← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يصلح للبعض والجمع، والنكرةَ في النفي (١). فقولُهُ: والمضاف مما يصلح للبعض والجمع: تقييدٌ [يقتضي] (٢) ما قدَّمنا حكايته (٣). وقد بنى على هذا أنَّ لفظة (٤) الميتة في الحديث لا تكونُ (٥) للعموم؛ لأنه ليس مما ينطلقُ على الكثير والقليل، فلا يقال لعدد من الميتات ميمّة، وهذا يخالف استدلالَ الناس بهذا العموم، وللنظر فيه فضلٌ (٦)، وقد يمنع أمتناع أنْ يقالَ للجميع (ميتة) باعتبارٍ ما، [وهو أعتبار الهشة الإجماعية.] (٧). الثانية والثلاثون: في قاعدةٍ يُبنَى عليها غيرُها: الحقائقُ إما أن لا ينطلىَّ لفظُ بعضِها على بعض، وهي المتباينة كالإنسان والفرس، أو ينطلقَ لفظُ كلّ واحد منهما على الآخر، وهي المتساوية كالإنسان مع الناطق، أو ينطلقَ أحدُهما على كل ما ينطلق عليه الآخرُ من غير عكس من الطرف الآخر، فالأولُ هو العام من كل وجه، والثاني الخاص، كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، فإنَّ الأولَ ينطلق على كل الثاني،

стр. 247

والثاني لا ينطلق على كل الأول، فالأول عام مطلقاً، والثاني خاص بالنسبة إلى الأول، أو ينطلقَ كلُّ واحدٍ منهما على بعض ما ينطلق عليه الآخر، فكلُّ واحد منهما عامٌّ بالنسبة إلى الآخر من وجه دونَ وجه كالحيوان والأبيض، فإن الحيوانَ ينطلق على بعض الأبيض، والأبيضُ ينطلق على بعض الحيوان (١). إذا ثبت هذا فنقول: إذا وردَ لفظان كلُّ واحد منهما عامٌّ من وجه وخاصٌّ من وجه؛ فالمسألةُ من مشكلات علم الأصول، واختار قوم [فيها] (٢) الوقفَ إلا بترجيحٍ يقوم على [العمل بأحد] (٣) اللفظين بالنسبة إلى الآخر، وكأنه يُراد الترجيحُ العام الذي لا يَخُصُّ مدلولَ العموم، كالترجيحِ بكثرة الرواة وسائرِ الأمور الخارجة (٤) عن مدلول العمومين من حيثُ هي عمومٌ (٥). وقال أبو الحسيَن في كتابه "المُعتمَد": وليس يخلو مثلُ هذين

стр. 248

العمومين، إما أن يُعلمَ تقدّمُ أحدِهما على الآخر، أو لا يُعلَمَ ذلك، فإن لم يعلَم ذلك، لم يخلُ إما أن يكونا معلومين، أو مظنونين، أو أحدُهما معلوماً والآخرُ مظنوناً (١)؛ لأنَّ الحكم بأحدهما طريقُهُ الاجتهادُ، وليس في ترجيح أحدِهما، أيّ: ما يقتضي اطِّراحَ الآخر، وليسَ كذلك إذا تعارضا في كلِّ وجه، فإن لم يترجَّحْ أحدُهما على الآخر، فالتعبد (٢) فيهما بالتخيير (٣) (٤). وقال الفاضلُ أبو سعد (٥) محمد بن يحيى - رحمه الله تعالى - (٦) فيما وجدتُهُ معلَّقاً عنه في العامَّين إذا تعارضا: كما يُخَصَّصُ هذا

стр. 249

بذاك لمعارضته، أمكنَ أن يخصَّصَ ذلك (١) بهذا، وليس أحداهما بأولى من الآخر، فمنظَرُ فيهما: إن دخل أحدَهما تخصيصٌ مُجْمَعٌ [عليه] (٢)، فهو أولى بالتخصيص، وكذلك إذا (٣) كان أحدُهما مقصوداً بالعموم، يُرجَّحُ على ما كان عمومُهُ اتفاقاً (٤). الثالثة والثلاثون: اختلفوا في أكلِ التّمْساح: فمنعه الشافعيُّ (٥)، وأباحه مالكٌ وأصحابُه (٦) (٧)، رحمة الله عليهم أجمعين، وهو إحدى المسائل التي تبنىَ على هذه القاعدة، وبيان ذلك: أنَّ قولَه: "الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" إذا جعلناه عامًّا - كما استدلَّ (٨) الناسُ به على العموم - دخل فيه التمساح، ويعارضه نهيُه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع (٩)، فهو عامّ بالنسبة إلى البري والبحري، فيدخل (١٠) فيه التمساح، فيكون

стр. 250

كلُّ واحد منهما عاماً من وجه، خاصاً من وجه، فيدخل تحت القاعدة، اللهمَّ إلا أن يدَّعيَ المالكيةُ انصرافَ لفظة (١) (السباع) إلى البري؛ لتبادر الفهم عند الإطلاق إليه، فعلى هذا لا يعارض كل واحد منهما الآخر من وجه، وإذا عورضوا بوجود الحقيقة في السَّبُعية، وثَبَتَ لهم العرفُ في الاستعمال، كان الاستعمالُ مقدَّما على الحقيقة اللغوية، وإن لم يثبت ذلك، فلابدَّ من ترجيح، فإن طُلِبَ الترجيحُ العامُّ الخارفيُّ عن مدلول اللفظين، فقد يرجِّحُ المالكيةُ عمومَ هذا الحديث بموافقة ظاهر قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. الرابعة والثلاثون: الحكمُ بحلّ ميتته يدلُّ على طهارتها، مع ضميمة مقدمة أخرى، وهي: أن النجسَ لا يحل أكلُه، بدليل نهيِهِ ﵇ بأن لا يُقرَب مائعُ السَّمنِ إذا وقعتْ فيه الفأرةُ (٢). الخامسة والثلاثون: اختلفوا في إباحة أكل السمك الطافي، والذي ذكره الحنفيةُ ﵏ كراهتَهُ، ومذهبُ الشافعي ومالك

стр. 251

- رحمهما الله تعالى - إباحتُه (١)، وعمومُ الحديث يقتضيه. السادسة والثلاثون: ما يُسمَّى سمكاً من حيوان البحر، فهو مباحٌ من غير خلاف، وأما غيره فنُقِل عن الشافعي ﷺ قولٌ غريب: أنه لا يَحِلُّ؛ لأن اسم السمك لا يتناوله. وقيل: إنه مرجوع عنه (٢). والصحيحُ من مذهبه تعدي الحِلِّ (٣) إلى غيره في الجملة (٤)، وهو جارٍ تحت عموم اللفظ. والذي نقلناه من القول هو الذي ذكره الحنفية؛ أعني [أنه] (٥): لا يُؤكَلُ من حيوان الماء إلا السمكُ. السابعة والثلاثون: تعليقُ الحكم بالميتة، هل يقتضي التخصيصَ بها من جهة المفهوم؟ يمكنُ أن يقالَ ذلك جريًا على المفهوم عند أرباب المفهوم، ويمكن أن يقال: إنه لا يدل؛ لأن العلة في القول بالمفهوم طلب فائدة التخصيص، وتَعَيُّنُ (٦) المخالفة فائدة، ولهذا قالوا: إنَّ التخصيصَ إن

стр. 252

كان سببُهُ العادةَ لم يقتضِ المخالفةَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فإنه وُجِد للتخصيصُ سبب (١) آخر غير معنى المخالفة، فعلى هذا يقال: سببُ التخصيص بالذكر تقديم (٢) تحريم الميتة، وإخراج هذا الجنس منها، فقد وُجِد سببٌ غيرُ المخالفة. الثامنة والثلاثون: إذا فَرَّعنا على أنه من مفهوم المخالفة الذي يدلُّ على نفي الحكم عما عداه، فيؤخَذُ منه ما اختلف فيه الشافعيةُ - رحمهم الله تعالى - في ابتلاع السمكة حيةً، هل يجوز من جهة الحل، وإن مُنِعَ من جهة التعذيب (٣)؛ فإذا قلنا بالمفهوم، فمُقتضَى ذلك المنعُ؛ لتخصيص الحِلّ بالموت، فيخرجُ عنه الحيُّ في الحكم، وهؤلاء يجعلون الموتَ في السمك كالذبح في غيره ليحصُلَ الحِلُّ. التاسعة والثلاثون: قد أشرنا إلى مفهوم المخالفة بالنسبة إلى الحيِّ من سمك البحر، ويكون لهذا اللفظِ مفهومُ الموافقة من وجه آخر، وذلك أنَّا لمَّا بيَّنا أن عُرْفَ الشرع في الميتة عدمُ (٤) الحياة من غير ذكاة، فإذا دلَّ اللفظُ على إباحة ذلك كان ما ذُكِّيَ أولى بالإباحة. وهذا من طريف ما وقع أنْ يُجمَعَ في صيغة واحدة مفهومُ موافقة ومفهوم مخالفة باعتبارين كما ذكرناه.

стр. 253

ولك أن تنظرَ في أن تذكيةَ هذا الحيوانِ البحري، هل يباح إباحةً مطلقةً؟ الأربعون: الحلُّ مضافٌ إلى الميتة، والأعيانُ لا تقبل الحل والحرمة بنفسها، بل بأمر يتعلَّقُ بها، وذهب (١) بعضُ الأصوليين إلى الإجمالِ في مثل هذا؛ لأنه لابدَّ من إضمار مُتعلِّقٍ، والمتعلقاتُ متعددةٌ لا ترجيحَ لبعضها على بعض، فيجيء الإجمالُ، واختاروا كونها (٢) مقتضيةً لتحيرم ما يراد من العين عرفاً، فتحريمُ الميتة تحريمُ أكلها، وتحريم المرأة تحريمُ الاستمتاعِ بها، وتحريم الخمرِ تحريمُ شربِها، فعلى هذا المختار ينبغي أن يكون التقدير في قوله ﵇: "الْحِلُّ مَيْتتُهُ": الحل أكل الميتة (٣)، ولا يكون فيه دليلٌ على تحليل ما ليس بأكل من الأفعال المتعلقة بميتته. وفي مطاوي كلام بعض المناظرين ما يشهد (٤) بالقول بالعموم في المتعلقات، ويمكن أن يُوجَّهَ هذا بأن الحقيقةَ لمَّا زالت تعيَّنَ أقربُ المجازاث، وأقربُها إلى الحقيقة ما يقتضيه العموم، والله أعلم. الحادية والأربعون: إذا قلنا بالعموم في الميتة، فمن قال بالحِل في جميع ميتته جرى على العموم، ومن قال بتحريم بعض حيوان

стр. 254

البحر، كالشافعي ﵁، فإنه يحرِّم الضَّفدِعَ والسرطانَ والسُّلْحفاةَ على ظاهر مذهبه (١)، فلم يجرِ على العموم، واحتاج إلى دليل التخصيص. وحُكِيَ أنه حضر مجلساً فذكِر فيه مذهبُ أبنِ أبي ليلى أنه أباح الضفدع والسرطان، فأخذ الشافعيُّ ينصره (٢)، فذكر صاحبُ "التقريب" (٣): أن من الأصحاب من عدَّ ذلك قولاً للشافعيّ، والمذهبُ المعروف خلافُهُ. والعمومُ يدلُّ على حِلّها، والشافعيُّ - رحمه الله تعالى - وأصحابُهُ

стр. 255

يأخذون التحريمَ من علَّةِ الاستخباث من قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١)، وهذا يلتفت إلى القاعدة التي سبقت مِنْ تعارضِ العمومين من وجه دون وجه، وهنا يَقوَى (٢) توجيهُ إعمال تحريم (٣) الخبائث إذا صحَّ النظرُ إلى المقصود من اللفظ، وجُعِل في غيره كالمُجمل، فعليك بتمام النظر فيه. الثانية والأربعون: اختلفَ قولُ الشافعي (٤) ﵁ في الحيوان البحري الذي له نظيرٌ مُحرَّمٌ في البر، ككلب الماء وخنزيره (٥)، وهذا يرجع إلى القاعدة التي ذكرناها من تعارض العمومين من وجه دون وجه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فهو عامٌّ في خنزير البر والبحر، وقولُه ﵇: "الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" عامٌّ في الميتات التي فيها الخنزير، فمن قال بتحريمه، واستدلَّ بالآية، قيل له: هي عامةٌ بالنسبة إلى خنزير الماء، فيُخْرِجُه بالحديث، ومن قال بتحليله، واستدل بالحديث، قيل له: هو عام بالنسبة إلى خنزير الماء، فيُخْرِجُه بالآية.

стр. 256

وهذا فيه ما أشرنا إليه من أنَّ حملَ الخنزيرِ على البريّ يسبق الفهمُ إليه في الاستعمال مع زيادةٍ هاهنا، وهي مَنع كويه خنزيراً حقيقياً، بل هو تشبيه [به] (١). الثالثة والأربعون: إذا قيلَ بإباحة خنزير الماء وكلبِه، ففي اشتراط الذبح قولان [للشافعي] (٢)، أحدُهما: [أنه] (٣) لا يُشتَرط كالسمك (٤)، ويُستدَلُّ بهذا الحديث لهذا (٥) القول. الرابعة والأربعون: ذكر الأصوليون أنَّ تخصيصَ بعض أفراد العامّ بالذكر لا يقتضي التخصيصَ في الحكم، وحكوا خلافَ أبي ثور فيه (٦). ولْننبِّهْ لأمرٍ (٧) وهو: أنه ينبغي أن يقيَّدَ ذلك التخصيصُ بما ليس له مفهوئم كالألقاب، فأما (٨) ما له مفهومٌ كالصفات، فعلى القول بالمفهوم أقد، (٩) أجازوا تخصيصَ العمومِ به.

стр. 257

الخامسة والأربعون: اشتُهِر بينَ الفقهاء حديث: "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالمَيْتَتَانِ السَّمَكُ والجَرَاد" (١)، فإذا نظرنا إلى هذا مع عموم قولهِ ﵇: "الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، كان هذا اللفظُ عاماً، لكن قولَه: "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ"، وتعيين الميتتين [في السمك والجراد مما يَظهرُ فيه التخصيصُ، وتعيينُ الميتتين] (٢) في هذين المذكورين، فيُشْكِلُ عليه مذهبُ عامةِ الفقهاء في عدم تخصيصِ الحِلّ بالسمك، إلا أن يُدَّعَى في بعض ما يقالُ بحلِّه أنَّ السمكَ ينطلقُ عليه. وقد قيل: إن الخلافَ في تحريم ما له نظيرٌ محرَّمٌ في البر يُبنىَ (٣) على هذا؛ أعني: أنه هل يُسمَّى سمكاً، فيؤخَذُ [حلّه] (٤) من اللفظ - المقتضي (٥) تجليلَ ميتة السمك، أم لا؟

стр. 258

ويؤخَذُ حلُّ ما عدا السمكِ من دليل آخرَ، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وينظرُ مع ذلك في اللفظين معاً بما يقتضيه النظرُ الصحيحُ، وإنما ذكرنا هذا للتنبيه (١) على ما ينبغي أن يُؤخَذَ من الحديث وما لا. فإن قُلتَ: لا نُسَلِّم أن قولَه: "المَيْتَتَانِ السَّمَكُ والجَرَادُ" يقتضي التخصيص؛ لأنه تعليقُ الحكمِ باللقب. قلت: اللامُ للعهد السابق، وهو الميتة، وتعليقُ الحكم بها تعليقٌ بالوصف، ويتبيَّنُ لك بهذا أنَّ هذا التخصيصَ لبعض أفراد العام بالذكر، وأنه تخصيص يقتضيه (٢) مفهومُ المخالفةِ عند مَنْ يرى به، وفيه هاهنا زيادةُ دَلالةٍ على التخصيص، وذلك أنَّ قولَه ﵇: "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ"، مذكورٌ لبيان الرخصة والاستثناء من الميتةِ المحرَّمِ أكلُها، وذلك يقتضي الحصرَ؛ لأنَّ ما عداه يبقى على الأصل في التحريم، فيُضَمُّ في الدلالة إلى التخصيص بهذا (٣) المعنى. السادسة والأربعون: بهذا البحثِ الذي أشرنا إليه يُسْتَدَلُّ لقول مَنْ قال باشتراطِ الذكاة في ما له نظيرٌ محرَّمٌ في البر إذا أخرجه عن اسم السمك، وقال بحلِّه، لِيَخْرُجَ بذلك عن اسم الميتة من السمك، فيحتاج إلى الذكاة.

стр. 259

السابعة والأربعون: اقتطاعُ قطعةٍ من السمكة ممنوعٌ للتعذيب، وأما حِل أكلها (١) فيؤخَذُ من (هذا) (٢) الحديث، مع مقدمة أخرى وهي (٣): (ما أُبِينَ من حي فهو ميِّتٌ)، [فيقال: هذه القطعةُ ميتةٌ، فإنَّ ما أُبين من حي فهو ميِّت] (٤)، وميتةُ البحر حلالٌ بالحديث، فهذه القطعةُ حلال. الثامنة والأربعون: لما كان اسمُ الميتة شرعاً لما عُدِمَ فيه الذكاةُ الشرعية أو ما يقوم مقامَها كالاصطياد، كان (٥) مِن شَرط الذكاةِ الشرعية أهليةُ المُذَكِّي أو المُصْطَادِ (٦)، فمن ليست له أهليةُ الذكاة فمُصْطَادُه ميتة، [فإذا اصطادَ المجوسيُّ من البحر فمصطادُه ميتة لما قررناه، وميتةُ البحر حلال] (٧). التاسعة والأربعون: اختلف (٨) الشافعيةُ والمالكيةُ في دم السمك هو طاهرٌ، أم لا (٩)؟

стр. 260

فيمكن أن يُجعَل الحديثُ مقدمةً من مقدمات القول بطهارته، بأن يقال: لو كان نَجِساً لما حَلَّ أكلُ الميتتة التي يُحتقَنُ فيها؛ [أي: الدم] (١)، لكنها حَلَّت بالحديث، وتبين (٢) الملازمةُ بأنَّ الأصلَ امتناعُ ما يوجب التحريمَ إذا أمكن، والدمُ المحتبسُ على تقدير نجاسته يقتضي تنجيسَ ما احتُقِنَ فيه بالأصل، فيقتضي تحريمَهُ بالأصل، فعلى تقدير طهارته لا يكون الحكمُ بالحل على خلاف مقتضى الدليل، [وعلى تقدير نجاسته يكون الحكم بالحل على خلاف مقتضى الدليل] (٣)، وعلى تقدير نجاسته يكون الحكمُ على خلاف مقتضاه، فيُرجَّحُ الأولُ على الثاني (٤)، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ الحكمَ بطهارته معِ تسليم كونه دماً خلافُ الأصل أيضاً، فعليك بتمام البحث، وقد مَنعَ بعضُ الناس (٥) أنَّ دمَ السمك دمٌ حقيقي. الخمسون: رأيتُ عن بعض الحنفية: أنَّ المتأخرين اختلفوا فيما

стр. 261

يعيشُ في الماء مما ليس (١) له نَفْسٌ (٢) [سائلة] (٣)؛ كالضفدع والسرطان والسمك ونحوهِ، إذا مات في غير الماء كالخَلِّ ونحوه، هل ينْجُس، أم لا؟ فقال بعضهم: ينجُسُ؛ لأنه مات في غير معدنه، ومنهم من قال: لا ينجس؛ لأنه ليس له دم سائل، وقيل: بأن هذا قولُ أبي يوسف ومحمد، والأول قول أبي حنيفة ﵁ (٤). وهذا إنما يتعلَّقُ بالحديث من جهة الإضافة التي في (ميتته)، فإذا حملنا (ميتته) على دوابه من غير اعتبار موتها فيه، جاء القولُ الثاني، ويشهد له المعنى المستنبَطُ من تعليل عدم نجاستها بعدَم النفس السائلة، وإن اعتُبِرَ في هذه الإضافةِ موتُها جاء فيه القولُ الأول، ولاشكَّ أن العربَ تكتفي في الإضافة بأدنى ملابسةٍ، والله أعلم. الحادية والخمسون: الماءُ إذا كان على أصل خِلْقَتِهِ فهو طَهور، وإن كان متغيِّرًا بأصل الخلقة، ورأيتُ عند (٥) بعضِ الشافعية الاستدلالَ بهذا الحديث على هذه المسألة، بناءً على أنه يتناول المتغير وغير المتغير (٦).

стр. 262

واعلمْ أنَّ المتغيرَ بأصل خلقته يدخلُ تحتَ مدلول اللفظ إذا قلنا: إنَّ اسمَ البحرِ ينطلقُ على المالح والحلو، وإلا فالمالح بأصل خلقته لا يقال في صفاته: إنها متغيرة، إلا بالنسبة إلى غيره، مما (١) لا يدل عليه لفظ البحر، والله أعلم. * * *

стр. 263

الحديث الثاني وعنه؛ أي: وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لاَ يَبُولَنَّ أَحَدكمْ فِيْ الْمَاء الدَّائِم (١)، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، أخرجه مسلم (٢).

стр. 264

الكلام عليه من وجوه: * * * * [الوجه] (١) الأول: في التعريف بمَنْ ذُكِر (٢):

стр. 265

فأمَّا أبو هُرَيْرَةَ: فقد تقدم التعريفُ به، والذي نزيده هاهنا مما يتعلَّق به ما رواه محمد بن سعد الكاتب قال: [حدثنا عارم بن الفضلِ قال: ثنا حماد بن زيد، عن عباس (١) الجُريري قال: سمعت أبا عثمان النَّهدي قال] (٢): تَضيَّفت أبا هريرة سبعاً، فكانوا يتناوبون الليلَ أثلاثًا، ثلثاً هو، وثلثاً امرأتُهُ، وثلثاً خادمُهُ. قال: وقلت لأبي هريرة: كيف تصومُ يا أبا هريرةَ؟ قال: أما أنا فإني أصوم في الشهر ثلاثاً، فإنْ حَدَثَ حدثٌ كنتُ قد قضيته (٣). وأما مُسْلِم رحمة الله عليه: فهو أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القُشيري النَّيسابوري، أحدُ الأئمة في هذه الصناعة، والفائزين بالربح في هذه البضاعة، وقد أَعظمَ الله تعالى به النفعَ للمسلمين، ورفع له وللبخاري ذِكْراً صالحاً في الغابرين (٤)، وجعل أفئدة المسلمين (٥) بعدهما تَهْوي إليهما، وربط قلوبَهم على الوثوق بهما، والاعتمادِ عليهما، ذلك فضلُ الله يُؤْتيه من يشاء، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ.

стр. 266

قال أبو علي الحسينُ بن علي النيسابوريُّ: ما تحتَ أديمِ السماء كتابٌ أصحُّ من كتاب مسلم بن الحجاج (١). وذكر الحاكمُ أبو عبد الله محمدُ بن عبد الله النيسابوري: [أنَّ] (٢) الحسينَ بنَ منصور قال: سمعت إسحاقَ بنَ إبراهيم الحنظليَّ يقول - وقد نظر إلى مسلم بن الحجاج -: مرد كابن برد (٣) (٤). قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو الْمُسْتَمْلِي، سمعت أبا أحمد محمدَ بن عبد الوهاب يقول، وذكر حديثاً عن الحسين بن الوليد في مَسِّ الذَّكَر، فقال: كان مسلمُ بن الحجاجِ يُعجبه هذا الحديثُ، ويراه، ويأخذ به، وكان مسلم بن الحجاج من علماء الناس وأوعية العلم، ما علمت عليه إلا خيراً، وكان بَرًّا - رحمه الله تعالى - بأبيه، وكان أبوه الحجاجُ بن مسلم من مشيخة أبي، ﵄ (٥). وقال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن يعقوب غيرَ مرّةٍ يقول: إنما أخرجتْ نيَسابورُ هذه من رجال الحديث ثلاثةً: محمد بن يحيى،

стр. 267

ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب (١) (٢). وقال: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال: سمعت أحمدَ ابن سلمة (٣) يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلمَ بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما (٤). وقال: قرأت بخط أبي عمرو المُسْتَملي: أملى علينا إسحاق بن منصور سنةَ إحدى وخمسين ومئتين، ومسلمُ بن الحجاج ينتخبُ (٥) عليه، وأنا (٦) المستملي، فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال: لنْ يُعدَمَ الخيرُ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين (٧).

стр. 268

وقال الحاكم في ابتداء ترجمة مسلم بن الحجاج: مسلم بن الحجاج بن مسلم الإمام، أبو (١) الحسين القُشَيري ثم النيسابوري، المقدَّم، الحجة في التمييز بين الصحيح والسقيم. وذكر الحاكمُ مصنفاتِهِ: كتاب "المسند الكبير على الرجال"، قال: وما أرى أنه سمعه منه أحد، [كتاب "الجامع الكبير" على الأبواب] (٢)، كتاب "الأسامي والكُنى"، كتاب "المسند الصحيح"، كتاب "التمييز"، كتاب "العلل"، كتاب "الوحدان"، كتاب "الأقران"، كتاب "سؤلات أحمد بن حنبل"، كتاب "الانتفاعِ بأهب السباع (٣) "، كتاب "عمرو بن شعيب"، قال: يذكر كلَّ من يُحتَجُّ بحديثه وما الخطأ (٤) فيه، كتاب "مشايخ مالك بن أنس"، كتاب "مشايخ الثوري"، كتاب "مشايخ شعبة"، كتاب "من ليس له إلا راوٍ واحد من رواة الحديث"، كتاب "المخضرمين"، كتاب "أوهام المحدثين"، كتاب "تفضيل الحديث عن رسول الله ﷺ " كتاب "طبقات التابعين"، كتاب [أفراد السامعين [من الحديث عن رسول الله ﷺ ] (٥) "، [كتاب "المعرفة] (٦) "، كتاب "ما أخطأ [فيه] (٧) معمر".

стр. 269

وكانت وفاة مسلم - رحمه الله تعالى - عشيةَ [يوم] (١) الأحد، ودفن يوم الإثنين سنةَ إحدى وستين ومئتين، رحمه الله تعالى (٢). * * * * الوجه الثاني: في مَخْرَجه [ومُخَرِّجه] (٣): (و) (٤) هو مرويٌّ من حديث أبي هريرة من غيرِ ما وجهٍ، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلم والنسائي. فأخرجه البخاري من حديث شُعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، باسناد حديث قدَّمه عليه (٥)، ثم قال:

стр. 270

وبإسناده قال:"لا يبولن أحدُكم في الماء [الدائم] (١) , ثمَّ يغتسل فيه (٢) " (٣). وأخرجه مسلم من حديث جرير، عن هشام، عن محمد - هو ابن سيرين -، عن أبي هريرة، ولفظه: "لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ثمَّ يَغتسِلُ منه (٤) " (٥). وأخرجه النسائي من حديث يحيى بن عَتَيق (٦)، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ولفظه كذلك: "لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ثمَّ يَغتسِلُ منه" (٧). ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن يحيى [و] (٨) قال: كان (٩) يعقوبُ لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار (١٠). ورواه أيضاً من حديث عوف، عن محمد، عن أبي هريرة،

стр. 271

ولفظه: "لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ ثمَّ يتوضأُ منه". قال عوف: وقال خِلاسٌ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثلَه (١) * * * * الوجه الثالث: في الاختيار: نُقدّم عليه مقدمةً وهي: أنَّ أهل الحديث إذا قالوا في حديث: أخرجه فلان وفلان مثلاً، أو رووه من غير جهة الكتب المشهورة وقالوا: أخرجه فلان، فإنما يعنون بذلك تخريج أصل الحديث دون آحادِ الألفاظ والحروف. وينبغي للفقيه المُستِدلِّ بلفظة من الحديث إذا نسَبَ الحديثَ إلى كتاب أن تكونَ تلك اللفظةُ التي تَدُلُّ على ذلك الحكمِ الذي اختاره موجودةً في ذلك الكتابِ بعينها، ولا يُعذَرُ في هذا كما يُعذر المحدثُ؛ لأنَّ صناعتَهُ تقتضي النظرَ إلى مدلول الألفاظ، وأكثرُ نظر المحدّث فيما يتعلَّق بالأسانيد ومخارج الحديث، والنظرُ في مدلول اللفظة المعينة خارج عن غرضه (٢)، وهو مُتعلَّقُ غرضِ الفقيهِ عيناً، وعن هذا ينبغي أنْ تتفقَّدَ التراجمَ التي يذكرونها (٣) في المصنفات، فإن دلَّت الترجمةُ على الحكم الذي يريد إثباتَه باللفظة المعينة، ثم قال:

стр. 272

أخرجه فلان، ولم تكنْ تلك اللفظة التي هي عمدة دليله موجودةً في تلك الكتب، كان متسامحاً أو مخطئاً. إذا ثبت هذا فنقول: لما كان هذا الكتاب الذي نحن في شرحه كتاباً مقصودُه الاستدلالُ على الأحكام الفقهية، وكان مُتعلَّقُ نظرِ الفقهاء هو مدلولاتُ الألفاظ، وفيها تتفاوتُ رتبُهم ومفهوماتُهم، وجبَ أن نراعيَ اللفظَ الذي يُنسَبُ إلى الكتاب، وإنْ ذُكِر أنَّ غيره أخرجه معه، فالاعتمادُ على مَنْ نُسِبَ (إليه) (١) أولاً، أو (٢) أضيفت النسبةُ إليه لفظاً. وقد اختلفتْ ألفاظُ هذا الحديث في الكتب المشهورة، ففي بعضها: "ثمَّ يغتسلُ منه"، وفي بعضها: "ثم يغتسل فيه"، وفي بعضها: "ثم يتوضأ منه"، ولم يمكن أن ننسبها نسبةً مطلقة إلى جميع الكتب التي خُرِّجت فيها؛ لاختلاف الألفاظ واختلاف مدلولاتها - وإن كانت متقاربةً [في] (٣) المعنى -؛ لما ذكرناه، فذَكَرْتُ روايةَ مسلم - رحمه الله تعالى - واقتصرتُ على لفظها، ونَبَّهتُ بقولي: "لفظ مسلم" على اختلافٍ في لفظِ غيره. * * *

стр. 273

* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: الماء الدائم: هو الماء الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحاديث: "الَّذِي لا يَجْرِي" (١)، وهو تفسيرٌ للدائم وإيضاح لمعناه، وقال بعضُهم (٢): يَحتمِلُ أن يكونَ احترَزَ عن راكدٍ يجري بعضُهُ كالبِرَكِ ونحوِها. الثانية: إذا ثبت أنَّ الراكدَ هو الساكنُ غيرُ المتحرِّك، فمُقَابلُهُ وهو الجاري، يكون هو المتحرك، والشافعيةُ - رحمهم الله تعالى - استنبطوا من الحكم المتعلق بالراكد معنى اقتضى أن يُحكَمَ في بعض ما هو متحرك حسًّا أنه في حكم الراكد، وذلك أنهم جعلوا العلَّةَ في اتحاد حكم الراكد ترادَّهُ، بخلاف الجاري، ونشأَ عن (٣) هذا: أنَّه لو كانُ الماءُ يستديرُ في بعض أطراف الحوض، ثم يشتدُّ في المنفذ، أنَّ له حكمَ [الماء] (٤) الراكد، فإن الاستدارة في معنى التدافع، والترادُّ يؤيد على الركود. هذا هو المحكيُّ عن إمام الحرمين (٥)، وسيأتي ما هو شبيهٌ بهذا. الثالثة: قولُه ﵊: "لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ثمَّ يَغتسِلُ منه".

стр. 274

[فيه] (١) نهيٌ عن شيئين، والنهيُّ عن الشيئين تارةً يكون على الجمع، وتارةً يكون عن الجمع: أما النهيُ على الجمع فيقتضي المنعَ من كلِّ واحد منهما. وأما النهي عن الجمع فمعناه: المنعُ من فعلهما معاً بقيد الجَمْعِيَّة، ولا يَلزَمُ (منه) (٢) المنعُ من أحدهما، إلا (٣) مع الجَمْعِيَّة، فيمكنُ أن يُفْعَلَ أحدُهما من غير أن يُفْعَلَ الآخرُ. والنهيُ عن الجمع مشروطٌ بإمكان الانفكاك بين الشيئين، والنهي على الجمع مشروط بإمكان الخلو عن الشيئين، والنهي على الجمع منشؤه أن يكونَ في كل واحد منهما مفسد تستقل بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدةُ ناشئةً عن اجتماعهما. [و] (٤) إذا ثبت هذا، فهذا الحديث الذي نحن فيه من باب النهي عن الجمع؛ أي: لا يُجمع بين البولِ في الماء الراكد والاغتسالِ منه. والروايةُ التي يأتي ذكرها من حديث محمد بن عجلان: "لاَ يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ، ولا يَغتسِلُ فيه" نهيٌ على الجمع (٥) (٦).

стр. 275

* الوجه الخامس: في شيء من العربية: قال الشيخ أبو العباس أحمدُ بن عمرَ بن إبراهيم القُرطبي في كتاب "المُفْهِم": الرواية الصحيحة "يغتسلُ" برفع اللام، ولا يجوز نصبها، إذ لا يُنتصَب (١) بإضمار (أن) بعد (ثم)، وبعض الناس قيَّده (٢) "ثم يغتسل" مجزومَ اللام على العطف على "يبولن"، وهذا ليس بشيء، إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلَنَّ"؛ لأنه إذ ذاك يكون عطفَ فعلٍ على فعل، لا عطفَ جملةٍ على جملة، وحينئذٍ يكون الأصلُ مساواةَ الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهِما بالنون الشديدة، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا (٣) عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعدُولُه عن "ثمَّ لا يغتسلنَّ" إلى "ثم (٤) يغتسل" دليلٌ على أنه لم يُرِد العطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله لما أوقع فيه من البول. قال: وهذا مثلُ قوله ﷺ : "لا يضربْ أحدُكم امرأتَهَ ضربَ الأمة، ثمَّ يضاجِعُها" (٥) برفع (يضاجعُها)، ولم يروه أحد بالجزم،

стр. 276

ولا يتخيَّلُه فيه؛ لأن المفهوم منه (١): [أنه] (٢) إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مُضَاجعتها في ثاني حال، فيمتنع عليه ما شاءه بما أساء من معاشرتها، ويتعذرُ عليه المقصودُ لأجل (٣) الضرب، وتقدير اللفظ: (ثم هو يضاجعها)، و (ثم هو يغتسل)، انتهى ما ذكره (٤). وفي بعض إطلاقاته هذه نظرٌ (٥)، وهذا المعنى الذي ذكره يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البول في الماء الراكد، لا عن الغسل منه، ويكون النهيُ عن الغسل [منه] (٦) ليس من مدلول اللفظِ مباشرةً، بل من مدلولاته إلْزاماً، من حيثُ إنه لو لم يكن البول فيه مانعاً من الغسل أو الوضوء منه، لما صحَّ تعليلُ النهي عن البول فيه بأنه سيقعُ منه الغسلُ فيه، لكنَّ التعليلَ صحيحٌ على حَسَبِ ما اقتضاه الكلامُ عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعد البول بطريق الالتزام؛ لأنه لازم لصحة

стр. 277

التعليل، وفي تعيين هذا المعنى - الذي ذكره لأنْ يُحَملَ عليه اللفظُ - نظرٌ. وذكر الشيخ أبو زكريا النواوي رحمه الله تعالى: أن الرواية "يغتسلُ" مرفوعٌ؛ أي: لا تبل ثم أنتَ تغتسل منه (١)، في كلامه (على) هذا الحديث الذي لفظه: "لاَ تبلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ" (٢). قال: وذكر شيخُنا أبو عبد الله بن مالك: أنه يجوز أيضاً جزمُهُ عطفاً على "يبولن "، ونصبُه بإضمار (أن) بإعطاء (ثم) حكمَ واو الجمع (٣). قال النواوي: فأما الجزم فظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهيَّ عنه الجمع بينهما، دونَ إفرادِ أحدهما، وهذا لم يقلْه (٤) أحد، بل (٥) البول منهيّ عنه؛ سواءٌ أراد الاغتسال فيه، أو منه، أو لا، والله أعلم (٦).

стр. 278

وهذا التعليل الذي عللَ به امتناعَ النصب ضعيفٌ؛ لأنه ليس فيه أكثرُ من كون هذا الحديث لا يتناولُ النهيَ عن البول في الماء الراكد بمفرده، وليس يلزم أنْ يُدَل على الأحكام المتعددة بلفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر (١)، والله أعلم. * * * * الوجه السادس: في ذكر القواعد والمقدمات المحتاج إليها (٢) في الكلام على الحديث واستنباط فوائده: أولها: أنَّ القياسَ في معنى الأصل حجةٌ شرعية. وثانيها: أنَّ المفهومَ هل هو حجة أو لا؟ وثالثها: أنَّ المفهومَ هل يُخصِّصُ العمومَ أو لا؟ ورابعها: حكمُ العمومين إذا عارض كل واحد منهما صاحبَهُ من وجه. وخامسها: أنَّ اللفظ العامَّ هل يُستنبَطُ منه معنى يعود عليه بالتخصيص.

стр. 279

وسادسها: استعمالُ اللفظ الواحد في معنيين مختلفين. وسابعها: ذكر حديث القلتين والكلام في تصحيحه (١)، وطريق (٢) الاستدلال به. وسيأتي وجهُ الحاجة إلى هذه القواعد في المباحث إن شاء الله تعالى، وإنما أدخلنا حديثَ القُلَّتين في ذلك؛ لأن بعض العلماء قد خصَّصَ عمومَ هذا الحديثِ به، فلابدَّ في تمام البحث من ذكره. فأما حديث القلتين: فقد بسطنا القول فيه (٣) في كتاب "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" (٤)، والذي نلخصه هاهنا أنه يُعترَضُ على التمسك به من [حيثُ] (٥) جهة الإسناد والمتن جميعاً، والمشهور من طرقه ثلاثة: أحدها: رواية الوليد بن كثير، ثم رواية أبي أسامة عنه، وقد اختلف فيه، ولفظه من جهة محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: سئل النبيُّ ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ﷺ : "إذا كانَ الماءُ قُلَّتين لمْ يَحملِ الخَبَثَ"، وهذا عند أبي داود (٦).

стр. 280

وثانيها: رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر (١)، عن عبيد الله بن عبد الثه بن عمر قال: حدثني أبي: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتين، فإنَّه لا يَنْجُسُ" (٢). وثالثها: رواية ابن إسحاق، وهو مروي عنه من طرقٍ منها: روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير (٣). ومنها: روايته عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، وفيه: "مَا (٤) بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، لَمْ يُنَجّسْهُ شَيْءٌ" (٥).

стр. 281

وعنه إسناد آخر عن الزهري (١). فالاعتراض من جهة الإسناد، والاختلاف من رواية الوليد، فتارةٌ عنه، عن محمد بن عَبَّاد بن جعفر، وتارةً عن محمد بن جعفر بن الزبير (٢)، والاختلاف عنه في ذلك موجود في رواية الحفاظ، والاضطرابُ أحد أسباب الضعف. وأيضا فقد اختُلِفَ في روايته عن عبد الله بن عمر فقيل: عن [عبد الله] بن عبد الله، وقيل: عن عبيد الله بن عبد الله (٣). واختُلِفَ في المتن فقيل في حديث حماد: "قلتين" (٤)، كما

стр. 282

ذكرناه، وقيل: "قلتين، أو ثلاثًا" (١)، ورُوِي حديث من وجه آخر غير هذا الوجه فيه: "أربعون قلة" (٢)، وآخر من وجه آخر: "إذا زادَ الماءُ على قُلَّتين أو ثلاثٍ فإنه لا يَنْجُسُ" (٣). وأيضًا فقد اختُلف في الرفع والوقف: فرواه حمادُ بن سلمة مرفوعا كما قدمناه، وخالفه حماد بن زيد فروى عن عاصم بن المنذر - شيخِ حماد بن سلمة -، عن عبيد الله ابن عبد الله، (٤)، عن أبيه موقوفًا غيرَ مرفوع. ورواه إسماعيل بن عُليَّة، عن (٥) عاصم بن المنذر المذكورِ، عن

стр. 283

رجل - لم يسمِّهِ -، عن ابن عمر موقوفاً أيضاً (١)، إلى غير ذلك من الاختلاف. وهذه الوجوه التي ذكرناها يمكنُ على طريقة الفقهاء أنْ يُسلَكَ فيها طريقٌ يُفضي إلى التصحيح، وهو أنْ يُنْظَر إلى هذه الاختلافات الواقعة فيه إسنادًا ومتناً، فيُسقَطَ منها ما كان ضعيفًا إذ لا يُعَلَّلُ القويّ بالضعيف، وينظرَ فيما رجالُهُ ثقاتٌ، فما وقع في بعضه شكٌّ طُرِح، وأُخِذَ ما لم يقع فيه شك من رواية، وما وقع فيه من اختلاف يمكن الجمع فيه جُمع، كالرواية التي فيها من جهة إسماعيل بن عُليَّة، عن عاصم، عن رجل - لم يسمه -، فإنه يمكن أن يكونَ ذلك الرجل الذي لم يسمه (٢) في هذه الرواية هو المسمَّى في غيرها، وما كان من اختلاف لم يَضُرَّ، لم يُعلَّل به، كالاختلاف بين محمد بن عبَّاد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن الزبير، فإنه إن كان الحديثُ عنهما معا فقد أمكن الجمعُ، وإن كان اضطرابا من الرواة (٣)، والحديثُ عن أحدهما مع جهالة عينه، فإذا كانا معًا ثقتين لم يضرَّ؛ لأنا كيف ما انقلبنا انقلبنا إلى [ثقة] (٤) عدل، ولا يضرّنا جهالةُ عينه. وكذلك يقال في الاختلاف الواقع بين عبيد الله بن عبد الله بن

стр. 284

عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر. وأما الاختلافُ الواقع في الرفع والوقف (١)، فإن صحَّ فالرفعُ يقدَّمُ على ما قرَّرَهُ اْهلُ الأصول، فهذا طريق يمكن أن يُذكَرَ في التصحيح على طريقة الفقهاء والأصوليين (٢).

стр. 285

وقد حكم الفقيهُ الحافظُ أبو جعفر الطحاوي الحنفي - رحمه الله تعالى - بصحة الحديث، ولكنه اعتلَّ في ترك العمل به بوجه نذكره، وهو المشكل في هذا المقام، وذلك أنَّ العملَ به موقوفٌ على معرفة مقدار القلتين المعلَّقِ عليهما الحكم (١)، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد مفهوماتها، وهي الأواني، تبقى مترددةً بين الكبار والصغار حتى تتناول الكوز وتتناول الجرة (٢)، وقد فسرها بها بعضُ السلف؛ أعني: بالجرة، ومع التردد يتعذَّرُ العمل. وأجيب عن هذا بوجهين: أحدهما: أنَّ جعلَهُ مقدَّراً بعدد منها يدلُّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدةَ بتقديره بقلتين (٣) صغيرتين، وهو يقدر على تقديره بواحدة (٤) كبيرة. والجواب الثاني: أنه قد وردَ تقديرُهُ بقِلال هَجَر، وهي معلومة، ولهذا ذكرها النبيُّ ﷺ في مَعرِض التعريف لمَّا ذَكرَ سدْرة المنتهى (٥)، ولا يعرَّف إلا بمعروف.
следующие страницы →