الرابعة: الشافعية أو بعضهم، لم يقل (١) بالتعميم للاستحباب في كل أعضاء الوضوء، وجعل من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخَدَّان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه، قدَّم اليمين (٢).
قلت: كأنه يجعل عدم إمكان الجمع شرطًا في الاستحباب، وليس بالواضح، فإنه يمكن الجمع مع ورود ما يدل على استحباب البَداءة باليمين، كما حكينا من البداءة بالشق الأيمن في غسل الجنابة، ليس لأجل استحباب تقديم اليمين، بل لمعنى غيره، وفيه إلغاء ما يمكن أن يكون معتبرًا، وقد نُقِل وجه عن الشافعية.
وأيضًا فقد يمكن غسل اليدين والرجلين دفعةً واحدةً مع استحباب تقديم اليمين. وأما الوجه؛ ففي الحديث ما يدل على عدم تقديم الشق الأيمن على الأيسر فيه؛ إما بطريق الظاهر والدلالة، وإما بطريق ما نقل، مع أن الأصل عدم غيره، فهذا (٣) ينبغي أن يستثنى عن الاستحباب، بل ربما نزيد فنقول: إنه يستحب عدم التقديم أو يكره التقديم؛ للحاجة إلى دليل يدل على هذا الخصوص، وهو مقدم على الدليل العام في استحباب البَداءة باليمين، وهذا (٤) الذي ذكرناه في
стр. 2207
الوجه يجري مثله في الرأس، بل الدلالة عليه فيه أقوى؛ للنص على كيفية المسح باليدين معًا؛ إقبالًا وإدبارًا دفعة واحدة.
الخامسة: ذكر غيرُ واحد في معنى هذا الحكم دخولَه في باب التفاؤل، فذكر بعضهم في قول: "كَانَ يُحِبُّ التيامُنَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ"، وقيل: إنه كان ذلك منه تبرُّكًا باسم اليمين؛ كإضافة (١) الخير إليها، كما قال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ولما فيه من اليُمن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضُه الشِّمال (٢).
السادسة: قال بعضهم: ويؤخذ من هذا الحديث احترامُ اليمين وإكرامها، فلا تستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء من خسيس الأعمال، وقد نهى ﷺ عن الاستنجاء، ومسِّ الذكر باليمين (٣).
وقال غيره من الشارحين: وكان رسول الله ﷺ يحب التيمُّن في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجُّله إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل، هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهو أن ما كان من باب التكريم والتشريف؛
стр. 2208
كلُبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه.
وأما ما كان بضدِّه؛ كدخول الخلاء، والخروجِ من المسجد، والامتخاطِ، والاستنجاءِ، وخلعِ الثوب، والسراويلِ، والخفِّ، وما أشبه ذلك، يستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين ولشرفها (١).
قلث: وقد ورد في الاستنثار في الوضوء، استعمال اليسار، ذكره النسائي، وترجم عليه (٢)، وهذه الأشياء التي ذكرها هذا الذي حكينا عنه متقاربة (٣) الرتبة عندي في الاستحباب، بل وفي استحباب بعض ما ذكره في الخَلْع نظر، وقد ورد في النعل استحباب الخلع لليسار أولًا (٤)، فهو دليل صحيح فيه.
стр. 2209
السابعة: قد حكينا عن غيرنا صورًا مما يُسْتحب فيها (١) التيمن، وهي ثماني عشرة صورة، وكلها مسائلُ جزئية تدخل في العدد، ومن ذلك: مناولة الشراب للأيمنِ فالأيمن، وفي خصوصه حديث صحيح ثابت: أَنَّ النبيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ أعْطَى الأَعْرابِيَّ وقَال: "الأيمن فَالأَيْمَنَ" بعدَ أَنْ قَالَ له عُمَرُ وأبو بكْرٍ ﵄: يا رسولَ الله! (٢)، ومنه المعاطاة، والمناولة، ومنه المبايعة والمعاهدة، والأيمن في الصفوف، والتيمُّم في أعضاء الوضوء، والبداءة باليمين في الالتفات عند الحَيْعَلتين، والبَداءة بالشّق الأيمن في غسل الميت، وتوجيهه إلى القبلة على قولٍ، ووضعه في لحده على الأيمن، وإشعار البُدْن على قول بعض العلماء، فهذه المسائل تكمل أربعة وثلاثين.
الخامسة والثلاثون: هذه الأماكن المكروهُ فيها تقديم اليسار تخصُّ العموم الذي في قولها: "في شَأْنِه كلِّه" مما ورد من الدلائل الخاصة المقتضية لتقديم اليسار في شيء مخصوص، فهو دليل تخصيص فيه، فإن أجري غيرُه مجراه فبالقياس.
стр. 2210
السادسة والثلاثون: قد ذكرنا عن بعض الشافعية: أنه لا يستحبُّ البَداءة باليمنى في الأذنين؛ لإمكان مسحهما دفعة، ورأيت في تراجم بعض حفاظ الحديث ما يدل على نقيضِ ذلك فيما هو أبعدُ من مسألة الأذنين، وذلك أنه قال: الترغيب [في التيمن] (١) في الطهور، والترجُّل، والانتعال، والدليل على الابتداء بغسل الكف الأيمن، والمنخر الأيمن في الاستنشاق (٢)، وهذا بُعْدٌ لا يقتضيه المفهوم من إطلاق الأحاديث، ثم إنه بعيد عن الاستعمال، وإن كان النبي ﷺ فعله لاقتضى غرابتَه ذكره. والاستدلالُ بالعموم هاهنا ضعيفٌ، تتقدم عليه غلبة الظن الناشئة عن العرف والعادة، وغلبة الظن بذكره عند المخالفة لو كانت.
وأما الكف: فإن أراد به البَداءة باليمين في صَبِّ الماء فهو جيد، قد يدل عليه بعض ألفاظ الأحاديث.
وإن أراد البَداءة بها في الغسل، فبعيد، لا يدل عليه لفظ حديثٍ فيما أعلم.
السابعة والثلاثون: قد يتوَهَّمُ أن الطواف على اليسار مخالف لهذه القاعدة، وليس الأمر كذلك؛ لأن من استقبلك فيمينه قُبَالة يسارك، ويساره قبالة يمينك، فاعتُبرتِ اليمين هاهنا بالنسبة إلى البيت، لا بالنسبة إلى الطائف.
стр. 2211
الثامنة والثلاثون: ولا يخرج عن هذا أيضًا استعمالُ الشمال في الصبِّ على اليمين؛ لأن المقصودَ التطهُّر والتنظُّف، وتقديمُ (١) الأشرف أولى بهذا المقصود، والشمال خادمة فيه.
التاسعة والثلاثون: إذا بدأ باليسرى ثم غسل اليمنى، ثم غسل اليسرى، فهل يتأدَّى بذلك الأمر؟ أما إذا قيل: بالوجوب، فنعم؛ لأنَّ غسل اليسرى أولًا لم يقع مُجزيًا، ولا مُعتدًّا به؛ لفوات الشرط الذي هو الترتيب فيها، فغسلُها المعتدُّ به قد وقع بعد اليمنى، فيحصل بها الإجزاء والاكتفاء.
وأما إذا قيل بالاستحباب: ففيه نظر؛ لأنَّ غسلَها أولًا يقع معتدًّا به في الوضوء، فغسلها بعد اليمنى يكون بعد تمام الوضوء، فلا يتأدَّى به الأمر بالغسل في الوضوء، ولا شك أنه المأمور به؛ لقوله (٢) ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأْتُم فَابْدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ"، فبتمام غسل اليمنى تمَّ الوضوء، فلا يكون غسل اليسرى بعدها من الوضوء.
الأربعون: هذا الذي ذكرناه بالنسبة إلى مجرّد غسل اليسرى أولًا، فلو قدرنا أنها غسلت ثلاثًا أولًا، ثم غسلت اليمنى، فهل يستحب أن تغسل اليسرى ليحصل الترتيب في الوضوء؟
الأقرب لا؛ لأنه دار الأمرُ بين فعل المستحب والوقوع في المكروه
стр. 2212
أو الممنوع، ودرءُ مفسدةِ المكروه أهمُّ من تحصيل مصلحة المستحب. ويؤيد هذا كراهتُهم الوضوءَ المجدَّد (١) قبل الصلاة بالوضوء الأول، أو أداء عبادة تتوقف على الوضوء.
الحادية والأربعون: وضع الإناء الواسع على اليمين في الوضوء، مذكور عند المالكية (٢)، فإن كان المقصودُ به التيسيرَ في الفعل والتمكنَ فيه، فهذا إرشاد إلى أمر دنيويٍّ، وإن كان المقصودُ أنه مندوبٌ يتعلق (٣) به الاستحباب الشرعي، فهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكاد يتأتَّى منه إلا العموماتُ البعيدةُ (٤) التناول، ومثلها لا يقوى، والله أعلم.
الثانية والأربعون: قد حكينا عن غيرنا في شرف اليمين: أنه
стр. 2213
أورد فيه قوله تعالى ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ومن هذا القبيل: إعطاء أهل السعادة كتبهم بأيمانهم؛ [و] (١) منه: "المقْسِطُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَلَى يَمِيْنِ الرَّحْمَنِ، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِيْنٌ" (٢)، وهذا عندي في باب شرف اليمينِ أقوى مما تقدم؛ لامتناع الحقيقة (٣)، فيقوى القصدُ بالكلام إلى شرف اليمين، فتأمله.
الثالثة والأربعون: قد قدمنا في الإعراب احتمالَ أن يكون قولنا: "يُحِبَّ التيمُّنَ ما اسْتَطَاعَ في طُهُورِه وَتَنَعُّلهِ وتَرَجُّلهِ" من البدل بإعادة العامل، وأن يكونَ من حذف حرف العطف من الجمل. وعلى مقتضى الإعراب الأول، لا يقتضي اللفظ العموم في الجميع، بل في الطهور، والتنعل، والترجل، وعلى الإعراب الثاني تكون إعادة هذه الأمور مع اقتضاء اللفظ السابق للعموم من باب التخصيص بالذكر بعد تناول العموم لمعنى فيه من تعظيم أو تحقير، ولا تنتفي الدلالة على العموم على هذا التقديرِ، وتظهرُ الفائدة في إعادة التنعل والترجل؛ ليكون من باب الترقِّي، والله أعلم.
стр. 2214
الحديث الرابع عشر
وعن المغيرةِ بنِ شعبةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ، والخُفَّيْنِ. رواه مسلم من جهة ابن المغيرة، عن أبيه (١).
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: قال أبو عمر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود ابن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس،
стр. 2215
وهو ثقيف الثقفي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عيسى. أمُّه امرأة من بني نصر بن معاوية.
أسلم عامَ الخندق، وقدِم مهاجرًا، وقيل: أول مَشَاهِدِه الحديبية.
روى زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال لابنه عبد الرحمن - وكان قد اكتنى أبا عيسى -: وما أبو عيسى فقال: اكتنى بها المغيرة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال عمر ﵁ للمغيرة: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله، فقال: إن رسول الله ﷺ كنَّاني، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غُفِرَ ما تقدمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّر، فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هَلَك (١).
وكان المغيرة رجلًا طُوالًا، داهية، أعورَ، أصيبت عينه يوم اليرموك.
وتوفي سنة خمسين من الهجرة بالكوفة، ووقف على قبره مسقلة ابن هبيرة الشيباني فقال [من الخفيف]:
إنَّ تحتَ الأحجارِ حَزْمًا وجُودًا ... وخَصِيمًا ألدَّ ذا مِغْلاقِ
حيةً في الوِجار أربدَ لا يَنْـ ... ـفعُ السليمَ منه نَفْثُ الرَّاقي
ثم قال: أما والله لقد كنتَ شديدَ العداوة لمن عاديتَ، شديدَ الأخوة لمن آخيتَ.
стр. 2216
وروى مجالد، عن الشعبي قال: دُهاةُ العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد؛ فأما معاوية فللأناة والحِلم، وأما عمرو بن العاص فللمُعْضِلات، وأما المغيرة فللمبادَهة، وأما زيادٌ فللصغير والكبير (١).
وحكى الرِّياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة، وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم.
قال أبو عمر: يقولون: إنَّ قيسَ بن سعد بن عبادة لم يكن في الدهاء بدون هؤلاء، مع كرمٍ كان فيه وفضل.
قال: حدثنا سعيد بن مسور (٢)، ثنا عبد الله بن محمد بن علي، ثنا محمد بن قاسم، ثنا ابن وضاح، ثنا سحنون، عن ابن نافع قال: أحصن المغيرة بن شعبة ثلاث مئة امرأة في الإسلام.
قال ابن وضاح: غير ابن نافع يقول: ألف امرأة.
قال أبو عمر: ولما شُهِدَ على المغيرة عند عمر، عزله عن البصرة وولَّاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قُتِلَ عمر، فأقرَّه عثمان، ثم عزله عثمان، فلم يزل كذلك إلى أن قُتل.
واعتزل صِفِّين، فلما كان حين الحكمين لَحِقَ بمعاوية، فلمَّا قُتِلَ علي وصالَحَ معاويةُ الحسنَ ودخل الكوفة ولَّاه عليها.
стр. 2217
وتوفي سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين بالكوفة أميرًا عليها لمعاوية.
واستخلَف عليها عند موته ابنه عروة، وقيل: بل استخلَف جريرًا، فولّى معاوية حينئذ الكوفة زيادًا [مع] البصرة، وجمع له العراقَين، وتوفي المغيرة بن شعبة في الكوفة في داره بها، في التاريخ المذكور (١).
وأما ابن المغيرة فإنه مُبْهم في هذه الرواية، وللمغيرة ولد اسمه عروة وآخر اسمه حمزة، كلاهما يروي عنه المسح على الخفين، وهذا الجمع بين المسح بالناصية (٢)، وعلى العمامة، وعلى الخفين مرويٌّ من طريق حمزة بن المغيرة، عن أبيه مطولًا ومختصرًا.
رواه عنه بكر بن عبد الله المزني مطولًا من رواية حميد، عن بكر (٣).
стр. 2218
ورواه سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة هكذا مبهما نحوه (١).
* * *
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وقد ذكرنا أن مسلمًا أخرجه، وروايته له من طريق ابن شهاب، عن حمزة (٢)، ومن طريق التيمي، عن بكر بن عبد الله، وذكر الطرْطيُّ في "اللوامع" حديث حمزة عن أبيه، أنه أخرجه أبو عبد الرحمن عن عمرو بن علي، وحُميد بن مَسْعدة، عن يزيد بن زُرَيع، عن حُميد، عن بكر المزني، عن حمزة، قال: وأظنه وهِم فيه؛ فإن مسلمًا أخرج بهذا الإسناد عن عروة بن المغيرة. قال: وقد تقدم في ترجمة عروة.
قلت: الظن قد يُخطِئ ويُصيب، وقد خرَّج أبو عوانة في "مسنده" من حديث مسدَّد، عن يزيد بن زُريع، عن حُميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه مطوَّلًا، وفيه: "وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَعَلَى العِمَامَة مِنْهُمَا" هكذا مختصرًا أن النَّبي ﷺ مسح على الخفين ومسح مقدَّم رأسه، ووضع يده على العمامة، أو مسح على العمامة (٣).
стр. 2219
وأما رواية مسلم بهذا الإسناد من جهة عروةَ بن المغيرةِ، فهذا لا يقتضي الوهم على الطريقة الفقهية؛ لإمكان أن الولدين معًا روياه عن أبيهما.
وأخرجه أيضًا النسائي، من حديث سفيان بن عيينة، عن إسماعيل ابن محمد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة (١).
وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود (٢).
* * *
* الوجه الثالث:
(الناصية): مقدَّم الرأس، الناصيةُ واحدة النواصي، ونَصَوتهُ: قَبَضْتُ على ناصيته. قالت عائشة ﵂: ما لكم تَنْصُوْن ميِّتَكم (٣)، أي: تمدُّون ناصيتَه، كأنها كرِهَت تسريحَ الميت، والناصاة:
стр. 2220
الناصية بلغة (١) طيء.
وقال (٢) [من الطويل]:
لقد آذَنَتْ أهلَ اليمامة طيِّئٌ ... بحربٍ كَناصاةِ الحصانِ المُشَهَّرِ (٣)
قلتُ: ومن مجاز هذا نواصي القوم بمعنى أشرافهم (٤).
* * *
* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسألتان:
الأولى: [ قد] (٥) قدمنا في حديث عثمان بن عفان ﵁ في قوله: "فَتَوَضأَ، فَغَسَلَ كَفيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ" إلى آخره، وما قيل فيه من جعل "الفاء" في معنى التفسير، وما يتبع ذلك، ومثلُه يعود هاهنا.
الثانية: (الواو) تقتضي الجمعَ لا الاجتماعَ، وقد نُقِلَ عن بعضهم: أنها تقتضيه أيضًا، وقد غُلِّط ونسُبَ إلى الزَّلل، وقد قدمنا أيضًا: أن الجمع ينطلق عليه في الأخبار، وعليه في المُخْبَرِ عنه، وستأتي فائدةُ ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 2221
* الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: اختلف الفقهاء في القدر الكافي في مسح الرأس، وفيه مذاهب:
الأول: أنه لا يكفي فيه إلا مسحُ جميعهِ، وهو مذهبُ مالك ﵀ (١).
والثاني: أنه يكفي مسحُ الناصية، وهو مذهب أشهب من المالكية، ورواية عن أبي حنيفة، وروي عنه: قدر ثلاثة أصابع (٢).
والثالث: أنه يكفي مسحُ الثلثين، وهو قول ابن مسلمة من المالكية.
والرابع: إن اقتَصَر على مسح الثلث أجزأه، وهو قول أبي الفرج من المالكي، قال بعض أكابرهم: وهذا ليس بشيء.
والخامس: أنه يُجزِئ ما انطلق عليه اسمُ المسح، وهو مذهب الشافعي ﵀.
والسادس (٣): أنه لا يكفي أقلُّ من ثلاث شعرات، وهو قول بعض الشافعية (٤).
стр. 2222
وإنما ترجمنا المسألةَ بالاختلاف في القدر الكافي، ولم نترجمها بالاختلاف في المقدار (١) الواجب؛ لأنهما غيرُ متلازِمَين على طريقة المالكية، أعني: أنه لا يلزم من القول بوجوب مقدار المسح، أو مقداره عدم الاكتفاء بما دونه، وإن كان هو القياس؛ لمعارضة قاعدة
стр. 2223
الاستحسان ومراعاة الخلاف، والمسامحة في ترك بعض ما وقع وتَمَّ، وهذا الآخر ضعيفٌ، وقد تشتبه هذه المسامحةُ بعدم نقض حكم القاضي بعد وقوعه، وهو تشبيه ضعيف أيضًا.
الثانية: أما من قال بوجوب الاستيعاب وعدم الاكتفاء بما دونه؛ فهو ظاهر الكتاب العزيز، واستدل على ذلك بوجوه:
أحدها: أن الحكم المعلَّق باسمٍ يقتضي تعليقَه بجملته؛ كأكلْتُ الرغيف، وغسلتُ اليد، وكأن هذا الذي اعتمده مالك ﵀، فإنه روي: أنه سئل عمَّن مسح مقدَّم رأسه هل يُجزِئه؟ فقال: لا، أرأيت لو غسل بعض وجهه؟! (١)
وثانيها: صحة الاستثناء بأن يقال: امسح برأسك، أو امسح رأسك إلا بعضه، والاستثناء يُخرِج من الكلام ما لولاه لدخل.
وثالثها: التأكيد بما يدل على الجملة؛ كامسحْ برأسك كلِّه أو بجملته (٢).
والذي يُعتَرَضُ به على هذا ما ادُّعي من كون (٣) الباء للتبعيض، وقد أنكره ابن جِنِّي وقال: كون الباء للتبعيض شيء لا يعرفه أهل اللغة.
وربما اسْتُدِل ببعض ما ذكرناه على أن الباء ليست للتبعيض، للتأكيد بـ "كل"، للزوم التناقض على هذا التقدير.
стр. 2224
وأما القائلون بإجزاء الناصية، فمُعتَمَدُهم هذا الحديث، وهو ظاهر فيه، وَيعتَذِر من أوجب الجميع عن الاستدلال به، بحَمْلِهِ على الضرورة الداعية إليه.
والقضية قضية حال لا عموم فيها، ولا تقع إلا على وجه واحد، قال بعضُهم: فيجوز أن يكون عن تحديد أو عذر، وإذا احتمل ذلك لم يكفِ في الاحتجاج مجرَّدُ الفعل دون نقل الوجه الذي عليه وقع، وربما يقال: لو كان هناك عذر لنقل.
فأجاب بعض الأولين عنه بأمرين:
أحدهما: أنه لا يلزم الراوي نقلُ كلِّ أمر يعلمه بما يتعلق (١) بالفعل، كما لا يلزمه نقلُ صفات الآنية التي توضأ فيها، والمجلس الذي كان فيه، والوقت والصلاة التي توضأ لها وغير ذلك. وهذا ضعيف؛ لأن ما ذكره في عدده لا يتعلق به شيء من الحكم الذي يحتاج إليه في حقيقة الطهارة الرافعة للحدث، بخلاف هذا (٢)؛ فإنه يتعلق به الاكتفاء بالبعض ظاهرًا.
قال من حكينا عنه: والثاني: أنَّ الراويَ قد لا يعلم العلَّة، فلا يلزمه نقلُ ما لا يعلمه، وعدمُ علمِه به لا يُخْرِجُه عن الاحتمال.
فيقول له الخصم: واحتماله أيضًا لا يُزِيلُ عدمَ الظهور، ولا الأصلَ، ولا شك أن الأصلَ عدمُ الضرورة.
стр. 2225
وأما من قال بإجزاء الثلثين، فإن كان من طريق سَحْبِ الحكم (١) في الأكثر على الأقل، فلا شك أنه مخالفٌ للقياس، وظاهرِ النص، لا سيما إذا سُلِّم أن الأصلَ هو وجوبُ الكل، فلا يبقى لهذا القول إلا التمسكُ بالاستحسان، أو بقاعدة مضطربة، فإنه لا يقوم الأكثرُ مقامَ الأقل في كل مكان، ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى، فإن ادَّعى أن هذا من قبيل ما يُكْتَفَى به بالأكثر، فعليه البيان، فالمذهب ضعيف.
وكذلك من قال: يُكتفى بالثلث، والذي سمع في تعليله: أنه كثير بالحديث الذي فيه "والثلث كثير" (٢) وهذا أولًا: يخرجه سياقُ الحديث عن العموم في هذا المحل، والعمومُ يتخصَّص بالقرائن، وأقواها السياقُ، ثم يَضْعُف بكثرة التخصيصات في كثرةِ الثلث، وبناءُ الحكم على ذلك بما لا يُحصَى من الصور، ثم يضعف ثالثًا بأنه يحتاج إلى مقدمتين:
إحداهما: أنَّ الثلث كثير.
والثانية: أنَّ الكثير يُكْتَفَى به في مسح الرأس، فينتج أن الثلث يُكْتَفَى به في مسح الرأس، والثانيةُ ممنوعةٌ لا دليلَ عليها، فيطالب بإثباتها، فإنه لا نصَّ يدلُّ عليها، ولا لفظَ يرشد إليها، فالمذهب واهٍ، لا سيما وقد اضطرب مذهب مالك وأصحابه في آحاد الصور، ففي بعضها منع الثلث إلحاقًا له بالكثير، وفي بعضها لا.
стр. 2226
وأما من قال بالاكتفاء بأقلَّ ما ينطلق عليه المسح، فالمذكور في تقديره وجهان:
أحدهما: ما يتعلق بالباء، وكونِها للتبعيض وهو شيء غير معروف عند المتقدِّمين من أهل العربية واللغة، وقد حكينا حكاية قول ابن جني، وعن أبي بكر عبد العزيز الفقيه أنه قال: سألت ابن دُرَيدٍ وابنَ عرفةَ وابن دَرَسْتويه عن "الباء" هل تبعَّض؟ فقالوا: لا نعرف ذلك في اللغة.
قال الحافظ الفقيه أبو عمرو ابن الصلاح ﵀ فيما نسب إليه، فنقول: هو لا عاضَد، نكير ابن جِنيِّ على من ينحِّلها التبعيض، وموهنٌ قولَ من قال من أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إن الباء للتبعيض فيه.
وقاله بعض رؤساء النحويين في عصرنا (١).
والثاني: أن الاسم ينطلق عليه، وانطلاقُ الاسم، وحصولُ المسمى المأمورِ به، يكفي في الخروج عن العهدة، وقد تورَّعوا في هذا، وادُّعي أن إطلاقَ المسح بالرأس لا يُفْهَم منه إلا المسحُ لجميعِهِ دون الاقتصار على بعضه.
ولقائل أن يقول في تقدير هذا: مُجرَّدُ حصولِ المسمى، واللفظ الدال على المطلق يكفي في الاكتفاء والإجزاء، إلا إذا كان الحكم معلقًا بالمسمى، أما إذا كان معلَّقًا بمقيَّد، فإنه يحصل فيه المسمى
стр. 2227
واللفظ الدال على المطلق، أعني: بفعله؛ لأنَّ المطلق في ضمن المقيد، ولا يُكْتَفَى في حصول الإجزاء به؛ لأنه يبطل ما تعلق به الأمر من القيد.
بيانه: أنه إذا تعلق الأمر والخبر بمقيد، فإنه بفعل ذلك المقيد يحصل المسمّى، ولا يحصل الامتثال به ولا المقصود من الإخبار، فإنَّه إذا قيل: أعتق رقبة مؤمنة، فإذا أعتقها صدق المطلق، وهو أنَّه أعتق رقبة، وصِدقُ هذا المطلق لا يكفي في حصول الامتثالِ، وكذلك إذا قيل: فلان سارق المئة، فالمسمّى حاصلٌ، وهو كونه سارقاً، ولا يحصل المقصود من الخبر بكونه سرق المئة.
إذا ثبت هذا، فيقال لمن قال: إن المسمَّى حاصلٌ فيحصل الاكتفاء به؛ إما أن يُدَّعى أن الحكم متعلقٌ بالمسمَّى حتى يلزم الاكتفاء بمجرد حصول المسمَّى من المسح، أو يدعي أنه معلق بمقيد، فيحصل الاكتفاء بالمسمَّى؛ فإن ادَّعيتَ الأول فهو ممنوع؛ لأن المأمور به المسح المضاف إلى الرأس، وإن ادَّعيتَ الثاني فلا يلزم حصولُ الاكتفاء والإجزاء بحصول المسمَّى، كما ذكرناه.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن تكون الباءُ ظرفية، ويبقى الأمرُ بالمسح مطلقاً، فيُكْتَفَى بحصول المسمَّى؟
قلنا: لو كان كذلك لكان المأمورُ بمسحه محذوفاً، والظرفية لِذلك المسح لا تقتضي تعلُّقَ المسح بالرأس، فلا يكون في الآية حينئذ دليل على الأمر بمسح الرأس؛ لأنَّ الظرفية لا تقتضي المباشرة
стр. 2228
المطلوبة في المسح التي (١) يتوقَّف الإجْزاء عليها، كما إذا قلنا: زيد بالبصرة وأمثاله، وذلك باطل بالاتفاقِ، وخلاف ما أجمع الناس من دلالة الآية وتعلُّق الأمر فيها بمسح الرأس (٢).
وأما من قال بتوقُّف (٣) الإجزاء على ثلاث شعرات، فإنَّه عوَّل على صيغة الجمع في ﴿رؤوسكم﴾، ويخرج ذلك من قول من قال: لا يُجزِئ في حلق الرأس في الحج أقل من ثلاث شعرات لأجل الجمع، فإن كان معوَّلُه على صيغة الجمع في موضعين، فهو ضعيف جدًا، فإن الخطاب للجمع معلَّق بصيغة الجمع في الرأس، و [في] (٤) مثل هذا لا تُعتبر صيغة الجمع في المتعلق، كما لو قيل: ركب الناس دوابهم، ونظائره، وأقل ما في هذا أنه يجعل اسم الرؤوس انطلق على الشعور، وهو مجاز بعيد.
كمان أراد به [أن] يقيسَ هذا الحكمَ على ذلك بما يحكم بقياس شبهي، فإن أخذ الأصل مسلَّمًا، فقد يمكن ذلك، بشرط أن لا يكون معتمدًا لأصل صيغة الجمع المتعلقة بحلقِ الرأس، فإنَّه إن كان هو المعتمدُ في الأصل - وهو فاسد -، فهو قياس على فاسد، على أنه يكون في الأصل أقربَ من هذا النوع؛ لإشعار لفظ الحَلْقِ بالشعر
стр. 2229
بخلاف المسح، وإن لم يكن هو المعتمد في الأصل، فهو قياس شَبَهِيٌّ ضعيف دون ضعفِ الاستناد إلى صيغة الجمع، والتعلق المنصوصُ أولى.
الثالثة: الذين قالوا: إن الباء للتبعيض؛ من قولهم الفرق بين الفعل المتعدي بنفسه أو (١) المتعدي بحرف الجر، وقالوا: إن المتعدي بنفسه تكون الباء فيه للتبعيض؛ لأنها لو لم تكن كذلك لكانت زائدة، والأصل عدم الزيادة في الكلام.
ويُعتَرض عليهم بوجهين:
أحدهما: منع الملازمة بين عدم كونها للتبعيض وكونها زائدة، وهذا فيه أمران:
أحدهما: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي وهو: كونها تفيد فائدة الدلالة على ممسوح به، وجَعل الأصل فيه امسحوا برؤوسكم الماء، فيكون من باب المقلوب، أي: امسحوا بالماء رؤوسكم؛ وأنشد - الاستشهاد للقلب -[من الكامل]:
كَنَواحِ رِيشِ حَمامةٍ نَجديَّةٍ ... ومَسَحت باللِثْتينِ عَصفَ الإِثْمِدِ (٢)
هذا معنى ما ذكر (٣).
стр. 2230
الأمر الثاني: ما ذكره بعض المتأخرين من المالكية (١).
وثانيهما: أن يقال: إذا سلَّمنا أن الأصلَ عدمُ الزيادة فنقول: الأصلُ متروكٌ إذا دلَّ الدليل على تركه، وقد دلَّ، وهو عدمُ ثبوت كون الباء للتبعيض في لغة العرب ثبوتاً يرجع إليه من قول مَنْ يجبُ الرجوع إلى قوله من أهل هذا الشأن، والاعتمادُ في مثل هذا إنما هو على أقوال المتقدمين المبالغين في الاستقصاء مبالغةً توجب الرجوعَ إلى قولهم.
وأيضًا فالزيادةُ في الحروف قد كثرت كثرةً في لسان العرب لا تُحصى، فالمنع من حملها عليها اعتمادًا على الأصل لا يقوى.
وأيضًا فطريقُ إثباتِ اللغة النقلُ (٢).
الرابعة: أجاز أحمدُ المسحَ على العمامة، وذكر أصحابه خلافاً في أن المسح عليها مؤقت؛ كالمسح على الخفين، أو لا؟ وفي أنَّه هل يشترط أن تكون محنَّكة؟ (٣)
ووافق الظاهري على جواز المسح عليها أيضًا. فظاهر الكتاب العزيز يأبى الجوازَ بتعلُّق المسح بالرأس، فلا يخرج عن العُهدة بالمسح على غيره، وهم يستدلون بالأحاديث الدالة على مسح النبي ﷺ على العمامة، وهذه الأحاديث على قسمين:
стр. 2231
أحدهما: ما قُرن به المسح على الناصية.
والثاني: ما لم يقرنْ به ذلك؛ كالذي روي: أَنَّ النبي ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمارِ (١)، وهو صحيح، وكالذي روي من أَمرِه ﷺ في المسح على العصائب والتساخين (٢)، وفُسِّرت العصائبُ بالعمائم، وهذا الحديث الذي نحن فيه مما قرِنَ فيه المسح على العمائم بالمسح على الناصية ذكرًا، فإذا استُدِلَّ به على جواز المسح على العمامة، اعتُرِضَ عليه من جهة من يرى عدم وجوب تعميم الرأس بالمسح، بأنّه قد تأدَّى الفرض فلا يبقى دليلًا على جواز المسح على العمامة، حيث لم يتأدَّ الفرض، وهذا يعود إلى ما قلناه في غير هذا الموضع من الفرق بين الجمع في الخبر، والخبر عن الجمع، وهذا الاعتراض يتَّجه إذا كان إخبارًا عن الجمع، وهو الظاهر من الحديث، وأقلُّ درجات هذا أن يكون جائزًا، أعني: كونه إخبارًا عن الجمع، الدليل المجيزُ المسحَ على العمامة مطلقاً إذا كان جمعاً في الخبر، وهو ممنوع، فلا يتَّجه الاستدلال بهذا الحديث على مَنْ يرى عدم وجوب التعميم.
وأما من يرى وجوب التعميم فطريقُهم فيه احتمالُ حملِهِ على
стр. 2232
العُذر، وقد قدمنا ما فيه وأن الأصلَ عدمُه.
وأما الأحاديث المطلقة فيمكن أن تُخصَّ بحالة الضرورة، أو يُحمل إطلاق الإخبار على الفعل على صورة الجمع في المخبَرِ عنه، وقد بيَّنا أنَّه لا يقوم على جواز المسح على العِمامة مطلقاً من الحديث الذي جمع فيه بين المسح على الناصية وبين المسح على العمامة، فإذا حُملت الرواية المطلقة على [صورة] (١) الجمع في المخبر عنه لم يبقَ دليل على جواز المسح مطلقاً، إلا أنه خلاف ظاهر الإطلاق، ويتطرق أيضًا في الأحاديث المطلقة احتمالُ العذر والضرورةِ، وهذه الاحتمالات وإن كانت على خلاف ظاهر الإطلاق فقد يرجح التأويل بها (٢)، بالتمسُّك بظاهر القرآن، وهو تمسُّك بلفظ يقتضي وجوبَ مباشرةِ الرأس بالمسح، وليس من باب الفعل الذي يتطرَّق إليه الاحتمالُ لعدم عمومه، نعم الحديث الذي فيه: فأَمَرَهُمْ بِالمَسْحِ عَلَى العَصائِبِ والتساخِيْن (٣)، أقوى؛ لأنه قولٌ، لا حكايةُ حالٍ، واحتمالُ التخصيص أيضًا متطرقٌ إليه؛ لأنه حكم تعلَّق بمخصوصَيْن، مطلقٌ في أحوالهم، فجا [ز] (٤) أن يكونوا من أولي الضرورة (٥).
стр. 2233
الخامسة: الشافعية يكتفون بمسح بعض الرأس، قال بعض مصنفيهم: ولو عَسُر عليه تَنْحِيَةُ ما على رأسه من عمامة، وغيرها ومسح من الرأس قَدرَ ما يجب، كمل ما يمسح على العمامة بدلًا من [الاستيعاب، و] (١) تشبهاً به، قال: والأَوْلى أن يمسح من الرأس الناصية، مسح رسول الله ﷺ بناصيته وعلى عمامته (٢).
ولقائل أن يقول: إذا تعلَّق الحكمُ بالاستيعاب، فهو بالنسبة إلى الوجوب والاستحباب على حدّ سواء، فلا يتأدَّى الاستحبابُ إلا بما يتأدَّى به الوجوبُ؛ لأنَّ الذي عُلِّق عليه الحكمُ منتفٍ في الاستحباب والوجوب معاً، وهو مسح كل الرأس، فإن خُصَّ هذا الحكم - أعني: المسح على العمامة - بحال العسر، فهو تخصيصٌ لا دليل عليه من إطلاق الخبر، ولا يتمُّ التخصيص به بالعسر إلا بدليل، وإن أُخذ مطلقُ الاحتمال فقد قيل مثلُه فيْ رُتبَةِ الوجوب، إذ الاحتمالُ موجود فيه.
السادسة: وإذا احتيج إلى التكميل بالمسح على العمامة، فهل يترجَّح استيعابُ المسح على الناصية على مطلق الاكتفاء بمسح بعض الرأس؟
الذي نقلناه آنفًا عن هذا المصنِّف الشافعيّ ربما (٣) يُفهم منه
стр. 2234
ذلك، والاستدلالُ عليه بالحديث ظاهر إذا قيل به، والله أعلم.
السابعة: إذا لم يَرَوا استيعابَ مسح الرأس، ولا المسحَ على العمامة لعدم العسر في نزعها، فهل يُقال باستحباب المسح على الناصية دون الاقتصار على أقلَّ منها؟
لا يبعد ذلك، والدليل من الحديث عليه ظاهر، لكن بعد أن يُجرد عدم إرادة [المسح] (١) على العمامة وعسرها عن الاعتبار، وأما إذا لم يُجرد؛ ففيه نظر، وربما يقال: إنه أقرب إلى كمال الاستحباب، فيكون بعضَ المطلوب، لكنه لا يدل على تعليق الحكم بخصوص الناصية؛ لاشتراك ما فوقَها معها في هذا المعنى.
الثامنة: إنْ رجح الدليل على جواز المسح على العمامة، فاشتراطُ التوقيت لا يقوى؛ لدلالة الإطلاق على الجواز، ولاحتياج التوقيت إلى دليلِ القياس على المسح على الخفين، وهو ضعيف، وعند الطبراني من حديث مروانَ أبي سلمة، عن شَهْر بن حَوْشب، عن أبي أمامة: أَنَّ النبي ﷺ كانَ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ والعِمامَةِ ثلاثًا في السَّفَرِ، وَيوماً وَلَيْلَةً في الحَضَرِ (٢).
وعن مهنَّا: أنَّه سأل أحمد عن حديث مروان أبي سلمة، عن
стр. 2235
شهرَ بن حوشب، عن أبي أمامةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَمْسَحُ المسافِرُ عَلَى الخُفَّيْنِ والخِمارِ ثَلاثَةَ أَيّامِ وَلَيالِيَهُنَّ، والمقِيْمُ يَوماً وَلَيْلَة". قال أحمد: ليس بصحيح.
فإذا لم يكن صحيحاً لم يُستند إليه، ويمكن أن يكون القائل به إن لم يستند إلى هذا الحديث استندَ إلى القياس.
التاسعة: اشتراط تحنيكها لا دليلَ [عليه] في الظاهر، والإطلاق عليه، ويمكن أن يحال على أمرين:
- أحدهما: اعتبار المشقة المرخِّصة للخروج عن الأصل الذي هو مسح الرأس؛ إما باعتبار المصلحة المرسلة، أو تقريباً من المسح على الخفين.
وثانيهما: اعتبار الفعل العادي في التقييد والتخصيص، فإن عادةَ العرب التحنيكُ، وقد جاء في حديثِ النهيُ عن الاقتعاط، وهو عدم تحنيك العمامة، على ما رُوي وفُسِّر (١).
العاشرة: فيه جواز المسح على الخفين، وسيأتي في بابه، والله أعلم.
стр. 2236
الحديث الخامس عشر
وعندَ الطحاوي من حديث شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيهِ مَعَ الرأْسِ، وَقالَ: "الأُذُنانِ مِنَ الرَّأْسِ" (١). وشَهْر قد تقدم.
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: قد تقدم حالُ أبي أمامة، وحال شَهرِ بن حَوْشَب.
وإنما ذكرتُ هذه الرواية؛ لتصريحها بمسح الأذنين مع الرأس، وصريحِ دَلالتها على المسح مع الرأس، بخلاف الحديث المتقدم الذي ليس فيه إلا "الأُذُنانِ مِنَ الرأْسِ"، فإنَّه محتملُ: الدلالة لأنْ يكونَ المرادُ بكونهما منه: اشتراكَهما في حكمِ مجرَّدِ المسح، وأنْ يكون المرادُ اشتراكَهما في وجوب المسح، وأن يكون المرادُ مسحَهما مرةً واحدةً، ولما كانت الدلالة محتملةً أُتي بهذا التصريحِ في هذا الحكم.
стр. 2237
والمالكية ﵏ قد فرقوا بين كونهما من الرأس، وبين كونهما يُمسحان بماء الرأس، فقالوا: بالأول، ونَفَوا الثاني، فقالوا: إنهما من الرأس، ويُجَدَّدُ الماءُ لهما (١)، فإثبات كونهما من الرأس للحديث، وإخراج تجديد الماء لهما عن حكم كونهما من الرأس بالدليل الذي دلَّهم على التجديد، وسيأتي عن قريب (٢) إن شاء الله تعالى.
* * *
* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: أبو حنيفة ﵁ يرى مسحهما بماء الرأس على مقتضى هذا الحديث، وله اعتضادٌ بأحاديث أُخَر، منها ما يُصرح بالاجتماع، ومنها ما يظهر منه ذلك، فمن المصرِّح ما ذكره الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن مَنده في كتابه في حديث ابن عباس فيه: "غَرفَةً فَمَسَحَ بِها رَأَسَهُ وأُذُنَيْهِ" (٣)، ومن المحتمل حديث الرُّبيع بنت معوِّذ قالت: رَأَيْتُ رَسُولَ الله يتَوَضَّأُ، قالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَه ومَسَحَ ما أَقْبَلَ مِنْه وَما أَدبَرَ، وصُدغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً واحِدَةً (٤).
стр. 2238
وهو عند أبي داود من رواية عبّاد بن منصور وفيها: "وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنيَهِ مَسْحَةً واحِدَةً" (١).
وهو عند أبي داود أيضًا، وإسنادُهما حسن أو صحيح، فإن يحيى بن معين يوثق عباد بن منصور، وغير واحد يحتجُّ بعبد الله بن محمَّد بن عقيل، وإلى الرجلين يرجع الحديثان (٢).
الثانية: (٣)
стр. 2239
الحديث السادس عشر
روى البَيْهقي ﵀ من حديث عبد الله بن زيد ﵁: أَنَّه رأى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فأَخَذَ [لأُذُنَيْهِ] (١) ماءً خِلافَ الماءِ الذِيْ أَخَذَ لِرَأسِهِ. وقال بعد إخراجه: وهذا إسناد صحيح (٢).
стр. 2240
الكلام عليه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسرَوجِرْوي، أبو بكر البيهقي، الحافظ، الفقيه، الأصولي، ذو التصانيف العديدة المفيدة؛ ككتاب "السنن الكبرى"، وكتاب "معرفة النبوة" (١)، وكتاب "الأدب والأدعية"، وغير ذلك، سمع (٢).
стр. 2241
* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وقد ذكرنا أن البيهقي قال: إنه إسنادٌ صحيحٌ، فحصل شرطُنا في ذكره في الكتاب.
والبيهقيُّ أخرجه عن أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ، عن أبي الحسن أحمد بن محمَّد بن عَبْدوس، عن عثمان بن سعيد الدَّارِمي، عن الهيثم بن خارِجَة، عن عبد الله بن وَهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن حَبّان بن واسع الأنصاري: أن أباه حدَّثه: أنَّه سمع عبد الله بن زيد يذكر: أنَّه رَأَىَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فأَخَذَ لأُذُنَيْهِ ماءً خِلافَ الماءِ الذيْ أَخَذَ لِرَأْسِهِ.
قال البيهقي: وكذلك يُروَى عن عبد العزيز بن عمران بن مِقْلاص، وحَرمَلة بن يحيى، عن ابن وَهْب.
стр. 2242
* الوجه الثالث: [في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل]
[الأولى]: استَدَل به الشافعي والمالكي على تجديد الماء للأذنين، وتُجْعَلُ مسالةَ خلافٍ بينهم وبين الحنفية، وينبغي أن يُنظر في مَجرى الخلاف، فإن كان في أن السنةَ مسحُهما مع الرأس، أو تجديدُ الماء لهما، فلا يستمرُّ الدليل على ذلك لأحد الفريقين بالحديثين اللذين تمسك بهما؛ لأنَّ الأفعال لا تَعارُضَ فيها، وليس في المحكي [في] أحد الحديثين ما يقتضي الترجيحَ لأحد الأمرين على الآخر لفظاً من حيث هو هو؛ لأنه ليس فيه إلا الفعل، وقد بيَّنا أنَّه لا تعارض فيه، ولا مُقتضي للترجيح، وأما الترجيح بأمور خارجة عن لفظ الحديثين، فلسْنا له ولا هو من وظيفتنا، ولابدَّ وأن يكون (١) الخلاف في أن ضدَّ ما اختاره أحدُ الفريقين مكروهٌ أو مخالفٌ للسنة، فالفعلُ الذي تمسَّك به خصمُه ينفي ذلك، ولا يمكن أن يكونَ الخلافُ في الجواز جزماً.
الثانية: الشافعية يستنُّون مسحَ الصِّماخَيْن بماء جديد، وحكي عن نصِّهِ ﵀ (٢). وليس لفظُ الحديثِ يدلُّ عليه، سواء قلنا إن الصِّماخَ يدخل تحت مدلولِ الأذن، أو لم نقلْ؛ لأنه إن لم نقلْ، فالدَّلالةُ قاصرةٌ عن الصّماخَيْنِ، فيحتاج إلى دليلِ خُصوصهما، وإن قُلْنا، فظاهرُ اللفظ يقتضي تعليقَ الحكمِ بالأذنين، فيدخل تحته مسحُ الصِّماخَيْنِ، ويقصر اللفظُ عن حكمهما في التجديد.
стр. 2243
فعلى التقدير الأول: يقصر عن الذكر، وعلى الثاني: يقصر عن الحكم، فلا بدّ من دليل. قال بعض الشافعية: وحُكِي فول: إنه يكفي مسحُه ببقيَّة بَلَلِ الأذن؛ لأنَّ الصِّماخَ من الأذن (١).
ولعله نحا إلى ما ذكرناه من أن الحكم معلقٌ بالأذن إذا كان منه، فلا دليلَ في اللفظ على تجديد الماء للصِّماخَيْنِ.
الثالثة: ظاهرُ الحديث يقتضي تجديدَ الماء، وذكر بعض الشافعية في مسح الأذنين بماء جديد: أنه ليس من الشرائط أن يأخذه جديدًا حينئذٍ، بل لو أمسك بعضَ أصابعه من البلل المأخوذ بمسح الرأس ومسح به الأذنين، تأدَّت هذه السنَّةُ (٢).
وظاهرُ الحديثِ الذي ذكرناه يقتضي خلافَهُ؛ لقوله: "فَأَخَذَ لأُذُنِهِ ماءً خِلافَ الماءِ الذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ"، وهذه الصفة التي ذكرها، تقتضي أن الماء الذي يمسح به الأذنين هو الماء الذي أخذه لرأسه.
الرابعة: مقتضى الحديث لا يزيدُ على مسحِ الأذنين بماء جديد، ويقتضي أن يُكتفى بالمسمَّى فيه، وما زاد على ذلك من كيفية (٣) تُذْكَرُ، ليس من مقتضى الحديث، فإن أُريد الاستحبابُ الشرعي لهيئةٍ مخصوصةٍ فيحتاج إلى دليل، وعند الدارقطني ﵀ من طريق مسلم بن خالد، عن ابن عقيل في حديث الرُّبيِّع ﵂: أنَّ
стр. 2244
النَبي ﷺ تَوَضَّأَ؛ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَمُؤَخرَه، وَصُدغَيْهِ، ثمَّ أَدخَلَ أصبُعَيْهِ السبَّابَتَيْنِ فَمَسَحَ أُذُنَيْهِ؛ ظاهِرَهُما وباطِنَهُما (١). وهذا يقتضي زيادة على مطلق المسح في الكيفية، وظاهره تعليقه بالأذن.
الخامسة: إذا دلَّ على كيفيةٍ في مسح الأذنين، فقد دلَّ على أصلٍ في مسح الأذنين، والأحاديث التي في "الصحيحين" في صفة وضوء النبي ﷺ [لم] يُتعرَّض فيها لذكر الأذنين، وإنما جاء في حديث ابن عباس ﵄ مصرَّحاً به، وهو مدلول عليه بهذا الحديث على غير الدلالة التي في حديث ابن عباس ﵄.
السادسة: كما يدلُّ على مسحهما، فهو يدلُّ على مسح الظاهر والباطن؛ لأنَّ الاسمَ حقيقةٌ للعضو، وقد ورد مصرحًا به.
стр. 2245
الحديث السابع عشر
وفي حديث عَمْرو بنِ عَبَسَةَ - الطويل - عند الدارقطني: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيُمَضْمِضُ وَيْسَتنْشِقُ فَينتِثرُ، إِلاّ خَرَجَتْ خَطايا وَجْهِهِ وَفِيْهِ وَخَياشِيْمِهِ". وفي الحديث: "ثُمَّ يَغْسِلُ قَدمَيْهِ إِلىَ الكَعْبَيْنِ كَما أَمَرَهُ الله". [وهذه اللفظة أخرجها ابنُ خزيمةَ في "صحيحه" أيضًا، أعني: قولَه: "كَما أَمَرَهُ الله"] (١)، وأصل الحديث عند مسلم (٢).