وإنْ كَان التعليل بالشكِّ في رفع الحديث كله، فقد ذُكِرَ التصديرُ بـ"الأذنان من الرأس"، وهو يقتضي أنْ يكونَ من قول النبي ﷺ ، فنعود إلَى المسألةِ المشهورة في تقديم الرفع علَى الوقفِ، أو عكسه.
قال الدَّارَقُطني في الكلامِ علَى هذا الحديث: شهر بن حوشب ليس بالقوي، وقد وقَفَهُ سليمان بن حرب، عن حماد، وهو ثقة ثبت (١).
وقال الدَّارَقُطني أيضاً: [قال] (٢) سليمان بن حرب: "الأذنان من الرأس" إنما هو من قول أبي أمامة، فمَنْ قالَ غير هذا، فقد بدَّل؛ أو كلمة قالها سليمان؛ أي: أخطأ (٣).
قلت: قول الدَّارَقُطني ﵀: [و] (٤) قد وَقَفَهُ سليمان بن حرب، عن حماد، [لا ينبغي أنْ يكونَ أرادَ بِهِ ما حكيناهُ من رواية سليمان ابن حرب، عن حماد] (٥)؛ فإن ذلك ليس جزماً بالوقفِ، وإنما هو تردُّد، والفرق بينهما ظاهر جداً، وإن كَان مُرَادُهُ هذا، فليس بجيد، نعم الذي حكاه [عن] (٦) سليمان بن حرب هو جزم بالوقفِ، لكن لا عن حماد، فإذا أريد تحقيق هذا وتصحيحه، فلتطلبْ روايةٌ يُجزَمُ فيها بالوقف.
стр. 2102
الثالثة: قد رواه غيرُ سليمان، عن حماد، فجزم بالرفعِ، فتنشأ هاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أنَّ الراويَ إذا اختلفَ حالُهُ؛ فتارةً جزم، وتارةً شكَّ، فهل يكون ذلك قادحاً في الروايةِ، أم لا؟
لقائلٍ أنْ يقول: لا؛ لأنَّهُ إنْ كَان [المتقدمُ] (١) منه هو الشكُّ (٢)، فجزمه بعد ذلك محمولٌ علَى التذكرِ؛ لأنَّه لا يجوز له أنْ يجزمَ وعندَه شد، وإن [كان] (٣) المتقدمُ هو الجزم، فيجب أنْ يكونَ الجزم عن يقين، وإلا لمْ يجزْ له، فشكُّةُ بعد ذلك لا يضرُّ (٤) بعد ما تقدَّم منه مما تقوم به الحجةُ، [فيُنظَرُ في ذلك] (٥).
الرابعة: قالَ البَيهَقِيُّ: وأما الذي يُروَى (٦) عن النبي ﷺ : "الأُذُنَانِ منَ الرَّأْسِ" فأشهرُ إسنادٍ فيه حديثُ حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، ثم تكلم علَى ذلك (٧).
стр. 2103
وهذا القولُ رُبَّما دل (١) علَى تضعيف الحديث بالكليةِ، وقد أخرجَ (٢) ابن ماجه في "سننه" هذا الحديث، فرواه عن سويد بن سعيد [قال] (٣): ثنا يحيىَ بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، وهو ابن عاصم الأنصاري.
قالَ شيخنا المنذري ﵀: وهذا إسناد متصل، ورواته يحتجُّ بهم، وإنَّ البخاريَّ ومسلماً قد اتفقا علَى الاحتجاجِ بابن أبي زائدة، وشعبة، وعباد، وحبيبُ بن زيد: هو الأنصاري، وهو ثقة، وسويدُ بن سعيد، وإن نُسِبَ إلَى ضعفٍ وتدليس، فقد احتَجَّ به مسلم في "صحيحه"، و [قد] (٤) قالَ في هذا الحديث: ثنا يحيى بن زكريا، فهذا أمثل إسناد في هذا الباب، والله أعلم (٥).
قلت: ابنُ مَعين، والنَّسائي، تكلّما في سُويد بن سعيد، وأنكر عليه أبو زكريا يحيَى بن معين حديثاً، ظهرت (٦) براءته من (٧) عهدته برواية غيره من الثقاتِ كما رواه، وللدارقطني في ذلك كلام وحكاية تُثبتُ براءةَ سويد من العُهْدَةِ، برواية إسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيقِي التي
стр. 2104
اطلع عليها الدرقطني لما دخل مصر (١).
الخامسة: هاهنا إسنادٌ آخر مبين، ولعلَّهُ أمثلُ من هذا الذي ذكر أئهُ أمثلُ، أو مساو، وهو إسنادٌ رواه الدارقطني، عنْ محمدِ بن عبد لله ابن زكريا النيسابوري، عن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار - وهو بالراء -، عن أبي كامل الجَحْدَري، عن غندر محمد (٢) بن جعفر، [عن] (٣) ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الأُذُنَانِ منَ الرَّأْسِ".
قال الدارقطني: حدثني به أبي قال: ثنا محمد بن محمد بن سليمان
стр. 2105
الباغندي قال: حدثنا أبو كامل الجَحْدَري؛ بهذا مثله (١).
قال الحافظ أبو الحسن ابن القطَّان بعدَ ذكرِ هذا الحديث من هذه الجهة: هذا الإسناد صحيح بثقةِ رواتِهِ، واتصالِهِ، وإنما أعلَّه الدارقطني بالاضطرابِ في إسناده، فتبعه أبو محمد - يعني عبد الحق - علَى ذلك، وليس بعيب فيه، والذي قاله (٢) فيه الدارقطني هو: إنَّ أبا كامل تفرَّد (٣) به عن غندر ووهم فيه عليه؛ هذا ما قاله (٤)، ولم يؤيدْه بشيء، ولا عَضَدَه بحجة، غير أنَّهُ ذكر أن ابن جريج الذي دار الحديثُ عليه يُروى عنه، عن سليمان بن موسَى، عن النبي ﷺ مُرسلاً.
قال الحافظ أبو الحسن بن القطَّان: وما أدري ما الذي يمنع أنْ يكونَ عنده في ذلك حديثان؛ مسند، ومرسل، والله أعلم (٥).
السادسة: هذا الحديثُ مما تُجمَعُ طرقه؛ لأنَّه يأتي من وجوه، قالَ شيخنا المُنذريّ ﵀: وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن قيس أبي موسَى الأشعري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعائشة، ﵂، وليس شيء منها يثبت مرفوعاً، ووقع لنا أيضاً عن عثمان بن
стр. 2106
عفان ﵁ من قوله، ولا يثبت أيضاً، وأشهرُهَا حديثُ أبي أمامة؛ كما قالَ البَيهَقِيُّ.
قلت: قد عُلمَ أنَّ تضافرَ الرواةِ علَى شيء، ومتابعةَ بعضهم لبعض في حديث ممّا يشده ويقويه، ورُبَّما أُلحِقَ بالحَسَنِ، وما يحتج به.
وقد أورد الحافظ الفقيه أبو عمرو بن الصلاح ﵀ كلاماً يفهم منه أنهُ لا يرَى هذا الحديث من هذا القَبيل، مع كونه روي بأسانيد ووجوه، فقال: لعلّ الباحثَ الفَهِمَ يقول: إنا نجدُ أحاديثَ محكوماً بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوه عديدة، مثل حديث: "الأذنان من الرأس"، ونحوه، فهلا جعلتم ذلك ونحوَه من نوعِ الحسنِ؛ [لأن بعض ذلك عَضَدَ بعضاً كما قلتم في نوع الحسن] (١) علَى ما سبق آنفاً؟!
قال: وجوابُ ذلك: أنهُ ليس كل ضعيفٍ في الحديثِ يزولُ بمجيئهِ من وجوه، بل ذلك يتفاوت؛ فمنه ضعيف (٢) يُزيلُهُ ذلك؛ كأنْ (٣) يكونَ ضعفه ناشئاً من ضعفِ راوٍ (٤) مع كونه من أهل الصدق
стр. 2107
والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاءَ من وجه آخر عرفنا أنَّهُ ممَّا قد حفظه، ولم يختلَّ فيه ضبطُهُ [له]، وكذلك إذا جاءنا ضعفُه من حيثُ الإرسالُ، وأتَى بنحو ذلك، كما في المرسلِ، الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعفٌ قليلٌ يزول بروايته من وجه.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوةِ الضعف، وتقاعدِ هذا الجابر عن جبره ومقاومتِه، وذلك كالضعفِ الذي ينشأ من كون الراوي مُتَّهماً بالكذبِ، أو كونِ الحديث شاذاً.
وهذه جملةٌ تفاصيلُهَا تُدرَكُ بالمباشرةِ والبحث، فاعلم ذلك؛ فإنه من النفائسِ العزيزة (١).
قلت: هذا الذي ذكره، وجعلُهُ هذا الحديثَ من النوعِ الذي [لا] (٢) يقويه مجيئُهُ من طرق، أو وجوه، قد لا يُوافَقُ علَى ذلك، فقد ذكرنا في الأصلِ روايةَ ابن ماجه، وعرفنا أنَّهُ ليس من رواتها إلا من وُثّقَ، وذكرنا كلامَ الشيخ في رواية سُويد بن سعيد، وأنَّ رواتَهُ محتجّ بهم، وذكرنا روايةَ الدارقطني، وحُكمَ أبي الحسن بن القطَّان بأن إسنادَها صحيحٌ، وتعليله بما عُلِّلَ به، وهي منه شجاعةٌ ظاهريةٌ، [شنشنةٌ] (٣) أعرفُهَا من أخزمِ.
وعلَى الجملة: فإنْ توقَّفَ تصحيحُهُ عندَ أحد علَى ذكر طريق
стр. 2108
لا علةَ فيها، ولا كلامَ في أحدٍ من رواتها، فقد يتوَقفُ في ذلك، لكنَّ اعتبارَ ذلك صعب ينتقضُ عليهم في كثير مما استحسنوه وصحّحُوه من هذا الوجه، فإنَّ السلامةَ من الكلامِ في الناسِ قليل، ولو شُرِطَ ذلك لما كان لهم حاجة إلَى تعليل الحسن بالتضافر (١)، والمتابعة، والمجيء من طرق أو وجوه، فيتقلَّب (٢) النظر، وتتناقضُ العِبرَ، ويقعُ الترتيب، أو يُخافُ التعذيبُ.
[من الطويل]:
فإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَدْيُهُ ... فهذا، وإلا فالهُدَى ذَا فما المَهْدِيُّ (٣)
وما ذكرته عُرِضَ عليك، لا التزامٌ أتقلَّدُ عهدتَهُ، وفي كلامي ما يشير إلَى المقصود.
* * *
стр. 2109
* الوجهُ الثالث:
[الأولى]: قالَ الجَوهَرِيُّ: و (الأُذُنُ) تخفَّفُ وتثقَّلُ، وهي مؤنثةٌ، وتصغيرُها أُذَينة.
ولو سَمَّيتَ بها رجلاً، ثم صغَّرتَه، قلت: أُذَيْن، فلم تؤنثْ؛ لزوال هاء التأنيث عنه بالنقلِ إلَى المذكر، فأما قولهم: (أُذَيْنَة) في الاسمِ العلم، فإنما سُمِّي به مصغراً.
والجمع: آذان، وتقول: أَذَنْتُهُ: إذا ضربتَ أُذُنه، ورجل أُذُنٌ: إذا كان يسمع مقالَ كل أحد، يستوي فيه الواحدُ والجمع.
[و] (١) أذَانِيٌّ: عظيمُ الأذنين، ونعجة أَذْناء، وكبشٌ آذَنُ.
وأذَّنْتُ النعلَ وغيرها تأذيناً: إذا جعلتَ لها أذناً، وأذَّنْتُ الصبيَّ: عركتُ أُذَنَه.
وآذَنتُك بالشيء: أعلمتك به، والآذِنُ: الحاجب، وقال [من المتقارب]:
تبدَّلْ بآذنِكَ المُرْتَضَى (٢)
وقد آذَنَ وتَأَذَّنَ بمعنى؛ كما يقال: أيقنَ وتيقنَ، وتقول: تأذَّنَ
стр. 2110
الأميرُ في الناسِ: إذا نادَى فيهم، يكون في التهديدِ والنهي؛ أي: تَقدَّمَ وأعلَمَ، وقوله تعالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أي: أعلم (١).
[الثانية]: المُؤْقُ: قال ابن سِيدَه في "المحكم": ومُؤْقُ العين، ومُوقُها، ومَأْقُها، ومُؤْقيها، ومَأْقِيها: مؤخَّرُها، وقيل: مقدَّمُها، وجمع المُؤق، والمُوق، والمَأْق: آماق، وجمع المُؤْقي، والمَأْقي: مآق علَى القياسِ (٢).
وقد ذكر ابن سِيدَه هذا في كتابه "المُخصص" عبارة تضبطُ هذه الألفاظ، أو أكثرها؛ قال: وفي العين: المُوْقُ؛ وهو طرفُ العين الذي يلي الأنف، وهو مخرجُ الدمع من العينِ، ولكل عيني مُوْقان، وفي الموقِ أربعُ لغات؛ مُؤْق مثل مُعْق، والجمع: أَمْآق مثل أَمْعَاق.
وزيدت همزة ثانية؛ كما زيدت في شأمل، وهو من قولهم: شَمَلت الريحُ، وقلبت الهمزة التي هي عين إلَى موضع اللام؛ لأنَّ هذه الكلمة قد قلبت الهمزة التي هي عين منها، إلَى موضع اللام، في قولهم: مَآق، فلما قُلِبت الهمزةُ التي هي عينٌ إلَى موضع اللام، أُبْدِلت إبدالاً؛ كما أبدلت في قولهم: أمْآق، علَى حدِّ إبدالها في (أخطيت) وشبهه، فلما أبدلت هذا الأبدال انقلبت واواً؛ لانضمام ما قبلها، ثم
стр. 2111
أبدلت من الضمةِ الكسرة، ومن الواوِ الياء، كما فعل ذلك في أَدْلٍ، وقَلَنْسٍ، وما أشبهه، ووزن (مآقٍ) علَى هذا من الفعلِ علَى التخفيف فَآلع، ويحتمل أنْ يكونَ مُؤقٍ مُلحقاً بقولهم: بُرثُن، لا علَى أنَّ الهمزةَ زائدة كزيادتها في شأمل، ولكن الهمزة عين الفعل، وزيدت الواو آخر الكلمة للإلحاق بـ (بُرثُن)؛ كما زيدت في قولهم: عُنْصُوَة، إلا أنَّ الواوَ في مُؤقٍ انقلبت ياءً، لمّا كانت الكلمة مبنيةً علَى التذكيرِ، ولم تصح كما صحت في عُنْصُوَة المبنية علَى التأنيثِ، ف (مُؤْقٍ) علَى هذا الأصل وزنه (فُعْلُو)، فقلبت إلَى (فُعْلٍ)، ووزن جمعه (١) علَى هذا القول الثاني (فَعَال)، ولولا ما جاءَ من القلبِ في هذه الكلمة، لجزم علَى وزنها بهذا القول الثاني.
فأما قولهم: مَاقٍ، فبناؤه بناء فاعل، إلا أنَّ الهمزةَ التي هي عين في ماق، قلبت إلَى موضع اللام، فصار وزن الكلمة (فَالِع)، ثم أبدلت الهمزة إبدالاً؛ كما أبدلت في الخَطِيّة، والنبيِّ، والبريّة، والذُّريَّة، فيمن جعلها من ذرأ الله الخلق، ومَواقٍ علَى هذا وزنه علَى التخفيفِ (٢) (فوالع)، والدليل علَى ذلك: أن قوماً يخفِّفون هذه الهمزة فيما حُكي عن أبي زيد، فيقولون: ماقِئ، ويقولون في جمعه: مَوَاقِئُ.
وحكَى ابن السّكّيت: أنهُ ليس في الكلامِ مَفْعِل - بكسر العين -
стр. 2112
من المعتلِ اللام إلا حرفين: مَأقِي العين، ومَأوِي الإبل (١)، ووزن مَأقي مَفعِل، والحكمُ بزيادة الميم فيها غلطٌ بيّن، وذلك أنَّ هذه الميم هي فاء الفعل من قولهم: مُؤْق، الهمزة عين والقاف لام، فإذا حكمَ بزيادة الهمزة جعل أصلَ الكلمة: همزة وقافاً وياء، أو همزة وقافاً وواواً، ولا نعلم (أقو) ولا (أقي) محفوظاً لهذا المعنى المُسمّى مُؤقاً.
فمَاقٍ وزنه فالع؛ كما قلنا، والألف فيه زائدة زيادتها في فاعل، فأما ما حكاه يعقوب من قوله (٢): مَأقي، فالقول في وزنه عندي: أنّهُ (فَعْل [ي])، الياءُ فيه زائدة.
فإن قلت: كيف يجوزُ هذا، وليستِ الكلمة بالزيادةِ علَى بناءٍ أصليٍّ من أبنية الرباعي؛ لأنّه ليس في الكلامِ مثل (جَعْفَر)؟
فالجواب: أنَّ الزيادةَ قد تجيءُ لغير الإلحاق، كالألفِ في (قَبَعْثَر [ى])، ألا ترَى أنّهُ لا تكون للإلحاق، إذْ ليس بعد الخمسة بناءٌ يُلحَقُ به، وكالنونِ في (كَنَهْبَل) و (قَرَنْفُل)، ألا ترى أنّهُ ليس مثل (سَفَرْجَل)، فيكونُ هذا مُلحقاً به، ومثلُ ذلك الواوُ في (تَرْقُوَة)، وإنما قلنا في مُؤْق: إنَّهُ مثل عُنْصُوَة، وأنه مُلحق علَى التذكيرِ؛ لأنّ الإلحاقَ أوجَهُ، ونظيرُ مَاق في أنهُ اسم وزنُه فاعل، وليس بصفة كضارب،
стр. 2113
قولُهم: الكَاهِل، والغَارِب. اللحياني، جمع الآمق (١): آماق، وقالوا: أمواق، فإما أنْ يكونَ علَى قلب الهمزة في مُؤْق ومَأْق واواً يذهبُ إلَى التخفيفِ البدلي، وإما أنْ يكونَ وضعه الواو فيكون ك (بابٍ) و (أبواب) (٢).
* الوجه الرابع: في شيء من، العربية، وفيه مسائل:
الأولَى: (من) في "من الرأس" محمولة علَى أحد أقسامها، وهو التبعيض.
الثانية: قد ذكرنا في ما مضَى أن الأذنَ تنطلقُ علَى الاسمِ والصفة، فالاسمُ للعضو المخصوص، والصفة للرجل الذي يسمع مقالَ [كلِّ] (٣) أَحَد، وأكثرُ تصاريف الكلمة التي ذكرناها تعود إلَى العضوِ؛ كما تراه فيما نقلناه عن الجوهري.
وأما آذَنَ؛ بمعنى: أَعْلَمَ، فيحتملُ أنْ يعودَ أيضاً إلَى الأذن.
الثالثة: ذكر ابن سِيدَه، عن الفارسي أنَّهُ قال: أما قولهم: مُؤْقٍ، فإنَّهُ يحتملُ ضربين من الوزن؛ يجوز أنْ يكونَ وزنه من الفعلِ فُؤعُل، أُلحق هو بِبُرْثُن، وزيدت الهمزة [فيه ثانية]، والله أعلم (٤).
стр. 2114
* الوجهُ الخامس: في الفوائدِ والمباحث، وفيه مسائل:
الأولَى: "الأذُنَانِ منَ الرأْسِ" جملة خبرية، وقد أبوا أنْ يكونَ خبراً عن أمر وجوديٍّ لوجهين:
أحدهما: أن إخبارَ الشارع منزَّلٌ علَى الشرعيّات؛ لأنه الأمرُ الذي بُعِثَ لبيانه، لا الوجوديات؛ لمعرفتها بغيرِ الطريقِ الشرعي.
الثاني: أن الرأسَ جارحةٌ مخصوصةٌ علَى شكلٍ معلوم، والأذنان ليسا من ذلك الشكل، ولا فيما تنطلقُ عليه التسميةُ، وهذا الكلامُ يوجب أن لا يُحملَ الكلامُ علَى أنهما منه حقيقةً؛ كما ذكرنا، ويقتضي إبطالَ قول من يقول: إنهما منه حقيقة.
الثانية: إذا تعذرَ حملُهُ علَى الإخبارِ عن الأمورِ الوجودية، حُمِلَ علَى الأمورِ الشرعية، أو علَى ما تلزمه الأمورُ الشرعية؛ أي: حُكمُهَا حكمُ الرأس، أو هما بعضُ الرأس حُكماً، فما تعلَّقَ من الحكمِ بالرأسِ تعلَّقَ بهما.
الثالثة: ينبغي أنْ نتأملَ بعد الحمل علَى الحكمِ الشرعي، هل يلزمُ العمومُ في الأحكامِ فيه، أو لا؟
الرابعة: فإنْ كَان اللفظُ عامًّا بالنّسبَةِ إلَى الدلالةِ، فلا بدَّ من تخصيصٍ بالنسبَةِ إلَى وقوع مدلولِ العمومِ في بعض الأحكام؛ كما لو كان عليهما شعرٌ فحلقَهُ أو قصَّرَهُ في الحج؛ فإنه لا يُكتفَى به، فكما
стр. 2115
يأتي في الاقتصارِ علَى مسحها (١).
الخامسة: قالَ القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: اختلفَ العلماءُ في الأذنينِ علَى أربعة أقوال:
الأول: أنهما من الرأسِ يُمسحانِ بمائِهِ؛ قاله ابنُ عباس، وعطاء، والحسن، وأبو حنيفة.
الثاني: أنهما من الوجهِ يغسلان معه؛ قاله ابن شهاب.
الثالث: يغسلُ ما أقبلَ منهما مع الوجه، ويمسح ما أدبرَ مع الرأس؛ قاله الشَّعبي، والحسن بن صالح.
الرابع: هما من الرأسِ، ويُمسحان بماء جديد، زاد ابن الجلاب (٢): ظاهرُهُما وجوباً، وباطنُهُما استحباباً، انتهَى (٣).
وهاهنا قولٌ خامس من العجبِ تركه؛ إنّهُ المنقول عن الشافعي، وهو: أنهما ليسا من الرأسِ، ولا من الوجهِ، وإنما هما علَى حيالهما.
ذكر أقضَى القضاة المَاوَردِي في "حاويه": أنهُ حُكي عن أبي العباس بن سُريج في الأذنينِ: أنهُ كان يغسلهما ثلاثاً مع وجهه؛ كما قالَ ابن سيرين، والزهري، ويمسحهما مع رأسه؛ كما قالَ أبو حنيفة، ويمسحهما ثلاثاً مفردة؛ كما قالَ الشافعي.
стр. 2116
قال: ولم يكن أبو العباس يفعل ذلك واجباً، وإنما كان يفعله احتياطاً واستحباباً، وليكون من الخلافِ خارجاً (١).
السادسة: القائلون بأنهُما يمسحان، فحكمُهُما المسح، يستدلُّون بالحديثِ، وتوجيهُهُ: أنهما من الرأسِ؛ أي: حكمُهُما حكمُ الرأس، وحكمُ الرأس المسحُ.
السابعة: لهذا الحديث معارِض يَستدلُّ به من يقول: إنهما من الوجهِ: "سَجَدَ وَجْهِي للذِي خَلَقَهُ وصَوّرَهُ، وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ" (٢)، فقد أضافهما إلَى الوجهِ، وهو ظاهر؛ كما أنَّ الأولَ ظاهر في أنهما من الرأسِ؛ أعني: حكمَهما.
الثامنة: بينَ الحديثين فرقٌ في دلالتهما؛ لأنَّ "الأذنانَ من الرأسِ" يحتاجُ إلَى التأويلِ بسبب تعذُّرِ الحمل علَى الإخبارِ عن الأمرِ الحقيقي، وهذا المعنى معدوم في الحديثِ الآخر، ولإضافة خلقِهِما من الوجهِ إلَى اللهِ، وهذا من أعظم الفوائد المُقتبسة من الشرعِ، وإنما نظيرُ ذلك لو قيل: الأذنان من الوجهِ، وليس كذلك.
التاسعة: ومن توابعِ كونهما من الرأسِ في الحكم وجوبُ مسحِهِما لعينِ ما قلناه في مسحهما؛ وهو أنهما بعضُ الرأس في الحكمِ؛ وحكمُ
стр. 2117
[الرأس] (١) وجوبُ المسح، فيجبُ المسحُ.
العاشرة: ومن لوازمِ القولِ بوجوبِ مسحِهِما بناءً علَى التمسُّكِ بالحديث: أن تركَ مسحهما (٢) يوجبُ الإعادةَ.
والمالكيةُ لا يتبعون هذا القانونَ مطلقاً؛ أعني: ترتُّبَ الإعادة، وعدمَ الإجزاء علَى الوجوبِ، وذلك لتعارض القواعدِ التي اعتمدَهَا مالك ﵀ في بعض الصور؛ كقاعدتَي الاستحسان، ومراعاة الخلاف مع القياس، وقد صرحَ بذلك الشيخُ الفاضل أبو عبد الله المازَري، فذكر: أنهُ لو ترك مسحَهُما علَى القولِ بأنَّهُ فرض، أنَّ الجمهورَ علَى أنهُ لا يمنعه الإجزاء؛ ليسارتِهِما، وكثرةِ الخلاف فيها.
قال: ومن أصحابنا مَنْ يأمرُ متعمّدَ تركِهِما بإعادة (٣) الصلاة.
قلت: هذا قياسُ القول بالوجوب؛ لأنه لا يقعُ الامتثالُ في الواجبِ إلا بفعله، وقد ظهرَ لك من هذا الكلام أنهُ تركَ القياسَ؛ للاستحسان ومراعاةِ الخلافِ معا، [و] (٤) وجَّه الاستحسانَ بيسارتِهما، ومراعاةِ الخلاف من القياسِ، فيحتملُ أنْ يُرادَ مراعاةُ الخلاف في وجوبِ
стр. 2118
مسحهما، ويحتملُ أنْ يُرادَ مراعاتُهُ في وجوب الاستيعابِ بالمسح.
الحادية عشرة: مُقتضَى إضافة الحكم إلَى الأذنينِ في الحديثِ شمولُ الظاهرِ والباطن منهما، فإن قيل: بالوجوبِ، فليقل به فيهما معاً؛ أعني: الظاهر والباطن، فهذا مُقتضى ما ذكرَ الشيخُ المازري؛ حيثُ اقتضَى لفظُهُ المساواةَ بين الباطنِ والظاهرِ في الخلافِ في الباطن والظاهر؛ فإنه قال: ولم يختلفِ المذهبُ عندنا أنَّ الصِّماخَينِ مسحُهُما سنة، وإنما الخلافُ فيما برزَ من الأذنينِ.
وما برز من الأذنينِ يشمَلُ الظاهرَ والباطنَ، فيقتضي كلامُهُ أنْ يجريَ الخلافُ فيهما.
والشيخُ أبو القاسم بن الجَلَّاب فرَّق بين الظاهرِ والباطن حيثُ قال: فإنْ تركَ مسحَ باطنِ أذنيه فلا شيءَ عليه.
صهانْ تَرَكَ مسحَ ظاهرِهما، فإنه قال: لا يعيدُ، والقياسُ يوجبُ الإعادةَ عليه.
وهذا التفريق لا حظَّ له من دلالةِ لفظ الحديثِ، ويَحتاج مَنْ ذهبَ إليه إلَى دليل يُخرجُ الباطنَ عن ظاهر اللفظ، وذكرَ بعضُ مَن رامَ ذلك - أعني: التفريقَ - في علتِهِ بأن الباطنَ لا يجبُ غسلُهُ في الجنابةِ، [فلا يجبُ] (١) مسحُهُ في الوضوءِ.
стр. 2119
وهذا خَلْفٌ من القول؛ لأنَّ باطنَ الأذنين قد يرادُ به الصِّماخُ وما بعده، وهذا لا يجبُ في الجنابةِ ولا في الوضوءِ اتفاقاً؛ كما ذكر الشيخ أبو عبد الله المازري من عدم الخلاف فيه في الوضوءِ، والباطنُ ينطلقُ علَى ما برز عن ذلك وظهر، وهذا واجبٌ غسلُه في الجنابةِ، وهذا هو المُختَلَفُ فيهِ، فحصل الاشتراكُ في لفظ الباطن، ووقع بسببه الخللُ فيما ذكر.
الثانية عشرة: يقتضي كونُ حكمِهِما حكمَ الرأس: أنْ يُمسحا مع الرأس بمائِهِ؛ كما قالَ أبو حنيفة ﵁ وغيره (١).
والمالكية - وإنْ قالوا بكونهما من الرأسِ - قالوا بتجديدِ الماءِ لهما، لكنْ بدليل من خارج؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالَى، فإذا قامَ الدليلُ علَى ذلك كان موجباً لإخراج بعض الرأس عن المسحِ بمائِهِ.
الثالثة عشرة: يقتضي القولُ بأنهُما من الرأسِ مع القول بوجوب استيعابِ الرأسِ بالمسحِ: أنْ يجبَ استيعابُهما بالمسح؛ لأنَّ تركَ ما هو مُسمَّى ببعض (٢) الرأسِ ترك لجميع (٣) الرأس، وهو ظاهرُ الحديث أيضاً؛ أعني: مسحَ جميعِ ظاهرِهِما وباطنهما علَى الحقيقةِ.
стр. 2120
وقد قالَ بعض المالكية: إئهُ لا يُسبغُ الغضونَ بالماءِ اعتبارًا بالوجهِ في التيمم (١). وأيضًا هذا (٢) لا يلزمُ منه أنْ يكونَ استيعابُهما بالمسحِ ليس بواجب؛ لأنَّه يمكنُ أنْ يكونَ ذلك مع القول بالوجوبِ إدخالاً لذلك في باب التنطُّع والتكلف والغلو، أو لأنَّ الاسمَ قد يحصلُ في عُرفِ الإطلاقِ لما يجبُ استيعابُهُ إجماعاً، فيحصلُ الامتثالُ بحصول المُسمَّى، وذلك كغسل اليدين؛ فإنه يحصل المُسمَّى مع الوَسَخِ اليسير في رأس الأصابع؛ الذي يُعتادُ مثلُه غالبًا، مع وجوب استيعاب اليدين بالغسل (٣) إجماعًا، ولست أحفظُ الآن عن أحدٍ من العلماءِ القولَ بوجوبِ الاستيعابِ بمسحهما.
الرابعة عشرة: إذا جعلنا حكمَهُمَا حكمَ الرأس عمومًا، فيتَرَتَّبُ عليه استحبابُ التكرارِ في المسحِ فيهما أو عدمه؛ إتباعًا لحكمهما حكمَ الرأس في ذلك.
الخامسة عشرة: الذين أبَوا (٤) أنْ يكونا من الرأسِ يحتاجونَ إلَى
стр. 2121
الجوابِ عن ظاهر الحديث، ولهم فيه طرقٌ:
الأولَى: القَدْحُ في إسناده، وقد تقدم بما فيه.
الثانية: ما قدَّمناه (١) من أمرِ الرفع والوقف.
الثالثة: التأويلُ، قالَ الخطابيُّ بعد ذِكْرِ؛ ما ذُكرَ من مذهب الشافعي: وتأوَّلَ أصحابُهُ الحديثَ علَى وجهين:
أحدهما: أنهما يُمسحان مع الرأس تبعًا له.
والآخر: أنهما يُمسحان كما يمسحُ الرأس، ولا يُغسلان كالوجهِ، وإضافتهما (٢) إلَى الرأسِ إضافةُ نسبةٍ وتقرب، لا إضافةُ تحقيق، وإنما هو في معنى دونَ معنى؛ كقولهِ: "مَولَى القَومِ مِنْهُم" (٣)؛ أي: في حكم النصرة والموالاة دونَ حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصَى رجل لبني هاشم، لمْ يُعطَ مواليهم، وموالي اليهود لا تؤخذُ بالجزية، وفائدة الكلام في معناه (٤): إبانةُ الأذنِ عن الوجهِ في حكم الغَسْلِ، وقطعُ
стр. 2122
الشبهيَّة بينهما لما بينهما من الشبهِ في الصورةِ، وذلك (١) أنهما وُجدا في أصل الخِلقةِ بلا شعر، وجُعلتا محلاً لحاشَة من الحواسِ، ومعظمُ الحواس محلُّه الوجهُ، فقيل: "الأذنانَ من الرأسِ"؛ ليُعلمَ أنهما ليستا من الوجه (٢).
والوجهُ الأول الذي ذكره الخطابي عن أصحاب الشافعي؛ إن أراد به أنهما يمسحان بماء الرأس، فليسَ مذهباً لهم، وإن أراد أنهما يُمسحان كما يمسح الرأس، وأن فسحَهما علَى سبيل التبعيَّة، فله وجهٌ، لكنْ كونُهما علَى سبيل التبعيَّة فيه نظرٌ؛ لأنَّ قولهم هو: إنهما عضوان علَى حيالهما، لا من الرأسِ، ولا من الوجه.
السادسة عشرة: الذين قالوا: إنهما من الرأسِ؛ أي: حكمُهما حكمُ الرأس في المسحِ، يحتاجون إلَى الجوابِ عن الحديث المعارِضِ له الدالّ علَى أنهما من الوجهِ، وهو: "سَجَدَ وَجْهِي" إلَى آخره (٣).
وقد أجاب عنه أقضَى القضاةِ المَاوَردِيُّ بأن قال: إنما هو عبارةٌ عن الجملةِ والذات؛ كما قالَ تعالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ
стр. 2123
وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] (١).
وفي هذا نظر؛ لأنَّ لفظَ الوجه عندَ الإطلاق ينصرفُ إلَى العضوِ المخصوص؛ إمَّا وَضْعاً لغوياً، وإما استعمالاً عُرفياً غالباً، وإطلاقُهُ علَى الجملةِ من باب إطلاقِ اسمِ الجُزء علَى الكلِّ، وقد دلَّت الآيةُ الكريمة علَى الذاتِ؛ لاستحالةِ الحملِ علَى الظاهرِ بالصورة، وليس كذلك فيما نحن فيه، نعم هو مُحتمِل، والاحتمالُ لا يُنافي رُجحانَ غيره.
السابعة عشرة: لسائلِ أنْ يسألَ ويقولَ: إذا أخرجتمْ (٢) لفظَ الوجه عن الحقيقةِ الوضعئة والعرفية، وخَرَجَ أيضاً "الأذنان من الرأسِ" عن الحقيقة الوضعئة، فأيُّهما أقربُ وأرجحُ في الحمل؟
فيُقَال عليه: إنَّ أمرَ الرأس فيه ما أوجب الخروجَ عن الحقيقةِ، فالمصيرُ إلَى المجازِ متعيِّنٌ، وأما الأمرُ الآخر فليس فيه ما يُوجِبُ الحملَ علَى الذاتِ، فكان الأولُ أرجحَ من هذا الوجه، أو يقال: إن دلالةَ (من) علَى الجزئيةِ أقوَى عن دلالة الإضافة عليها؛ إما لأنها دلالةٌ لفظية، ودلالةُ الإضافة علَى المعنى تقديرية، أو لأن دلالةَ الإضافة مترددةٌ بين معنى (مِن) وغيرها بخلاف دلالة (من)، وهذا يُحوجُ إلَى بيان التردُّدِ في هذا المحلِّ؛ أعني: "شقَّ سمعَهُ" إلَى آخره.
стр. 2124
الثامنة عشرة: قد يُتمسَّكُ بالحديثِ في أن مُسمَّى المسح للرأس غيرُ كافٍ.
وطريقه أنْ يقال: لو اكتُفِيَ بالمُسمَّى في بعض مسح البعض لاكتُفِيَ بمسح الأذنين؛ لأنه بعضُ الرأس بالحديثِ، واللازمُ منتفٍ بالإجماعِ.
ومما يجيبُ به من يخالفُ ذلك بالطعنِ في السَّند، وقد مرَّ بما فيه، وإنما هذا تفريعٌ بالقولِ بالصحة.
التاسعة عشرة: وقد يمكنُ أنْ يُستدلَّ به علَى عكسِ هذا، وهو عدمُ وجوب الاستيعابِ في مسح الرأس بوجهٍ آخرَ يُجعلُ الحديثُ فيه مقدمةً في الدليلِ، وهو أنْ يقال: لو وجب استيعابُ الرأس بالمسحِ لوجبَ مسحُ الأذنين، واللازمُ منتفٍ بالدلائلِ الدالةِ علَى عدم وجوب مسحِهِما، فآلَ الأمرُ إلَى النظرِ في الموازنة بين الظاهرين؛ أعني: ظاهرَ "الأذنان من الرأس"، والظاهرَ الدالَّ علَى عدم وجوب مسحهما، فأيُّهما رَجَحَ تقدم.
العشرون: النُّكتةُ الأولَى التي تتعلَّقُ بعدم الاكتفاءِ بمُسمَّى (١) المسحِ أقوَى من الثانية؛ لأنهما يشتركان في إثبات الملازمة بالحديثِ، وتنفردُ الأولى بانَّ انتفاءَ اللازمِ فيها بالإجماعِ، وانتفاءُ اللازم في الثانيةِ بدلائلَ ظنيّهٍ يُعترَضُ عليها بما يُعترَضُ به علَى الدلائلِ الظنيَّة، فكانتِ (٢)
стр. 2125
الأولَى أقوَى من هذا الوجه.
الحادية والعشرون: هذه النكتةُ الأولَى - إذا تمَّت - إنما تَصلُحُ للاعتراضِ علَى مَنْ يكتفي بمُسمَّى مسحِ البعض، أمَّا من يقول بأنَّ الوجوبَ متعلِّق ببعضِ معيَّنٍ، فلا تصلحُ للاعتراض عليه؛ لأنَّ الملازمةَ حينئذٍ تكونُ فاسدة؛ لأنه لا يلزمُ من الاكتفاءِ ببعضٍ متعيَّنِ، الاكتفاءُ بمُسمَّى البعض.
الثانية والعشرون: اعتُرِضَ علَى من فسَّرَ "الأذنان من الرأس" بأن [حكمَهما] (١) حكمُ الرأس في المسحِ، باعتراضِ؛ حاصلُه: أنَّ الاستواءَ في الحكمِ بين العضوين لا يقتضي أنْ يقال: إن أحدَهما من الآخر؛ لأنَّ الوجهَ واليدين والرجلين يستويان في الحكمِ؛ الذي هو الغسل، ولا يقال: إنَّ الوجهَ من اليدينِ، ولا من الرجلينِ.
ويجاب عنه بأنْ يقال: إمَّا يُدَّعَى المجازُ في إطلاق كونهما من الرأسِ بسبب استوائهما في الحكمِ، والمجازُ لا يلزمُ اطِّرادُه، ولا اطرادُ الإطلاقِ عندَ وجودِ علاقته، بل قد ذُكر: أن من علاماتِ الحقيقةِ الاطرادُ، ومن علاماتِ المجازِ عدمُ الاطراد (٢)، فعلَى هذا: امتناع استعمالِ كونِ الوجهِ من اليدِ أو الرجلِ دليلُ المجازِ فيما ذكرناه، ونحن
стр. 2126
لا نمتنعُ من كونه مجازاً.
وإنْ كَان هذا الاعتراضُ لقصد إبطال العلاقة المجوِّزة، فالعلاقةُ موجودةٌ، إذ كونُ الشيء من الشيءِ بسبيل يسوِّغُ مثلَ هذا الإطلاق، ألا تراه يقال: أنا منك، وأنت مني، ولست منك، ولست مني؛ لإرادة الإثبات، ولإرادة التباين، وأنه ليس بسبيل منه.
الثالثة والعشرون: احتَجَّ المُزنيُّ علَى أنهما ليستا من الرأسِ بما قدمنا من لزوم التخصيص في الحلقِ أو التقصير في الحج، وأنَّه لو كانا من الرأسِ أجزأَ مَن حجَّ حلقُهما من تقصير الرأس (١).
واحتَجَّ الشافعيّ بما معناه: أنهما لو كانا من الرأسِ لأجزأَ مسحُهُما عن مسح الرأس؛ فإنه قال: وليستِ الأذنان من الوجهِ فيُغسلان، ولا من الرأسِ فيُجزِئُ المسحُ عليهما، فهما سنةٌ علَى حيالهما (٢).
ورجَّحَ بعضُ المصنفين من أصحاب الشافعي دليلَ الشافعي علَى دليل المُزَييِّ بعد أن ذكرَه وشرحَه، فقال: وهذا احتجاجٌ صحيح، ورُبَّما يمنعُ بعضُ المتأخرين منهم، فيعتمد، أو يعتمدُ علَى ما اعتمدَ عليه الشافعي أولًا، وهو: أنَّهُ لا يُجزئُ مسحُهُ عن مسحِ الرأس، قال: وهذا لا شكَّ فيه؛ أو كما قال (٣).
قلت: كلا الاحتجاجَيْن استدلالٌ بنفي اللازمِ علَى نفي الملزومِ،
стр. 2127
وإلزامٌ للعمومِ في أحكامهما؛ أعني: حكمَ الرأس والأذنين، والتخصيص، فإنْ كَان المقصودُ الردَّ علَى من يقول بالحكمِ بالتعميم، فليس يقوله أحد، وإنْ كَان المقصودُ الردُّ علَى من يستدلُّ بلفظ الحديثِ علَى أنهما من الرأسِ، وإلزامَهُ التعميمَ في الأحكامِ من هذا اللفظ، فقد يقول: هذا غايةُ ما يلزمُ منه التخصيصُ، وإذا صحَّ الحديثُ فلا بدَّ له من مَحملٍ صحيح، وإذا تعذَّرتِ الحقيقةُ حُملَ علَى المجازِ، فإذاً يؤول ذلك إلَى مسألةٍ من مسائلِ تعارضِ أحوال اللفظ، وهي تعارضُ المجاز والتخصيص، وقد قالوا: إنَّ التخصيصَ أولَى (١)، فيُعترَضُ عليه بأنهُ يُلزمُكَ المجازُ بإخراج اللفظ عن حقيقته،
стр. 2128
وهذا مُشتركٌ بيننا، وتنفردُ أنت بالتخصيصِ، وهو خلافُ الأصل؛ كما أن المجازَ خلافُ الأصل، فتَلزمُكَ مخالفةُ الأصل من وجهين بخلاف ما قلناه؛ فإنه إنما يَلزمُ المجاز فقط.
واعلمْ أن مَنْ ذهبَ إلَى عدم العموم في كون أحكامهما حكمَ الرأس، لا يلزمُهُ شي: من الاعتراضينِ، وإنما يلزمان علَى تقدير التزام العموم في الأحكام.
واعلمْ أيضاً أنَّ الاستدلالَ بعدم الاكتفاءِ بمسحهما لا يصلحُ للإلزامِ لمالكٍ؛ لأنه لا يقول بالاكتفاءِ بمسح البعض، وقد تقدم.
الرابعة والعشرون: قوله في الحديثِ: "وكان يمسحُ المَأْقَين" يدلُّ علَى طلبيةِ هذا القدر؛ أعني: القدرَ المشترك بين الوجوب والندب، وإنما يجبُ ذلك إذا تعيَّنَ المسحُ طريقًا إلَى إقامة الواجب من الغسلِ، أما إذا حصل مسمَّاه كان المسح مُستحباً؛ لتأَدِّي الواجب بما يحصل به المُسمَّى.
الخامسة والعشرون: هذا المسحُ يُعلَّلُ باحتمال اجتماع القذَى في المآقي، فيكون حائلاً عن الغسلِ الواجب.
السادسة والعشرون: فيه دليلٌ علَى المبالغةِ في الغسلِ بالنِّسبةِ إلَى أجزاء ما أُمِرَ فيه به (١)، وعدمِ المسامحةِ بهذا القدْر (٢)، والله أعلم.
стр. 2129
السابعة والعشرون: ومَا ذكرنَاهُ من المعنى، وهو: أنَّ إزالةَ ما عساه يجتمعُ من القَذَى في المآقي، يقتضي أنْ يكونَ هذا المسحُ قبلَ الغَسل؛ ليَرِدَ الغسلُ علَى محل التطهيرِ الواجب خليًا عن احتمال المُعارِض، ولو تأخَّرَ لمْ يحصلِ الفرضُ علَى تقدير وقوع المعارِض، وهو احتمالُ القذَى؛ لأنَّ المسحَ لا ينوبُ عن الغسل.
الثامنة والعشرون: ويقتضي التورُّعَ والاحتياطَ في الطهارةِ، وعدمَ خروجِ بعضها اليسيرِ عن باب التنطع والتكلف؛ لأنّ ما دل علَى المُقَيَّدِ، دلَّ على المُطلق.
التاسعة والعشرون: إذا أخذنا دلالةَ لفظةِ (كان) علَى المداومةِ أو الأكثرية، فهو دليلٌ علَى استحباب ذلك، والاعتناءُ بتفقدِ (١) هذا المحلِّ دلَّت عليه لفظةُ (كان) حينئذٍ.
الثلاثون: هذا المعنى المناسبُ الذي ذكرناه يُجعَلُ أصلاً لما هو في معناه؛ كاحتمال اجتماع الرَّمَص (٢) في الأهدابِ، ويقتضي تفقُّدَهُ، كما [يقتضي] (٣) تفقُّدَ المَأقين، ولعل سببَ اختصاص المَأقين بالذكر أنَّ عُلوقَ القذَى بالأهدابِ، إنَّما يكون لحالةٍ عارضة من ضعف
стр. 2130
العين، أو رَمَدِها غالباً، ووجوبُها في المأقينِ أكثر؛ لوجودها كثيراً عندَ الاثتباه من النومِ فيهما.
الحادية والثلاثون: وردَ في بعض الروايات: "وكانَ يَغسِلُ المَأقين"، وقد ذكرتُهُ في "الإمامِ" (١)، وهذا غيرُ الأول؛ لأنَّ المسحَ لا يُعبَّرُ عنه بالغسلِ، ويحتمل أنْ يكونَ إشارةً إلَى ما يؤدي الفرضَ، ويكون المقصودُ أنَّهُ لا يُكتفَى بالمسحِ عن الغسل الواجب، وهذا علَى إن لا تكون الروايتان في حديث واحد اختُلِفَ في لفظه، فإن كَانتا كذلك فالترجيحُ، والظاهرُ أنَّ الترجيحَ لرواية المسح؛ فإنَّها أكثرُ.
الثَّانية والثلاثون: وقد يُقَال علَى رواية الغسل: إنها تدلُّ علَى إيصالِ الماء إلَى باطن العين؛ لأنَّ عدمَ حصولهِ في باطنِهَا غالبًا، إذا غسلَ الماء في العينينِ، ولا أبلغ به تأكيدُ المضمضة والاستنشاق (٢).
ومن أصحابه مَنْ قالَ: لا يُستحبُّ، ولا يغسلُهُ؛ لأنَّه لمْ يُنقلْ ذلك عن رسول الله ﷺ قولًا ولا فعلًا، ويؤدي إلَى الضررِ (٣).
стр. 2131
قالَ بعض المصنفين: وهذا اختيارُ أكثرِ أصحابِنا. وحَكَى عن "الحاوي": أنَّهُ لا يجبُ، ولا يُسَنُّ، وهل يُستحبُّ؟
قالَ أبو حامد: يُستحبُّ للنص في "الأم"، وقال غيره: لا يستحبُّ (١)، وهذا أصح؛ لأنَّ ما لا يسنُّ لا يستحبُّ، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 2132
الحديث الحادي عشر
وروَى حَبيبُ بنُ زيدٍ، عن عبَّادِ بن تميم، عن عَمّهِ قال: رَأَيْت النَّبيَّ (١) ﷺ يتوَضَّأُ، فَجَعَلَ يَدْلِكُ ذِرَاعَيْهِ.
أخرجه أبو حاتم ابنُ حبَّان في "صحيحه" (٢)، وذكر حبيباً في كتاب "الثقات"، وقال أبو حاتم الرازي: هو صالح.
الكلامُ عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: حبيبُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ: ينسبُ من البلادِ إلَى أصبهان.
стр. 2133
قالَ البُخاريّ في "تاريخه": حبيب بن زيد الأنصاري، روَى عنه شريك، وقال شُعيب بن حرب: جدُّهُ الذي أُرِي الأَذان المدني.
قلت: هذا مُشكِلٌ؛ لأنَّا قد بيَّنا فيما مضَى أنَّ الذيَ أُرِي الأذانَ هو عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه، وأنَّ الذيَ روَى الوضوءَ عمُّ عباد بن تميم، هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وذكرنا تغليطَهم لسفيانَ بن عُيَينة في أنَّ الذيَ وَصَفَ الوضوءَ هو الذي أُرِي الأذان.
وذكر محمدُ بن إسماعيلَ الأندلسي في حبيب هذا: أنَّهُ روى (١) عن مولاةٍ لهم يُقَال لها: ليلَى، عن جدَّتِهِ أمِّ عَمارة بنت كعب الأنصارية.
روَى عنه شعبةُ بن الحجَّاج، وشريك بن عبد الله النَّخعيُّ.
وذكر ابن أبي حاتم: أنَّهُ سمع أباه يقول: هو صالح.
وقال محمدُ بن إسماعيل في حبيب هذا: هو ثقةٌ؛ قاله يحيَى، والنَّسوي، وغيرهما (٢).
* * *
стр. 2134
* الوجهُ الثَّاني: في تصحيحه:
إسنادُهُ إلَى حبيب بن زيد، وقد ذكرنا حالَهُ، وذكرنا أيضاً: أنَّ ابنَ حِبَّان أخرجه في "صحيحه"، وأنه ذكر حبيباً في كتاب "الثقات"، وبهذا صحَّ شرطُنا فيه، والله أعلم.
* * *
* الوجهُ الثالث: في المباحثِ والفوائد، وفيه مسائل:
الأولَى: ظاهرُ المذهب عندَ المالكية، أنَّ مُجرَّدَ إيصالِ الماء إلَى العضوِ لا يَكفي، ولا بُدَّ من أمرِ زائد عليه، فمنهم من يعبِّرُ عنه بالدَّلكِ، ومنهم من يعبر عنه بإمرارِ اليدِ في الغسلِ (١)، وليس أحدُ اللفظين بمرادفِ للآخر، فلا بدَّ من التسامحِ في إحدَى العبارتين.
الثانية: الاستدلالُ بمجرَّدِ تفرقةِ العَرَب بين الغَسْل والغَمْس علَى افتراقهما؛ فانَّ الأصلَ عندَ اختلاف اللفظين اختلافُ المعنيين، لا يكفي (٢)؛ لأنَّ اختلافَ المعنيين قد يكون اختلافاً من جهةِ العمومِ والخصوص، فقد يدَّعي المخالفُ أنَّ الغَسْلَ أعمُّ من الغمسِ، فيحصل الفرقُ بينهما، ولا يجوز نفيُ الأعم، وهو الغسل، عندَ ثبوت الأخص، وهو الغمس، إذ يقول: كلُّ غمسٍ غسلٌ، ولا ينعكس.
стр. 2135
نعم الذي يقوله بعضهم: من أنَّهُ يقال: غمسْتُ ثوبي وما غسلتُهُ، فيه دليلٌ لو ثبت، لكنَّه يُنازَعُ في ذلك.
وأقوَى شيءٍ استُدلَّ به في هذا ما جاء في "الصحيحِ" في حديث غسل بول الصَّبي: "فَدَعَا بمَاءٍ فَأَتبْعَهُ إيَّاهُ، ولمْ يَغْسِلْهُ" (١)، فنفَى الغسلَ مع وجود إتباع الماء، وقد استدلَّ به بعضُ المالكية.
ولقائل أنْ يقولَ عليه: أحدُ الأمرين لازمٌ عن هذا الحديث؛ إمَّا بُطلانُ الاستدلال، أو بطلان المذهب؛ لأنَّ هذا الإتباعَ بالماء؛ إمَّا أنْ يُسمَّى غسلًا، أو لا، فإن سُمِّي غَسْلاً لمْ يصحُّ الاستدلال؛ لأنَّ إثباتَ كونِهِ غَسلاً مع نفيِ كونِهِ غسلًا مُحالٌ، وإنْ لمْ يكنْ غسلًا بطلَ المذهب؛ لأنَّه حصل الاكتفاءُ به، ولا يُكتفَى عنده إلَّا بالغسلِ، ولا يرد علَى هذا إلَّا شيءٌ من الجدلياتِ، هو بمعزلٍ عن التحقيق.
الثالثة: من الظاهرِ القويِّ جداً أن هذا الدَّلكَ لأجل طهارة الوضوء، ويحتمل أنْ يكونَ لأجل غيرِهِ، لكنَّه باطلٌ، أو بعيدٌ جداً، فيدلُّ علَى طلبيةِ الدَّلك في طهارة الغسل، إذا لمْ يتبينْ أنَّ حقيقةَ الغسل تقتضي أمراً زائدًا علَى وصول الماء.
الرابعة: منطوقُهُ الدَّلكُ في الذراعينِ، وبقيةُ الأعضاء تجري مجراه؛ لعدم الافتراق في المُقتضَى، فيمكنُ أنْ يكونَ التخصيصُ
стр. 2136
بالذكر؛ لأنَّه لمْ تقعِ الرؤيةُ لغيره، ويمكن أنْ يكونَ التخصيصُ من باب التنبيهِ بذكر الشيء علَى ما سواه؛ لأنَّه أولَى منه بالحكمِ، وتكون الأولوَيَّةُ من جهة أن بروزَ الوجه والرِّجلين أولَى بالدَّلك؛ لبروزِهما غالباً، وكثرةِ ملاقاتِهِما للغبار، وما يُحتاجُ بسببه إلَى الدَّلك.
الخامسة: الذي يتحقَّقُ جزماً استواءُ بقيةِ الأعضاء مع اليدين في مُقتضي الدَّلك؛ أي: أنَّ المُقتضِي لا يقتضي التخصيصَ بالبعضِ دونَ البعض مع وجوده في الكلِّ من جهة الظاهر القوي استوائهما في حكم الدلك بالنسبَةِ إلَى الطهارةِ، والله أعلم.
* * *
стр. 2137
الحديث الثاني عشر
وروَى مسلمٌ من حديث نُعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: رأيتُ أبا هريرةَ يتوضَّأ، فغسلَ وجهَهُ، فأسبغَ الوضوءَ، ثم غسلَ يدَهُ اليُمنَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم غسلَ يدَهُ اليُسرَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم مسحَ رأسَهُ، ثم غسلَ رِجلَهُ اليُمنَى حتَّى أشرع في السَّاقِ، ثم غسل رجلَهُ اليُسرَى حتَّى أشرعَ في الساقِ، ثم [قال] (١): هَكَذَا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ، وقال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يومَ القِيامَةِ من إسباغِ الوُضُوء، فمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ (٢) غرّتهُ وَتَحْجيلَهُ" (٣).
стр. 2138
وفي رواية: فغسلَ وجهَهُ، ويديهِ حتَّى كادَ يبلُغَ المَنكبين، ثم غسل رِجليه (١)، حتَّى رفع إلَى السَّاقين (٢).
وفي رواية أبي حازم قال: كنتُ خلفَ أبي هريرة، وهو يتوضَّأ للصلاة، فكان يمد يدَه حتَّى تبلغَ إِبِطَه، الحديث (٣).
الكلامُ عليه من وجوه:
* الأول: في التعريفِ، وفيه مسائل:
الأولَى: نعيمُ بن عبد الله: كنيتُهُ أبو عبد الله، ينسبُ في الولاء إلَى عمر بن الخطاب ﵁.
قالَ البُخاريّ: نعيم بن عبد الله، أبو عبد الله، المُجْمِرُ، مولَى عمر ابن الخطاب القُرَشيِّ العدوي، سمع أبا هريرة، روَى عنه مالك بن أنس.
стр. 2139
وذكر غيرُ البُخاريّ: أن نعيماً هذا روَى عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، وأبي هريرة الدوسي، وأبي حمزة أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاري، وأنه روَى عن جماعة من التابعينِ؛ منهم محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ، وعلي بن يحيىَ ابن خَلَّاد الأنصاري، وأنه روى عنه أبو جعفر محمد بن عليّ بن حسين ابن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، وبُكَير بن عبد الله بن الأشجّ المدني، وزيد بن أبي أُنيَسة الجَزَرِي، وعُمارة بن غَزِية الأنصاري، ومحمد بن عَجلان المدني، وسعيد بن أبي هلال اللَّيثي، ومالك بن أنس الأَصْبَحِي، وغيرهم.
الثَّانية: المُجْمِر: بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثَّانية؛ قيل، ويقال: المُجَمر: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثَّانية المكسورة (١).
قلت: والأول هو الأشهرُ.
الثالثة: هذه الصفةُ معناها تجميرُ المسجدِ؛ أي: تبخيرُهُ، والتجميرُ لفظٌ مشترَك بين هذا المعنى وغيرِه، إلَّا أنَّ هذا المعنى هو المرادُ هاهنا.
الرابعة: كلامُ البُخاريّ ﵀ يدلُّ علَى أنَّ المجمرَ صفةٌ
стр. 2140
لنعيم، والبرقي يذكر: أنَّهُ كانَ أبوه يُجمِرُ المسجدَ إذا قعد عمر علَى المنبرِ، قال: فيما أنبأ ابن بكير (١).
وهذا يقتضي أنَّ المُجمِرَ في الوصفِ المذكور أبوه ظاهراً، وزعمَ بعضُ المتأخرين: أنَّ المجمرَ صفةٌ لعبد الله، ويطلقُ علَى ابنه نعيم مجازاً (٢).
قلت: لا يتعيَّنُ المجازُ حتَّى يتبيَّنَ انتفاءُ الحقيقة، وهو أنَّهُ لمْ يكنْ يجمرُ المسجدَ، وهذا يحتاجُ إلَى نقلِ مَنْ عاصره.
الخامسة: قالَ أبو عمر بن عبد البر: ونعيمٌ أحدُ ثقاتِ أهل المدينة، وأحدُ خيار التابعين بها.
قال: وكان نعيم (٣) يوقف كثيرًا من حديث أبي هريرة ممَّا يرفعه غيرُهُ من الثقات.
قلت: هذا دليل علَى تورُّعِه وتحرُّزه.
وقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأندلسيُّ؛ يعني نُعيماً: كان رجلًا صالحًا خِياراً، أخرج له الشيخان؛ البخاريُّ، ومسلم، وهو عندهم ثقة؛ قاله يحيىَ، وأبو حاتم، والنَّسوي وغيرهم (٤).