المتقدمة في النداءِ؛ لأنَّهُم إذا (١) لمْ يكونوا فيهم العلامةُ تميزوا عن الأمةِ، فلا ينادون، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثر في النداءِ.
قلنا: إنَّما لا يكون له أثر إذا ثبتت عموم العلامة في كلِّ فرد، بحيثُ يدلُّ انتفاؤها علَى الخروجِ عن الملةِ، فلا يبقَى للمعرفة تأثيرٌ حينئذٍ، وعلَى هذا، فلا يمكن إثبات عدم تأثير المعرفة بعموم العلامة ودلالة انتفائها في الفردِ علَى الخروج عن الملةِ، وإيضاحه: أنَّهُ إذا كانت العلامة مخصوصةً بالمؤمنينِ حقًا؛ أي: ظاهراً وباطناً، لمْ يمتنعْ أنْ يكونَ من لمْ يُوجدْ فيه شرطُهما داخلًا في الأمةِ، فحينئذٍ يكون للمعرفة المتقدمة تأثير في النداء.
فإن قيل: فهذا الذي ذكرته من النداءِ بسبب تقدُّم المعرفة لا يعمُّ جميعَ المنافقين والمرتدين الذين حَدَثوا بعد رسول الله ﷺ ، فلا تتعلق بهم المعرفة المتقدمة في دار الدُّنيا، فلزمه (٢) أن تكون فيهم العلامة التي اقتضت النداء.
قلنا: ظاهر "ما أحدثوا بعدك" يقتضي: أنَّ هذا المُحدَث لمْ يكنْ قبله؛ أي: قبل ذلك البعد، ولو كان النفاق والارتداد لمن لمْ يكنْ في زمنه ﷺ ، لكان التعبير بغيرِ "أحدثوا" أقربَ، كما لو قيل: لا تدري فعلهم بعدك، وما (٣) أشبهه، فظهر بهذا أنَّ المرادَ بهذا الأمر
стр. 2172
- أعني: النداء - وما تَرتّب عليه من القولِ في قوم كانوا في حال زمن الرسول ﷺ ، ثم بعدوا (١) عنها، لا في حال كلِّ منافقٍ ومرتد بعد زمن رسول الله ﷺ ، ويؤيدك في هذا "ليُذادَنَّ رجال" بالتنكيرِ الذي لا عموم فيه.
فإن قيل: فهؤلاء المنافقون والمرتدون بعد زمنه ﷺ ؛ هل فيهم علامة، أو لا؟ فإن كانت، فهو الذي ادَّعاه ذلك القائلُ من وجود العلامة في حق كل تابع ظاهراً، فيحصل مرادُه، وإنْ لمْ يكنْ، كان انتفاؤُها دليلاً علَى الخروجِ عن الأمةِ، وهذا الدليل موجودٌ في حقِّ [كل] (٢) من تقدمت معرفته فيتميز، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثرٌ، كما ذكر في السؤالِ.
قلنا: إذا جعلنا العلامةَ مختصةً بالمؤمنينِ المحقين المراقبين الذين وجد فيهم الشرط، وهو الوضوء، لمْ يلزمْ من انتفاء هذا الخروجُ عن الملة؛ كما بيَّناه فيما قبل، ومثَّلناه في الصحابي الذي أسلم فقُتل قبل أنْ يصليَ، فإنَّ الظاهرَ أنَّهُ لمْ يتوضأ أيضًا، فيصير عدمُ العلامةِ أعمَّ من الخروجِ عن الملةِ وعدم الخروج، فيكون للمعرفة المتقدمة أثر في النداءِ من القواعد الكلامية السنية: أن كل ما صحَّ في الحديثِ من ألفاظ النَّبيُّ ﷺ ، أو وَرَدَ في الكتابِ العزيز من ذلك إخباراً
стр. 2173
عن المغيَّباتِ، ولم يمنعِ العقلُ من إجرائه علَى ظاهرِ لفظه، وَجَبَ إجراؤُه علَى ظاهره في الإيمانِ به؛ لثبوت الجواز العقلي الذي ينفي المانع، وهو استحالة الوقوع، والإخبار الشرعي الذي يقتضي وقوعَ أحدِ الجائزين، ووجوب تصديق المعصوم فيما أُمِر به، وتدخل تحت هذا أمورٌ كثيرةٌ من أحوال الآخرة؛ كالمُسَاءَلةِ في القبر، ومُنْكَرٍ ونَكِيرٍ، ونَصْبِ الموازين، إلَى غير ذلك.
الحادية والعشرون: قد ذكرنا من حديث مالك: "فليُذَادنَّ رجالٌ عن حوضي"، ففيه إثباتُ الحوض للنبي ﷺ ، وذلك ممَّا يدخل تحت القاعدة السابقة؛ للإمكان والإخبار عن الوقوعِ، ووجوب التصديق.
الثَّانية والعشرون: هذا الوجوب وإن ثبت بما قررناه من القاعدة؛ أعني: وجوبَ الإيمان بالظاهرِ من الألفاظ، لكن لدلالة الألفاظ علَى تلك الأمور المعنوية تفاوتٌ في الرتب؛ فمنها ما ينتهي إلَى [القطع بأنَّ المرادَ الظاهرُ وما دلَّ عليه اللفظ، وذلك لكثرة ورود] (١) الأمثال، وقيام القرائن، وما تلقته الأمةُ خلفاً عن سلف، بحيث يحصل لهم العلمُ القطعي بإرادة الظاهر.
ومنها ما يقابل ذلك، وهو ما لمْ تكثرِ الألفاظُ الدالةُ علَى المعنى، بحيث ينتفي احتمالُ المجاز؛ إما بسبب العلة، أو لانتفاءِ القرائنِ المفيدةِ للقطع.
стр. 2174
ومنها ما هو متوسط، وهو أن تكثَر تلك الألفاظُ كثرةً لا تنتهي إلَى الدرجةِ الأولَى، ولا تنحطُّ إلَى السفلَى.
الثالثة والعشرون: وبحسب اختلاف هذه المراتب، وقعت طامَّةٌ أوجبت افتراقَ الأمةِ ورميَ بعضِهم بعضاً بالتكفيرِ أو التبديع، وتساهلِ آخرين فيما يجب فيه التشديدُ، والقانون الصحيح هو الذي ذكرناه، والرجوع فيه إلَى ما ثبت في النفسِ عن التأمل في مصادر الشريعة ومواردها، وإلَى هذا يجب أنْ يرجعَ المرءُ في المرتبةِ الأولَى، وهي ما انتهَى إلَى القطعِ؛ الإخبار عن حدث العالم فيما مضَى، وحشر الأجساد، ودارَيْ الجزاء، الجنة أو النار، وكل من خالف في ذلك فهو كافر خارج عن الملةِ، وما يبديه من التأويلاتِ، كما يفعله الفلاسفةُ المنسوبون إلَى الإسلامِ، فهو مردود عليه؛ للقطع الذي ذكرناه في مثل هذه المسائل، ولما كفَّر الغزالي ﵀ الفلاسفةَ بالقولِ بقِدَم العالم، وإنكار حشر الأجساد، وإنكار العلم بالجزئياتِ، أراد بعضُ المتأخرين ممن يتكلم في الفلسفةِ من الأندلسيين أنْ يشوشَ فيما قالَ، وزعم أن في تكفير من خالف الإجماع خلافًا، وهذه سَقْطة راسبة، وعثرة لا لَعًا (١) لها، فإن ما يقوم عليه الإجماعُ علَى قسمين:
أحدهما: ما صحبه المتواتر في الإخبارِ عن صاحب الشرع بما انعقد عليه الإجماع.
стр. 2175
والثاني: ما لا يصحبه ذلك.
فأمَّا القسمُ الأول: فلا شكَّ في تكفيره (١) من جهة المخالفة فيما يثبت بالتواترِ عن صاحب الشرع، لا لأجل مخالفة الإجماع.
وأمَّا الثَّاني: فهو الذي يقع فيه الخلاف، وليس وقوع الإجماع ممَّا يلازمه التواترُ، ومخالفةُ المتواتر عن صاحب الشرع، فإنَّ الإجماعَ قد يقع علَى مُقتضَى خبر الواحد (٢)، وليس ممَّا تواتر عن الرسولِ ﷺ .
وأمَّا المرتبةُ الثَّانية: وهي ممَّا تَقِلُّ فيه الألفاظُ، ولا تقوم فيه الألفاظُ المفيدةُ للقطع، فلا يليقُ بها التشديدُ، وينبغي أنْ يُتحَرَّزَ فيها عن التكفيرِ والتبديع، ومن (٣) أراد الاحتراز علَى نفسه.
ولقد أكثر الخَيَّاطُ من الحنابلةِ في تكفير النَّاس وجَسَرَ عليهم في ذلك جَسارة، لعلها أن تُعْقِبَهُ خسارة.
وأمَّا المرتبة المتوسطة: فهي محل الإشكال، وفيها يقع الاختلاف؛ ومِن (٤) النَّاس مَن يُلحقها بالمرتبةِ الأولَى، فيُكفِّرُ أو يُبدِّع، ومنهم من يلحقها بالمرتبةِ الأخرَى، فيتأوَّل.
والقانون ما ذكرناه، فارجعْ إليه في نفسك وإلَى علمك، وَزِنْ بالقسطاسِ المستقيم، والله الموفق للصواب.
стр. 2176
الرابعة والعشرون: ومن هذا القبيل؛ أي: ممَّا يجب الإيمان به (١)، وإجراؤه علَى ظاهره، الحليةُ المذكورة في الحديثِ في الرواية المختصرة في الأصل.
الخامسة والعشرون: قد ذكرنا في رواية سعد بن طارق قوله ﵇: "إن حوضي أبعدُ من أيلة من عَدَن"، وقد اختلفت الآثار في تقدير (٢) مدِّ الحوض اختلافاً يعسُر الجمعُ فيه، وإنْ كَان فُيتكلَّف، والصواب عندي في أمثال هذا: أنْ يُنظر إلَى الترجيحِ بين الرواة بحسب حالهم في الحفظِ والإتقان، وطريقةُ الجمع وإنْ كَانت متقدمةً في الرتبةِ علَى طريق الترجيح، إلَّا أن (٣) الذي أراه في مثل هذا حيثُ يكون التأويلُ غيرَ مقبول عندَ النفس، ولا مطمئنةٌ هي به، وهو الأشبه المقدم في هذا المحل رتبة الترجيح علَى رتبة الجمع؛ لأنَّ الأصلَ هو سكون النفس وطمأنينتها، والظن بعصمة الرواة عن الخطإِ، ولو كانوا ثقات، وسكون النفس إلَى احتمال الغلط في بعضهم أقوَى من سكونها إلَى التأويلاتِ المُستبعَدَة المُستنكرةِ عندها، لا سيَّما مع من كانت روايته حفظاً، لا يرجع فيها إلَى الكتابِ، فهذا هو الذي أراه، واستقرّ عليه رأي ونظري، والله أعلم.
стр. 2177
ولا أقول هذا في كلِّ تأويل ضعيف مرجوح بالنِّسبَةِ إلَى الظاهرِ، وإنَّما ذلك حيثُ يشتدُّ (١) استكراهه، ولقد سمعت الشَّيخ أبا محمد عبد العزيز بن عبد السلام يقول قولًا أوجبَتْه شجاعةُ نفسه ﵀ لا أرَى ذكره، وإنْ كَان صحيحاً، والله أعلم.
السادسة والعشرون: قد تقدَّم في رواية نُعيم: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غُراً محجلين من أثر الوضوء"، ظاهرُه العموم في الأمةِ وحصر العلامة فيهم كلِّهم، وقد حكينا عن بعض النَّاس: أنَّ العلامةَ تكون عامَّةً في حق المؤمنين المخلصين الموافين وغيرهم من المنافقينِ والمرتدين، وقد بسط هذا القولَ بعضُهم قال: - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - إن هؤلاء الذين يُقَال لهم هذا القول؛ يعني: أنهم قد بدلوا بعدك ناسٌ نافقوا، وارتدوا من الصحابةِ وغيرهم، فيحشرون في أمة النَّبيُّ ﷺ ، وعليهم سِيما هذه الأمة من الغرةِ والتحجيل، فإذا رآهم النَّبيُّ ﷺ عرفهم بالسِّيما من كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم: "ألا هلم"، فإذا انطلقوا نحوه حِيْل (٢) بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات الشمال، فيقول النَّبيُّ ﷺ : "يا ربِّ أمتي ومن أمتي"، وفي لفظ آخر: "أُصَيْحابي"، فيقال (٣) له إذ ذاك: "إنه (٤) لا تدري ما أحدثوا بعدك،
стр. 2178
وإنهم لمْ يزالواْ مرتدين منذُ فارقتَهم"، فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة والتحجيل، ويُطفأ نورهم، فيبقون في الظلماتِ، فيُقْطع بهم عن الورودِ، وعن جواز الصراط المستقيم، فحينئذ يقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيُقَال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] مكراً وتنكيلًا؛ ليتحققوا مقدارَ ما فاتهم، فيعظُم أسفُهم وحسرتهم، أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المُخلَصين، وجعلنا من الفائزين (١).
السابعة والعشرون: الحديث الذي فيه ذَوْد (٢) رجال، ليس فيه ما يقتضي وجود السيما فيهم أو عدمها، لأنه يكره في الإثبات، وقد يُعارَضُ بالعموم الذي في "أمتي" بعد تقرير دخولهم في اسم الأمة، واختلاطهم، وقد اختلف الناس فيهم، وذكر بعضُهم فيه أقوالًا؛ منها معنى ما ذكرناه من عموم السِّيْما إلى آخر ما تقدم من شرحه.
ومنها: أن المراد مَنْ كان في زمن النبي ﷺ ، ثم ارتدَّ بعدَه، فيناديهم النبيُّ ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سِيما الوضوء؛ لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك، وهذا آخر ما ذكرناه من المباحث فيما مضى.
стр. 2179
ومنها: أن المراد أصحابُ المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، و (١) أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. قال الحاكي للأقوال: وعلى هذا القول لا يُقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أَنْ يُذَادوا عقوبةً لهم، ثم يرحمهم الله ، فيدخلهم الجنة من غير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: لا يمتنع أن تكون لهم غرة وتحجيلٌ، ويحتمل أن يكونوا (٢) كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده، لكن عرفهم بالسِّيما.
قال: وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر (٣): كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض؛ كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظَّلَمَةُ المسرفون المترفون في الجَوْر، وطَمْسِ الحق، والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يُخافُ عليهم أن يكونوا ممن عُنوا بهذا الخبر، والله أعلم (٤).
قلت: أما الخوف عليهم فظاهر (٥)، وأما ما حُكي من أن كلَّ مَنْ أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض؛ كالخوارج وأصحاب
стр. 2180
البدع، ففي هذا الجزم نظرٌ، وليس في قوله: "لا تدري ما أحدثوا بعدك" ما يقتضي العمومَ في المُحْدِثين والأَحْداثِ، وقد يُطلَق هذا اللفظ ويُراد به بيانُ [وجودِ أصلِ السبب في الفعل؛ كالذَّوْدِ في هذه الموضع مثلًا، وقد يُراد به] (١) الإخبارُ عن كثرة الموانع والأسباب المُوْجِبة للفعل؛ كما لو جنى إنسانٌ جِنَايةً، وقُصِدت عقوبتُه، فشُفِع فيه، فقال القاصد للعقوبة: لا تدري ما فعل؛ يعني: أنَّ جناياتِه كثيرةٌ لا تحتمل العفوَ، وقد يقال أيضًا لأجل تعظيم الجناية؛ كما لو فَعلَ فعلًا واحدًا أُريدت عقوبتُه، فشُفع فيه، فقيل: لا تدري ما فعل، تعظيمًا للجناية.
إذا ثبت هذا فنقول: لا شكَّ أنَّ رُتَبَ البدع والمعاصي والكبائر متفاوتةٌ، فجاز أن يكونَ هؤلاء المذادونَ قيل فيهم هذا القولُ لكثرة أحداثهم أو عِظَمِها، فإذا لم يلزم [العمومُ] (٢) لمَ يَنبغِ الجزمُ به؛ والله أعلم.
الثامنة والعشرون: الذي أوجب الكلام على "لَيُذَادَنَّ"، ومَنْ همُ المُذَادون، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في الحديث في الأصل، ولا في الروايتين المختصرتين في الأصل أيضًا؛ لما أشرنا إليه مِنْ أنَّه قد تكون بعضُ الألفاظِ التي في الأحاديث التي ذكرناها، ويُحتاج إلى النَّظر فيه؛
стр. 2181
تفسيرًا، أو تعميمًا، أو تخصيصًا، وقد ذكرنا أن لفظَ "أُمَّتِي" فيه عمومٌ.
التاسعة والعشرون: لو قال قائل: هذا الحديث يدل على أن تاركَ الصلاة ليس من الأمة، وطريقُه أن يقال: كلُّ مَنْ تركَ الوضوء مع القدرة والعَمْد، فلا غُرَّةَ له ولا تحجيلَ، وكل مَنْ لا غُرَّةَ له ولا تحجيلَ فليس من الأمة، وكل من ترك الوضوء مع القدرة والعمد ليس من الأمة، ثم يقول: كل من ترك الصلاة والوضوء مع القدرة والعمدِ فقد ترك الوضوءَ مع القدرة والعمد، وكل من ترك الوضوء مع القدرة والعمد فليس من الأمة، وكل (١) من ترك الصلاة والوضوء مع القدرة والعمد فليس من الأمة، وإذا ثبت ذلك فيمن ترك الصلاةَ والوضوء مع القدرة ثبت في كل من ترك الصلاة وإن لم يترك الوضوء ضرورةً، إذ لا قائلَ من الأمة بالفرق في التكفير بين تركها مع ترك الوضوء، أو مع فعلِهِ.
أما بيانُ المقدمة الأولى: وهو أن كل من ترك الوضوء مع القدرة فلا غرة له، فإنها السِّيْما التي جُعلت علامةً مُميِّزة للأمة عن غيرهم، لاسيَّما مع العموم الذي في قوله: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ"، فإنه يقتضي أن كلَّ من هو من الأمة آتٍ بالغرة والتحجيل من أثر الوضوء، وأما أَنَّ من لا غرةَ له ولا تحجيلَ فليس من الأمة؛ لأنه إذا عمَّتْ هذه العلامةُ كلَّ الأمة والتمييزُ يحصل على ما جاء في الحديث: "كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ
стр. 2182
يا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: أَرَأيْتَ لَوْ أَنْ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ ... " الحديث، يقتضي أن لا يجعل لغيرهم، وأما أَنَّ كُلَّ من ترك الصلاةَ والوضوءَ مع القدرة والعمد فقد ترك الوضوء مع القدرة والعمد فقطعيٌّ، ضرورةَ تحققِ وجود الجزء عند وجود الكل، وأما أَنَّ كُلَّ من ترك الوضوء مع القدرة فليس من الأمة؛ فَلِما تقدَّم، وأما أَنَّ كُلَّ من قال: بأن تارك الصلاة مع الوضوء كافر؛ فهو قائل بأن تاركَ الصلاة لا مع ترك الوضوء كافرٌ، فظاهر.
وطريقُ الاعتراض على هذا هو ما تقدَّم من عموم هذه العلامة في كل مؤمن، أو لكل من يُنْسَبُ إلى الأمة ظاهرًا، فعليك بالنظر فيه، واعلم أنه لا بدَّ على كل تقدير من الاستناد إلى إجماع لا قائل؛ لأنه إنما يلزم مِنْ أن كل مَنْ ترك الوضوء مع القدرة والعمد فلا غرة له ولا تحجيل، إذا كان هذا الترك عاما في الأزمنة كُلِّها، فلا ينتج الدليلُ على تقدير صحة مقدماتهِ إلا كفرَ من ترك الوضوء مع القدرة والعمد عمومًا في كل أزمنة العمر، [فمتى] (١) أُريد الاستدلالُ به على كفر من تركه في بعض الأوقات، لم تصحَّ المقدمةُ القائلة: إن كلَّ مَنْ ترك الوضوء مع القدرة والعمد فلا غُرَّةَ له، فيَحتاج إلى أن يقول: وكلُّ مَنْ قال بكفر تاركه عمومًا، قال: يكفر تاركه في بعض الأوقات؛ أي: الذي لم يأت فيها بالصلاة والوضوء.
стр. 2183
الثلاثون: قولُه في الحديث الأول الذي جلبناه لما يتعلق ببعض ألفاظه تفسيرٌ لهذا الحديث الذي هو في الأصل قوله: إن رسولَ الله ﷺ أَتَى المَقْبُرَةَ، فيه دليلٌ على طِلْبَتِهِ زيارةَ القبور، وفي ذلك أحاديثُ تدل على غير هذا، وليس فيه عمومٌ من هذه الجهة يقتضي الاستحبابَ بالنسبة إلى كل الزائرين، حتى يحتاجَ إلى تخصيص بعض الزائرين منه أو المزورين؛ كالنساء مثلًا في الزائرين، وإنما هو دليلٌ على استحباب مُطْلَقِ الزيارة لِمُطْلَقِ المزورين، وعلى أخصَّ منه، وهو مَنْ اشترك مع الواقعِ (١) في صفة الزائرين والمزورين كالرجولية، والمؤمنين، إلا أن يُؤخذ من دليل التأسي المقتضي للعموم.
الحادية والثلاثون: الزيارةُ للميت، ومخاطبتُهُ مخاطبةَ الحي، والدعاء له بما يقتضي (٢) الحياةَ والإدراكَ؛ كلُّه دليلٌ على بقاء الأرواح بعد موت الأجساد، والشريعةُ طافحةٌ [به] (٣) في مواضعَ عديدةٍ.
الثانية والثلاثون: فيه استحبابُ السلام على الأموات عند زيارتهم.
الثالثة والثلاثون: وفيه استحبابُ السلام على هذه الصيغةِ التي هي الصيغةُ على الأحياء، وقد وردَ في لفظ آخر: "عَلَيكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى" (٤)، وليس يلزمُ منه أن تكونَ تحيةُ الموتى بهذا اللفظ هو
стр. 2184
الشرعَ والمطلوبَ؛ لأنه يحتملُ أن يكونَ إخبارًا عن الواقع من العرب في تأبين الموتى [من الطويل]:
عليكَ سلامُ الله قيسَ بنَ عاصمٍ (١)
فجعَلَ ذلك سببًا لأنْ تجتنبَ في حق الأحياء، دفعًا لما لَعَلَّهُ يعرِضُ للنفس من الكراهة لمخاطبتها بما اعْتِيد خطابًا للأموات، وليس يلزمُ من ذلك أن يكونَ الحكمُ الشرعي مخاطبةَ الموتى بتلك الصيغة.
الرابعة والثلاثون: إتيانه ﵊ يجوزُ أن يكون للاعتبار، ويجوزُ أن يكون للدعاء والاستغفار؛ كما جاء (٢) في زيارة بَقيع الغَرْقد.
الخامسة والثلاثون: قيل: إن بعضَ العلماء احتجَّ بهذا الحديث على أن الأرواح على أفنية القبور، وقال قومٌ: كانت الأرواح في وقت سلامِهِ في قبورها، أو على أفنية قبورها، وقال بعض العلماء: يحتمل أن يسمعوه حيثما كانوا (٣).
قلت: وهذا محتمل؛ لأنه يكفي في هذا السماع أو العلم تعلقُ الأرواحِ بالأجساد من وجه، فلا يلزم منه أن تكون في القبور، ولا في أفنيتها.
стр. 2185
وقيل: هذا خصوصٌ للنبي (١) ﷺ ، واستُدِلَّ على هذا بحديث القليب يوم بدر وقال: "يَا فُلانُ وَيا فُلانُ وَيَا فُلانُ! هَلْ وَجَدْتُم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ " فَقَالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لا أَرْوَاحَ فِيْهَا؟ فَقَالَ: "ما أنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيْعُونَ أَنْ يَردُّوهَا" (٢).
قلت: ليس في هذا دليلٌ على الخصوص، وعلى ذهني: أن شيخنا اختار الأرواح في القبور.
السادسة والثلاثون: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين"، لا بدَّ فيه من حذف مضاف؛ كأهل، وما أشبَهه، ويتصدَّى النظرُ في أنه لو صرَّح بهذا المحذوف؛ هل يكون أولى، أو مساويًا، أو مرجوحًا؟
فإن ورد في بعض الروايات التصريحُ به انتفت المرجوحيَّة، وإن لم تردْ فيمكن أن يقال: إن ترك التصريح أولى؛ كما في لفظ الحديث؛ أما أولًا: فللاتِّباع، وأما ثانيًا: فلأن في إطلاق السلام على الديار والحذف ما ليس في التصريح؛ لإشعار ذلك بالتعظيم؛ لما اقتضته عادة الناس في مخاطباتهم وأشعارهم.
стр. 2186
السابعة والثلاثون: الأقربُ أن يكون قولُهُ ﷺ : "مؤمنين" شهادةً بالإيمان الحقيقي، لا بناءً على الظاهر، فإن كانت هذه المقبرةُ هي المقبرةَ التي قال النبي ﷺ في أهلها: "أَنَا شَهِيْدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ" (١) فلا شكَّ في ذلك، إذا حُمِلت الشهادة على الشهادة بالإيمان؛ كما هو الظاهر، وإن لم تكن هي تلك المقبرة، فالأقرب ما ذكرناه، ويحتمل أن يكونَ بناءً عَلى الظاهر، والله أعلم.
الثامنة والثلاثون: لا يشكُّ في طلب التأسي بقول هذا القول، والتأسي حقيقةً فعلُ مثلِ الفعل المتأسَّى به، فإذا حملناه على الشهادة الحقيقية بالإيمان لم يمكن في حقِّنا مثلُ ذلك، فيكون هذا من باب الاكتفاء بالمَيْسورِ عند تعذُّر (٢) المعسور بقدر الإمكان.
التاسعة والثلاثون: قوله: "وَإِنّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُون" يُورد فيه سؤالٌ بسبب اقتضاء "إن" لدخولها (٣) على الجائز دونَ الواجب، واستلزام ذلك لجواز النقيض مع القطع باللحوق بهم في الموت أو غيره مما وجب وقوعُه، والكلام عليه في مقامات: الأول: في اقتضاء (إن) للجواز والتردُّدِ، فيه وجهان:
стр. 2187
الوجه الأول: أن (١) ذكر هذا ليس على سبيل ما دلَّ عليه ظاهرُ (إن) من التردُّد، لكنه على سبيل التأَدُّب [اللفظي] (٢) في إضافة الأمور إلى الله تعالى وامتثال ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] وإن كان ليس من ذلك بعينه ولكن قد يشير إليه، ويكون ذلك كقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] مع العلم بدخولهم.
الوجه الثاني: ما نُقِل عن بعضهم: أن (إنْ) تكون بمعنى (إذْ)، وهو ضعيف على مذهب هؤلاء المتأخرين الناصرين لمذهب البصريين من النُّحاة، وقد حكى كَونَها بمعنى (إذ) مهلبُ بن الحسن النحوي [من الطويل]:
إذا كُسِرت (إنْ) فالمواضعُ ستةٌ ... تكون بها (٣) شرطًا ونفيًا وزائدهْ
وقالوا: بمعنى (إذ) و (إذ ما) وحكمُها ... إذا خُفّفت فاللامُ فيها لفائِدَهْ
وقال في تفسيرها: وأما كونها بمعنى (إذ)، فقد قيل في قوله
стр. 2188
تعالى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ لأن الخطاب للمؤمنين، ولو كانت للجزاء لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمني؛ لأن الفعل الماضي في الجزاء بمعنى المستقبل، وقد جاء في القرآن الكريم مواضع منها هكذا.
وقد قيل: إنَّ الصحيح فيها أن تكون للجزاء، وذكرها القائل عن الشيخ أبي محمد - هو ابن بري - أنه قال: (إِنْ) تكون (١) بمعنى (إذ) مذهبُ الكوفيين.
قلت: يمكن أن يكون من هذه المواضع التي أشار إليها ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] , ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] , ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
المقام الثاني: [إِنَّ] (٢) اللحاق يقتضي شيئًا يلحق (٣) به، وذلك أمرٌ منسوبٌ إلى المسلَّم والمسلَّم عليه، وللمسلَّم عليه أوصافٌ متعددةٌ لا تنحصر في الموت، وعلى هذا ففيه وجوه:
أحدها: أن يكون اللَحاقُ في وصف الإيمان المحقَّق المتَّصِفِ بالموافاة لقوله المشهود به ﷺ : "أَنَا شَهِيْدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ"،
стр. 2189
وإن كانت هذه المقبرةُ هي مقبرةَ هؤلاء القوم، وعلى هذا الوجه يجب أن يكون التجويزُ أو التردُّدُ خارجًا عن الرسول ﷺ ؛ فإما أن يراد به مَنْ عداه من الحاضرين، وإما أن يرادَ المجموعُ من حيثُ هو مجموعٌ.
الثاني: أن لا يختصَّ باليوم المشهود بالموافاة، بل بناءً على ظاهر الحال، ويكونُ كما ذكرنا في الوجه قبلَه من تخصيص ذلك بِمَنْ عدا الرسولِ ﷺ .
الثالث: إن المنافقين كانوا بالمدينة، فيُحتملُ أن يكونَ بعضُهم كان مع النبي ﷺ ، ويكون المطلوبُ اتصافَهم بالإيمان؛ أي: بأصل الإيمان، فيكون بالنسبة إلى هؤلاء التردُّدُ واقعًا من طريقين:
أحدهما: تَبَدُّل ما هم فيه من النفاق بالإيمان.
والثاني: الموافاة عليه.
المقام الثالث: ما يرجع إلى المسلم، على أن يكون المرادُ اللحاقَ بالدفن في المكان إظهارًا لشرفه أو لشرف مَنْ به، ويكون مطلوبًا لأجل المجاورة، قال عمر ﵁: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، ووفاةً في بلد رسولك ﷺ (١)، طلبًا للفضيلة التي أشرنا إليها، وهذا الوجه يتعلق أيضًا بالمسلَّم عليهم؛ لأنَّ من
стр. 2190
صفاتهم كونَهم بالمكان المشرف.
قوله ﷺ : "وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوانَنَا" فيه دليل على جواز التَّلَفُّظِ بالوَدَادَةِ، فيما لا يقع بسبب ما يتعلق بذلك من الفائدة بإظهار التعظيم والشرف أو غير ذلك، وهذا كقوله ﷺ : "لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ في سَبِيْلِ اللهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلَ" (١) إظهارًا لشرف الجهاد والقتل في سبيل الله، وكذلك يكون تمني النبي ﷺ لرؤية مَنْ يأتي بعدَه، فيه من الشرف وإظهار المنزلة أمرٌ عظيم.
الأربعون: الظاهر أن هذا التمنِّي لرؤيتهم في حال الحياة، ونَقَلَ قومٌ أن المرادَ تمني لقائهم بعد الموت (٢). وهذا عندي (٣) ليس بالمتين.
الحادية والأربعون: قال بعضهم: في هذا الحديث جوازُ التمنِّي، لاسيَّما في الخير، ولقاء الفضلاء، وأهل الصلاح، والله أعلم (٤).
الثانية والأربعون: "وَدِدْتُ لَوْ أَنَّا رَأَيْنَا" يحتمل أن تكون النون
стр. 2191
التي فيه هي التي يُقْصَد بها التعبيرُ عن النفس فقط، فتصير كما لو قيل: وَدِدْت أني رأيت.
ويمكن أن يدخل تحتها الصحابةُ أيضًا، ويُقوَّى ذلك بما في رؤية الصحابة لبقية الأمة من المصالح الدينية لهم، وانتقال كثير من الغيبيات إلى المشاهداتِ المحسوساتِ، فتكون هذه الوَدَادَة من النبي ﷺ من باب صفته التي وصفه الله ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ويحتمل [عندي] (١) أن يرجعَ هذا المعنى بعينه إلى مصلحة المؤمنين الآتين بعد الصحابة؛ لما فيه من المصالح الدينية ومشاهدة الرسول.
الثالثة والأربعون: ذَكَرَ بعضهم: أن فيه شرفَ هذه الأمة؛ لتمني رسول الله ﷺ أن يراها، قال: فنحن أولى أن نكون لرؤيته أشدَّ تمنيًا وأكثر قطعًا.
الرابعة [والأربعون] (*): قوله ﷺ : "إخواننَا" صيغة جمع، فتقتضي أنَّ المراد كل الأمة، والله أعلم.
الخامسة والأربعون: هذه الأخوَّةُ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (٢).
السادسة والأربعون: قوله ﷺ : "أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وإِخْوَانُنَا الذيْنَ
стр. 2192
لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ" ليس [فيه] (١) نفيُ الأخوَّةِ عنهم، وإنما هو إثبات فضيلة لهم زائدة على الأُخوَّة، والسبب فيه - والله أعلم - أن الموضعَ موضعُ تشريفٍ وتكريمٍ وتنويهٍ، ولا يليق بمثله الاقتصارُ على وصفٍ أدنى مع وجود ما هو أعلى منه إذا أمكن الوصف به، وللصحابة ﵃ فضيلةُ الصحبة وهي زائدةٌ على أخوَّة الإسلام، موجودة فيهم، معدومة فيمن بعدهم.
السابعة والأربعون: قوله عقيب: "وَإِخْوَانُنَا الذينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ". قَالَ: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ فيه تقديمٌ عن تأخير؛ لأن ما تقدم من قوله ﷺ "وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا". قَالُوا: أَوَ لَسْنَا إِخْوانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَنْتُم أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الذينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ" لا يقتضي السؤال عن كيفية معرفة من يأتي بعده؛ لأنه ليس فيه إلا وَدادَةُ رؤيتهِم، ولا يقتضي ذلك معرفتَهم حتى يُسألَ عن كيفيتها.
وإنما هذا السؤالُ بعد معرفةِ كونِ النبي ﷺ فَرَطًا، ومعرفة مَنْ يَرِد على الحوض ممن يأتي بعده، فيتوجَّه السؤالُ حينئذ عن كيفية المعرفة التي وقع الإخبارُ بها، كما ورد في حديث آخر بعد ذكر الحوض: "وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ" (٢)، فإنه إذا حصل الإخبار بالمعرفة
стр. 2193
حَسُنَ السؤالُ عن كيفيتها، وهذا مما يوضِحُ لك صوابَ رأي المحدِّثين في طلب كثرة الروايات بشهادة بعضها لبعض، وبيان بعضها من بعض.
الثامنة والأربعون: قال القاضي أبو بكر فيما وجدته عنه: فيه تشبيهُ الرجل الكريم بالخيل، كما يُشَبَّهُ الرجلُ اللئيم بالحمار، ثم قال: إن الأغرَّ من الخيل أشرفُ من البهيم.
قلت: وهذا ذكر لأمر وجودي لا يتعلق بالأحكام الشرعية بنفسه.
التاسعة والأربعون: قوله: "أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَه؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَإِنَّهُمُ يأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ الوُضُوء"، فهذه الإضافة في قوله: "خيله"، والضمير في قوله: "فإنهم يأتون" مما يتعلق بالعموم والخصوص بالنسبة إلى هذه العلامة.
الخمسون: ذكر القاضي أبو بكر فيما وجدته عنه: أن الفرَط والفارِط هو متقدِّمُ القوم إلى أيِّ شيء أرادوا، والفَرَطُ أيضًا: ما أصيب به الرجل من ولده، فكأنه يتقدمهم على الحوض، فالفرط المُتقدِّم على أي حال كان، فكأنه عند حوضه ينتظرهم حتى يَرِدُوا عليه.
وقال بعضهم: قال الهَرَويُّ وغيره: معناه: أنا أتقدمهم إلى
стр. 2194
الحوض، يقال: فَرَطْتُ القومَ: إذا تقدمْتُهم؛ ليرتاد (١) لهم الماء، ويُهيئَ لهم الدِّلاء والرِّشاء (٢).
الحادية والخمسون: قال: وفي هذا الحديث بِشَارةُ هذه الأمة (٣) زادها الله شرفًا، فهنيئًا لمن كان رسولُ الله ﷺ فَرَطَه (٤).
قلت: وفيه أيضًا تعظيمٌ لها، وهو معنى حسن.
الثانية والخمسون: "لَيُذَادَنَّ" هكذا الرواية هاهنا، وفي "الموطأ" رواية أخرى: "فَلا يُذَادَنَّ" (٥)، فالأولى (٦): على الإخبار، والثانية: على النهي، وهو من قبيل: فلا أَرينَّك هاهنا (٧). "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ" على صيغة الجمع، هو المشهور، وهو يدل على وقوع هذا في حق جماعة، وروي: "رَجُلٌ" (٨)، وهو لا يدل على العموم بنفسه، بل إما بقرينة، أو بتأويل هذا على رواية الإخبار، وأما على رواية النهي، فالإفراد والجمع سواءٌ في اقتضاء العموم.
стр. 2195
الثالثة والخمسون: قوله ﷺ : "أُنَادِيْهِم أَلاَ هَلُمَّ" في هلم لغتان:
أفصحهما (هلمَّ) للرجل، والرجلين، والمرأة، والجماعة من الصنفين، بصيغة واحدة، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨].
واللغة الثانية: هلمَّ يا رجل، وهلمَّا يا رجلان، وهلموا يا رجال، وللمرأة هلمي، وللمرأتين هلما، وللنسوة هلمْنَ (١)(٢).
الرابعة والخمسون: قوله ﷺ : "سُحْقًا سُحْقًا" معناه: بُعْدًا بعْدًا، والمكان السحيق: هو البعيد، وفي اللفظة لغتان قرئ بهما في القرآن؛ إسكانُ الحاء وضمُّها، وقرأه الكِسائي بالضم (٣).
الخامسة والخمسون: النصب، في "سحقًا" بفعل مصدر، ورواية سعد بن طارق قد تقدم من الكلام ما يُسْتَدَلُّ به على ألفاظها، وأما رواية مروان - هو الفزاري - وما فيها: منْ: " [أحلى] (٤) من العسل باللبن" (٥)؛ ففيه سؤال، وهو أن الأشياء الصِّرْفَة إذا خالطها غيرُها،
стр. 2196
لا سيما مما يُخالف طبعها، فإنه يكسر من صِرَافتها، فيكون اللبن كاسرًا من حلاوة العسل، والأقرب أن يضمن (أحلى) غير معنى الحلاوة كأطيب، أو ما أشبه ذلك، وقد يمكن أن يكون من حَلِيَ (١)، لا [من حلا] (٢)، يقال: حلا كذا بقلبي.
السادسة والخمسون: وقوله ﷺ "ولآنِيَتُه أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ" لا مانعَ من حمله على حقيقته، ويجوز أن يكون عبارة عن الكثرة، لا العدد المخصوص، والله أعلم.
* * *
стр. 2197
الحديث الثالث عشر
وعن عائشةَ ﵂، - قالت: إِنْ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُحِبُّ التيَمُّنَ في طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّر، وفي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وفِي انْتِعَالِه إِذَا انْتَعَلَ. متفق عليه (١).
стр. 2198
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في تصحيحه:
وقد ذكرنا أنه متفق عليه، وقد أخرجه بقية الجماعة؛ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومرجعه إلى رواية أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ﵂.
ورواه عن أبي الأحوص، وهو عند مسلم والترمذي وابن ماجه.
ورواه عن شعبة، وهي عند مسلم والأربعة، وفي الألفاظ عن أشعث اختلاف؛ فعند مسلم من رواية أبي الأحوص "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَيُحِبُّ التيَامُنَ في طُهُورِهِ إِذا تَطَهَّرَ، وفي تَرَجُّلِهِ إذا تَرَجَّلَ، وفي انْتِعَالِهِ إِذَا انتعَلَ".
وعند أبي داود من رواية شعبة: "كَانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التيَامُنَ ما اسْتَطَاعَ في شَأْنِهِ كُلِّه".
وعند النسائي من رواية خالد عن شعبة: "أَنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يُحِبُّ التيَامُنَ ما اسْتَطَاعَ في طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ" قال شعبة: وسمعت الأشعث بواسطَ يقول: "يُحِبُّ التيَامُنَ" وذكر: "شَأْنِهِ كُلِّهِ"،
стр. 2199
وسمعته بالكوفة يقول: "يُحِبُّ التيامُنَ مَا اسْتَطَاعَ في طُهُوره، وَتنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ".
وعند ابن ماجه من حديث عمر بن عبيد الطنافسي، عن أشعث بسنده: "أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُحبُّ التيَمُّنَ في طهُورِه (١) إذا تَطَهَّر، وفي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وفي انْتِعَاله إِذَا انْتَعَلَ" (٢) وقيل: إنه وقع في بعض الأصول: "في نعله" على إفراد النعل، وفي بعضها الأكثر "نعليه" بزيادة ياءٍ على التثنية، ووقع أيضًا في "تنعله" كما ذكرناه عن رواية النسائي، ونسب أيضًا إلى "الجمع بين الصحيحين" للحافظ الحميدي وعبد الحق (٣)؛ أعني: لفظه.
* * *
* الوجه الثاني: في مفردات ألفاظه، وفيه مسائل:
الأولى: مادة الياء والميم والنون على هذا الترتيب يرجع (٤) إليها اليمن بمعنى البركة، واليمين ضد اليسار، واليَمن: الإقليم المعروف، ويقال: تيمَّن.
стр. 2200
الثانية: تقدم الكلام في الطَّهور والطُّهور، ومقتضى المشهور فيه أن يكون بضم الطاء هاهنا، فإن المراد التيمُّن في الفعل لا الماء، ويحتمل أن يُحمَل على الماء بحذف مضاف.
الثالثة: التَّرَجُّلُ: تسريح الشعر.
* * *
* الوجه الثالث: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى (١).
الثانية: [إِنْ] (٢) في قوله: "إِنْ كانَ رسولُ الله ﷺ ليُحِبُّ" هي (٣) المخففة من الثقيلة التي يجوز إلغاؤها وإعمالها، والإعمال أقل، وقد تقدم مواضع (إن) فيما مضى.
الثالثة: إنَّ اللام الداخلة في "لَيُحِبُّ" هي الفارقة بين النافية والمخففة من الثقيلة عند إلغائها، فإنا إذا قلنا: إنْ زيدٌ قائم على أن تكون هي المخففة أشبهت النافية، فجُعلت اللامُ فارقةً.
الرابعة: في كلام بعضهم ما يقتضي لزومَها للفرق، وفي كلام بعض المتأخرين: أنه إذا كان المعنى يقتضي الفرق لم يلزم، وذكر
стр. 2201
أنها (١) في هذا الحديث بإسقاط اللام في "لَيُحِبُّ" (٢)، ونسبه إلى كتاب مسلم، ولعلها رواية عنده.
ومثال ما يحصل الفرق فيه بين النافية والمخفَّفة في المعنى من غير دخول اللام: (إنْ كان الله يغفر لك إذا أطعته)، وكذلك هذا الحديث الذي رواه هذا النحوي من قوله: "إِنْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ"؛ لأنه لا يمكن أن تكون نافية في مثل هذا.
الخامسة: إذا خُفِّفَتْ فبابها أن تدخل على الأفعال الناسخة للابتداء وغيره قليل؛ كقوله [من البسيط]:
شَلَّتْ يمينُكَ إن قتْلتَ لَمُسلِمًا (٣)
وقد وردت في هذا الحديث على الأصل والباب.
السادسة: قوله: "في شَأْنِهِ كلِّه؛ وطُهوره، وتنعُّله، وترجُّلِه" يجوز أن يكون "في طهوره" إلى آخره بدلًا بإعادة العامل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] ويجوز أن
стр. 2202
يكون من باب حذف العطف بين الجمل، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الرعد: ٢]، وقوله [من الخفيف]:
كيفَ أصبحْتَ كيفَ أمسيْتَ مِمّا ... يَزْرَعُ الودَّ في فؤادِ الصَّديقِ (١)
وهو في التقاول كثير ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] إلى آخر ما في الآيات.
السابعة: [ قوله] (٢) "ما اسْتَطَاع" في بعض الروايات يُعرَبُ بما يعرب به قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وذكر فيه: أنه ظرف زمان بتقدير: مدة استطاعتكم، وأن (ما) مصدرية؛ أي: اتقوا الله جهدكم.
الثامنة: هذا اللفظ؛ أعني: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، يحتملُ أن يكون من باب التسهيلِ والتخفيفِ، ويحتمل أن يكون من باب التشديد؛ يعني: أنه (٣) ما وجدت الاستطاعة فاتقوا؛ أي: لا يبقى من الاستطاعة شيء، وبمعنى التخفيف يرجع إلى أن المعنى: فاتقوا الله ما تيسر عليكم، أو ما أمكنكم من غير عسر، ويملِّحُ معنى التخفيف قوله ﷺ : "إِذَا
стр. 2203
نَهَيْتكُمُ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنبِوُه، وإذَا أَمَرتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم" (١)، وهذا ننقله إلى قولها (٢): "ما اسْتَطَاع".
التاسعة: لا بدَّ من حذف مضاف تقديره: في لبس نعله، أو نعليه (٣).
* * *
* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: فيه طلبية البُداءة باليمين على اليسار في الوضوء، وذلك في اليدين والرجلين، قال بعض الشارحين: وأجمع العلماء على أن تقديمَ اليمين على اليسار من اليدين والرجلين من الوضوء سنة، لو خالفه فاته الفضل، وصحَّ وضوؤه.
وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتدادَ بخلاف الشيعة (٤).
قلت: هذا الذي ذكره هو مذهب الإمامية منهم، وأما كونه لا يعتدّ بخلاف الشيعة، فلا ينب في أن تكون علَّتُه بدعتَهُم؛ لأن الأصحَّ اعتبارُ خلاف المبتدع الذي لا يكفَّر ببدعته؛ لاندراجه في اسم
стр. 2204
الأمة، وتناولِ دليل العصمة لجملتهم، وإنما ينبغي أن تكون علَّتُه فقدَهم لما لابد منه في الاجتهاد، وهو خبر الواحد المقطوع بقبوله، وبسبب ورود جزئيات لا تحصى، واستمرار عمل الأمة عليه، وقد استدل صاحب "الغُنية" (١) منهم بما لا دليلَ فيه، وبدعواه الكاذبة في غير ما مكان، وعلى تقدير صحتها فلا اعتبار بها، ولو وفقه الله لقبول (٢) خبر الواحد، واستدل بقوله ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتُم فابْدَؤوا بِمَيَامِنِكُم"؛ ذكره أبو داود وابن ماجه برواية زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهؤلاء ثقات (٣)، لكان (٤) استدلالًا صحيحًا، ويحتاج مخالفُهُ إلى دليل يُخرج الأمر عن ظاهره، ولا يُعارَضُ بالدليل الذي استَدَل به (٥) من أوجب الترتيبَ، وهو أن الله تعالى جمعهم في الذكر؛ أي: اليدين والرجلين، من غير ما يقتضي الترتيب كغيرها من الأعضاء؛ لأن الإجزاء من هذا الوجه إنما هو عند
стр. 2205
التحقق من باب الاكتفاء بالمسمى عند حصوله، وذلك لا ينافي اشتراط أمر آخر بدليل آخر، وهو هذا الحديث الذي ذكرنا فيه صيغةَ الأمر، فإن ادَّعى أنه يدل على الإجزاء من غير هذا الوجه، فليُبَيِّن.
الثانية: قد عرف أنه لا يلزم من استحباب الشيء كراهةُ ضده، والمذكور في المسألة السابقة سُنيَّة التقديم، وقد نقل عن نصِّ الشافعي ﵀ في "الأم": أن الابتداء باليسار مكروه (١)، قال بعض الشارحين: وقد ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بأسانيد جيدة عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا لَبِسْتُم وَإِذَا تَوَضَّأْتُم فَابْدَؤُوا بِأَيامِنِكُمْ" فإن هذا نصٌّ في الأمر بتقديم اليمين، فمخالفته (٢) مكروهة أو محرَّمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمةً، فوجب أن تكون مكروهةً، والله أعلم (٣).
الثالثة: الذي ذكرناه من الاستحباب في تقديم اليمنى (٤) على اليسار في الوضوء، لا يختص به، فإنه قد ثبت البَداءة بالشق الأيمن على الشق الأيسر في الغسل، والعموم الذي في "طهوره" يدل عليه.
стр. 2206
الرابعة: الشافعية أو بعضهم، لم يقل (١) بالتعميم للاستحباب في كل أعضاء الوضوء، وجعل من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخَدَّان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه، قدَّم اليمين (٢).
قلت: كأنه يجعل عدم إمكان الجمع شرطًا في الاستحباب، وليس بالواضح، فإنه يمكن الجمع مع ورود ما يدل على استحباب البَداءة باليمين، كما حكينا من البداءة بالشق الأيمن في غسل الجنابة، ليس لأجل استحباب تقديم اليمين، بل لمعنى غيره، وفيه إلغاء ما يمكن أن يكون معتبرًا، وقد نُقِل وجه عن الشافعية.
وأيضًا فقد يمكن غسل اليدين والرجلين دفعةً واحدةً مع استحباب تقديم اليمين. وأما الوجه؛ ففي الحديث ما يدل على عدم تقديم الشق الأيمن على الأيسر فيه؛ إما بطريق الظاهر والدلالة، وإما بطريق ما نقل، مع أن الأصل عدم غيره، فهذا (٣) ينبغي أن يستثنى عن الاستحباب، بل ربما نزيد فنقول: إنه يستحب عدم التقديم أو يكره التقديم؛ للحاجة إلى دليل يدل على هذا الخصوص، وهو مقدم على الدليل العام في استحباب البَداءة باليمين، وهذا (٤) الذي ذكرناه في
стр. 2207
الوجه يجري مثله في الرأس، بل الدلالة عليه فيه أقوى؛ للنص على كيفية المسح باليدين معًا؛ إقبالًا وإدبارًا دفعة واحدة.
الخامسة: ذكر غيرُ واحد في معنى هذا الحكم دخولَه في باب التفاؤل، فذكر بعضهم في قول: "كَانَ يُحِبُّ التيامُنَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ"، وقيل: إنه كان ذلك منه تبرُّكًا باسم اليمين؛ كإضافة (١) الخير إليها، كما قال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ولما فيه من اليُمن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضُه الشِّمال (٢).
السادسة: قال بعضهم: ويؤخذ من هذا الحديث احترامُ اليمين وإكرامها، فلا تستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء من خسيس الأعمال، وقد نهى ﷺ عن الاستنجاء، ومسِّ الذكر باليمين (٣).
وقال غيره من الشارحين: وكان رسول الله ﷺ يحب التيمُّن في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجُّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل، هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهو أن ما كان من باب التكريم والتشريف؛
стр. 2208
كلُبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه.
وأما ما كان بضدِّه؛ كدخول الخلاء، والخروجِ من المسجد، والامتخاطِ، والاستنجاءِ، وخلعِ الثوب، والسراويلِ، والخفِّ، وما أشبه ذلك، يستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين ولشرفها (١).
قلث: وقد ورد في الاستنثار في الوضوء، استعمال اليسار، ذكره النسائي، وترجم عليه (٢)، وهذه الأشياء التي ذكرها هذا الذي حكينا عنه متقاربة (٣) الرتبة عندي في الاستحباب، بل وفي استحباب بعض ما ذكره في الخَلْع نظر، وقد ورد في النعل استحباب الخلع لليسار أولًا (٤)، فهو دليل صحيح فيه.
стр. 2209
السابعة: قد حكينا عن غيرنا صورًا مما يُسْتحب فيها (١) التيمن، وهي ثماني عشرة صورة، وكلها مسائلُ جزئية تدخل في العدد، ومن ذلك: مناولة الشراب للأيمنِ فالأيمن، وفي خصوصه حديث صحيح ثابت: أَنَّ النبيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ أعْطَى الأَعْرابِيَّ وقَال: "الأيمن فَالأَيْمَنَ" بعدَ أَنْ قَالَ له عُمَرُ وأبو بكْرٍ ﵄: يا رسولَ الله! (٢)، ومنه المعاطاة، والمناولة، ومنه المبايعة والمعاهدة، والأيمن في الصفوف، والتيمُّم في أعضاء الوضوء، والبداءة باليمين في الالتفات عند الحَيْعَلتين، والبَداءة بالشّق الأيمن في غسل الميت، وتوجيهه إلى القبلة على قولٍ، ووضعه في لحده على الأيمن، وإشعار البُدْن على قول بعض العلماء، فهذه المسائل تكمل أربعة وثلاثين.
الخامسة والثلاثون: هذه الأماكن المكروهُ فيها تقديم اليسار تخصُّ العموم الذي في قولها: "في شَأْنِه كلِّه" مما ورد من الدلائل الخاصة المقتضية لتقديم اليسار في شيء مخصوص، فهو دليل تخصيص فيه، فإن أجري غيرُه مجراه فبالقياس.
стр. 2210
السادسة والثلاثون: قد ذكرنا عن بعض الشافعية: أنه لا يستحبُّ البَداءة باليمنى في الأذنين؛ لإمكان مسحهما دفعة، ورأيت في تراجم بعض حفاظ الحديث ما يدل على نقيضِ ذلك فيما هو أبعدُ من مسألة الأذنين، وذلك أنه قال: الترغيب [في التيمن] (١) في الطهور، والترجُّل، والانتعال، والدليل على الابتداء بغسل الكف الأيمن، والمنخر الأيمن في الاستنشاق (٢)، وهذا بُعْدٌ لا يقتضيه المفهوم من إطلاق الأحاديث، ثم إنه بعيد عن الاستعمال، وإن كان النبي ﷺ فعله لاقتضى غرابتَه ذكره. والاستدلالُ بالعموم هاهنا ضعيفٌ، تتقدم عليه غلبة الظن الناشئة عن العرف والعادة، وغلبة الظن بذكره عند المخالفة لو كانت.
وأما الكف: فإن أراد به البَداءة باليمين في صَبِّ الماء فهو جيد، قد يدل عليه بعض ألفاظ الأحاديث.
وإن أراد البَداءة بها في الغسل، فبعيد، لا يدل عليه لفظ حديثٍ فيما أعلم.
السابعة والثلاثون: قد يتوَهَّمُ أن الطواف على اليسار مخالف لهذه القاعدة، وليس الأمر كذلك؛ لأن من استقبلك فيمينه قُبَالة يسارك، ويساره قبالة يمينك، فاعتُبرتِ اليمين هاهنا بالنسبة إلى البيت، لا بالنسبة إلى الطائف.