون: لا شك في خروجِ الأصابعِ الملتصقَةِ خِلقَةً، قالَ الشافعي ﵀: وإنْ كَان في أصابِعِهِ شيءٌ خُلِقَ مُلتصِقًا أوصَلَ (٤) الماءَ علَى عُضويهِ حتَّى يصلَ الماءُ ما ظَهرَ من جِلدهِ، وليسَ عليهِ أنْ يفتُقَ ما خُلقَ مُرتَتِقاً (٥)، انتهى (٦). فإمَّا أنْ يجعلَهُ من قبيلِ التخصيصِ، وإمَّا أنْ يُخرجَهُ عن دلالةِ اللفظِ؛ لأنَّ المُلتصِقَ خِلقَةً لا (بينَ) فيهِ، واللفظُ يقتضي تعليقَ الحُكمِ بـ (البَيِّنِ). الخامسةُ والأربعون: وعامٌّ في أصابعِ اليدينِ والرجلينِ، ولم

стр. 2060

نجِدْ مَنْ خَصَّصَهُ بأصابعِ الرِّجلينِ، وقالَ الرافعيُّ ﵀: هذا التخليلُ من خاصيَّةِ أصابعِ الرجلينِ، أم هو مُستحَبٌّ في أصابعِ اليدينِ أيضاً؟ مُعظَمُ أئمةِ المذهبِ ذَكروهُ في أصابعِ الرِّجلينِ، وسكتوا عنهُ في اليدينِ، ولكنَّ القاضي أبا القاسمِ بنِ كجٍّ قالَ: إنَّهُ مُستحَبٌّ فيهِما، واستدلَّ بحديثِ لقيطِ بنِ صَبرةٍ (١). قُلتُ: الذي ذَكَرهُ هذا القاضي هو الجاري علَى مُقتضَى العمومِ، بل وردَ ما هو أصرحُ من العمومِ من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا توضَّأتَ فخَلل [بين] أصابع يَدَيكَ ورِجْلَيكَ"، أخرجَهُ الترمِذيُّ (٢). السادسةُ والأربعون: استدلَّ الشيخُ أبو حامدٍ بقولهِ ﵇: "وخَللْ بينَ الأصابعِ" علَى إبطالِ قولِ مَنْ قالَ: إنَّ الفرضَ المسحُ؛ [يعني: في الرجلينِ، قالَ: فأمَرَهُ بتخليلِ الأصابعِ، ومَنْ قالَ: إنَّ

стр. 2061

الفرضَ المسحُ] (١) أسقطَ هذا الخبرَ؛ لأنَّهُ لا يُوجِبُ تخليلَ الأصابعِ، وإنما يوجِبُ المسحَ علَى ظاهِرِ الرِجلينِ. السابعةُ والأربعون: فيهِ إطلاقٌ بالنِّسبَةِ إلَى أحوالِ الأصابعِ، ونحنُ قد قررنا: أنَّ المُطلَقَ إن عادَ علَى صيغةِ العمومِ بالتخصيصِ حَكَمنا بالعُمومِ وفاءَ بمُقتضَى صيغتِهِ، وإلا فلا. فلو قالَ قائل: هو مُطلق في الأحوالِ، فأخُصُّهُ بما إذا كانت علَى حالِ (٢) كذا، قُلنا: هذا يقتضي التخصيصَ في صيغةِ العُمومِ التي تَعلَّقَ الأمرُ منها بالأصابعِ، فإذا خَرجَتْ عنها الأصابعُ في بعضِ أحوالهِا، فلم تُوفِ بصيغةِ العمومِ، أمَّا إذا لم يخرجْ عنها شيءٌ من الأصابعِ؛ بأنْ يقَعَ التخليلُ في جميعها، لكِن يُنظرُ في حالِ من الأحوالِ بعدَ حصولِ العمومِ في الأصابعِ في غيرِ ذلكَ الحالِ، فهذا لا يعودُ علَى صيغةِ العمومِ بالتخصيصِ، فلا يَلزمُ القولُ بدخولِ تلكَ الصورةِ في لفظِ العُمومِ. ومثالُهُ: لو قالَ قائِلٌ: يُستحبُّ تخليلُ الأصابعِ عندَ غسلِ الكفَّينِ في ابتداءِ الوضوءِ عمَلاً باللفظِ، لقيل لهُ: ما ذكرناهُ من أنَّ إخراجَ هذهِ الحالةِ، لا يُوجِبُ تخصيصًا فيهِ فيما دلَّ عليهِ العمومُ من الأصابعِ، ولم نقِفْ علَى هذهِ المسألةِ منصوصةً.

стр. 2062

الثامنةُ والأربعون: لم يزلِ الناسُ يحملونَ ذلكَ علَى التخليلِ في حالةِ غسلِ اليدينِ والرِّجلينِ المفروضِ، وهو دليل علَى اتباعِ المعنى وما يُفهمُ من اللفظِ والسياقِ والقرائنِ؛ لطلبِ (١) الإسباغِ في الوضوءِ، والقيامِ بالواجبِ من تعميمِ المطهِّرِ، وهو كما قُلنا في أنهُم فهموا من تخليلِ الأصابعِ تخليلَها في الوضوءِ. التاسعةُ والأربعون: يمكنُ أنْ يَستدلَّ بهِ المالكيةُ علَى وجوبِ الدَّلكِ؛ لأنَّ من جُمله الصورِ التي يتناوَلها اللفظُ ما إذا تيقَّنَ وصولَ الماءِ إلَى ما بينَ الأصابعِ، فحينئذِ يتعينُ الدلكُ فائدةً لعدمِ فَهمِ غيرِ؛ حينئذٍ، وحصولِ المقصودِ المتوهمِ منَ الأمرِ بالتخليلِ، وهو وصولُ الماءِ إلَى ما بينَ الأصابعِ (٢). وينبغي إذا قيلَ بهذا أنْ يُقَالَ: الدَّلكُ، أو ما يقومُ مقامَهُ؛ كتحريكِ الأصابعِ بعضِها مع بعضِ، وقد رأيتُ في أثناءِ كلامِ بعضِ المالكية ما يُشعرُ بأنَّهُ أدرَكَ معنى الدَّلكِ في هذا، [ومعَ هذا]، (٣) فليسَ بالشديد القوَّةِ. الخمسون: ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وهو مُتَّفَقٌ عليهِ فيما إذا لم

стр. 2063

يصلِ الماءُ إلَى ما بينَ الأصابعِ إلا بهِ، وإنْ وَصَلَ، فعندَ المالكيّة بوجوبِ تخليلِ أصابعِ اليدينِ اختلافٌ؛ قيلَ: بالوجوبِ، وقيلَ: بالنَّدبيةِ (١). ومَن يريدُ إخراجَ الأمرِ عن ظاهرِ؛ فعليهِ الدليلُ. الحاديةُ والخمسون: عندَ المالكيةِ في تخليلِ أصابعِ الرجلينِ ثلاثةُ أقوالِ: الوجوبُ، والندبُ، والإنكارُ، وهو مرويّ عن مالِكِ ﵀ (٢)، ولا يظَةرُ توجَّههُ؛ أعني: الإنكارَ، إلا بأنْ تُجعلَ لالتفافِها بمنزلةِ الباطنِ، ويُدخَلَ التخليلُ في بابِ التكلُّفِ والتَّنَطُعِ. وقد نُقِلَ عن مالكِ ﵀ ما يدُلُّ علَى أنَّ عليهِ عندَهُ هذا المعنى، وما يقارِبُهُ، فإنَّهُ قالَ: فلا (٣) خيرَ في الغُلوِّ ولا الجفاء؛ قالهُ في مسألةِ التخليلِ هذهِ. وهذا يحتاجُ إلَى دليلِ، فإنَّ ظاهرَ الأمرِ يوجبُ الغسلَ للعُضو الذي هو حَقيقة في الجميعِ، ولا يخرجُ عن عُهدَةِ الأمرِ إلا بالامتثالِ، والفرقُ بين الوسواسِ والوَرعَ دقيق عَسرٌ، فالمُتساهِلُ يجعلُ بعضَ الورَعِ وسواسًا، والمُشدِّدُ يجعلُ بعضَ الوسواسِ ورَعاً، والصِراطُ المستقيمُ

стр. 2064

دَحضٌ مَزِلةٌ، ومما ينبغي أنْ يُفرَّقَ بهِ بينهُما: أنَّ كُلَّ ما رَجَعَ إلى (١) الأصولِ الشرعيةِ فليسَ بوسواسٍ، ولا أُريدُ الأدلةَ الشرعيةَ البعيدةَ العمومِ. وقد روي أنَّ مالِكاً ﵀ رجَعَ إلَى الأمرِ بالتخليلِ في الأصابعِ من جِهةِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ قالَ: سمعتُ عمِّي يقولُ: سُئِلَ مالكُ بنُ أنسٍ عن تخليلِ أصابعِ الرجلينِ في الوضوءِ فقالَ: ليسَ ذلكَ علَى الناسِ، فأمهلتُهُ حتَّى خَفَّ الناسُ، ثمَّ قُلتُ لهُ: يا أبا عبدِ الله! سمعتُكَ تُفتي في مسألةٍ عندنا فيها سُنَّةٌ، قالَ: وما هي؟ قُلتُ: ثنا ابنُ لهيعةَ وليثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ عمرو المعافِريِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبُليِّ، عن المُستوْرِد (٢) بنِ شدادٍ القُرَشِيِّ قالَ: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأُ، فيُخلِّلُ بخِنْصِرِه ما بينَ أصابعِ رِجليهِ"، قالَ: فقالَ [مالك]، (٣): إنَّ هذا الحديثَ حسن، وما سمعتُ بهِ قطُّ إلا الساعةَ، قالَ عَمي: ثمَّ سمعتُهُ بعدُ يسألُ عن تخليلِ الأصابعِ في الوضوءِ فيأمرُ بهِ (٤). وابنُ القطَّانِ قد صحَّحَ الإسنادَ، وذكرَ أنَّ أبا محمدٍ بنَ أبي حاتمٍ

стр. 2065

رواهُ عن أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وأن فيهِ زيادةَ عمرو بنِ الحارثِ مع ابنِ لهيعةَ، وليث بن سعدٍ، وذكرَ أنَّهُ ينبغي أنْ يُتَفقَّدَ في هذا الحديثِ قولُ أبي محمدٍ بنِ أبي حاتمٍ: (أنَّ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، قالَ) فإني أظُنَّهُ؛ يعني: في الإجازةِ؛ يعني: بسببِ أنَّهُ لم يذكُرْ في بابهِ: أنَّهُ سمعَ منهُ، وذكرَ أنَّ أباهُ سمعَ منهُ، وأن لهُ عادةً في ذلكَ. قلتُ: الحديثُ لهُ وجهٌ آخرُ من روايةِ أبي بشرٍ - هو الدولابيُّ -، عن أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ؛ ذكرهُ الدارَقطني في "غرائبِ حديثِ مالكٍ" (١). الثانيةُ والخمسون: مُسمَّى التخليلِ إذا حصلَ يتأدَّى بهِ امتثالُ الأمرِ، وتعيينُ صفةٍ مخصوصَةٍ فيهِ للاستحبابِ يحتاجُ إلَى دليلٍ شرعى، إذ الاستحبابُ أحدُ الأحكامِ (٢) الشرعيَّةِ. [قال] (٣) بعضُ مُصنفي الشافعية: والأحَب في التخليلِ أن يُخَلِّلَ [بخِنصِر] (٤) اليدِ اليُسرَى من أسفلِ الأصابعِ مُبتدِئًا بخِنصِرِ الرِّجلِ اليُمنَى مُختَتِماً بخِنْصِرِ اليُسرَى، وزعَمَ أنَّ الخبرَ وردَ بذلكَ عن

стр. 2066

رسولِ الله ﷺ ، [و] (١) قالَ: كذا ذكرَهُ الأئمَّةُ (٢). قُلتُ: وهذا خبرٌ يُحتاجُ إلَى أنْ يُعلمَ مَثواهُ، ويُحقَقَ حالُ من رواه (٣)؛ لتثبيتِ الدليلِ الشرعي علَى الاستحبابِ، نَعم التخليلُ بالخِنصِرِ قد (٤) وَرَدَ بإسنادٍ مِصرِيٍّ من جهةِ ابن لهيعةَ (٥). وذُكرَ عن أبي طاهِرٍ الزيَّادي (٦) من الشافعيَّةِ هيئةٌ (٧) أُخرَى، وهوَ أنْ يُخلِّلَ ما بين كلِّ إِصبَعين من أصابعِ رجلِهِ (٨) بإصبَعٍ من أصابعِ يدهِ، ويفصلَ الأبهامينِ، ولا يُخلِّلَ بِهِما؛ لما فيهِ منَ العُسرِ (٩). الثالثةُ والخمسون: إذا أدخَلَ (١٠) [أصابِعَ] (١١) اليدينِ في التخليلِ، فقد تُكلِّمَ في الهيئةِ، وقيلَ: الذي يَقرُبُ من الفَهمِ هاهُنا أنْ يُشبِّكَ بين

стр. 2067

الأصابعِ، ولا تعودُ فيه الكيفيةُ المذكورةُ في الرجلينِ (١). الرابعةُ والخمسون: فيه الأمرُ بالمضمضَةِ، وظاهِرُهُ الوجوبُ، فلِمَنْ يقولُ بذلكَ الاستدلالُ، وعلَى من يُخرجُهُ عن ظاهِرِه الدليلُ، وكثيراً ما يخرجونَهُ عن الظاهرِ بما في الحديثِ: "توضأ كَمَا أمَرَكَ الله" (٢)، فجعلوه (٣) إحالةً علَى ما في الكتابِ العزيزِ، وليسَ فيهِ ذِكرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ، وعليهِم فيهِ تشغيبٌ من وجوه: أحدها: منعُ الحوالةِ علَى ما في الكتابِ العزيزِ، فإنَّ أمرَ اللهِ أعمُّ من ذلِكَ. وثانيها: أنَّ الأمرَ بالمضمضَةِ والاستنشاقِ زائدٌ في الدلالةِ علَى ما دلَّ عليهِ الكتابُ العزيزُ، والأخذُ بالزائدِ مُتعيِّنٌ. وثالثها: مُنازعةُ مَن نازعَ في أنهما لا يدخُلانِ في اسمِ الوجهِ، وادعاءُ أنَّهما منهُ، والاتكالُ علَى الأخذِ من المواجهةِ ضعيفٌ. ويتبينُ من هذهِ الروايةِ بُطلانُ قولِ من فرَّقَ بينَ الاستنشاقِ والمضمضَةِ، حيثُ أوجَبَ الاستنشاقَ دونها مُعَلِّلاً بورودِ الأمرِ بالاستنشاقِ، فقد وردَ هاهُنا الأمرُ بالمضمضةِ أيضاً، ولعلَّهُ لم يبلغْ مَن فَعَلَ ذلكَ، والله أعلمُ.

стр. 2068

الحديث الثامن عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. أخرجَهُ البُخاريُّ (١). أما ابنُ عباسٍ، فقد تقدَّمَ ذكرُهُ. ثمَّ الكلامُ علَى الحديثِ من وجوه: * [الوجهُ] (٢) الأوَّلُ: [في مَخْرَجِهِ ومُخَرِّجِهِ: مَخْرجُهُ من روايةِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ

стр. 2069

عباسٍ؛ فتارةً يطولُ، وتارةً يختصِرُ. وقد رواهُ عن زيدِ بنِ أسلمَ غيرُ واحدٍ من الأكابرِ؛ مِنهُم سُفيانُ] (١). * الوجهُ الثاني (٢): في تصحيحِهِ: وقد ذكرنا (٣) أنَّ البخاريَّ أخرجَهُ (٤). * الوجهُ الثالِثُ: في شيءٍ من العربيةِ، وفيهِ مسائِلُ: الأولَى: (تَفَعَّل) في لسانِ العربِ تأتي علَى معنى المطاوعَةِ: علَّمتُهُ فتَعَلَّمَ، وعلَى معنى التثبيتِ: تيقَّنتُ كذا، وعلَى معنى الأخذِ شيئاً بعدَ شيءٍ: [تنفصَهُ الإمامُ] (٥)، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى

стр. 2070

تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، وعلَى معنى توقَّعِ [أمر لا يؤمنُ] (١): تخوَّفتُ كذا، وعلَى معنى: التكثيرِ، وعلَى معنى فَعَلَ [نحو:] (٢) تظلَّمني [حَقي] (٣)؛ أي: ظَلَمني. وقال سِيبَوَيْهِ: وإذا أرادَ الرجلُ [أن] (٤) يُدخِلَ نفسَهُ في أمرٍ حتَّى يُضافَ إليهِ، ويكونَ من أهلِهِ، فإنَّكَ تقولُ: تَفَعَّلَ؛ [نحو] (٥): تشَّجَّع، وتبصَّر، وتحلَّم، وتجلَّد، وتمرَّأ، وتقديرُ تمرَّأ؛ أي: صارَ ذا مُروءة، قالَ حاتمُ طيٍّ [من الطويل]: تحلَّف عَنِ الأَدْنَيْنَ واسْتَبْقِ وُدَّهُمْ ... ولنْ تَسْتَطِيعَ (٦) الحِلْمَ حتَّى تَحلَّمَا (٧) قالَ سِيبَوَيْهِ: وليسَ هذا بمنزلةِ (تجاهلْ)؛ لأنَّ هذا يَطلبُ أنْ يصيرَ حليماً، انتهى (٨).
следующие страницы →