← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

بالذكر؛ لأنَّه لمْ تقعِ الرؤيةُ لغيره، ويمكن أنْ يكونَ التخصيصُ من باب التنبيهِ بذكر الشيء علَى ما سواه؛ لأنَّه أولَى منه بالحكمِ، وتكون الأولوَيَّةُ من جهة أن بروزَ الوجه والرِّجلين أولَى بالدَّلك؛ لبروزِهما غالباً، وكثرةِ ملاقاتِهِما للغبار، وما يُحتاجُ بسببه إلَى الدَّلك. الخامسة: الذي يتحقَّقُ جزماً استواءُ بقيةِ الأعضاء مع اليدين في مُقتضي الدَّلك؛ أي: أنَّ المُقتضِي لا يقتضي التخصيصَ بالبعضِ دونَ البعض مع وجوده في الكلِّ من جهة الظاهر القوي استوائهما في حكم الدلك بالنسبَةِ إلَى الطهارةِ، والله أعلم. * * *

стр. 2137

الحديث الثاني عشر وروَى مسلمٌ من حديث نُعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: رأيتُ أبا هريرةَ يتوضَّأ، فغسلَ وجهَهُ، فأسبغَ الوضوءَ، ثم غسلَ يدَهُ اليُمنَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم غسلَ يدَهُ اليُسرَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم مسحَ رأسَهُ، ثم غسلَ رِجلَهُ اليُمنَى حتَّى أشرع في السَّاقِ، ثم غسل رجلَهُ اليُسرَى حتَّى أشرعَ في الساقِ، ثم [قال] (١): هَكَذَا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ، وقال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يومَ القِيامَةِ من إسباغِ الوُضُوء، فمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ (٢) غرّتهُ وَتَحْجيلَهُ" (٣).

стр. 2138

وفي رواية: فغسلَ وجهَهُ، ويديهِ حتَّى كادَ يبلُغَ المَنكبين، ثم غسل رِجليه (١)، حتَّى رفع إلَى السَّاقين (٢). وفي رواية أبي حازم قال: كنتُ خلفَ أبي هريرة، وهو يتوضَّأ للصلاة، فكان يمد يدَه حتَّى تبلغَ إِبِطَه، الحديث (٣). الكلامُ عليه من وجوه: * الأول: في التعريفِ، وفيه مسائل: الأولَى: نعيمُ بن عبد الله: كنيتُهُ أبو عبد الله، ينسبُ في الولاء إلَى عمر بن الخطاب ﵁. قالَ البُخاريّ: نعيم بن عبد الله، أبو عبد الله، المُجْمِرُ، مولَى عمر ابن الخطاب القُرَشيِّ العدوي، سمع أبا هريرة، روَى عنه مالك بن أنس.

стр. 2139

وذكر غيرُ البُخاريّ: أن نعيماً هذا روَى عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، وأبي هريرة الدوسي، وأبي حمزة أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاري، وأنه روَى عن جماعة من التابعينِ؛ منهم محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ، وعلي بن يحيىَ ابن خَلَّاد الأنصاري، وأنه روى عنه أبو جعفر محمد بن عليّ بن حسين ابن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، وبُكَير بن عبد الله بن الأشجّ المدني، وزيد بن أبي أُنيَسة الجَزَرِي، وعُمارة بن غَزِية الأنصاري، ومحمد بن عَجلان المدني، وسعيد بن أبي هلال اللَّيثي، ومالك بن أنس الأَصْبَحِي، وغيرهم. الثَّانية: المُجْمِر: بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثَّانية؛ قيل، ويقال: المُجَمر: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثَّانية المكسورة (١). قلت: والأول هو الأشهرُ. الثالثة: هذه الصفةُ معناها تجميرُ المسجدِ؛ أي: تبخيرُهُ، والتجميرُ لفظٌ مشترَك بين هذا المعنى وغيرِه، إلَّا أنَّ هذا المعنى هو المرادُ هاهنا. الرابعة: كلامُ البُخاريّ ﵀ يدلُّ علَى أنَّ المجمرَ صفةٌ

стр. 2140

لنعيم، والبرقي يذكر: أنَّهُ كانَ أبوه يُجمِرُ المسجدَ إذا قعد عمر علَى المنبرِ، قال: فيما أنبأ ابن بكير (١). وهذا يقتضي أنَّ المُجمِرَ في الوصفِ المذكور أبوه ظاهراً، وزعمَ بعضُ المتأخرين: أنَّ المجمرَ صفةٌ لعبد الله، ويطلقُ علَى ابنه نعيم مجازاً (٢). قلت: لا يتعيَّنُ المجازُ حتَّى يتبيَّنَ انتفاءُ الحقيقة، وهو أنَّهُ لمْ يكنْ يجمرُ المسجدَ، وهذا يحتاجُ إلَى نقلِ مَنْ عاصره. الخامسة: قالَ أبو عمر بن عبد البر: ونعيمٌ أحدُ ثقاتِ أهل المدينة، وأحدُ خيار التابعين بها. قال: وكان نعيم (٣) يوقف كثيرًا من حديث أبي هريرة ممَّا يرفعه غيرُهُ من الثقات. قلت: هذا دليل علَى تورُّعِه وتحرُّزه. وقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأندلسيُّ؛ يعني نُعيماً: كان رجلًا صالحًا خِياراً، أخرج له الشيخان؛ البخاريُّ، ومسلم، وهو عندهم ثقة؛ قاله يحيىَ، وأبو حاتم، والنَّسوي وغيرهم (٤).

стр. 2141

وأمَّا أبو حازمٍ هذا - فهو بالحاء المُهمَلة، وبعد الألفِ زايٌ - قالَ أبو عليّ الجياني (١) في "تقييدِ المُهمَلِ": ومنهم حازمٌ، وأبو حازمٍ: تابعيَّان، يرويان عن الصحابة. فالأول منهما: أبو حازم الأشجعي، واسمُه سلمان مولَى عزةَ الأشجعية، كوفيٌّ، يروي عن أبي هريرة، روَى عنه منصور، وسيَّار أبو الحكم، وفضيل بن غزوان. والثاني: هو أبو حازم سَلَمَة بن دينار الأعرج، ويُقَال له: الأفْزَر، الزَّاهد، مولَى الأسود بن سفيان، يروي عن سهل بن سعد السَّاعِديّ، روَى عنه مالك، والثوري، وابن عُيَينة، وسليمان بن بلال، وأبو غسان محمد بن مطرف، واسمه عبد العزيز. ونسبه أبو نصر الكلاباذِيُّ في "كتابه" فقال: سلمة بن دينار، أبو حازم، الأعرج، التمار، الزاهد. وذكرهُ التمارِ في نسبةِ سلمةَ بن دينار وهمٌ. وأبو حازم التمار المدني: رجل ثالث، واسمه دينار مولَى أبي

стр. 2142

رهم الغفاري، يروي عن الشَّافعي، وغيره، روَى عنه محمد بن إبراهيم ابن الحارث التَّيميُّ، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وحديثُهُ في "الموطأ"، انتهَى. قالَ البُخاريّ في "التاريخ": سلمة بن دينار، أبو حازم، الأعرج، مدني، مولَى الأسود بن سفيان المخزومي، هو القاصُّ. قلت: الأفْزَرُ: بإسكان الفاء بعدها زاي ثم راء. وأبو حازم هذا: مدنيٌّ يُنسبُ ولاءً (١) إلَى بني مخزوم من قريش، وقيل: هو مولًى لبني أشجعَ من بني ليث، وأنه كان يقصُّ بعد الفجر وبعد العصر، وأن أمَّهُ كانت رومية. روَى عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي، وعن جملة من التابعين منهم أبو إدريس عائذُ الله بن عبد الله الخولاني، وأبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي، وأبو يحيىَ عبد الله بن أبي قتادة الحارث ابن رِبْعي الأنصاري السُّلمي، وأبو رَوْح يزيد بن رُوْمان القُرَشيِّ الأسدي مولاهم المدني. روَى عنه مالك بن أنس الأصبحي، وعبيد الله بن عمر بن حفص العمري، وسفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عُيَينة الهِلالي، وفُلَيح ابن سليمان الخُزاعي، وحماد بن سلمة بن دينار الربعي، وحماد بن

стр. 2143

زيدِ بن درهم الأزدي، وسلمان بن بلال القُرَشيِّ، وابنُه عبد العزيز بن أبي حازم، وغيرهم. اختُلِفَ في وقتِ وفاته، فقيل: توفي سنة ثلاثين، وقيل: أو ثلاثِ وثلاثين ومئة، وقيل: توفي في خلافة أبي جعفر المنصور بعد سنة أربعين ومئة. وقال محمد بن إسماعيل الأندلسي - بعد ذكر من ذكرناه ممن روَى عنه، وروَى هو عنه -: وهو من الفضلاءِ الزهاد الأخيار، أخرج له البُخاريّ ومسلم، [و] (١) هو ثقة؛ قاله (٢) أبو حاتم، وأحمد، والنَّسوي، وغيرهم. وذكره أبو عمر النمري فقال: وكان أبو حازم هذا أحدَ الفضلاءِ الحكماءِ العلماءِ الثقاتِ الأثباتِ من التابعينِ، وله حِكَم وزهديَّاتٌ ومواعظُ ورقائقُ ومقطعات. وروي عنه أنَّهُ قال: كل نعمةِ لا تقرَّبُ من اللهِ بليَّةٌ (٣). وقال أيضاً: نعمةُ الله عليَّ فيما زَوَى عني من الدُّنيا أعظمُ ممَّا أعطاني منها؛ لأني رأيت أقواماً أعطُوا من الدُّنيا فهلكوا (٤).

стр. 2144

وقال: انظرْ كلَّ عملٍ كرهْتَ الموتَ من أجله فاتركْهُ، ثم لا يضرك متَى متَّ (١). * * * * الوجهُ الثَّاني: في إيراد الروايتين المختصرتين علَى الوجه: أما الروايةُ الأولَى من حديث نعيم بن عبد الله، فهي عندَ مسلم من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله: أنَّهُ رأَى أبا هريرة يتوضَّأَ، فغسل وجهَهُ ويديه حتَّى [كاد] (٢) يبلغُ المنكبين، ثم غسل

стр. 2145

رجليه حتَّى رفع إلَى الساقينِ، ثم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أمَّتي يأتونَ (١) يومَ القيامةِ غُراً مُحجَّلينَ من أثر الوضوء، فمن استطاعَ منكم أنْ يطيلَ غُرَّتَهُ، فليفعلْ". وأمَّا روايةُ أبي حازم، فهي عندَ مسلمٍ من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال: كنتَ خلفَ أبي هريرة، وهو يتوضَّأ للصلاة، فكان يمدُّ يدَه حتَّى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ قال: يا بني فرُّوخَ! أنتم هاهنا؟ لو علمت أنَّكم هاهنا ما توضَّأتُ هذا الوضوءَ، سمعتُ خليلي ﷺ يقول: "تَبْلُغُ الحِليةُ من المُؤمِنِ حيثُ يبلُغُ الوُضُوءُ". رواه مسلم عن قُتيبة بن سعيد، عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك (٢). * * * * الوجهُ الرابع: في تصحيحه: الطرق الثلاث عندَ مسلم؛ أعني: طريقَ عُمارة، وسعيد، وأبي حازم، وقد أخرج البُخاريّ معه طريقَ سعيد بن أبي هلال، وأخرج

стр. 2146

النَّسائيّ معه حديثَ قُتيبة بن سعيد، عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك، وحديثُهُ يروَى مطوَّلاً ومختصراً، وأخرجه مسلم بالوجهينِ، وهو عندَ ابن ماجه من طريق أبي مالك أيضاً، وانفردَ مسلم بطريق عمارة، والله أعلم. * * * * الوجهُ الخامس: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولَى: قالَ القُرطبي أبو العباس: قوله: (ثم غسلَ يدَهُ اليُمنَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ) رباعي؛ أي: مدَّ يده بالغسلِ إلَى العضد، وكذلك (حتَّى أشرع في السَّاقِ)؛ أي: مد يده إليه، من قولهم: أشرعْتُ الرمح قِبَلَه؛ أي: مددتُهُ إليه، وشددته (١) نحوه، وأشرع باباً إلَى الطريقِ؛ أي: فتحه، وليس هذا من: (شرعْت في هذا الأمر)، ولا من: (شرعْتُ الدواب في الماء) شيء؛ لأنَّ هذا ثلاثي، وذلك رباعي (٢). الثَّانية: فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخرُهُ خاء معجمة - يقال: إنَّ فروخ من ولد إبراهيم الخليل بعد إسماعيل وإسحاق،

стр. 2147

صلَّى الله عليهم وعلَى المصطفَين من ذريتهم، كَثُرَ نسلُهُ بالعجم (١). الثالثة: الغُرة - بالضمِّ -: بياض في جبهة الفرس فوق الدِّرْهَم، يقال: فرس أغر، والأغر: الأبيض، وقوم غُرَّان، قالَ امرؤٌ القيس [من الطَّويل]: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيةٌ ... وَأَوْجُهُهُمْ عَنْدَ المَسَافِر غُرَّانُ (٢) قالَ الجَوهَرِيُ: وأمَّا الغِرَّة - بكسر الغين - فتطلق بمعنى: الغفلة، وأمَّا الغَرة - بالفتح - فقياسه أنْ يكونَ الفَعْلة من الغَرورِ؛ غره يغره غَرة، ويجوز أن تكون الغفلة من قولهم: غره يغره غَراً بالمعنى الذي رُوِي عن معاوية في مدح علي ﵄: كان رسول الله ﷺ يغره العلم غراً (٣)، فهو من المثلثِ علَى هذا (٤). الرابعة: الغُرةُ حقيقةٌ فيما ذكرناه من البياضِ في جبهة الفرس، ويستعملُ مجازاً في اليومِ، فيُقَال: يومٌ أغر محجل، قالَ ذو الرُّمة [من الطَّويل]:

стр. 2148

كَيَومِ ابْنِ هِنْد والجفَارِ وقَرْقَرى ... ويومٍ بذي قَارٍ أغَرَّ مُحَجَّلِ (١) وكأن العلاقةَ لهذا المجاز هو الشُّهرة والظهور؛ فإنَّ الفرسَ الأغر المُحَجَّل يُشتَهَرُ بشيته هذه، قال [من الطَّويل]: وأيامُنَا مشهورة في عَدُوِّنَا ... لها غررٌ مَعلومة وحُجُولُ (٢) ومن المجاز: يومٌ أغرُّ شديدُ الحرِّ، وهاجرةٌ غرَّاءُ، قال [من الطَّويل]: وهَاجِرَةٍ غَرَّاءَ سامَيتُ حَرَّهَا ... إليكِ وجَفْنُ العَينِ في المَاءِ سَابحُ (٣) وعلاقة الشهرة هنا ليست هنا (٤) بالشديدةِ الظهور. ومن المجازِ: غُرَّةُ المالِ: الخيلُ والعبيدُ؛ أي: خياره، وهذا يمكنُ أن تكونَ العلاقةُ فيه بمعنى: الخيريَّة والتفضيل؛ لأنَّ غرةَ الفرس متصلةٌ في الأنفسِ بهيئته في الأعينِ.

стр. 2149

وغرةُ القومِ فلان؛ أي: سيِّدُهم، وهم غُرَرُ قومهم، فيرجع إلَى معنى الخيرية، وقد حملَ قومٌ من الفقهاء قوله ﷺ : "غُرَّةُ عبدٍ أو أمةٍ" (١) علَى معنى الخيرية، حتَّى أخرجوا بعضَ الأسنان عن الإجزاء في هذا الحكم، فقال بعضهم: سنُّهُ فوق سبع سنين، ودون خمسة عشر إنْ كَان غلاماً، ودون العشرين إنْ كَان أنثَى. واستدلَّ للتقدير بأنَّ الغرةَ الخيارُ، ومن (٢) لمْ يبلغْ سبع سنين ليس من الخيارِ؛ لحاجتِهِ إلَى من يتعهَّدُهُ، وعدمِ الاستقلال، وهذا حملٌ للغرة علَى الخيارِ، وهو مجاز، والغرّة تنطلق علَى الذاتِ، وهو، وإنْ كَان مجازًا، لكن لعلَّهُ أقرب. ومن هذه المادة ألفاظٌ في ردِّها إلَى حقيقة الغرة، بالنِّسبَةِ إلَى المعنى المذكور؛ أعني: بياض جبهة الفرس، فيها تكلُّف، فأعرضتُ عنه (٣). الخامسة: التحجيلُ: بياضٌ في اليدينِ والرجلين من الفرسِ، وأصلُهُ من الحجلِ، وهو الخلخال والقيد، ولا بدَّ وأنْ يجاوزَ التحجيلُ الأرساغَ، ولا يجاوزُ الرُّكبتين والعُرقوبين (٤). السادسة: كون المؤمنين يأتون غُراً محجَّلين يومَ القيامة، يحتملُ

стр. 2150

أنْ يُحملَ علَى حقيقته، وهو قيام البياض بأعضاء الوضوءِ كقيامِ البياضِ بجبهة (١) الفرس، ويحتمل أنْ يكونَ مجازًا؛ تشبيهاً للنور الذي يعلو أعضاءَ الوضوء بالغرةِ (٢)، ولعل المجازَ هنا أقربُ لوجوه: أحدها: أنَّ المقصودَ الترغيبُ، وقد دلَّ الكتابُ العزيز بسعي النور بين الأيدي والأيمان، فهو كالشاهدِ لرُجحان المعنى؛ لحصول اليقين به، وكونِ المعنى الآخر ليس له موجبٌ، إلَّا مُجرَّدَ الجريِ علَى الوضع. الوجهُ الثَّاني: أن المقصودَ الترغيبُ؛ كما ذكرنا، وفي الحملِ علَى الحقيقة معارضةُ النفرةِ العادية في مخالفتها، بخلاف النور؛ فإنَّه لا معارضَ للترغيب بسببه من حيثُ العُرفُ ولا العادةُ. الوجهُ الثالث: أنَّهُ قد صحَّ: "من آثار الوضوء"، فإذا حملناه علَى النّورِ - والنورُ من آثار الوضوء - كان ذلك حقيقةً في الأثرِ، بخلاف ما إذا جُعِلَ الغرةُ والتحجيل في قيام البياض بالأعضاءِ؛ فإنَّه نفسَهُ غرةٌ وتحجيل. وذكر بعض الشارحين قال: قالَ العلماء: سمِّيَ النورُ الذي يكون علَى مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً؛ شبهاً (٣) بغرة الفرس، والله أعلم (٤).

стр. 2151

وَحَمَلَه غيره أيضاً علَى هذا لمَّا ذكرَ معنى التحجيل فقال: وهو في هذا الحديث مُستعارٌ، عبارة عن النورِ الذي يعلو أعضاءَ الوضوء يوم القيامة؛ أو كما قال (١). السابعة: التحجيلُ: البياضُ في قوائم الفرس كلِّها أو بعضِها. وقد غلَّب الفقهاءُ اسم الغُرةِ علَى ما في الوجهِ واليدين والرجلين، فيقولون: تطويلُ الغرةِ مستحبٌّ، ويريدون به البياضَ في الجميع. * * * * الوجهُ السادس: فيما يتعلق بشيء من الألفاظِ غير ما تقدم، وفيه مسائل: الأولَى: قوله ﷺ : "الغُرُّ المُحَجَّلُون" ظاهرٌ في اختصاصِهم بذلك دونَ سائر الأمم بالقاعدةِ البيانية، وقد وردَ مصرَّحاً به من رواية سعدِ بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ حوضي أبعدُ من أيلةَ مِنْ عَدَن، لهو أشدُّ بياضاً من الثلجِ، وأحلَى من العسلِ باللبنِ، ولآنِيَتُهُ أكثرُ من عددِ النُّجومِ، وإنِّي لأصدُّ النَّاسَ عنه؛ كما يصدُّ الرجلُ إبلَ النَّاسِ عن حوضِهِ". قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذٍ؟ قال: "نعم، لكم سِيْمَا ليسَتْ لأحَدٍ من الأممِ، تَرِدُونَ عليَّ غُراً

стр. 2152

مُحَجَّلِينَ من أثرِ الوُضُوء". أخرجه مسلم (١). وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا؟ قالَ: "نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ غيرِكم، تَرِدُون عليَّ غُراً محجَّلين من آثارِ الوُضوءِ" (٢). وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! وتعرفنا؟ قال: "نعم، تَرِدُون عليَّ غُراً محجَّلين من آثارِ الوُضوءِ؛ ليسَتْ لأحدِ غيرِكم (٣) " (٤). وفي حديث آخر: قالوا: فكيف تعرف من يأتيْ بعدَك من أمتك يا رسول الله؟ فقال: "أرَأيتَ [لو] (٥) أنَّ رجلاً لَهُ خيلٌ غُرٌّ محجَّلةٌ (٦)، بين ظَهْري خيلِ [دُهْمِ] بُهْمِ، ألا يَعرِفُ خيلَهُ؟ " قالوا: بلَى، يا رسول الله! قال: "فإنَّهُم يَأتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من الوُضوءِ" (٧).

стр. 2153

وهذه رواياتٌ متكثرةٌ متظاهرة علَى الاختصاصِ بالأمَّةِ. والسِّيْمَا: العلامةُ، تُقصَرُ، وتمدُّ، وتزاد فيها ياءٌ بعد الميم مع المد (١). وقيل (٢): استُدِلَّ بالحديثِ علَى أنَّ الوضوءَ من خصائصِ هذه الأمة، وقيل غيره، وأنَّ الوضوءَ ليس مُختصاً، وإنَّما الذي اختصَّت به هذه الأمَّة الغرةُ والتحجيلُ، واحتُجَّ علَى هذا بالحديثِ المشتهر: "هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأنْبيَاءِ قَبْلِي" (٣). وأجيبَ عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ معروفُ الضَّعف. والثاني: أنَّهُ يحتملُ أنْ تكونَ الأنبياءُ اختصَّت بالوضوءِ دونَ أممهم، إلَّا هذه الأمَّة (٤). الثَّانية: هذا الذي ادَّعَى أنَّ الوضوءَ مختصٌّ بهذه الأمة، إنْ كَان سببُهُ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ من اختصاص الأمة بالغرةِ والتحجيل فليس بجيد؛ لأنَّه يكون استدلالاً بانتِفاءِ الأثر علَى انتِفَاء المؤثِّر (٥)، وإنَّما يصحُّ إذا تعيَّنَ المؤثر، وليس متعيناً؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد يخصُّ

стр. 2154

هذه الأمة بهذا الأثر عن الوضوءِ، ويكون المؤثرُ عاماً. الثالثة: قد تقدم لنا كلامٌ في الاستطاعةِ في حديث عبد الله بن زيد حيثُ قيل له: هل تستطيعُ أنْ تُريَني؟ وأنَّ ذلك يقتضي قيامَ مانع، أو تعذر، فنقول هاهنا في هذا الحديث: إنَّ استطاعةَ تطويلِ الغُرةِ والتحجيلِ ثابتةٌ للعموم، ومثلُ هذا اللفظ يُستعملُ للحثِّ علَى الفعلِ والترغيب فيه؛ لتعرُّضِهِ للقوات، وليس في استطاعة تطويل الغُرة هذا المعنى. وُيجاب عنه: بأنَّ الأحوالَ تختلفُ في تيسُّرِ هذا الأمر وتعسُّرِه، فيكون المعنى - والله أعلم -: منِ استطاعَ أن لا يتركَهُ بحالِ تيسُّرٍ أو تعسُّرٍ فليفعلْ، فينحُو ذلك إلَى معنى الحثِّ علَى إسباغ الوضوء علَى المكارِه، فقد يتعسرُ التطويلُ؛ لشدة البرد أو لقلة الماء، فيندبُ إليه مع كل حال. ويمكن أنْ يُقَال جوابٌ آخرُ، وهو: أن تكون الفائدةُ في هذا الكلام إثباتَ العموم للحكم بالنِّسبَةِ إلَى المخاطبينِ؛ أي: ليفعل ذلك كلُّ مستطيعٍ، ولا يخرج منه بعض المستطيعين. الرابعة: في اللفظِ نسبةُ الفعل إلَى مباشرِ السَّببِ؛ كما في قوله تعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] علَى أحد التأويلين. الخامسة: تطويلُ الغُرة وصفٌ فيها، فيكون قائماً بها، فما لمْ يكنْ كذلك فهو مجاز. السادسة: تطويلُ التحجيل حقيقة، أو أقرب إلَى الحقيقةِ من تطويل

стр. 2155

الغرة؛ لأنَّ التحجيلَ في اليدينِ والرجلين، وقد قدمنا أنَّهُ لا بدَّ أنْ يجاوزَ التحجيلُ الأرساغَ، ولا يجاوزُ الرُّكبتين والعُرقوبين، فالاسمُ منطلِقٌ علَى الجميعِ بخلاف تطويل الغرة؛ فإنَّه لا ينطلقُ علَى الجميعِ عندَ الخروج عن حدِّ الوجه إلَّا مجازًا أبعدَ من الأولِّ، إنْ كَان (١) مجازًا، وليس ذلك من باب إطلاقِ الجُزء علَى الكلِّ حينئذ؛ أي: علَى تقدير انطلاق الغرة علَى بياضِ الوجه، وبياضِ بعض الرأس. * * * * الوجهُ السابع: في شيء من العربيةِ، وفيه مسائل: الأولَى: قولُهُ في الحديث: "مِنْ إسباغِ الوُضوءِ، أو مِنْ أَثَرِ الوُضُوء" يحتملُ أنْ تكونَ (٢) للسببية علَى مذهب مَن يرى ذلك، أو يحتملُ أنْ تكونَ لابتداء الغاية، فإن كَانت حقيقة في ابتداء غايةِ المكان فقط، كان استعمالُها هاهنا مجازًا، فيتعارضُ مع استعمالها في مجاز السببيّة، فيحتاج إلَى الترجيحِ، وإنْ كَانت حقيقة فيما هو أعمُّ من هذا، وهو غيرُ الزمان؛ كما دل عليه صيغة بعضهم: أنها لابتداءِ الغايةِ في غير الزمان؛ فإن أراد به العمومَ فيما هو غيرُ الزمان، فلا مجازَ ولا تعارضَ. الثَّانية: ما تقتضيه (ثم) من التراخي والترتيب موجودٌ في هذا الحديث؛ كما هو موجود في الحديثِ الذي قدمنا فيه الكلام علَى

стр. 2156

ذلك، وقد مرَّ مُستقصى، فليُطلَبْ من موضعِهِ. الثالثة: [ كاد] (١) فيها ثلاثة مذاهب: أشهرها: أنَّ نفيَها إثباتٌ، وإثباتها نفي، فـ (كاد زيدٌ يقوم) يقتضي أنَّهُ ما قام، و (ما كاد يقوم) يقتضي أنَّهُ قام، قالَ الله تعالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقد نُظِمَ هذا المعنى فقيل [من الطَّويل]: أنحويَّ هذا العَصْرِ ما هيَ لفظةٌ ... أتَتْ في لسانيَ جُرهُمِ وثَمودِ ذا نُفِيَتْ واللهُ أعلمُ أثبَتَتْ ... وَإِنْ أُثبِتَت قَامَت مَقامَ جُحودِ (٢) وثانيها: أنها كسائرِ الأفعالِ؛ إثباتُها إثباتٌ، ونفيُها [نفيٌ] (٣). وثالثها: أنها مع الماضي مخالفةٌ للأفعال، وفي المُستَقبَل موافقةٌ؛ أي: تدلُّ علَى النفي مع الماضي في جانب الإثبات: (كاد زيد يقوم)، أو في المُستَقبَل تدلُّ علَى الإثباتِ ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. فأمَّا المذهبُ الأول فإن أُريدَ به أن مدلولَها النفيُ، [فليس بصحيح؛ لأنَّ مدلولَها المقاربةُ، وَإِنْ أُريدَ به أنَّ لازمَ مدلولها النفيُ] (٤)، فصحيحٌ في جانب الإثبات؛ لأنَّ هذا المدلولَ؛ أعني: المقاريةَ، يلزمُهُ عدمُ الفعل

стр. 2157

وضعاً، ولا يلزمُ ذلك في جانب النفي؛ لأنَّ مدلولَها؛ الذي هو المقاربة، إذا انتفَى، فانتفاؤُهُ أعمُّ من انتفائِهِ مع وجود الفعل ومن انتفائه مع عدمه؛ فإن المستحيلَ لا يقعُ ولا يقاربُ الوقوعَ، والممكنُ قد يقعُ مع عدمِ المُقاربة؛ كالأشياء الممتنعةِ عادةً مع إمكانها عقلاً. وأعلم أنَّهُ لا بُدَّ أن لا يرادَ بالمقاربةِ في قولنا: (كاد زيد يفعل)، و (ما كاد زيدٌ يفعل) المقاربةُ الزمانية، وقال تعالَى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] فيحتملُ مارآها وما قارَبَها، وهذا هو الذي يقتضي تعدادُ الظلمات، ويحتمل أنْ يكونَ رآها علَى عُسْرٍ وبعدٍ * * * * الوجهُ الثامن: في الفوائدِ والمباحث، وفيه مسائل: الأولَى: صرَّحَ الشافعيةُ باستحباب تطويلِ الغُرة في الوضوءِ (١)، ولم يذكرْهُ المالكيةُ، [و] (٢) الذين يتكلَّمُون علَى الحديثِ منهم يقتضي كلامُهُم المخالفةَ للشَّافعيةِ فيما يستحبُّونه، أو في بعضه، قالَ أبو العباس القُرطبي: وكان أبو هريرة يَبلغُ بالوضوءِ إبْطَيه وساقيه، وهذا الفعلُ مذهبٌ له، وانفردَ به، ولم يحكِهِ عن النَّبيُّ ﷺ فعلًا، وإنَّما استنبطَهُ من قوله ﷺ : "أنتمْ الغُرُّ المُحجَّلُونَ"، ومن قوله: "تَبْلُغُ الحِليةُ

стр. 2158

من المؤمنِ حيثُ يبلغُ الوُضُوءُ". وقال أبو الفضل عِياضٌ ﵀ (١): والناسُ مجتمعون علَى خلافِ هذا، وأن لا يتعدَّى بالوضوءِ حدودَهُ؛ لقوله ﷺ : "فمَنْ زادَ فقدْ تَعَدَّى وظَلَمَ" (٢)، والإشراعُ المرويُّ عن النَّبيُّ ﷺ من حديث أبي هريرة هو محمولٌ علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، وعبَّرَ عن ذلك بالإشراعِ في العَضُدِ والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويلُ الغرة والتحجيل بالمواظبةِ علَى الوضوءِ، لكل صلاةٍ، وإدامتِهِ، فتطولُ غرتُهُ بتقويةِ نور وجهه، وتحجيلُهُ بتضاعُفِ نورِ أعضائه، انتهَى (٣). الثَّانية: ذكر بعضُ الشارحين من الشافعيةِ في باب استحباب إطالةِ الغُرة والتحجيل: أنَّ هذه الأحاديث مصرِّحَةٌ باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، قال: وأمَّا دعوَى الإمام أبي الحسن ابن بطَّال المالكي والقاضي عِياضٍ اتفاقَ العلماء علَى أنَّهُ لا تستحبُّ الزيادةُ فوق المرفق والكعب، فباطلةٌ، فكيف تصحُّ دعواهما، وقد ثبتَ فعلُ ذلك عن رسول الله ﷺ وأبي هريرة ﵁، وهو مذهبُنا لا خلافَ عندنا فيه؛ كما ذكرناه؟ ولو خالفَ فيه مَنْ خالفَ كان محجُوجاً بهذه السننِ الصحيحة الصريحة، وأمَّا احتجاجُهُما بقوله ﷺ : "مَنْ زادَ علَى هذا،

стр. 2159

أو نَقَصَ، فقد أساءَ وظلمَ" (١) لا يصحُّ؛ لأنَّ (٢) المراد: مَن زادَ في عدد المرات (٣). قلت: وأمّا أصلُ الزيادةِ علَى المرفقينِ والكعبين فثبتَ بالحديثِ عن النَّبيُّ ﷺ لظاهرِ قولِ أبي هريرة وقد فعل ذلك: "هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأ". وأمَّا ما زادَ علَى ذلك ممَّا وقع إلَى المنكبينِ، أو ما يقاربهما، فلم يثبتْ بهذا عن النَّبيُّ ﷺ . وتأويلُ القاضي عِياض الإشراعَ المرويَ عن النَّبيُّ ﷺ بأنَّهُ محمولٌ علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، فعَبَّرَ عن ذلك بالاشراعِ في العضدِ والساق؛ لأنها مباديهما؛ فإن أرادَ بذلك نفيَ أصلِ الشروع في العَضُدِ والساق، وعدم الزيادة علَى المرفقِ والكعبين، فبعيدٌ مخالفٌ لحقيقةِ اللفظ وظاهرِه، إنْ كان المراد بـ (أشرع) معنى الشروع؛ إما بواسطة، أو بغيرِ واسطة، وإن أرادَ ما زادَ علَى ابتداءِ الشروع؛ كفعل أبي هريرة ﵁، فلا يثبتُ عن النَّبيُّ ﷺ فعلاً. واستحبابُ أصلِ الشروع في العضدِ والساق دونَ ما رُوي من التطويلِ الكثير، هو ظاهرُ الحديثِ بعدَ النظر في الإشراعِ ومدلولهِ؛ كما تقدم.

стр. 2160

الثالثة: التأويل الذي ذكره القاضي في تطويل الغرة، يحمله علَى المواظبةِ علَى الوضوءِ، لكلِّ صلاة وإدامته، قال: فتطويل غرته بتقوية نور وجهه، محتملٌ قريب بعد حمل الغرة علَى النورِ، كما أشارَ إليه لفظُه، بعيدٌ علَى تقدير أنْ يحمل الغرة والتحجيل علَى الحقيقةِ، لبعد هذا المعنى عن لفظ الإطالة. الرابعة: ذكر أبو القاسم الرافعي الشَّافعي: ﷺ أنَّ الأصحابَ اختلفوا، ففرَّق بعضهم بين تطويل الغرة وتطويل التحجيل، قالوا: تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه، وكذلك غسل صفحة العنق. والتحجيل غسلُ بعض العضد عندَ غسل اليد، وغسل بعض الساق عندَ غشل الرجل، وغايةُ ذلك استيعابُ العضد والساق، وفسَّرَ كثيرون تطويلَ الغرة بغسل شيء من العضدِ والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالي الوجه، والأوَّل أولَى وأوفق لظاهر الخبر (١). وقال غيره من الشَّافعية: أما تطويل الغرة فقال أصحابنا: هو غسلُ شيءٍ من مقدم الرأس، وما يجاوز [الوجه] زائدٍ علَى الجزءِ الذي غَسَلَه لاستيقان كمال الوجه، قال: وأمَّا تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق (٢) المرفقين والكعبين، قال: وهذا مستحبٌّ بلا خلاف بين أصحابنا (٣).

стр. 2161

الخامسة: ذكر هذا الغيرُ الشَّافعيُّ أنهم اختلفوا في قدر المستحب علَى أوجه: أحدها: أنَّه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين مِن غيرِ توقيت. والثاني: مستحبٌّ إلَى نفس العضد والساق. والثالث: يستحبُّ إلَى المنكبِ والركبتين، قال: وأحاديث الباب تقتضي هذا كله (١). قلت: لعله يريد القولَ الأخير، وإلا فلا يدلُّ علَى قول النصف، ودلالتها علَى القولِ الأول فيه نظر؛ لأنَّ قولنا: مِن غيرِ توقيت، يمكن أنْ يُرادَ مِن غيرِ تحديد بجزء معين؛ كالنصفِ والثُّلُث مثلًا، بل يعُم؛ [لاستحباب] (٢) الجملة، ويحتمل أنْ يُرادَ به أنَّ المستحبَ المُسمَّى إنْ أخذ علَى إطلاقه في كلِّ صورة. السادسة: ما قدمناه من أنَّ الطولَ صفةٌ للغرة، تكون صفةً قائمةً بها تقتضي أنَّ ما لا ينطلق عليه غرة (٣) لا يستحبُّ فيه التطويل؛ لأنَّه لا يُسمَّى غرة (٤) حينئذٍ إلَّا علَى وجه مجازي، ويلزم منه أنْ يخرج

стр. 2162

الرأس عن ذلك، فيما أنْ يلتزم أحدَ الأمرين، وهو المجاز في تسميته غرةً أو تطويلاً، ويدل بدليل عليه، وإما أنْ يخرج الوجه عن هذا الاستحباب، ويُخَصُّ ذلك باليدينِ والرجلين، وقد تقدمت الحكاية عن بعض الشَّافعية: أنهم فسروا تطويل الغرة بغسل شيء من العضدِ والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالي الوجه، ولعل ذلك أنهم لمْ يروه في الوجهِ مستحباً؛ لما ذكرناه أو لغيره. السابعة: من أخذَ بظاهرِ الإطلاقِ أو العمومٍ، فتحديدُهُ تطويلُ الغرة في الوجهِ بمقدمات الرأس دونَ ما زاد على ذلك تقييدٌ، أو تخصيصٌ، يحتاج إلَى دليلٍ خاصٍّ، إذا اعتبرت الدلالة مِن غيرِ تقييد، وإلا فيلزم أنْ يستحبّ تطويل الغرة إلَى آخر الرأس، فيكون من مُستحبَّات الوضوء غسل الرأس، وهذا لا يقوله أحدٌ. الثامنة: وهذا قد يستدِل به من لا يرَى التطويل في غسل الوجه؛ لأنَّه إذا حمل علَى الإطلاقِ أو العموم بحيث لا يقدر ولا يُحد، لزم منه هذا الغسل الذي أشرنا إليه بالنِّسبَةِ إلَى جميع الرأس، واللازمُ منتفٍ. التاسعة: وقد يستدِلُّ به المالكيُّ الذي لا يرَى التطويلَ لخروج الغرة عن حدِّ الوجه حينئذٍ، وفي كلام بعض المتكلمين علَى الحديثِ ما يشير إلَى ذلك، فإنَّه لما أشارَ إلَى تأويل التطويل أشارَ إلَى هذا المعنى؛ أي: عدم ذلك في الوجهِ (١)، فإن أراد أنَّهُ يخصُّ النفي

стр. 2163

بالوجهِ، فهو الذي تقدم، لكنَّهُ لا يدلُّ علَى مقصوده، فإنَّ هذا المعنى (١) لا يتأتَّى في التحجيلِ، لأنَّه يمكن فيه التطويل مع بقاء مُسمَّى التحجيلِ؛ إما حقيقة، أو أقرب إلَى الحقيقةِ؛ كما تقدم، وانتفاء الحكم لمانع في محلٍّ، لا يلزم انتفاؤه في غيره مِن غيرِ مانع. العاشرة: الصوابُ أنْ يَخرجَ عن الإطلاقِ أو العموم المستدلّ بهما علَى تطويل الغرة، ما يخرج إلَى حدِّ البدعة والتنطُّع والخروج عن عمل السلفِ والخلفِ، حتَّى يخرج عنه ما قدمناه في مسح الرأس، وكذلك ما زاد علَى الركبتينِ، حتَّى يبلغ به إلَى أصول الفخذين. فإن قلت: ذلك يخرج بخروجه عن مُسمَّى التحجيل. قلت: وكذلك يخرجُ الجُزءُ من الرأسِ عن مُسمَّى الغُرةِ التي هي في الوجهِ دونَ الرأس. الحادية عشرة: فيه أنَّ العالمَ إذا رأَى أمراً مخالفًا للمشهور أو المعروف، وكان أمرُه ممَّا يوجب شناعةً أو تشنيعاً أو مفسدةً أنْ يكتمَ ذلك ولا يظهره؛ لقول أبي هريرة ﵁: "يا بني فرُّوخَ! لو علمتُ أنَكم ها هُنا ما توضَّأتُ هذا الوضوءَ". ولا يخلو مثلُ هذا من إشكال. الثَّانية عشرة: فيه أنَّ المقتدَى به من مفتي أو حاكم أو غيرهما إذا فعل فعلًا يُشكِلُ وجهُه علَى رائيه أو سامعه يذكرُ وجهَ الحكم؛ ليزيلَ

стр. 2164

الإشكال، وقد نصوا علَى ذلك في الحاكمِ إذا حكم بما لا يظهر وجهُه للمحكوم عليه أنْ يذكر مُستندَه، وهذا من باب نفي التهمة الذي هو أمرٌ مطلوب مطلقاً، لا سيما ممن يُقتدَى به؛ فإنَّه إذا بقي الفعل علَى ظاهره من الامتناعِ أسقط مصلحة المقتدَى به ظاهراً، أو فوّت فائدة حكمِه وعلمِه علَى النَّاسِ، وقد ينتهي بعضُ هذا إلَى الوجوب. الثالثة عشرة: في قولِ أبي هريرة هذا القول ما يشعرُ أنَّ هذا ليس أمراً معمولًا به عندَ الجمهور من النَّاسِ في ذلك الزمان، وقد أخذوا من مثل هذا عدمَ استحباب الفعل، أو كراهته؛ كما فعله المالكية في الصلاةِ علَى الميِّتِ في المسجد؛ استدلالاً بما جاء في الحديثِ من إنكار النَّاس ذلك (١)، وهو أضعفُ من هذا الذي نحن فيه؛ لأنَّ النَّاسَ المنكرين ثمّ، لمْ يتعينوا لأنْ يكونَ قولهم أو فعلهم حجةً، وحمل النَّاس علَى جميعهم ليس بالقوي، وظاهرُ اختفاءِ أبي هريرة بهذا الفعل مع عدم نقلِهِ عن غيره يقتضي أنَّهُ قصدَ الإخفاءَ مُطلقاً، إلَّا أنْ يُقَال: المراد إخفاؤُهُ عن بني فروخ المعجم؛ لقُربِ جهلهم ببعضِ الأحكام،

стр. 2165

فيحتملُ ذلك، وفيه مع ذلك بعدٌ؛ لعدم شُهرة هذا الفعل عن أحدٍ غيرِ أبي هريرة. الرابعة عشرة: قد ذكرنا فيما تقدَّم عن بعضهم: أنَّهُ أدخل هذا النوع تحت لفظ الإسباغ، وهذا اللفظ - أعني: من إسباغ الوضوء - ممَّا يقتضي تَرَتُّبَ هذه الفضيلة علَى الإسباغ. الخامسة عشرة: قوله في الروايةِ الأخرَى: "فغسل وجهه ويديه حتَّى كاد يبلغُ المنكبين" يقتضي عدم بلوغِ المنكبين، وهو خلاف الرواية الأخرى التي تقتضي بلوغَه لهما، وليسا عن راوٍ واحد، فيحكم (١) بالتعارضِ، وإذا كانا عن اثنين، فيحكم علَى فعلين مختلفين، وإن جازَ أنْ يكونَ فعلًا واحدًا، خفي بعضُه عن أحد الرائيين الراوَيين، وإذا كانا فعلين في وقتيين هو دليل علَى تقريب حصول المقصود من التطويلِ، وتسهيلِ الأمر فيه؛ لأنَّ الاستطاعةَ موجودةٌ في حال قصور التطويل عن المنكبِ ظاهرًا. السادسة عشرة: في رواية نُعيم ذِكْرُ غسلِ الرجلين، وفيه دليلٌ علَى ثبوت حكم الغسل فيهما؛ كما تقدم في غير هذا الحديث، وكما سيأتي بعدُ مستقصًى إن شاء الله تعالَى، وفائدة ذكره ها هنا تكثيرُ (٢) الأدلة علَى هذا الحكم الذي يخالف فيه الروافض، وكثرة الأدلة مقتضية للترجيح، فالتنبيهُ علَى ذلك مفيدٌ.

стр. 2166

السابعة عشرة: قوله: "حتَّى رفع إلَى الساقين" دليلٌ ظاهرٌ علَى أنَّهُ غسل بعضهما بتبادر الفهم إليه، فهو أظهر في الدلالةِ علَى هذا المقصود من قوله في تلك الرواية: "أشرع في العضد" و "أشرع في الساق" علَى مُقتضَى الوجه الذي ذكره القرطبي من أنَّهُ من باب أشرعتُ الرُّمح (١)، لإمكان أنْ يشغِّبَ مشغبٌ، ويمنعَ الدلالة من (أشرع) علَى غسل بعض الساق والعضد. فإن قلت: فالتشغيب وارد عليكم (٢) أيضًا؛ لأنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ المرادَ بالرفعِ رفعُ الغسل، ويجعله مغيًّى بالساقِ منتهياً إليه، فلا يدلّ علَى وقوع الغسل في العضد. قلت: الحديثُ مستوفٍ لذكر الفعل الغريب من أبي هريرة، المخالف لأفعال الجمهور، وكذلك استدلال أبي هريرة علَى ما فعله، إنَّما هو علَى ما أغرب به من الفعلِ، ولو كان المراد ما ذكرتم من أنَّهُ رفع الغسل إلَى أن انتهَى إلَى العضدِ أو الساق؛ لانتفَى المقصود من الإخبارِ بالغرابةِ والاستدلال عليها بما دلّ علَى استحباب الفعل الغريب؛ فإنَّه قد تبيّن وجوب الانتهاء، واستمر فعلُ المسلمين عليه. الثامنة عشرة: يمكن من وجه آخر أنْ يجعل "أشرع" دالاً على غسل بعض العضد أو بعض الساق؛ لأنَّ "أشرع" قد علقت (في) به،

стр. 2167

و (في) للظرفية، فيقتضي أنْ يكونَ العضد أو الساق ظرفاً للإشراع، فيكفي وجودُ الغسل فيهما، ويكون متعلق الإشراع محذوفًا معدًّا الإشراع فيه بـ (ال) كأنَّهُ يقال: أشرع في غسل العضد أو الساق إلَى أمر زائد علَى ما حصل من الغسلِ فيهما أولاً. التاسعة عشرة: قد تقدم لنا كلام في "الأمَّة"، والذي نقوله هاهنا: أنَّ الأمَّةَ قد تطلق ويراد بها أهل الزمن مِن غيرِ تخصيص بالإيمانِ، وهذا غير مراد في الحديثِ الذي جاء فيه "إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا محجَّلين من أثرِ الوضوءِ" بالضرورةِ، وقد تطلق ويراد بها أَتْباع الرسل؛ كما يقال: أمّة محمد، وأمّة موسَى، وأمة عيسَى صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو المراد. ثم هذا علَى وجهين: أحدهما: أنْ يُرادَ ظاهر التبعية، لا التبعية الباطنة بالإيمانِ القلبي. والثاني: أنْ يُرادَ به التبعية الحقيقية الباطنة. ثم هذا علَى وجهين: أحدهما: أن تعتبر الموافاة في ذلك إلَى الموتِ. والثاني: أن لا تعتبر. وبحسب ما ذكرناه يحتاج إلَى النظرِ في المراد من الحديثِ الذي فيه: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا محجَّلين من أثرِ الوضوءِ".

стр. 2168

العشرون: يتلخصُ من هذا بعد الحمل للأمة علَى الأتباعِ ثلاثة أقسام: أحدها: أنْ يكونَ لأصحاب الإيمان الحقيقي الموافين عليه. والثاني: أنْ يكونَ لهم وإنْ لمْ تقعِ الموافاة. والثالث: أنْ يكونَ لِمَنْ ظاهرُه الإيمانُ. فأما القسم الأول: فلا شك في حصول هذه العلامة لهم، بسبب الوضوء. وأمَّا الثَّاني والثالث: فقد أجاز بعضهم أن تكون لهم هذه العلامة، فقال: يحتمل أن المنافقين والمرتدين وكل من توضأ منهم مسلماً يُحشر بالغرةِ والتحجيل، ولذلك يدعوهم النَّبيُّ ﷺ ، ولو لمْ يكونوا بِسِيْمَا المسلمين لمَّا دعاهم، فإذا علم أنهم بدلوا قالَ: "فسحقاً"، انتهَى (١). وهذا الدعاء الذي أشارَ إليه موجودٌ في حديث مالك وقوله ﷺ : "فليُذَادَنَّ رجالٌ عن حَوضي، أُناديهِم أَلاَ هَلُمَّ" (٢)، وحاصل ما قالَ: أنَّهُ لو لمْ تكنْ لهم هذه العلامة لما نودوا؛ لأنَّهُم حينئذٍ يكون انتفاؤها دليلاً علَى الخروجِ عن الملةِ فلا ينادون، لأنَّه لا ينادَى إلَّا من هو من

стр. 2169

الملةِ ظاهرًا، لكنهم نودوا فتكون لهم هذه العلامة. وقد يقوَى هذا بقوله ﷺ : "إنَّ أمتي يأتون يومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلين من أثر الوضوء" وهو ظاهر في العمومِ في الأَتْباع، فإذا أضيف إليه رجال يُذَادون ويُطْرَدون؛ لأنَّهُم بدلوا بعده ﷺ ، جاء منه هذا المذهب، وكذلك ظاهر قولهم: "كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك"، وقوله ﷺ في الجواب: "أرأيت لو أن رجلًا له خيلٌ غُرٌّ محجَّلةٌ بين ظهري [خيلٍ] (١) بُهمٍ، ألا يعرف خيلَه؟ "قالوا: بلَى، يا رسول الله! قالَ: "فإنهم يأتون غراً محجَّلين من الوضوء"، وإذا أضيف إليه ما ذكرناه من الذِّيادِ، قَرُبَ ما قالَ. ويعُترض علَى هذا: بأنَّهُ جعل انتفاء العلامة دليلاً علَى عدم النداء، فيمنع ذلك المذهب أنْ يكونَ النداء لتقدم معرفة في دار الدُّنيا. الثَّاني: إذا انتهَى الأمرُ إلَى هذا، قلنا: أنْ يقول: لِمَ لا يجوزُ أن تكونَ هذه العلامة من حيثُ هي هي؟ ولا يلزم من ذلك أنْ يكونَ انتفاؤها في بعض الأفراد دليلاً علَى الخروجِ علَى الملةِ. بيانه: أن تتميز الأمة بمعنى التابعين مطلقاً تميزاً كالمكانِ مثلاً، ويدخل فيه من ليس بمؤمن حقيقي، فلا يكون انتفاء هذه العلامة الخاصَّة في الفردِ دليلاً علَى خروجه عن الملةِ؛ لأنَّ (٢) هذه العلامة موجودة في

стр. 2170

حقِّ كل مؤمن حقيقي توضأ، فيدل وجودُها في الجمعِ المتميز علَى أنَّهُ الأمة، ولا يدلُّ انتفاؤها في الفردِ علَى الخروج عن الملةِ؛ لأنَّ انتفاءها في الفردِ جاز أنْ يكونَ للخروج عن الملةِ، وجاز أنْ يكونَ لانتفاء الوضوء في بعض الأفراد مع كونه من الملةِ؛ كالصحابي الذي أسلم يوم أحد وخرج فقُتِل، ولم يصلِّ صلاة، فإنَّ العلامةَ عن الوضوءِ هاهنا منتفيةٌ مع الإيمان، ومما يقرب هذا - أعني: أنَّ الأممَ تتميز بالمكان - ما في الصحيحِ من حديث ابن عباس من قول النَّبيُّ ﷺ : "عرضت عليَّ الأممُ فرأيتُ النبيَّ، ومعه الرُّهَيطُ، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرجلانِ، والنبيَّ ليس معه أحدٌ، إذ رُفِع لي سوادٌ عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسَى وقومُه، ولكن انظرْ إلَى الأفقِ، فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيم، فقيل لي: انظرْ إلَى الأفقِ الآخَرِ، فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل: هذه أمَّتُك. . " الحديث (١)، فهذا يدلُّ علَى التمايزِ بالأماكنِ، ويصرح به الحديث الصحيح: "وتبقَى هذه الأمة فيها منافقوها" (٢). فإن قيل علَى الوجهِ الأول من وجهي سدِّ المنع: لا تأثير للمعرفة

стр. 2171

المتقدمة في النداءِ؛ لأنَّهُم إذا (١) لمْ يكونوا فيهم العلامةُ تميزوا عن الأمةِ، فلا ينادون، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثر في النداءِ. قلنا: إنَّما لا يكون له أثر إذا ثبتت عموم العلامة في كلِّ فرد، بحيثُ يدلُّ انتفاؤها علَى الخروجِ عن الملةِ، فلا يبقَى للمعرفة تأثيرٌ حينئذٍ، وعلَى هذا، فلا يمكن إثبات عدم تأثير المعرفة بعموم العلامة ودلالة انتفائها في الفردِ علَى الخروج عن الملةِ، وإيضاحه: أنَّهُ إذا كانت العلامة مخصوصةً بالمؤمنينِ حقًا؛ أي: ظاهراً وباطناً، لمْ يمتنعْ أنْ يكونَ من لمْ يُوجدْ فيه شرطُهما داخلًا في الأمةِ، فحينئذٍ يكون للمعرفة المتقدمة تأثير في النداء. فإن قيل: فهذا الذي ذكرته من النداءِ بسبب تقدُّم المعرفة لا يعمُّ جميعَ المنافقين والمرتدين الذين حَدَثوا بعد رسول الله ﷺ ، فلا تتعلق بهم المعرفة المتقدمة في دار الدُّنيا، فلزمه (٢) أن تكون فيهم العلامة التي اقتضت النداء. قلنا: ظاهر "ما أحدثوا بعدك" يقتضي: أنَّ هذا المُحدَث لمْ يكنْ قبله؛ أي: قبل ذلك البعد، ولو كان النفاق والارتداد لمن لمْ يكنْ في زمنه ﷺ ، لكان التعبير بغيرِ "أحدثوا" أقربَ، كما لو قيل: لا تدري فعلهم بعدك، وما (٣) أشبهه، فظهر بهذا أنَّ المرادَ بهذا الأمر

стр. 2172

- أعني: النداء - وما تَرتّب عليه من القولِ في قوم كانوا في حال زمن الرسول ﷺ ، ثم بعدوا (١) عنها، لا في حال كلِّ منافقٍ ومرتد بعد زمن رسول الله ﷺ ، ويؤيدك في هذا "ليُذادَنَّ رجال" بالتنكيرِ الذي لا عموم فيه. فإن قيل: فهؤلاء المنافقون والمرتدون بعد زمنه ﷺ ؛ هل فيهم علامة، أو لا؟ فإن كانت، فهو الذي ادَّعاه ذلك القائلُ من وجود العلامة في حق كل تابع ظاهراً، فيحصل مرادُه، وإنْ لمْ يكنْ، كان انتفاؤُها دليلاً علَى الخروجِ عن الأمةِ، وهذا الدليل موجودٌ في حقِّ [كل] (٢) من تقدمت معرفته فيتميز، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثرٌ، كما ذكر في السؤالِ. قلنا: إذا جعلنا العلامةَ مختصةً بالمؤمنينِ المحقين المراقبين الذين وجد فيهم الشرط، وهو الوضوء، لمْ يلزمْ من انتفاء هذا الخروجُ عن الملة؛ كما بيَّناه فيما قبل، ومثَّلناه في الصحابي الذي أسلم فقُتل قبل أنْ يصليَ، فإنَّ الظاهرَ أنَّهُ لمْ يتوضأ أيضًا، فيصير عدمُ العلامةِ أعمَّ من الخروجِ عن الملةِ وعدم الخروج، فيكون للمعرفة المتقدمة أثر في النداءِ من القواعد الكلامية السنية: أن كل ما صحَّ في الحديثِ من ألفاظ النَّبيُّ ﷺ ، أو وَرَدَ في الكتابِ العزيز من ذلك إخباراً

стр. 2173

عن المغيَّباتِ، ولم يمنعِ العقلُ من إجرائه علَى ظاهرِ لفظه، وَجَبَ إجراؤُه علَى ظاهره في الإيمانِ به؛ لثبوت الجواز العقلي الذي ينفي المانع، وهو استحالة الوقوع، والإخبار الشرعي الذي يقتضي وقوعَ أحدِ الجائزين، ووجوب تصديق المعصوم فيما أُمِر به، وتدخل تحت هذا أمورٌ كثيرةٌ من أحوال الآخرة؛ كالمُسَاءَلةِ في القبر، ومُنْكَرٍ ونَكِيرٍ، ونَصْبِ الموازين، إلَى غير ذلك. الحادية والعشرون: قد ذكرنا من حديث مالك: "فليُذَادنَّ رجالٌ عن حوضي"، ففيه إثباتُ الحوض للنبي ﷺ ، وذلك ممَّا يدخل تحت القاعدة السابقة؛ للإمكان والإخبار عن الوقوعِ، ووجوب التصديق. الثَّانية والعشرون: هذا الوجوب وإن ثبت بما قررناه من القاعدة؛ أعني: وجوبَ الإيمان بالظاهرِ من الألفاظ، لكن لدلالة الألفاظ علَى تلك الأمور المعنوية تفاوتٌ في الرتب؛ فمنها ما ينتهي إلَى [القطع بأنَّ المرادَ الظاهرُ وما دلَّ عليه اللفظ، وذلك لكثرة ورود] (١) الأمثال، وقيام القرائن، وما تلقته الأمةُ خلفاً عن سلف، بحيث يحصل لهم العلمُ القطعي بإرادة الظاهر. ومنها ما يقابل ذلك، وهو ما لمْ تكثرِ الألفاظُ الدالةُ علَى المعنى، بحيث ينتفي احتمالُ المجاز؛ إما بسبب العلة، أو لانتفاءِ القرائنِ المفيدةِ للقطع.

стр. 2174

ومنها ما هو متوسط، وهو أن تكثَر تلك الألفاظُ كثرةً لا تنتهي إلَى الدرجةِ الأولَى، ولا تنحطُّ إلَى السفلَى. الثالثة والعشرون: وبحسب اختلاف هذه المراتب، وقعت طامَّةٌ أوجبت افتراقَ الأمةِ ورميَ بعضِهم بعضاً بالتكفيرِ أو التبديع، وتساهلِ آخرين فيما يجب فيه التشديدُ، والقانون الصحيح هو الذي ذكرناه، والرجوع فيه إلَى ما ثبت في النفسِ عن التأمل في مصادر الشريعة ومواردها، وإلَى هذا يجب أنْ يرجعَ المرءُ في المرتبةِ الأولَى، وهي ما انتهَى إلَى القطعِ؛ الإخبار عن حدث العالم فيما مضَى، وحشر الأجساد، ودارَيْ الجزاء، الجنة أو النار، وكل من خالف في ذلك فهو كافر خارج عن الملةِ، وما يبديه من التأويلاتِ، كما يفعله الفلاسفةُ المنسوبون إلَى الإسلامِ، فهو مردود عليه؛ للقطع الذي ذكرناه في مثل هذه المسائل، ولما كفَّر الغزالي ﵀ الفلاسفةَ بالقولِ بقِدَم العالم، وإنكار حشر الأجساد، وإنكار العلم بالجزئياتِ، أراد بعضُ المتأخرين ممن يتكلم في الفلسفةِ من الأندلسيين أنْ يشوشَ فيما قالَ، وزعم أن في تكفير من خالف الإجماع خلافًا، وهذه سَقْطة راسبة، وعثرة لا لَعًا (١) لها، فإن ما يقوم عليه الإجماعُ علَى قسمين: أحدهما: ما صحبه المتواتر في الإخبارِ عن صاحب الشرع بما انعقد عليه الإجماع.

стр. 2175

والثاني: ما لا يصحبه ذلك. فأمَّا القسمُ الأول: فلا شكَّ في تكفيره (١) من جهة المخالفة فيما يثبت بالتواترِ عن صاحب الشرع، لا لأجل مخالفة الإجماع. وأمَّا الثَّاني: فهو الذي يقع فيه الخلاف، وليس وقوع الإجماع ممَّا يلازمه التواترُ، ومخالفةُ المتواتر عن صاحب الشرع، فإنَّ الإجماعَ قد يقع علَى مُقتضَى خبر الواحد (٢)، وليس ممَّا تواتر عن الرسولِ ﷺ . وأمَّا المرتبةُ الثَّانية: وهي ممَّا تَقِلُّ فيه الألفاظُ، ولا تقوم فيه الألفاظُ المفيدةُ للقطع، فلا يليقُ بها التشديدُ، وينبغي أنْ يُتحَرَّزَ فيها عن التكفيرِ والتبديع، ومن (٣) أراد الاحتراز علَى نفسه. ولقد أكثر الخَيَّاطُ من الحنابلةِ في تكفير النَّاس وجَسَرَ عليهم في ذلك جَسارة، لعلها أن تُعْقِبَهُ خسارة. وأمَّا المرتبة المتوسطة: فهي محل الإشكال، وفيها يقع الاختلاف؛ ومِن (٤) النَّاس مَن يُلحقها بالمرتبةِ الأولَى، فيُكفِّرُ أو يُبدِّع، ومنهم من يلحقها بالمرتبةِ الأخرَى، فيتأوَّل. والقانون ما ذكرناه، فارجعْ إليه في نفسك وإلَى علمك، وَزِنْ بالقسطاسِ المستقيم، والله الموفق للصواب.
следующие страницы →