← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

رسولِ الله ﷺ ، [و] (١) قالَ: كذا ذكرَهُ الأئمَّةُ (٢). قُلتُ: وهذا خبرٌ يُحتاجُ إلَى أنْ يُعلمَ مَثواهُ، ويُحقَقَ حالُ من رواه (٣)؛ لتثبيتِ الدليلِ الشرعي علَى الاستحبابِ، نَعم التخليلُ بالخِنصِرِ قد (٤) وَرَدَ بإسنادٍ مِصرِيٍّ من جهةِ ابن لهيعةَ (٥). وذُكرَ عن أبي طاهِرٍ الزيَّادي (٦) من الشافعيَّةِ هيئةٌ (٧) أُخرَى، وهوَ أنْ يُخلِّلَ ما بين كلِّ إِصبَعين من أصابعِ رجلِهِ (٨) بإصبَعٍ من أصابعِ يدهِ، ويفصلَ الأبهامينِ، ولا يُخلِّلَ بِهِما؛ لما فيهِ منَ العُسرِ (٩). الثالثةُ والخمسون: إذا أدخَلَ (١٠) [أصابِعَ] (١١) اليدينِ في التخليلِ، فقد تُكلِّمَ في الهيئةِ، وقيلَ: الذي يَقرُبُ من الفَهمِ هاهُنا أنْ يُشبِّكَ بين

стр. 2067

الأصابعِ، ولا تعودُ فيه الكيفيةُ المذكورةُ في الرجلينِ (١). الرابعةُ والخمسون: فيه الأمرُ بالمضمضَةِ، وظاهِرُهُ الوجوبُ، فلِمَنْ يقولُ بذلكَ الاستدلالُ، وعلَى من يُخرجُهُ عن ظاهِرِه الدليلُ، وكثيراً ما يخرجونَهُ عن الظاهرِ بما في الحديثِ: "توضأ كَمَا أمَرَكَ الله" (٢)، فجعلوه (٣) إحالةً علَى ما في الكتابِ العزيزِ، وليسَ فيهِ ذِكرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ، وعليهِم فيهِ تشغيبٌ من وجوه: أحدها: منعُ الحوالةِ علَى ما في الكتابِ العزيزِ، فإنَّ أمرَ اللهِ أعمُّ من ذلِكَ. وثانيها: أنَّ الأمرَ بالمضمضَةِ والاستنشاقِ زائدٌ في الدلالةِ علَى ما دلَّ عليهِ الكتابُ العزيزُ، والأخذُ بالزائدِ مُتعيِّنٌ. وثالثها: مُنازعةُ مَن نازعَ في أنهما لا يدخُلانِ في اسمِ الوجهِ، وادعاءُ أنَّهما منهُ، والاتكالُ علَى الأخذِ من المواجهةِ ضعيفٌ. ويتبينُ من هذهِ الروايةِ بُطلانُ قولِ من فرَّقَ بينَ الاستنشاقِ والمضمضَةِ، حيثُ أوجَبَ الاستنشاقَ دونها مُعَلِّلاً بورودِ الأمرِ بالاستنشاقِ، فقد وردَ هاهُنا الأمرُ بالمضمضةِ أيضاً، ولعلَّهُ لم يبلغْ مَن فَعَلَ ذلكَ، والله أعلمُ.

стр. 2068

الحديث الثامن عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. أخرجَهُ البُخاريُّ (١). أما ابنُ عباسٍ، فقد تقدَّمَ ذكرُهُ. ثمَّ الكلامُ علَى الحديثِ من وجوه: * [الوجهُ] (٢) الأوَّلُ: [في مَخْرَجِهِ ومُخَرِّجِهِ: مَخْرجُهُ من روايةِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ

стр. 2069

عباسٍ؛ فتارةً يطولُ، وتارةً يختصِرُ. وقد رواهُ عن زيدِ بنِ أسلمَ غيرُ واحدٍ من الأكابرِ؛ مِنهُم سُفيانُ] (١). * الوجهُ الثاني (٢): في تصحيحِهِ: وقد ذكرنا (٣) أنَّ البخاريَّ أخرجَهُ (٤). * الوجهُ الثالِثُ: في شيءٍ من العربيةِ، وفيهِ مسائِلُ: الأولَى: (تَفَعَّل) في لسانِ العربِ تأتي علَى معنى المطاوعَةِ: علَّمتُهُ فتَعَلَّمَ، وعلَى معنى التثبيتِ: تيقَّنتُ كذا، وعلَى معنى الأخذِ شيئاً بعدَ شيءٍ: [تنفصَهُ الإمامُ] (٥)، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى

стр. 2070

تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، وعلَى معنى توقَّعِ [أمر لا يؤمنُ] (١): تخوَّفتُ كذا، وعلَى معنى: التكثيرِ، وعلَى معنى فَعَلَ [نحو:] (٢) تظلَّمني [حَقي] (٣)؛ أي: ظَلَمني. وقال سِيبَوَيْهِ: وإذا أرادَ الرجلُ [أن] (٤) يُدخِلَ نفسَهُ في أمرٍ حتَّى يُضافَ إليهِ، ويكونَ من أهلِهِ، فإنَّكَ تقولُ: تَفَعَّلَ؛ [نحو] (٥): تشَّجَّع، وتبصَّر، وتحلَّم، وتجلَّد، وتمرَّأ، وتقديرُ تمرَّأ؛ أي: صارَ ذا مُروءة، قالَ حاتمُ طيٍّ [من الطويل]: تحلَّف عَنِ الأَدْنَيْنَ واسْتَبْقِ وُدَّهُمْ ... ولنْ تَسْتَطِيعَ (٦) الحِلْمَ حتَّى تَحلَّمَا (٧) قالَ سِيبَوَيْهِ: وليسَ هذا بمنزلةِ (تجاهلْ)؛ لأنَّ هذا يَطلبُ أنْ يصيرَ حليماً، انتهى (٨).

стр. 2071

قُلتُ: وقد عبَّرَ بعضُهُم عن هذا بالتكَلُّفِ؛ يعني: أنَّ فاعِلَهُ تَكَلَّفَ حُصولَ أصلِهِ، ليَتمرَّنَ فيحصُل، وهذا هو الذي أشارَ إليهِ سِيبَوَيْهِ من الفرقِ بينَهُ وبينَ (تجاهلَ)؛ لأنَّ بابَ تجاهلَ ليسَ موضوعاً؛ لأنَّ الفاعِلَ يطلبُ أنْ يكونَ جاهلاً (١)، وهذا يطلبُ أنْ يكونَ كذلكَ (٢). وذكرَ بعضُهُم في معنى الصيغةِ: الاتخاذَ؛ أي: اتخاذَ أصلِ ما يُسبَقُ منهُ ذلكَ الفعلُ، فإذا قُلتَ: توسَّدتُ التراب (٣)، فمعناهُ: اتخذتُهُ وِسادَةً. وذكرَ أيضا معنى التجَنُّبِ (٤)؛ بمعنى: أنَّ الفاعِلَ جانَبَ ما اشتُقَّ منهُ ذلكَ الفعلُ، فـ (تأثَّمَ) بمعنى: جانبَ الإثمَ، وتحرَّجَ، وتهجَّدَ: جانبَ الحرَجَ والهُجُودَ. وبمعنى (استفعلَ) نحوَ: تكثَّرَ، بمعنى طلَبَ أصلَ الفعلِ؛ لأنَّ (استفعَلَ) لهُ غالِبا. والذي جَلَبَ هذا قَولُهُ في الحديثِ: "توضَّأَ" ليُلحَقَ بما يليقُ

стр. 2072

بهِ من هذهِ المعاني. الثانية: قد تكلمنا علَى معنى المرَّةِ (١) فيما مضَى. الثالثة: وتكلمنا علَى مثلِ هذهِ الضيغةِ التي يتكرَّرُ فيها اللفظُ، وحكينا: أنَّهُ لا تكونُ المرةُ الثانيةُ تأكيداً لفظيًّا، وأنَّ الصيغةَ تقتضي الفعلَ مرةً بعدَ مرة، كـ: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ أي: صفاً بعد صفٍّ، ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١]؛ أي: دكًّا بعد دَكٍّ. والرواية ها هنا (٢): مرةً بعدَ مرة. * الوجهُ الرابع: في الفوائدِ، وفيهِ مسائلُ: الأولَى: لم يزلِ الناسُ يفهمونَ من هذا اللفظِ الاقتصارَ علَى مرة واحدةٍ في غسلِ كلِّ عُضوٍ، وهو المعلومُ منهُ. و [قد] (٣) يُشغِّبُ [مُشغِّبٌ] (٤) فيقولُ: الوضوءُ حقيقةٌ في جملةِ أفعالِهِ، فتكونُ الجملةُ قد وقعَتْ مرة بعد مرةِ، ولا يلزَمُ أنْ يكونَ ذلكَ

стр. 2073

راجِعاً إلَى عددِ الغَسلِ في كلِّ عُضوٍ علَى انفرادِهِ، فيُقَالُ لهُ: النظائرُ تدُلُّ علَى أنَّ الفِعلَ الذي استُعمِلَ فيه هذا اللفظُ، يدلُّ علَى أنَّ الفعلَ مرةً بعد مرةٍ في أجزائِهِ، لا في جُملتِهِ، من حيثُ هي جملةٌ؛ كـ (جاءَ القومُ مثنَى مثنَى)؛ أي: أنَّ مجيءَ أفرادِهِم كان اثنينِ اثنينِ، لا أنَّ جُملةَ القومِ من حيثُ هي جملةٌ جاءتْ مرَّةً [بعد] (١) أُخرَى؛ وكذلِكَ (٢): قرأتُ الكتابَ سطراً سطراً، إلَى غيرِ ذلِكَ، ولو حُمِلَ علَى جُملةِ الوضوءِ (٣) من حيثُ هي، لاقتضَى ذلكَ أنَّ الوضوءَ [وقع في] (٤) مرة بعدَ مرةٍ، وذلكَ إخبارٌ بالواضحاتِ التي لا فائدةَ في الإخبارِ بها. الثانيةُ: ولو قالَ قائِلٌ: أجعلُ المعنى أنَّ الاقتصارَ في كل عضوٍ علَى غسلِهِ وقعَ مرةً واحدة، لا مِراراً، لقُلنا لهُ: إذا حافَظْنا علَى ما تَقَدَّمَ في معنى "مرةً مرةً"، وجبَ علَى ما تزعمُ أنْ تقولَ: توضَّأَ مرةً مرةً ثلاثاً؛ لأنَّه لا يسوغُ أنْ يقالَ: جاءَ القومُ رجُلاً، وأنت تريدُ: رجلاً رجلاً. الثالثة: يَدلُّ علَى الاكتفاءِ بالمرةِ الواحدةِ في غسلِ الأعضاءِ؛ لأنَّ الامتثالَ يحصُلُ بها، ولا يحصُلُ بما دونها، والحُكمُ مُتعلّقٌ (٥)

стр. 2074

بالمُسمَّى، لا بالمَرَّةِ بخصوصِها، لكِنْ أقلُّ ما يحصلُ المُسمَّى بها. الرابعة: قد تقدَّمَ الكلامُ في الاقتصارِ علَى المَرَّةِ، وحكينا عن مذهبِ مالكٍ ﵀ ما تقدَّمَ من قولهِ: لا أُحِبُّ المرةَ إلا من العالمِ، وقولِ مَنْ قالَ: لا يجبُ النقصانُ من اثنينِ؛ فعلَى الأولِ: لا إشكالَ، وعلَى الثاني: يمكِنُ أنْ يقالَ: إنَّهُ فعلَ لبيانِ الجوازِ؛ أعني: الجوازَ الأعمَّ من الكراهةِ. الخامسة: تكلَّموا في الشعورِ النابِتَةِ علَى الوجهِ، وقُسِّمَتْ إلَى خفيفٍ، وكثيفٍ، علَى اختلافٍ في معنى الخفيفِ، والأظهرُ: أنَّهُ ما تظهر منهُ البشرةُ عندَ التخاطُبِ، والحكمُ فيهِ: وجوبُ غسلِ ما تحتَهُ. وأمَّا الكثيفُ: فالمالكيَّةُ أطلقوا قولينِ، وذكرَ بعضهُم: أنَّ المشهورَ [انتقال] (١) الفرضِ إلَى ظاهرِ الشعرِ (٢). والشافعيةُ فرَّقوا بين ما تغلِبُ خِفَّتُهُ؛ كالحاجِبِ، والشارِبِ، والعنفَقَةِ، والعِذَارينَ، ولحيةِ المرأةِ، فأوجبوا غسلَهُ وإن كثُفَ، هذا هو المشهورُ، وحُكِي فيهِ وجهٌ، وعلَّلوا الأوَّلَ بوجهينِ: أحدهُما: أنَّ بياضَ الوجهِ محيطٌ بها، فتتبَعُ له (٣).

стр. 2075

والثاني: أنَّ كثافتَها نادرَةٌ، فتُلحَقُ بالغالِبِ. وبيَّنَ ما لا يكونُ كذلِكَ؛ كالعارضَينِ، فالمذهبُ أنَّهُ لا يجِبُ غسلُ ما تحتَ ذلكَ، وحُكِيَ عن قديمِ قولِ الشافعيِّ ﵀ الوجوبُ، ورُبَّما حُكِيَ وجهاً، وهو مذهبُ المُزَنِيِّ (١). السادسة: استُدِلَّ بالحديثِ علَى عدمِ وجوبِ إيصالِ الماءِ إلَى ما تحتَ الشعرِ الكثيفِ، ووجهُهُ [علَى] (٢) ما استدلَّ بهِ بعضُهُم: أنَّهُ روِيَ أنَّ النبي ﷺ كان كثَّ اللحيَةِ (٣)، ولا تبلغُ الغَرفَةُ الواحدةُ أصولَ الشعرِ مع الكثافةِ (٤). ولِقائلٍ أنْ يقولَ: الاعتراضُ علَى هذا من وجهينِ: أحدهُما: أنَّ المرةَ مع الغرفةِ ليستا بلفظينِ مترادفينِ علَى معنىً واحدٍ، ولفظُ الحديثِ إنما هو في المرةِ لا الغرفةِ، ولا يمتنِعُ أن تحصُلَ المرَّةُ بغرفاتِ، بأنْ تختصَّ كلُّ غَرفَةٍ بجزءٍ من الوجهِ، أو اليدِ،

стр. 2076

والحاجةُ إلَى ذلكَ في الوجهِ أكثرُ من غيرِه (١)، وقد تقدَّمَ في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ، وكونِ غسلِ الوجهِ فيهِ وقعَ ثلاثاً، واليدِ مرتينِ، من التعليلِ ما يشُدّ هذا، أو يُقَرّبُهُ، وقد استدَلَّ بنحوِ هذا الاستدلالِ بعضُ المالكيةِ، وذكرَ بلفظِ المرةِ، وفيهِ المنعُ الذي ذكرناهُ. الثاني: لو سلَّمنا الترادُفَ، فالغَرفَةُ مختلفةٌ؛ تارةً يكثُرُ الماءُ بها، وتارةَ يَقِلّ، فالماءُ في الاغترافِ بالراحتينِ أكثرُ منهُ في الاغترافِ بواحدةٍ، إلا أنْ يدَّعيَ مُدَّعٍ أنَّ لفظَ الغرفةِ يختصّ بالكفّ الواحدةِ لغةً، فعليهِ البيانُ. السابعة: الحكمُ إنما وردَ بغسلِ مُسمَّى الوجهِ، فليحَقَّقْ مدلولُ اللفظِ، ويُعلَّقِ الحكمُ بهِ، وقد يُقالُ: إنَّ الوجهَ لا يدخلُ في مُسمَّاهُ سِوَى البشرةِ لوجهينِ: أحدهُما - وقد تقدم معناهُ -: أنَّهُ لا يقَال لمَن لا شعرَ علَى وجهِهِ: إنَّهُ ناقصُ الوجهِ، ولا لمِنْ نبتَ علَى وجهِهِ الشَّعرُ: إنَّهُ كمُلَ وجهُهُ. الثاني: أنهم يقولونَ: الشعورُ النابتةُ علَى الوجهِ، وهذا يدلّ علَى أنَّ مُسمَّاهُ خارجٌ عنها. الثامنة: فيقوَى بهذا (٢) التقريرِ قولُ من يقولُ: إنَّهُ يجبُ إيصالُ

стр. 2077

الماءِ إلَى ما تحتَ الشعورِ وإنْ كثُفَتْ، فيدخُلُ تحتَهُ ما أوجَبَ الشافعيةُ غسلَ ما تحتَهُ وإن كثُفَ (١)، ولا حاجةَ إلَى التعليلِ بالتبعيَّةِ؛ لأجلِ إحاطةِ بياضِ الوجهِ [بها] (٢)، ولا إلَى القولِ بأنَّ النادِرَ يلحَقُ بالغالبِ، مع أنَّ هذا الإلحاقَ ليسَ قاعدَةً [مطَّرِدَةً] (٣) لا تختلِفُ، وإذا اختلفَتْ، فعلَى من أرادَ إلحاقَ فردٍ مُعيَّنٍ بمحلِّ الإلحاقِ الدليلُ؛ لأنَّه قد تردَّدَ الحالُ في الإلحاقِ، وعدَمِ الإلحاقِ، وإنما أحوجَهُم إلَى التعليلِ بالتبعيَّةِ والنُّدرةِ الفرقُ بينَ الكثيفِ والخفيفِ. التاسعةُ: أجرى بعضُهُم هذا الحديثَ في مَغرِضِ توهينِ الحديثِ الذي جاءَ: "هذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأنبياء [مِنْ] (٤) قَبْلِي" (٥).

стр. 2078

الحديث التاسع وعن عُثمانَ: أنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحيتهُ. أخرجه الترمذيُّ وصحَّحه، وغيرُهُ يخالِفُه (١) في التصحيح (٢). أما عثمان ﵁ فقد تقدم. [ثم] (٣) الكلام عليه من وجوه: * [الوجه] (٤) الأول: في التصحيح: تخليلُ اللحية مرويٌّ عن النبيِّ ﷺ من حديث جماعة من الصحابةِ،

стр. 2079

ذكرتُ ما بلغني من ذلك في كتاب "الإمام في معرفة (١) أحاديث الأحكام" (٢)، وأمثلُهَا حديثان: أحدهما: حديثُ عثمان هذا؛ فإنه مرويّ من جهات ثقاتٍ مخرَّجٍ لهم في "الصحيحِ"، ليس فيهم من يَحتاجُ إلَى الكشفِ عنه إلا عامرَ بنَ شقيق، وهو جَمرَة - بفتح الجيم والراء -، وهو يرويه عن أبي وائل، عن عثمان، وأخرجه ابنُ ماجه في "سننه"، وابن خزيمة في "صحيحه"، وأخرجه الحاكم في "مستدركه"؛ أعني: تخليلَ اللحية من حديث عثمان؛ إما في حديث مطوَّل، أو مختصر، وقال: هذا إسناد صحيح، وقد احتجَّا بجميع رواته غير عامر بن شقيق (٣). وفي لفظه ما يدلُّ علَى أنَّهُ اعتمدَ فيه علَى عدمِ العلم بطعنٍ فيه بوجهٍ من الوجوه، وهذا قد لا يَكتفي به غيرُهُ، وابنُ أبي خيثمةَ روَى عن يحيَى بن مَعين أنَّهُ قالَ [في] (٤) عامر: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي، ليس من أبي وائل بسبيل (٥).

стр. 2080

قلت: أبو حاتم مُشددٌ في الروايةِ (١)، وليس لفظُهُ هذا بالقوي في الطعن، وقد قالَ النسائي وابنُ عبد الرحيم في عامر: لا بأسَ به، وقال موسَى بن هارون الحمَّال: عامرُ بن شقيق صالحُ الحديث، وفي رواية عن يحيى بن معين: أنَّهُ وثقه، وقد روَى عنه الأكابرُ؛ السُّفيانان، ومِسعَرُ بنُ كِدام، والقاضي شريكٌ، وإسرائيلُ بنُ يونسَ (٢). وتصحيحُ الترمذي له تزكية، وقد قالَ الترمذي: قالَ محمد بن إسماعيل: أصحُّ شيء في هذا الباب حديثُ عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان (٣). وثانيهما: عن أنسِ بنِ مالك: أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ، وأدخَلَ أصَابِعَهُ تَحتَ لِحْيَتِهِ، فخَلَّلَهَا بأصَابِعِهِ، ثم قال: "هَكَذَا أمَرني رَبي ". وهذا الحديث مسندٌ (٤) إلَى رواية محمد بن يحيىَ الذُّهلي في كتابه في "علل حديث الزُّهري" وأنه رواه عنْ محمدِ بن عبد الله بن خالد الصفَّار، وذكر أنَّهُ حدَّثهم من أصله، قال: وكان صدوقاً، قال: ثنا محمد ابن حرب، حدثني الزُّبَيدِيُّ، عن الزهري، عن أنس بن مالك، الحديث.

стр. 2081

قال أبو الحسن بن القطَّان المغربي: هذا الإسناد عندي صحيح، ولا تضرُّه روايةُ من رواه عنْ محمدِ بن حرب، عن الزُّبَيدِي، [و] (١) قال: بلغني عن أنس: فإنه ليسَ من لمْ يحفظْ حجةً علَى مَنْ حفظ، فالصفَّار قد عيَّنَ شيخَ الزُّبيدي فيه، وبين أنه الزُّهريُّ. قال: [حتَّى] (٢) لو قلنا: إنَّ محمدَ بن حرب ثقةٌ حدَّث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي، بلغني عن أنس، لمْ يضرَّه ذلك، فقد يراجِعُ كتابَهُ فيعرف منه أن (٣) الذي حدَّثه به هو الزُّهريُّ، فيحدث به، فيأخذه عنه الصَّفَّار. قال: وهذا الذي أشرتُ إليه هو الذي أعلَّ (٤) به محمدُ بن يحيىَ الذُّهلي حين ذكره، ونصُّ كلامه هو أن قال: وحدثنا يزيد بن عبد ربِّهِ، ثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، أنَّهُ بَلَغَهُ عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللهِ توضَّأَ، فَأدْخَلَ أصَابِعَهُ تحتَ لِحْيَتِهِ. قالَ محمد بن يحيىَ: المحفوظُ عندنا حديثُ يزيدَ بنِ عبد ربِّه، وحديثُ الصفَّار واهٍ (٥) (٦). قلت: هذا الذي فعله ابن القطَّان فعل فقهيٌّ جارٍ علَى طريقة

стр. 2082

الفقهاء والأصوليين، والذي قاله محمد بن يحيي طريق حديثيّ. والحاكمُ في "مستدركه" ذكر حديثَ عثمان، وذكر أن له شاهداً صحيحاً عن أنس، ولعلَّه أراد هذا الحديثَ (١). وحديثُ أنسٍ هذا للصفَّارِ في روايته عنْ محمدِ بن حرب متابعةٌ من [حديث] (٢) سليمان بن سلمة بالرفعِ، إلا أنَّهُ قالَ: عن أنس أو غيره. ووجدت في كتاب "العِلل" لابن أبي حاتم، عن أبيه: لا يثبتُ عن النبيِّ ﷺ في تخليل اللحية حديث (٣). وعن كتاب "الخلال"، عن عبد الله بن أحمد، قالَ أبي: ليس يصحُّ عن النبي ﷺ شيء في تخليل اللحية. وعن أبي داود قال: قالَ أحمد: تخليلُ اللحيةِ قد رُوي فيه أحاديثُ، ليس يثبتُ فيه حديث، وأحسنُ شيءٍ فيه حديثُ عامر بن

стр. 2083

شقيق، وذكر كلاماً آخر - يعني - كحديث عامر بن شقيق هذا الذي أخرجناه، وبهذا (١) يتبين قوله في الأصلِ: وغيرُهُ يُخالفُهُ في التَّصحيح. ووجدت عن كتاب "الخلال" إسناداً وصله إلَى نافع، عن ابن عمر: أنَّهُ كانَ إذا توضَّأ خلَّلَ لحيتَهُ. قالَ جعفر بن محمد؛ أي: المخرمي (٢): قالَ أحمد: ليس في التخليلِ أصلحُ من هذا (٣). وهذا موقوفٌ، وقد رُوي مرفوعاً بإسناد فيه لينٌ مَا، رواه الطبراني (٤)، والله تعالَى أعلم. * * * * الوجهُ الثاني: قالَ القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: قوله: "يُخلِّل"؛ أي: يدخل يده (٥) في خُلَلِها (٦)، وهي الفُرُوج التي بين الشعر، ومنه:

стр. 2084

فلانٌ خليل [فلان] (١)؛ أي: يخالِلُ حُبُّه فروجَ جسمه حتَّى يبلغَ إلَى قلبه، ومنه الخِلال، وبناء ذلك كله يرجع إلَى هذا [الوجه] (٢)، والله أعلم (٣). * * * * الوجهُ الثالث: في الفوائدِ، وفيه مسائلُ: الأولَى: قالَ القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: اختلفَ العلماءُ في تخليلها علَى أربعة أقوال: أحدها: أنَّهُ لا يستحبُّ؛ قاله (٤) مالك في "العتبية". والثاني: أنَّهُ يستحبُّ؛ قاله ابن حبيب. والثالث: أنها إنْ كَانت خفيفةً وجبَ إيصالُ الماء إليها، وإنْ كَانت كثيفة لمْ يجبْ ذلك؛ قاله عن مالكٍ عبدُ الوهاب (٥). والرابع: من علمائنا [مَنْ قالَ] (٦): يغسلُ ما قابلَ الذقنَ إيجاباً، وما وراءَ استحباباً (٧)

стр. 2085

قلت: خلط القاضي ﵀ حكمَ إيصال الماء إلَى منابتها وما وارَتْهُ (١) من الذقنِ بحكم تخليلها، وليس أحدُهما الآخرَ، ولا يلازمه، ولو قال: اختلف العلماءُ فيها، أو في حكمها، لكان أقربَ. الثانية: الذي يُتيقَّنُ من الحديثِ إنما هو الرُّجحان والطلبيَّةُ لتخليلِهَا، وأما الوجوبُ فمشكوكٌ فيه، أو مُفصَّل فيه. قالَ الخطابي ﵀: قد أوجبَ بعضُ العلماء تخليلَ اللحية، وقال: إذا تركَهُ عامداً أعاد الصلاة؛ قاله أبو ثور وإسحاق. قال: وذهب عامةُ العلماء إلَى أنَّ الأمرَ به استحبابٌ، وليس بإيجاب، قال: ويُشْبِهُ أنْ يكونَ المأمورُ بتخليله من اللِّحَى علَى سبيل الوجوب ما رَقَّ في الشعرِ منها لما يتراءَى [ما تحتها] (٢) من البشرة (٣). الثالثة: مَن أوجب إيصالَ الماء إلَى منابتها من الذقنِ، يوجبُ التخليلَ، إذا لمْ يحصلِ الواجبُ إلا به؛ كما قيل في الأصابعِ، ومَن لا يرَى الوجوبَ حين حيلولتها بين الرائي وبين البشرة، فذلك عنده مستحبٌّ. الرابعة: إنْ كَان هذا التخليلُ فيما يسترُ البشرة من الذقنِ، فقد

стр. 2086

ذكرنا حكمَهُ آنفًا وفائدتَهُ، فإن (١) كان فيما طالَ من اللحيةِ، فيُحتمَلُ أنْ يكونَ علَى وجه الاستحباب، بناءً علَى أنهُ لا يجبُ إفاضة الماء علَى ظاهرِهَا، ويحتمل أنْ يكونَ لطلبِ إفاضة الماء علَى جميعِ ظاهرِ الشعر، فقد ينبوا الماء عن نفسه (٢). (٣) الخامسة: يمكن أنْ يُجعَلَ أصلاَ لتخليل غيرِ اللحية، التي لا يجب إيصالُ الماء إليها من شعور الوجهِ؛ كالعارضينِ، وكذلك فعلَ الشافعيةُ، استحبّوا تخليلَ ما لا يجبُ إيصالُ الماء إلَى باطنِهِ ومنابتِهِ من شعر الوجه (٤). السادسة: يمكن أنْ يُجعلَ أصلاً للورع والاحتياطِ فيما يطلب أصلُهُ؛ وجوباً أو استحباباً. السابعة: هو مطلقٌ في التخليلِ؛ فيتأدَّى المطلوبُ بالمرةِ الواحدة، وقد ورد في حديث: "التخليلُ ثلاثاً"؛ أخرجه الدارقطني، من طريق (٥) إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، عن عثمان ﵁ في صفة الوضوء، وفيه: "وخلَّلَ لحيتَهُ ثلاثاً"، وفي

стр. 2087

آخره: "ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فعلَ هذا" (١). وهذا هو الإسناد، الذي حكمَ مَنْ حكمَ بصحتِهِ فيما مضَى، ففيه إذاً استحباب التكرار ثلاثاً في هذا التخليل. الثامنة: هو أيضاً مطلقٌ في كيفية التخليل، وفي حديث أنس بن مالك - الذي قدَّمنا أنَّهُ صحيح (٢) علَى طريقة الفقهاء -: أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ، فأدخلَ أصابِعَهُ تحتَ لحيتِهِ، وهذه كيفيةٌ أخرَى، تُؤخَذ من هذا الحديث. التاسعة: روَى الطبرانيُّ من حديث أبي حفص العبدي، عن ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ توضَّأ، قال: فخلَّلَ لحيتَهُ من تحتِ حَنَكِهِ، وقال: "بهذا أَمَرَني رَبي" (٣)، وهذا فيه أمرٌ زائد علَى الإطلاقِ. وعمرُ هذا، عن أحمدَ أنَّهُ قال: ثقة، لا أعلمُ إلا خيراً، وقال يحيَى بن معين: ثقة، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثقة، وفوق الثقة، وقال أبو حاتم: يُكتَبُ حديثُهُ، ولا يحتجُّ به؛ ذكر ذلك في حالِهِ [صاحب] (٤) "الكمال" (٥)، والواسطةُ (٦) التي بين الطبراني وبينه، إنْ لمْ

стр. 2088

يكنْ فيها ما يوجبُ التوقُّفَ، فهذا أيضاً حديث جيدٌ في تخليل اللحية. العاشرة: التخليلُ مطلقٌ علَى ما إذا بلَّ أصابعه، ثم أدخلَهَا في الشعرِ مِن غيرِ نقلِ ماء، وعلَى ما إذا نَقَلَ الماء، فخلَّلَ به، والإطلاقُ الذي في هذا الحديث، لا يعرضُ له بإحدَى (١) الكيفيتين. وقد خرج أبو داود من حديث الوليد بن زَرْوَان (٢)، وهو بفتح الواو، وسكون الراء، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا توضَّأَ أخذَ كفًّا من ماءٍ فأدخلَهُ تحت حَنَكِهِ، وقال: "هكذا أَمَرني رَبِّي" (٣)، وهذا التعيينُ لأحدِ الكيفيَّتين ينضافُ إلَى ما دلَّ عليه المطلق. والوليدُ بن زروان قالَ أحمد: لا أعرفه، وزعم ابن القطَّان المغربي: أنَّهُ مجهول، ومذهبه أنَّهُ لا يُكتفَى في زوال الجَهالة برواية أكثر من

стр. 2089

واحدٍ عن الراوي، بل لا بدَّ من معرفةِ حالِهِ (١). الحادية عشرة: روَى ابنُ ماجه من جهةِ يحيَى بن كَثيرٍ أبي النضر صاحب البَصْري، عن يزيدَ الرَّقاشي، عن أنس قال: كانَ رسولُ اللهُ ﷺ إذا توضَّأَ خلَّلَ لحيتَهُ، وفرَّجَ أصابعَهُ مرَّتَين (٢). وهذا أيضاً يدلُّ علَى أمر زائد علَى المطلقِ. ويزيد الرَّقاشي مُتكلَّم (٣) فيه (٤)، وقد تقدم في حديث محمد بن

стр. 2090

حرب، عن الزبيدي ما ذكرناه، وهو أجودُ إسناداً من هذا. الثانية عشرة: ذكر أبو أحمد بن عَدَي من حديث هاشم بن سعيد (١)، عنْ محمدِ بن زياد، عن أنس قال: كانَ رسولُ اللهِ إذا توضَّأَ خلَّلَ لحيتَهُ بأصابعِ كفَّيهِ، وقال: "بهذا أَمَرنِي رَبي ". وقال أبو أحمد في هاشم هذا: ومقدارُ ما يرويه، لا (٢) يتابَعُ عليه (٣). وهذا أيضاً فيه أمرٌ زائد، إن صحَّ أضيفَ إلَى المطلق. الثالثة عشرة: من رواية أبي خالد (٤)، عن أنس قال: وضَّأتُ رسولَ الله ﷺ ، فخلَّلَ لحيتَهُ وعنفقته بالأصابعِ، وقال: "بهذا أمَرني [ربي]، (٥) ". أخرجه البَيهَقِيُّ (٦).

стр. 2091

وهذا من القبيل (١) الذي تقدم. الرابعة عشرة: [ قد] (٢) تقدَّمت إشارةٌ خفيةٌ في قول البراء: "أَمَرنَا رسولُ اللهِ ﷺ بسبعٍ" أنَّ هذا، هل هو استعمال لهذه اللفظة للوجوب؟ وحاصلُهُ: أنَّ الوجوبَ المُختَلَف فيهِ بالنسبَةِ إلَى الأمرِ، هل هو راجعٌ إلَى صيغةِ (افعلْ)، أو هو راجعٌ إلَى الأمرِ الذي هو أعمّ من صيغة (افعل)؟ وهذا جارٍ هاهنا، وعليه يُبتنَى أنَّ مثلَ هذه الصيغة، هل تدلّ علَى الوجوب (٣)؟ * * *

стр. 2092

الحديث العاشر [و] (١) عنْ سِنَانِ بنِ رَبيعةَ، عنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عنْ أبِي أُمَامَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الأُذُنَانِ مِنَ الرأْسِ"، [وكانَ يمسحُ رأسَهُ مرَّةً] (٢)، وكانَ يمسحُ المَأقَين. أخرجه ابن ماجه، وسنانُ بن ربيعة أخرج له البُخاريُّ (٣)، وشَهْرُ ابن حَوْشَبٍ وثَّقَهُ أحمد ويحيىَ، وتكلَّم فيه غيرُهما (٤).

стр. 2093

الكلامُ عليه من وجوه: * الأول: في التعريفِ: فنقول: [أبو أمامة] (١) صُدَي بنَ عَجْلانَ بن وَالِبَةَ بنِ رِيَاحِ بن الحارث بن معنِ بن مالك بن أَعْصُر بن قيس بن عَيلان -[بالعين المُهمَلة] (٢) - بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ويُقَال فيه: الصُّدَيُّ بالتعريفِ. وصُدَيٌّ: بضم الصاد وفتح الدال المُهملتين، وتشديد آخر الحروف، ورِيَاح: بكسر الراء، وبعدها آخر الحروف، [و] (٣) وَالبة: بالباءِ الموحدة، وأعصر: بفتح الهمزة، وسكون العين وضم الصاد المهملتين، ويقال (٤) في أثناءِ (٥) نسبه غير ذلك (٦). والباهليُّ: منسوب إلَى باهلة. وأبو أُمامةَ أحدُ المشهورين من أصحاب رسول الله ﷺ ، قيل: إنَّهُ رُوي له عن النبي ﷺ مئتا حديث وخمسون حديثاً، وهو من الصحابةِ

стр. 2094

الذين اتَّفقَ الشيخان علَى إخراج حديثهم. روَى (١) عنه رجاء بن حَيْوَة، وخالد بن معدان (٢)، ومحمد بن زياد، وسليمان بن حبيب، وسليم بن عامر، وشُرَحْبِيل بن مسلم، وشدَّاد أبو عمار، وأبو سلام ممطور الحبشي، والقاسم أبو (٣) عبد الرحمن الدمشقي، وسالم بن أبي الجعد، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم. سكن مصر، وحمص، وبها توفي سنة إحدَى وثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين. قيل: هو (٤) آخر من تُوفي من الصحابةِ بالشامِ، وعامةُ حديثه عند الشاميين (٥). وأما شَهْرُ: فهو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد، أشعريُّ

стр. 2095

النسبِ، كوفيٌّ كان يكون بالشامِ. روَى عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، وأبي العباس عبد الله بن العباس الهاشمي، وأبي محمد عبد الله بن عمرو ابن العاص السهمي، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وأبي رَيحانة، وأسماء بنت يزيد بن السكَن الأَشْهَلية، وأم سلمة زوج النبي ﷺ . روَى عنه قَتَادةُ بن دِعامة السدوسي، ومعاوية بن قرة المُزَني، وشَمْر بن عَطية الأسدي، وداود بن أبي هند القُشيري مولاهم، وأبو ربيعة سنان بن ربيعة الباهلي البَصْري، وعاصم بن [أبي] (١) النُّجود، وأشعثُ بن جابر الحُدانِي (٢)، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي، وأبو صالح عبد الجليل بن عطية البَصْري، وعبد الحميد بن بَهْرام، وعبدالله ابن عثمان بن خُثَيم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وأبان بن صالح، وغيرهم. سئل أبو زرعة عن شهر بن حوشب، فقال: لا بأس به، ولم يلقَ عمرو بن عبسة (٣). وقال محمد بن إسماعيل الأوْنبِي: أخرج لشهر هذا أبو داود، وغيره، وهو ثقة؛ قاله أحمد، ويحيَى، وابن نُمير، وابن صالح، وغيرهم.

стр. 2096

وقال يحيىَ - في رواية عباس الدوري عنه - فيه: ثَبْت (١). وأما تصحيحُ القول فيه فإنَّ مُسلماً ذكر في مقدمةِ كتابِهِ: [أن شَهْراً نزَكوه - بالنون والزاي (٢) -؛ أي: طعنوا فيه] (٣). وقال النسائي: شهر بن حوشب ليس بالقوي. وقال الساجي: شهر بن حوشب سكن الشام، فيه ضعف، ليس بالحافظِ، تركه ابن (٤) عون، وشعبة. وقال عمرو بن علي: ثنا [ابن] (٥) مهدي، عن شهر بن حوشب: وكان يحيَى بن سعيد لا يحدث عنه (٦). وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: شهر بن حوشب أحبُّ إليَّ من أبي هارون العبدي، وشهر بن حوشب ليس بدون أبي الزبير، لا يُحتجُّ بحديثه (٧).

стр. 2097

قلتُ: إذا لمْ يكنْ بدون أبي الزبير، فقد احتَجَّ مسلم في "الصحيح" بأبي الزبير. وأما سِنَانُ بنُ رَبيعةَ: فقال البُخاري في "التاريخ": سنان بن ربيعة: أبو ربيعة، سمع أنساً، وشهرَ بن حوشب، روَى عنه حماد بن زيد، وعبد الوارث، بصري، قالَ ابن مَعين: سمع السهمي من سنان ابن ربيعة بعدما خَرِفَ. قلت: السهمي هو عبد الله بن بكر (١)، وممن ذكر أنَّ سناناً روَى [عنه] (٢): ثابت بن أسلم البُناني، وممن ذكر أنَّهُ روَى عن سنان حماد ابن سلمة بن دينار. وقد ذكرَ في الأصلِ: أنَّ البخاريَّ أخرجَ له، وناهيكَ بها منزلة (٣).

стр. 2098

وذكر ابن أبي حاتم: أنَّهُ سأل أباه عن سنان بن ربيعة، فقال: شيخ مضطربُ الحديث. وذكر عباس الدوري، عن يحيىَ بن معين قال: سنان بن ربيعة يحدثُ عنه حماد بن زيد، ليس هو بالقوي، قد روَى عنه السهمي (١). * * *

стр. 2099

* الوجهُ الثاني: في تصحيحه، وفيه مسائل: الأولَى: قد تقدم التعريفُ بحال رُواتِهِ، وأنه ليس فيهم إلا من وُثِّقَ، فحصل شرطُنَا. وبعض الناس يقول: إنَّهُ لا يصحُّ في هذا الباب شيء. وقد روى أبو عيسَى هذا الحديثَ عن قُتيبةَ، عن حماد بن زيد، وقال: أهذا، (١) حديث ليس إسناده بذلك القائم. والذي يعتدُّ (٢) به فيه وجهان: أحدهما: حالُ شهر بن حوشب، أو سنان (٣)، وقد مرَّا (٤). الثاني: الشكُّ في رفعه؛ فإنَّ في رواية سليمان بن حرب، عن حماد ابن زيد، ما صيغته: وكانَ رسولُ الله ﷺ يمسح المأقين، قال: وقال: "الأذنان من الرأس". قالَ سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة، قالَ حمَّاد: ولا أدري هو من قول النبي ﷺ ، أو (٥) أبي أمامة (٦).

стр. 2100

الثانية: هذا الذي اعتُلَّ به من الشكِّ في الرفع يحتمل أمرين: أحدهما: أن شكَّه (١) في رفع اللفظين جميعاً أعني: "الأذنان من الرأسِ"و (كان يمسح المَأقَين)، ويكون كلاهما دخلَ (٢) الشكُّ عليه. [و] (٣) الثاني: أنْ يكونَ الشك إنما هو في "الأذنان من الرأس" فقط. فعلَى مُقتضَى هذه الرواية التي ذكرناها آنفاً [عن سليمان بن حرب] (٤)، يكون من باب المُدرج في النقل؛ لتأخر "الأذنان من الرأس" عن أول الحديث، فيكون مُدرجاً. ولكنه قد وردت رواياتٌ مِن غيرِ ما وجه التصدير بـ "الأذنان من الرأس" مضافاً إلَى النبي ﷺ والحديث الذي أخرجه في الأصلِ كذلك، وكذلك رواه الكَشِّي، [عن أبي عمر] (٥)، عن حماد بن زيد في (٦) حديث فيه: ومسحَ برأسِهِ وأذنيه، وقال: "الأذنان من الرأسِ"، وغَسَلَ مَآقِيَه (٧).

стр. 2101

وإنْ كَان التعليل بالشكِّ في رفع الحديث كله، فقد ذُكِرَ التصديرُ بـ"الأذنان من الرأس"، وهو يقتضي أنْ يكونَ من قول النبي ﷺ ، فنعود إلَى المسألةِ المشهورة في تقديم الرفع علَى الوقفِ، أو عكسه. قال الدَّارَقُطني في الكلامِ علَى هذا الحديث: شهر بن حوشب ليس بالقوي، وقد وقَفَهُ سليمان بن حرب، عن حماد، وهو ثقة ثبت (١). وقال الدَّارَقُطني أيضاً: [قال] (٢) سليمان بن حرب: "الأذنان من الرأس" إنما هو من قول أبي أمامة، فمَنْ قالَ غير هذا، فقد بدَّل؛ أو كلمة قالها سليمان؛ أي: أخطأ (٣). قلت: قول الدَّارَقُطني ﵀: [و] (٤) قد وَقَفَهُ سليمان بن حرب، عن حماد، [لا ينبغي أنْ يكونَ أرادَ بِهِ ما حكيناهُ من رواية سليمان ابن حرب، عن حماد] (٥)؛ فإن ذلك ليس جزماً بالوقفِ، وإنما هو تردُّد، والفرق بينهما ظاهر جداً، وإن كَان مُرَادُهُ هذا، فليس بجيد، نعم الذي حكاه [عن] (٦) سليمان بن حرب هو جزم بالوقفِ، لكن لا عن حماد، فإذا أريد تحقيق هذا وتصحيحه، فلتطلبْ روايةٌ يُجزَمُ فيها بالوقف.

стр. 2102

الثالثة: قد رواه غيرُ سليمان، عن حماد، فجزم بالرفعِ، فتنشأ هاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أنَّ الراويَ إذا اختلفَ حالُهُ؛ فتارةً جزم، وتارةً شكَّ، فهل يكون ذلك قادحاً في الروايةِ، أم لا؟ لقائلٍ أنْ يقول: لا؛ لأنَّهُ إنْ كَان [المتقدمُ] (١) منه هو الشكُّ (٢)، فجزمه بعد ذلك محمولٌ علَى التذكرِ؛ لأنَّه لا يجوز له أنْ يجزمَ وعندَه شد، وإن [كان] (٣) المتقدمُ هو الجزم، فيجب أنْ يكونَ الجزم عن يقين، وإلا لمْ يجزْ له، فشكُّةُ بعد ذلك لا يضرُّ (٤) بعد ما تقدَّم منه مما تقوم به الحجةُ، [فيُنظَرُ في ذلك] (٥). الرابعة: قالَ البَيهَقِيُّ: وأما الذي يُروَى (٦) عن النبي ﷺ : "الأُذُنَانِ منَ الرَّأْسِ" فأشهرُ إسنادٍ فيه حديثُ حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، ثم تكلم علَى ذلك (٧).

стр. 2103

وهذا القولُ رُبَّما دل (١) علَى تضعيف الحديث بالكليةِ، وقد أخرجَ (٢) ابن ماجه في "سننه" هذا الحديث، فرواه عن سويد بن سعيد [قال] (٣): ثنا يحيىَ بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، وهو ابن عاصم الأنصاري. قالَ شيخنا المنذري ﵀: وهذا إسناد متصل، ورواته يحتجُّ بهم، وإنَّ البخاريَّ ومسلماً قد اتفقا علَى الاحتجاجِ بابن أبي زائدة، وشعبة، وعباد، وحبيبُ بن زيد: هو الأنصاري، وهو ثقة، وسويدُ بن سعيد، وإن نُسِبَ إلَى ضعفٍ وتدليس، فقد احتَجَّ به مسلم في "صحيحه"، و [قد] (٤) قالَ في هذا الحديث: ثنا يحيى بن زكريا، فهذا أمثل إسناد في هذا الباب، والله أعلم (٥). قلت: ابنُ مَعين، والنَّسائي، تكلّما في سُويد بن سعيد، وأنكر عليه أبو زكريا يحيَى بن معين حديثاً، ظهرت (٦) براءته من (٧) عهدته برواية غيره من الثقاتِ كما رواه، وللدارقطني في ذلك كلام وحكاية تُثبتُ براءةَ سويد من العُهْدَةِ، برواية إسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيقِي التي

стр. 2104

اطلع عليها الدرقطني لما دخل مصر (١). الخامسة: هاهنا إسنادٌ آخر مبين، ولعلَّهُ أمثلُ من هذا الذي ذكر أئهُ أمثلُ، أو مساو، وهو إسنادٌ رواه الدارقطني، عنْ محمدِ بن عبد لله ابن زكريا النيسابوري، عن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار - وهو بالراء -، عن أبي كامل الجَحْدَري، عن غندر محمد (٢) بن جعفر، [عن] (٣) ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الأُذُنَانِ منَ الرَّأْسِ". قال الدارقطني: حدثني به أبي قال: ثنا محمد بن محمد بن سليمان

стр. 2105

الباغندي قال: حدثنا أبو كامل الجَحْدَري؛ بهذا مثله (١). قال الحافظ أبو الحسن ابن القطَّان بعدَ ذكرِ هذا الحديث من هذه الجهة: هذا الإسناد صحيح بثقةِ رواتِهِ، واتصالِهِ، وإنما أعلَّه الدارقطني بالاضطرابِ في إسناده، فتبعه أبو محمد - يعني عبد الحق - علَى ذلك، وليس بعيب فيه، والذي قاله (٢) فيه الدارقطني هو: إنَّ أبا كامل تفرَّد (٣) به عن غندر ووهم فيه عليه؛ هذا ما قاله (٤)، ولم يؤيدْه بشيء، ولا عَضَدَه بحجة، غير أنَّهُ ذكر أن ابن جريج الذي دار الحديثُ عليه يُروى عنه، عن سليمان بن موسَى، عن النبي ﷺ مُرسلاً. قال الحافظ أبو الحسن بن القطَّان: وما أدري ما الذي يمنع أنْ يكونَ عنده في ذلك حديثان؛ مسند، ومرسل، والله أعلم (٥). السادسة: هذا الحديثُ مما تُجمَعُ طرقه؛ لأنَّه يأتي من وجوه، قالَ شيخنا المُنذريّ ﵀: وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن قيس أبي موسَى الأشعري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعائشة، ﵂، وليس شيء منها يثبت مرفوعاً، ووقع لنا أيضاً عن عثمان بن
следующие страницы →