* الوجه الثاني: في تصحيحه:
وقد ذكرنا أن البيهقي قال: إنه إسنادٌ صحيحٌ، فحصل شرطُنا في ذكره في الكتاب.
والبيهقيُّ أخرجه عن أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ، عن أبي الحسن أحمد بن محمَّد بن عَبْدوس، عن عثمان بن سعيد الدَّارِمي، عن الهيثم بن خارِجَة، عن عبد الله بن وَهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن حَبّان بن واسع الأنصاري: أن أباه حدَّثه: أنَّه سمع عبد الله بن زيد يذكر: أنَّه رَأَىَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فأَخَذَ لأُذُنَيْهِ ماءً خِلافَ الماءِ الذيْ أَخَذَ لِرَأْسِهِ.
قال البيهقي: وكذلك يُروَى عن عبد العزيز بن عمران بن مِقْلاص، وحَرمَلة بن يحيى، عن ابن وَهْب.
стр. 2242
* الوجه الثالث: [في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل]
[الأولى]: استَدَل به الشافعي والمالكي على تجديد الماء للأذنين، وتُجْعَلُ مسالةَ خلافٍ بينهم وبين الحنفية، وينبغي أن يُنظر في مَجرى الخلاف، فإن كان في أن السنةَ مسحُهما مع الرأس، أو تجديدُ الماء لهما، فلا يستمرُّ الدليل على ذلك لأحد الفريقين بالحديثين اللذين تمسك بهما؛ لأنَّ الأفعال لا تَعارُضَ فيها، وليس في المحكي [في] أحد الحديثين ما يقتضي الترجيحَ لأحد الأمرين على الآخر لفظاً من حيث هو هو؛ لأنه ليس فيه إلا الفعل، وقد بيَّنا أنَّه لا تعارض فيه، ولا مُقتضي للترجيح، وأما الترجيح بأمور خارجة عن لفظ الحديثين، فلسْنا له ولا هو من وظيفتنا، ولابدَّ وأن يكون (١) الخلاف في أن ضدَّ ما اختاره أحدُ الفريقين مكروهٌ أو مخالفٌ للسنة، فالفعلُ الذي تمسَّك به خصمُه ينفي ذلك، ولا يمكن أن يكونَ الخلافُ في الجواز جزماً.
الثانية: الشافعية يستنُّون مسحَ الصِّماخَيْن بماء جديد، وحكي عن نصِّهِ ﵀ (٢). وليس لفظُ الحديثِ يدلُّ عليه، سواء قلنا إن الصِّماخَ يدخل تحت مدلولِ الأذن، أو لم نقلْ؛ لأنه إن لم نقلْ، فالدَّلالةُ قاصرةٌ عن الصّماخَيْنِ، فيحتاج إلى دليلِ خُصوصهما، وإن قُلْنا، فظاهرُ اللفظ يقتضي تعليقَ الحكمِ بالأذنين، فيدخل تحته مسحُ الصِّماخَيْنِ، ويقصر اللفظُ عن حكمهما في التجديد.
стр. 2243
فعلى التقدير الأول: يقصر عن الذكر، وعلى الثاني: يقصر عن الحكم، فلا بدّ من دليل. قال بعض الشافعية: وحُكِي فول: إنه يكفي مسحُه ببقيَّة بَلَلِ الأذن؛ لأنَّ الصِّماخَ من الأذن (١).
ولعله نحا إلى ما ذكرناه من أن الحكم معلقٌ بالأذن إذا كان منه، فلا دليلَ في اللفظ على تجديد الماء للصِّماخَيْنِ.
الثالثة: ظاهرُ الحديث يقتضي تجديدَ الماء، وذكر بعض الشافعية في مسح الأذنين بماء جديد: أنه ليس من الشرائط أن يأخذه جديدًا حينئذٍ، بل لو أمسك بعضَ أصابعه من البلل المأخوذ بمسح الرأس ومسح به الأذنين، تأدَّت هذه السنَّةُ (٢).
وظاهرُ الحديثِ الذي ذكرناه يقتضي خلافَهُ؛ لقوله: "فَأَخَذَ لأُذُنِهِ ماءً خِلافَ الماءِ الذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ"، وهذه الصفة التي ذكرها، تقتضي أن الماء الذي يمسح به الأذنين هو الماء الذي أخذه لرأسه.
الرابعة: مقتضى الحديث لا يزيدُ على مسحِ الأذنين بماء جديد، ويقتضي أن يُكتفى بالمسمَّى فيه، وما زاد على ذلك من كيفية (٣) تُذْكَرُ، ليس من مقتضى الحديث، فإن أُريد الاستحبابُ الشرعي لهيئةٍ مخصوصةٍ فيحتاج إلى دليل، وعند الدارقطني ﵀ من طريق مسلم بن خالد، عن ابن عقيل في حديث الرُّبيِّع ﵂: أنَّ
стр. 2244
النَبي ﷺ تَوَضَّأَ؛ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَمُؤَخرَه، وَصُدغَيْهِ، ثمَّ أَدخَلَ أصبُعَيْهِ السبَّابَتَيْنِ فَمَسَحَ أُذُنَيْهِ؛ ظاهِرَهُما وباطِنَهُما (١). وهذا يقتضي زيادة على مطلق المسح في الكيفية، وظاهره تعليقه بالأذن.
الخامسة: إذا دلَّ على كيفيةٍ في مسح الأذنين، فقد دلَّ على أصلٍ في مسح الأذنين، والأحاديث التي في "الصحيحين" في صفة وضوء النبي ﷺ [لم] يُتعرَّض فيها لذكر الأذنين، وإنما جاء في حديث ابن عباس ﵄ مصرَّحاً به، وهو مدلول عليه بهذا الحديث على غير الدلالة التي في حديث ابن عباس ﵄.
السادسة: كما يدلُّ على مسحهما، فهو يدلُّ على مسح الظاهر والباطن؛ لأنَّ الاسمَ حقيقةٌ للعضو، وقد ورد مصرحًا به.
стр. 2245
الحديث السابع عشر
وفي حديث عَمْرو بنِ عَبَسَةَ - الطويل - عند الدارقطني: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيُمَضْمِضُ وَيْسَتنْشِقُ فَينتِثرُ، إِلاّ خَرَجَتْ خَطايا وَجْهِهِ وَفِيْهِ وَخَياشِيْمِهِ". وفي الحديث: "ثُمَّ يَغْسِلُ قَدمَيْهِ إِلىَ الكَعْبَيْنِ كَما أَمَرَهُ الله". [وهذه اللفظة أخرجها ابنُ خزيمةَ في "صحيحه" أيضًا، أعني: قولَه: "كَما أَمَرَهُ الله"] (١)، وأصل الحديث عند مسلم (٢).
стр. 2246
الكلام عليه من وجوه:
* الأول في التعريف: فنقول: عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب - ويقال غثَّار - بن امرئ القيس بن بهُثْةَ بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَضفة بن قيس عَيْلان بن مضر بن نزار السلمي أبو نَجِيح، وقيل: أبو شعيب.
وأبوه عَبَسَة: بفتح العين المهملة تليها باء موحدة مفتوحة، ثمَّ سين مهملة مفتوحتين، ثمَّ هاء مفتوحة أيضًا، لا اختلاف فيه بين أرباب الحديث والأسماء والتواريخ والسير والمؤتلف، ومِنْ ضَعَفَةِ الفقهاءِ أو الطلبةِ مَنْ يُدخل نوناً بين العين والباء وهو خطأ كبير، وتصحيف شديد، لا يُعوَّل عليه، ولولا التنبيه عليه لم يذكر (١).
وغاضرة في نسبه: بالغين المعجمة وبعد الألف ضاد معجمة، ثمَّ راء مهملة.
وبُهثَة: بضم الموحدة وسكون الهاء ثمَّ المثلثة على وزن غُرْفة.
وسُليَم: بضم السين وفتح اللام.
стр. 2247
وخصفة: بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة.
وعيلان: بالعين المهملة.
ونجيح في كنيته: بفتح النون وكسر الجيم، وآخره حاء.
ويقال: إن عَمْراً كان أخاً لأبي ذر لأمه، قال أبو نعيم الحافظ: عمرو بن عبسة السلمي أبو نجيح، قدم مكةَ على النبي ﷺ فلقيه بُعكاظ، ورآه مستخفياً من قريش في أول الدعوة وهو يقول: أنا ربع الإِسلام، ثم رجع إلى أرضه وقومه بني سُلَيم مقيمًا حتى مضى بدر وأحد والخندق، ثمَّ قدم المدينة فنزلها، وكان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلًا وضلالة.
حدّث عنه من الصحابة: أبو أُمامة الباهلي، وعبد الله بن مسعود، وسَهْل بن سعد.
ومن التابعين: أبو إدريس الخَوْلاَني، وسليمان بن عامر، وأبو ظَبْية، وكثير بن مرة، وعدي بن أرطاة، وجبير بن نُفَير، ومَعْدان بن أبي طلحة (١).
وأما الدارقطني: فهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي
стр. 2248
ابن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله البغدادي، ثم الدارقطني نسبة إلى دار قطن ببغداد، عالم بالصناعة كبير (١)، وعَلَمٌ من الحفاظ شهير، وفرد في زمنه عزيز أو عدم النظير، لله درُّه في هذا العلم فارساً، ونفعه بما أبقاه منه مفيدًا وقابساً.
قال الحافظ أبو بكر بن أحمد بن علي الخطيب في ترجمته: كان فريدَ دهره، وقريعَ عصره (٢)، ونسيجَ وحدِهِ، وإمامَ وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلم الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب والاضطلاع بعلومِ سوى علم الحديث.
وقال الخطيب أيضًا: ثنا أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي قال: سمعت أبا ذرّ الهروي يقول: سمعت الحاكم أبا عبد الله محمَّد ابن عبد الله الحافظ، وسئل عن الدارقطني فقال: ما رأى مثل نفسه.
قال الخطيبُ: سمعتُ القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري يقول: كان الدارقطني أميرَ المؤمنين في الحديث، وما رأيت حافظًا وردَ بغداد إلا مضى إليه وسلَّم عليه، يعني سلَّم له المتقدم في الحفظ وعلوِّ المنزلة في العلم.
وقال الخطيب أيضًا: ثنا الصُّوري قال: سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ بمصر يقول: أحسنُ الناس كلاماً على حديث رسول الله ﷺ
стр. 2249
ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، وعلي ابن عمر الدارقطني في وقته.
وقال الخطيب أيضًا: ثنا البَرقاني قال: كنت أسمع عبد الغني الحافظَ كثيرًا إذا حكى عن أبي الحسن الدارقطني شيئًا يقول: قال أستاذي. فقلت له في ذلك، فقال: وهل تعلَّمْنا هذين الحرفين من العلم إلا من أبي الحسن الدارقطني؟! قال: قال لنا البرقاني: وما رأيت بعد الدارقطني أحفظَ من عبد الغني بن سعيد.
وقال الخطيب أيضًا: ثنا الأزهري: أن أبا الحسن - يعني الدارقطني - لما دخل مصر، كان بها شيخ علويٌّ من أهل مدينةِ رسول الله ﷺ يقال له: مسلم بن عبيد الله، وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داود عن الزبير بن بكّار، وكان مسلم أحدَ الموصوفين بالفصاحة، المطبوعين على العربية، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتمع في المجلس من كان [بمصر] (١) من أهل العلم والأدب والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة، أو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل مسلم يتعجب ويقول: وعربيَّةَ أيضًا؟!
وقال الخطيب أيضًا: وثنا الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصَّفار، فجلس ينسخ جزءًا كان
стр. 2250
معه وإسماعيل يُملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعُك وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي للإملاء خلافُ فهمك، ثمَّ قال: تحفظ كم أملى الشيخ مِنْ حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثاً، فعددتُ (١) الأحاديث فوجدته كما قال أبو الحسن، الحديث الأول منها عن فلان، ومتنه [كذا] والحديث الثاني عن فلان [عن فلان] (٢)، ومتنه [كذا] (٣)، ولم يزل يذكر أسانيدَ الأحاديث ومتونَها (٤) على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فعجِب الناس منه، أو كما قال.
وقال الخطيب: سمعتُ عبد الملك بن محمَّد بن عبد الله بن بشران يقول: ولد الدارقطني في سنة ست وثلاث مئة. وقال: حدثني عبد العزيز الأَزْجي قال: توفي الدارقطني يوم الأربعاء لثمان خَلَوْن من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة وقال: قرأت بخط حمزةَ بن محمَّد بن طاهر الدقاق في أبي الحسن الدارقطني ﵀ [من الطويل]:
جَعَلْناكَ فيما بَيْنَنا وَنبِيِّنا ... وَسِيطًا فَلَمْ تَكْذِبْ ولم تَتَحَوَّبِ
стр. 2251
وَأَنْتَ الذي لَوْلاكَ لم يَعْلَمِ الوَرَى ... وَلَوْ جَهَدُوا ما صادِقٌ مِن مُكذَّبِ (١)
* * *
* الوجه الثاني: في إيراد الحديث على الوجه ، وقد رواه الدارقطني من حديث أبي الوليد قال: حدثنا عكرمة بن عمار، ثنا شداد أبو عمار - وقد أدرك نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قال: قال أبو أمامة: بأيِّ شيء تدَّعي أنك ربع الإِسلام؟ قال: فذكر الحديث بطوله. قال عمرو بن عَبَسة قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ يُقَربُ وَضُوءَه، ثُمَّ يُمَضْمِض وَيستَنْشِقُ وَينْتَثِرُ إلا خَرَجَتْ خَطايا فِيْهِ وَخَياشِيْمِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَما أَمَرَهُ اللهُ إلَّا خَرَجَتْ (٢) خَطايا وَجْهِهِ مَعَ (٣) أَطْراَفِ لِحيتهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى مِرفَقَيْهِ إِلا خَرَّتْ خَطايَا يَدَيْهِ مِن أَنامِلهِ مَعَ الماءِ، ثَم يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إِلَّا خَرَّتْ
стр. 2252
خَطايا رَأْسِهِ مِن أَطْرافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلى الكَعْبَيْنِ كَما أَمَرَهُ اللهُ، إِلاّ خَرَّتْ خَطايا رِجْلَيْهِ مِن أَطْرافِ أَصابعِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يقومُ فَيَحمَدُ الله ويُثْنِي عَلَيْهِ بِما هَوَ أَهْلُه، ثُمَ يَركَعُ رَكْعتين، إلا انْصَرَفَ مِن ذُنُوبِهِ كَهَيْئَتِه يَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه".
ورواه الدارقطني أيضًا عقيب إسناد ذكره عن دعلج، عن موسى بن هارون، عن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن ميمون بن مهران أبي محمَّد، عن عكرمة بن عمار قال: بهذا الإسناد مثله، وقال: هذا إسناد ثابت (١).
هذا الإسناد الذي ذكره الدارقطني، في متنه اختصارٌ كما [ترى، وقد] (٢) ذكرنا في الأصل أن أصل الحديث عند مسلم، فلنذكر رواية مسلم على الوجه.
فنقول: روى مسلم عن أحمد بن جعفر المَعْقري، ثنا النَّضْر بن محمَّد، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة ولقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلًا وخيراً - عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية، أظنُّ أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يُخبر أخباراً، فقعَدتُ على راحلتي، وقدِمتُ
стр. 2253
عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفياً، جِراءٌ عليه قومُه، فتلطَّفتُ حتى دخلتُ عليه [بمكة] وقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبيٌّ"، قال: فقلت: وما نبيٌّ؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: بأيِّ شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلةِ الأَرْحام، وكسر الأوثان، وأنْ يُوحَّدَ اللهُ لا يُشَرك به شيء"، قلت [له]: فمن معك على هذا الأمر؟ قال: "حرٌّ وعَبْدٌ" - قال: ومعه يومئذ أبو بكرٍ وبلالٌ ممن آمن به - فقلت: إني مُتَّبِعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومَك هذا، ألا ترى حالي وحالَ الناس؟ ولكن ارجعْ إلى أَهْلِكَ، فإذا سَمِعْتَ بي قد ظهرتُ فأتني". قال: فذهبت إلى أهلي، وقدِم رسولُ الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبَّر الأخبارَ، وأسأل الناسَ حين قَدِمَ المدينةَ، حتى قدِمَ عليّ نفرٌ من أهلِ يثربَ من أهلِ المدينة، فقلت: ما فَعلَ هذا الرجلُ [الذي قدم المدينة]؟ فقالوا: الناسُ إليه سِراعٌ، وقد أراد قومُه قَتْلَه، فلم يستطيعوا ذلك، فقدِمْتُ المدينةَ، [فدخَلْتُ] عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: "نعم أنتَ الذي لَقِيتَني بمكَّةَ؟ " فقلت: بلى، فقلت: يا نبيَّ الله!
أخبرني عما علَّمك الله وأجهلُه؛ أخبِرني عن الصلاة؟ قال: "صَلِّ صلاهً الصبحِ، ثمَّ أَقصرْ عن الصلاةِ حتىَّ تَطْلُعَ الشمسُ، حتى تَرتَفعَ، فإنَّها تَطْلُعُ حينَ تَطْلُعُ بين قَرنْي شَيْطانٍ، وحينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ، ثُمَّ صَلِّ فإِنَّ الصلاةَ مَشْهودَةٌ مَحضُورَةٌ حتَّى يَسْتَقِلَّ الظلُّ بالرمْحِ، ثمَّ أَقصِر عن الصلاةِ، فإنَّ حينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحضُورَةٌ، حتَّى تُصَلِّي العَصرَ، ثُمَّ أقصِرْ عن الصلاةِ حتى تَغْربُ الشمسُ، فإِنَّها تَغْرُبُ بين قَرنْي شَيْطانٍ،
стр. 2254
وحينئذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ". قال: فقلت: يا نبيَّ الله فالوضوء؟ حدِّثني عنه، قال: "ما مِنْكُم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَه فَيتَمْضْمَضُ وَيستَنْشِقُ وَينْتَثِرُ، إلا خَرَّتْ خَطايا وَجْهِهِ وَفِيْهِ وَخَياشِيْمِهِ، ثُمَّ إِذا غَسَلَ وَجْهَهُ كَما أَمَرَهُ اللهُ إلا خَرَّتْ خَطايا وَجْهِهِ مِن أَطْرافِ لِحيتَهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى المرفقَيْنِ إلا خَرَتْ خَطايا يَدَيْهِ مِن أَنَاملِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسهُ إلا خَرَّتْ خَطايا رَأْسِهِ مِن أَطْرافِ شَعْرِه مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ إلا خَرَّتْ خَطايا رِجْلَيْهِ مِن أَنامِلِهِ مَعَ الماءِ، فإنْ هُو قامَ فَصلَّى، فحَمِدَ اللهَ وأثنىَ عليه وَمجَّدَه بالذي هُو لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَه للهِ، إلا انْصَرَفَ من خَطِيْئَتِه كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه".
فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحبَ رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبَسَةَ! انظر ما تقول، في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامَة! لقد كَبِرَتْ سني، ورَقّ عظمي، واقترب أَجَلِي، وما بي حاجةٌ أن أكذبَ على الله، و [لا] (١) على رسوله، لو لم أسمعه من رسول [الله ﷺ ] إلا مرةً أو مرتين أو ثلاثًا، حتى عدَّ سبعَ مرات، ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعتُه أكثرَ من ذلك.
وهذا الحديث بهذا السياق وهذا الطول انفرد بإخراجه مسلمٌ عن الجماعة.
стр. 2255
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: وقد يختلف الرواة في بعض الألفاظ فيه، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: "كُنْتُ وَأَنا في الجاهِلِيةِ أظنُ أن الناسَ على ضَلالَةٍ" (١) يحتمل أن يحمل على حقيقة الظنّ، وأنه لم يبلغ إلى القطع، ويحتمل أن يكون الظن بمعنى العلم، وعليه حمله بعضهم، قال: وقول عمرو بن عبسة: كنت في الجاهلية أظن الناس على ضلالة، فإن الظن قد يطلق على اليقين كما قال تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] (٢).
قلت: ومما يقوي هذا: أن الدليل الذي استدَلَّ به من أنها لا تضرُّ ولا تنفعُ، دليل قاطع على بطلان إلاهيَّتِها وعبادتَها، وإنما أجزنا أن تكون ظنًا؛ لأنَّ جمهور عبّادها كانوا على الجَزْم، فجاز أن لا يكون انتهى حينئذ إلى الجَزْم بسبب الغلبة في الناس، واستمرارِ زمانهم على عبادتها، وبعض العلماء يفترق في وقوع الظن بمعنى العلم، بين مواضع الاستعمال فيه، قال أبو محمَّد بن عطية في قوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]: وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين، ولو قال بدل ظنوا: أيقنوا، لكان الكلام متَّسِقاً، على مبالغةٍ فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبدًا في موضع يقين تامّ قد ناله الحسُّ، بل أعظمُ درجاتِه أن يجيءَ موضع علم مُتَحَقِّق، لكنه لم
стр. 2256
يقع ذلك المظنون، وإلا فقد يقع، ولا يكاد يوجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن، وتأمّل هذه الآية، وتأمّل قول دريد (١):
فقلتُ لهم ظنُوا بألفي مُدَجَّجِ (٢)
الثانية: يراد بالتلطُّف (٣) ها هنا، طلب الطريق الموصلة إلى النبي ﷺ في خفاء وتحرُّزِ من مفسدةِ الإظهار، ومنه: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] وقد يستعمل اللطفُ في تهيئَةِ الأسباب الخفية لوقوع الشيء وتيسيره ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وبهذا يظهر لك معنى التعدية باللام، والفرقُ بينها وبين التعدية بالباء.
الثالثة: قوله: "جراءٌ عليه قومُه"، قد روي في هذه اللفظة غير ذلك، فذكر بعض الشارحين فقال: قوله "جُرَاء عليه قومُه" هكذا هو في جميع الأصول - جُراء بالجيم المضمومة جمع جَريْء بالهمزة (٤) - من الجُرأَةِ، وهي الإقدام والتسلُّط، قال وذكره الحميدي في "الجمع بين الصحيحين": حِراء بالحاء المهملة المكسورة، قال: ومعناه
стр. 2257
غِضاب ذَوُو غَمٍّ، عِيلَ صبرُهم حتى أثَّر في أجسامهم، من قولهم: حَرَى جسمُه، يحري، كَضَرب يَضْرِب، إذا نقص من أمله (١) أو غيره، والصحيح أنَّه بالجيم (٢).
قلت: قال الجوهري: حَرَى الشيءُ، حَرياً، أي نَقَصَ، يقال: يَحرِي كما يَحرِي القمرُ، وأحراه الزمانُ، والحارِيةُ: الأَفْعى التي نَقَص جسمها من الكِبَر، وذلك أخبث ما يكون، يقال: رماك الله بأفعى حارِيةٍ، انتهى (٣).
قوله: وحَري: مفتوح الحاء ساكن الراء، يحري كما يحري القمر: مكسورًا الراء، والحارية: بالحاء المهملة في هذا المعنى.
الرابعة: حصل الجواب من النبي ﷺ بأنه رسول عن السؤال عن النبي، وكلُّ رسول نبيٌّ وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا، فالجواب بالرسالة جوابٌ عن النبوة، ولعل السببَ في ذلك تقريبُ الأمر على السائل مع حصول المقصود، فإن معنى الرسالة معلومٌ مفهومٌ عند العرب وغيرهم، لاستعمال الناس له فيما بينهم، ومعنى النبوة الشرعية غامضٌ.
[الخامسة: صلة الأرحام] (٤).
стр. 2258
السادسة: "كسر الأوثان" يُحتمل أن يراد [به] (١) الحقيقة إذا كانت الأوثانُ هي الأصنام، بمعنى تفريق أجزائها، ويحتمل أن يراد به المجاز؛ بمعنى إبطال عبادتها وإذهاب حرمتها.
السابعة: "مع" ها هنا متحركة وهي متعينة للظرفية، [وأما الساكنة فقد قيل قبلُ بحرفيَّتها.
الثامنة: إذا تعينت للظرفية]؛ (٢) فحقيقتها ظرف المكان والزمان، واستعمالها (٣) فيما يقع فيه الاجتماع من الأحوال كالمذاهب والأديان وغيرهما مجاز، والعلاقة ظاهرة، وهي الاجتماع في الأحوال الشَّبِيْهة بالاجتماع في المكان، ولا شك أن المراد هو المعنى الثاني، أي: مَنْ يُوافِقُك على هذا الدين ويجتمعُ معك عليه.
التاسعة: قوله: "قال: حرٌّ وعبد" يمكن أن تكون لفظة (٤) العبودية ها هنا حقيقة؛ لأنَّ بلالًا كان مملوكاً حتى اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه، فإذا كان [هذا] (٥) السؤال قبل شرائه، كان اللفظُ حقيقة في العبودية، وإن كان بعد العتق كان مجازًا باعتبار ما كان عليه (٦)، وربما دلّ على هذا
стр. 2259
قوله ﵇: "أَلا تَرَى حالي وَحالَ الناسِ" إن كان المراد بالناس المؤمنين على ما سيأتي.
العاشرة: المراد بالاتِّباع ها هنا إظهار الموافقة والصحبة، لا الاتباع في نفس الأمر في الدين والإيمان، فإن ذلك مُستطاعٌ.
الحادية عشرة: نفيُ الاستطاعة قد يراد به الامتناعُ وعدمُ إمكان وقوع الفعل مع إمكانه، نحو: هل تستطيع أن تُكلِّمَني؟ بمعنى هل تفعل ذلك، وأنت تعلم أنه قادر على الفعل، وقد حُمِلَ قوله تعالى حكايةً عن الحواريين ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] على المعنى الأول، أي: هل يجيبنا إليه، أو هل يفعل ربُّك، وقد علموا أن الله تعالى قادرٌ على الإنزال، وأن عيسى قادرٌ على السؤال، وإنما استفهموا، هل ها هنا صارف أو مانع ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠]، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ [الأنبياء: ٤٠]، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ [يس: ٦٧]، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧].
وقد يراد به الوقوع بمشقة وكُلْفة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، وقال الشاعر [من الطويل]:
فإنْ تكنِ الأيامُ فينا تَبَدَّلَتْ ... بِبُؤْسَى وَنُعْمَى والحوادِثُ تَفْعَل
فَما لَيَّنَتْ مِنَّا قَنَاةً صَليِبةً ... ولا ذَلَّلتْنا للتي ليسَ تَجْمُلُ
стр. 2260
ولكنْ رحَلْناها نُفُوساً كريمةً ... تُحَمَّلُ ما لا يُستَطاعُ فتَحمِلُ (١)
أي: ما شق (٢)، فإنه لو امتنع، لم يمكن (٣) حمله، والمراد في هذا الحديث هذا الثاني.
الثانية عشرة: (اليوم) يستعمل بمعنى الوقت مطلقاً لا مقيداً بما بين الطلوع والغروب، وقد استعمل ها هنا بالمعنى الأول.
الثالثة عشرة: استعمل (الأهل) ها هنا بمعنى القوم والقَبِيل، وقد يستعمل فيما هو أخصُّ من ذلك كالزوجة والولد، وقد يراد به ها هنا هذا الأخصُّ الذي يستلزم الأعمَّ في العادة الغالبة، والله أعلم.
الرابعة عشرة: (إذا) يستعمل في المحقَّقِ الوقوعِ، وستأتي فائدة ذلك.
الخامسة عشرة: (الظهور) ها هنا بمعنى الغَلَبة والقهر، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]، لا بالمعنى الذي يقابله الخفاء، إلا على وجهِ مجازي.
стр. 2261
السادسة عشرة: اختلفوا في (يثرب) هل هو اسم يرادف المدينة، أو هو اسم لقطْرٍ محدودٍ، والمدينةُ في ناحيةٍ منه، عن أبي عبيد: يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول ﷺ في ناحية منها، وقال الماورديّ: في يثرب وجهان: أحدهما: المدينة، حكاه ابن عيسى، والثاني: أن المدينة في ناحية من يثرب، قاله أبو عبيد.
وفي "الكشاف": ويثرب: اسم المدينة، وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها (١).
وكذا قال ابن عطية: يثرب قُطْرٌ محدودٌ، المدينةُ في الطرف منه (٢).
السابعة عشرة: ينبغي أن ينظر في الفرق بين (أخبرني عن كذا)، [و (أخبرني بكذا)] (٣)، و (أخبرني من كذا)؛ فأما (أخبرني عن كذا): فإنها قد تدل على أن المراد الإخبار مستندًا إلى ما علم الله، مجاوزًا به عما يعلم (٤) الله إلى السائل، ثمَّ قد يكون الفعلُ منويًّا به التعدية، وقد لا يكون، كما في رميتُ عن القوس، أي: وقع هذا المسمى عن القوس، ويكون المعنى ها هنا: أن يكون إخبارُك بما تخبرني به عمَّا علَّمك الله، ولا يكون على هذا اللفظ دلالة على عموم ولا خصوص، فيما يجيب به، فإن كان المرادُ أحدَهما، فَبِدليل من خارج.
стр. 2262
وأما (أخبرني بكذا): فظاهرُه الإخبارُ بكل ما طلب، فإن وقع غيره، فَبِالقرينة.
وأما (أخبرني من كذا): فللتبعيض ظاهرًا، ويكون في هذا الموضع (١) على حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامَه.
الثامنة عشرة: قوله: "أَقْصِر عَنِ الصلاةِ" أي: أَمسِكْ.
التاسعة عشرة: قوله ﵇: "بَيْنَ قَرني شَيْطانٍ" القرن: يطلق في اللغة على معان منها: قرن الدابة، يقال منه: ثور أَقْرَن، وبقرةٌ قَرناءُ، وعلى الأمّة ومنه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]، ولا شك في كونه حقيقة في قرن الدابة، وأما في الأمة؛ فإن الزمخشري ذكره في المجاز، ومثّله بقوله: وكان ذلك في القرن الأول، وفي القرون الخالية، وهي "الأمة المتقدمة على التي بعدها (٢)، ويمكن عندي أن يكون حقيقة فيها، ويكون (٣) اللفظ مشتركاً بينه وبين قرن الدابة، وذلك لأجل بُعْدِ العلاقة وعدم مبادرة الذهن إليها، وتبادره إلى الأمة عند وجود القرينة المقتضية للحمل عليها، وأما ما ذكره الزمخشري في المجاز، وطلع (٤) قرن الشيطان، اضرب على قرني رأسه، ولها قرونٌ
стр. 2263
طوال ذوائب، ومنه قولك: خرج إلى بلاد ذات القرون، وهم الروم لطول ذوائبهم، وأنشد المُرقِّش [من الخفيف]:
وأهلي بالشأم ذات القرون (١)
قال: لأن الروم كانوا ينزلون الشام، وما جعلت في عيني قرناً من كُحل: [ميلًا واحداً]، ونازعه فتركه قرناً لا يتكلم، أي: قائماً ماثلًا مبهوتاً، وبالجارية قَرنٌ عَفَلةٌ، وهي قرناء.
وذكر قرن الفَلاة، وفسره بطرفها، وبلغ في العلم قرن الكلأ: غايته وحدَّه، ولتَجِدَنَّي بقرن الكلأ، أي: في الغاية مما يُطلب مني، وتركته على مثل مقصِّ القرن ومستأصله، وفيمن استؤصل (٢). فأكثرُها مجازٌ كما ذكر، لكنه ليست عادتُه دِكرَ العلاقة، وهي في بعض ما ذكر أظهرُ من بعض، فالقرن بمعنى الذؤابة: علاقته المشابهة في الزيادة في الرأس.
وقرن الشمس: المشابهة في أنه أول ما يظهر.
وكذلك المشابهة في قرن من كحل، أي: ميلًا في انتصاب المقدار.
وتركه قرناً، أي: قائما ماثلًا مبهوتاً، المشابهة في الثبوت والاستقرار وعدم الحركة؛ تشبيهاً لعدم الحركة المعنوية بعدم الحركة الحسية.
стр. 2264
وقرن الفَلاة: طرفها؛ تشبيهاً بالانقطاع في القرن عند الطرف.
وكذلك ما قال في العلم؛ تشبيهًا بالغاية والحدِّ المعنوي بالحسي.
وأما تركته على مثل مِقصِّ القرن، فإنما استعمل القرن في موضوعه، والمجاز في غير لفظه، وهو لفظة (١) المثل؛ تشبيهاً بحاله التي زعم أنه أوصله إليها بحال من هو على مقطع القرن، وذكر بعضهم مجازًا آخر سيأتي في الفوائد.
العشرون: قوله ﵊: "فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُوَدَةٌ مَحضُورَةٌ" مُفَسَّر بأنها محضورة من الملائكة.
الحادية والعشرون: قوله ﵇: "حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظلُّ بالرمْحِ" فسره القرطبي بأن يكون ظلّه قليلًا؛ كأنه قال: حتى يقلَّ ظلُّ الرمح، قال: والباء زائدة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. قال: وقد رواه أبو داود فقال: "حَتَّى يَعْدِلَ الرمحُ ظلَّه" (٢)، قال الخطابي: هذا إذا قامت الشمس وتناهى قِصَر الظلِّ (٣)، قال: وقد روى الخشني لفظ كتاب مسلم: "حَتَّى يَسْتَقِلَّ ظِلُّ الرمْحِ" أي: يقوم ولا تظهر زيادته (٤).
وقال النووي: حتى يستقل الظل بالرمح، أي: يقوم مقامه في
стр. 2265
وجهة الشمال، ليس مائلاً إلى المشرق ولا [إلى] (١) المغرب (٢).
الثانية والعشرون: اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] على وجهين: أحدهما: المملوء، والثاني: الموقد، وعن أبي عبيد: البحر المسجور: الساكن، وقد فسر في هذا الحديث قوله ﵇: "تُسْجَر" بالوجهين، فقيل: تملأ، وقيل: توقد عليها إيقادًا بليغاً، والمادة تقتضي الوجهين جميعًا، سجَرتُ التنور أَسْجُره سَجْرًا: إذا أحميتُه، وسجَرتُ النهر: [ملأته]، وسجَرَتِ الثمار (٣): إذا مُلِئَت من المطر، والظاهر أن اللفظ مشتركٌ.
وأما سَجَرَتِ النَّاقةُ تَسْجُرُ - بضم الجيم -[سجراً] (٤) وسُجورًا: إذا مَدَّتْ حنينها، قال [من الكامل]:
حَنَّتْ إِلى بَرقٍ فَقُلْتُ لها قِرِي ... بَعْضَ الحَنِينِ فإِنَّ سَجْرَكِ شائقي (٥)
فالظاهر أنَّه مجاز من معنى الملء، ويحتمل أن يكون حقيقة منه.
стр. 2266
الثالثة والعشرون: اختلفوا في جهنم، هل هو عربي أم عجمي؟ ومن جعله عربياً اشتقه، إما من الجُهُومة من قولهم: بئر جَهْماء، أي: عميقة، فمنعه من الصرف، وعلى هذا بالعلمية والتأنيث، وقيل: عجمية معربة، وامتنع من صرفها للعَلَمية والعُجْمة (١).
الرابعة والعشرون: المشهور أن الفيْءَ مختصٌّ لما بعد الزوال، لأنه من فاء يفيء: إذا رجع، والظل من أول النهار يكون في ناحية ثم يرجع إلى أخرى، والظل يكون فيما قبل الزوال وبعد الزوال (٢).
الخامسة والعشرون: قوله: "إلا خَرَّتْ خَطاياه" يروى: بالخاء وتشديد الراء المهملة من الخُرور، ويروى جَرَت: بالجيم وتخفيف الراء، من الجري، ويروى في كل المواضع أو بعضها: خَرَجَت، من الخروج (٣).
السادسة والعشرون: (الأنامل): أطراف الأصابع الأولى من مفاصل كل الأصابع، يقال لها: الأنامل من اليدين والرجلين جميعًا، قاله الزجاج في كتاب: "أعضاء الإنسان وصفاته على ما سمت العرب" (٤) قال: والأنامل التي آخره.
стр. 2267
وفي كلام بعض الفقهاء ما يدل على أن اسم الأنملة لا يختص بالطرف. قال الشيخ أبو إسحاق في "التنبيه": وفي كل أنملة ثلاثة أَبْعِرَة إلا الإبهام، فإنه يجب في كل أنملة خمس من الإبل (١).
والحديث يدل على ما قاله الزجاج من إطلاق الأنامل على ما في اليدين والرجلين، لأنهما ذُكِرا في الحديث في اليدين والرجلين.
* * *
* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: "وهم يعبدون الأوثان" جملة في موضع (٢) الحالِ من الضمير في "أنهم"، ويحتمل أن يكون حالًا على حذفِ مضافٍ من (أنا)، ويحتمل أن يكون من الضمير في "أظن"، والأولُ هو الأَولى.
الثانية: قوله: "مستخفياً" حال، والعامل فيه ما في (إذا) من معنى المفاجأة.
الثالثة: قوله: "جِراءٌ عليه قومُه" أي: مجترؤون من الجُرأَة - وهو مكسور الجيم مخفف الراء -، وفعيل يجمع على فِعال، كَظَرِيف وظِراف، وكَريِم وكِرام، وقد روي في هذه اللفظة غير ذلك، فذكر بعض الشارحين (٣).
стр. 2268
الرابعة: قال القرطبي في "جِراء": هو مرفوع على أنَّه خبر مقدم، و"قومه" مبتدأ، في مذهب البصريين (١).
الخامسة: قوله: "حتى دخلت"، (حتى): على بابها في أنها دخلت؛ لأن التلطف للدخول زال بالدخول، وهذا بخلاف (حتى) التي يأتي الكلام عليها في آخر الحديث.
السادسة: المشهور أن (مَنْ) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، وقد وقع الاستفهام ها هنا بـ (ما)، فإما أن يكون ذلك؛ لأن السؤال عن الصفة، فإنَّ الذاتَ معلومةٌ لا تحتاج إلى السؤال، وإما عن المجموع من الذات والصفة، وعلى كلا التقديرين فلا يخرج عن القاعدةِ، وقد رأيتُ في كلام بعض الشارحين، وقوله: "من أنت"، سؤال عمن يعقل، وقوله: "وما نبيّ" [سؤال] عن النبوة، وهي من جنس ما لا يعقل لأنها معنى من المعاني (٢). فهذه الرواية، تنفي السؤال من أصله.
السابعة: لفظ النبي، يهمز ولا يهمز، وقد قُرِئ بهما معاً، وذلك بحسب ما تؤخذ منه اللفظة، وهي إما من النَّبَاوة، أو من الإنبَاء.
الثامنة: من قرأ بترك الهمز فإن أخذ من مادة النون والباء [والواو، فهو على الأصل اجتمعت الواوُ والياء في فعيل، وسبقت إحداهما
стр. 2269
الأخرى بالسكون، ثم قلبت الواو ياءً، وأدغمت، وإن أخذ من مادة النون والباء] (١) والهمزة (٢).
التاسعة: مواضع (مِن)، نظمها مُهلَّب في قوله [من المتقارب]:
معانٍ لـ "مِنْ" قد أَتَتْ سبعةٌ ... لتبعيضِ كُلٍّ ومعنى البَدَلْ
ومعنى مِنَ اجْلِ فلانٍ ولا بـ ... ـتداء مَدًى وانتهاءٍ عَدَلْ
وزِيدت لتوكيدِ جنسٍ وقد ... أَتَتْنا بياناً لنوعٍ فَدَلْ
قال: أما التي للتبعيض: فهي التي يكون ما بعدها أعمَّ مما قبلها نحو: أخذت أثواباً من الثياب، بخلاف التي لبيان النوع، فإنها تدخل على الأخص دون الأعم والأكثر.
وأما التي بمعنى البدل؛ فكقوله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] أي: بدلكم.
وكقول الشاعر [من الوافر]:
كَسَوْناها مِنَ الرِّيْطِ اليَماني ... مُسُوحاً في بَنائِقها فُضُولُ (٣)
أي: بدل (٤) الريط.
стр. 2270
وأما التي بمعنى من أجل فلان: فهي [التي] (١) تكون بمعنى لام العرض، نحو: أكرمتُك من أجل فلان، أي: لأجله.
وأما ابتداء الغاية وهو الذي عادل الابتداء في المقابلة: فهي التي تكون مع المفعول، نحو قولك: رأيت من داري الهلالَ من خلَل السحاب، وشممت من داري الريحان من الطريق، فالأول في المسألتين لابتداء الغاية، والثانيتان منهما لانتهائها؛ لأنهما ليستا مفتقرتين إلى ذكر (٢) (مِن) بعدهما، كافتقار التي لابتداء الغاية إلى ذكر (٣) (مِن) بعدها.
وأما الزائدة لتوكيد بيان الجنس، فنحو: ما جاءني من أحدٍ، وأما الداخلة لبيان النوع فهي الداخلة على الأخص، كقولك: أكرمت جميعَ الناس من بني أسد، وكقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
هذا ما قاله، وفي بعضه نظر، ويراعى على طريقة هؤلاء الذين يلتزمون التأويل ليردُّوا المواضع المتعددة إلى الفرد أو الأقل، وبعض المتأخرين ردَّ التي لبيان الجنس إلى ابتداء الغاية.
إذا ثبت هذا فـ (مِن) في قوله: "ممن آمن به" يجوز أن تكون للتبعيض، ويريد بمن آمن به: مَنْ صَدَرَ منه الإيمانُ فيما مضى قبل
стр. 2271
[هذا] (١) الإخبار، ولا يعارض ذلك الاقتصار على أبي بكر وبلال؛ لما ذكرناه من أن مقتضى الإخبار عمن سبق إيمانُه عند وقتِ الاجتماع، والمعنى على هذا: إن معه يومئذ من جملة مَنْ آمن به قبلَ وقتِ الإخبار أبو بكر وبلالٌ، فعلى هذا إذا لم يكن مؤمن [غير] (٢) أبي بكر وبلال لم يصحَّ التبعيضُ إلا على تأويل لا يتبادر إلى الذهن.
العاشرة: قوله ﵇: "ألا تَرَى حالي وحالَ الناسِ" يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يُراد به المؤمنون الذين لقوا العذاب والشدة من المشركين.
ويحتمل: أن يراد به المشركون، وبالحال حال النبي ﷺ .
و [يحتمل: أن يراد حال النبي ﷺ ، و] (٣) حال المسلمين والمشركين.
ويترجح أن يكون المراد بحالي: حال النبي ﷺ وحده مع أحد الوجهين الآخرين، أعني: المسلمين والمشركين، أو المشركين خاصَّةً؛ لأنَّ المسلمين لو دخلوا في ذلك، لكان الأصلُ في التعبير عنه حالنا؛ لأنه اللفظ الموضوع للدلالة على الجمع، والأولى حَمْلُ اللفظِ على ما وُضِع له في الأصل، ويقوى أيضًا إذا لم يكن التعذيبُ لبلال ولا عتقُه واقعاً حينئذ.
стр. 2272
الحادية عشرة: قد ذكرنا أن (حال الناس) معطوف على (حالي)، فالواو للعطف.
الثانية عشرة: (إذا) تستعمل في المتحقِّقِ الوقوع، وستأتي فائدة ذلك.
الثالثة عشرة: قوله: "أتَخبّر الأخبارَ" هو بمعنى أتفعَّل.
الرابعة عشرة: لا بد في (حين) من قوله: "حين قدم المدينة" من استعمال مجاز؛ إما في (حين) أو في (قدم المدينة)، أي: حين كونه بالمدينة، أي: مقامَه بالمدينة؛ لأنَّ الحقيقةَ متعذِّرةٌ؛ لأنه كان غائباً حين القدوم، ولا عِلْمَ له بالغيب.
الخامسة عشرة: قوله: "حتى قدم المدينة" (حتى) للغاية، قلنا: أن نجعلها على ظاهرها على أن تكون الغاية مجموع قدوم القوم، وقوله لهم: فإنه لا يدل على أنَّه تخبّر الأخبار وسأل الناس بعد مجموع القدوم والسؤال، ولا تكون الغايةُ مجردَ القدومِ؛ لأنه قد سأل بعد القدوم وتخبّر، ويحتمل أن يقال: إن المغيَّا محذوفٌ، كما أجيز الحذفُ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقد أجيز في الآية الكريمة أن تكون حرفَ ابتداء.
السادسة عشرة: وجدتُ عن الفاضل العلامة أبي محمد بن برّي: إذا كان للمسمى اسمان؛ فتارة يكون أحدُهما اسماً، والآخرُ
стр. 2273
نسباً (١)؛ نحو: جاءني زيد أخوك، وعمرو أبوك، [وتارةً يكون أحدُهما اسماً والآخرُ كنيةً؛ نحو: جاءني زيد أبو عبد الله، وتارةً يكون] (٢) أحدُهما اسماً والآخرُ لقباً، نحو: جاءني زيد قفة، وعمرو بطة، فالأول بالبدل أولى، ويجوز فيه عطف البيان إذا كان أشهر وأخّرته، والثاني بعطف البيان أولى إذا كان أحدهما أشهر وأخَّرته، ويجوز فيه البدل، ومتى أردت البدل جاز لك تقديمُ الأشهرِ وتأخيرُه، ويتعيَّن في البيان تأخيرُه.
وأما الثاني: فلا بد من تأخير اللقب عن الاسم ليقع بياناً له؛ لأنه لا يقع إلا أشهرَ منه، ومن الكنى بخلاف الاسم مع الكنية أو مع النسب، فإن الأشهريةَ تتناوب عليها، فلا يجوز قولك: جاءني قفة زيد؛ لأن وضع قفة لبيان زيد، ورفع الاشتراك عنه، وذلك مُنافٍ لتقديمه عليه، إلا في موضعٍ واحد، وهي أن المتكلِّم يقول: جاءني قفة، فيتخرج عن اللقب المنهيِّ عن التنابُز به، فيقول: زيد، لنفي التحرُّج لا لقصد البيان.
السابعة عشرة: فإذا تقرر هذا، فها هنا اسمان يثرب والمدينة، فإن كان يثرب اسماً للناحية التي المدينةُ طرفٌ منها، فيكون قولُه: من أهل المدينة بعد قوله: من أهل يثرب، تخصيصاً بعد تعميم، كقولك:
стр. 2274
جاءني رجل من أهل العراق من أهل بغداد، وإن كانت يثرب هي المدينة، وكانت اسمه عند المتكلم، فليس فيه تخصيص بعد تعميم، وتكون بدلًا بإعادة العامل، ويمكن أن يلمح فيه المعنى الذي ذكر في التحرج، فإنه ورد في الحديث ما يقتضي كراهة إطلاق يثرب على المدينة، وأنها طيبة (١)، فكأنَّ الراوي تحرَّج من إطلاق يثربَ، فأتى بالمدينة، كما ذُكِر عن ابن برّي في التحرُّج في نحو: جاءني قفة زيد، ويجوز أن يكونَ المُخاطَبُ لَفْظُ المدينة عنده أشهرُ من لفظ يثرب، فقدّم أخفى الاسمين وأخر أشهرَهما بالنسبة إلى المخاطَب.
العشرون (٢): قوله: "الناسُ إليه سَراع، وقد أرادَ قومُه قَتْلَه فلم يستطيعوا ذلك" هذا مما يُستَدَل به على أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ذكروا شواهدَ من الكتاب العزيز، وهذا بعضُ شواهدِ الحديث.
الحادية والعشرون: قوله: "فقلت: يا رسول الله! أتعرفني؟
стр. 2275
قال: نعم، أنتَ الذي لَقِيْتَني بمكة، فقلتُ (١): بلى" قال بعض الشراح لكتاب مسلم: فيه صحة الجواب بـ "بلى" وإن لم يكن قبلها نفي، وصحة الإقرار بها، وهو الصحيح من مذهبنا، وشرط بعض أصحابنا أن يتقدمها نفيٌ (٢).
ويعني ببعض أصحابنا: الشافعية، و"بلى" ها هنا لا تتعين أن تكون للجواب إلا إذا كانت همزة الاستفهام محذوفةً في قوله: "أنتَ الذي لَقِيْتَني بمكة"، لكن النبي ﷺ جزم بأنه يعرفه بقوله: "نعم"، فلينظر في "بلى" ها هنا.
وأيضًا فاشتراطُ النفي في الجواب بـ "بلى" لا يقتضيه الاستعمالُ، أعني: خصوص النفي، فإنه يقال: أأنت من بني فلان؟ فتقول: بلى، وهو استفهام مجرد، وكذلك: أتذهب إلى زيد؟ فتقول: بلى، ونظائره كثيرة، وكأن الصواب أن يقال: شرط الدلالة بـ "بلى" على الإيجاب، وهذا هو المسألة الفقهية التي أشار إليها، وهو أن يقول القائلُ لغيره: أليس لي عندك كذا؟
فيقول: نعم، هل يكون مقرًّا أو لا؟ فمن يشترط في الإيجاب بعد النفي أن يكونَ الجوابُ بـ "بلى" لا يجعله مُقرًّا، ومن لا يشترط يجعله مقرًّا، أما لو قال القائلُ: لي عندك كذا، لا مستفهمًا ولا نافياً، فيقول المخاطب: نعم، فهو مُقِرٌّ.
الثانية والعشرون: قوله: "حتى تطلعَ الشمسُ، حتى ترتفعَ" غايتان؛
стр. 2276
فالأولى: غاية للأمر بالإقصار عن الصلاة، والثانية: غاية للطلوع.
الثالثة والعشرون: قوله ﵇: "حين تطلُع" تأكيد وتحقيق للوقت الذي يكون معها قرنُ الشيطان.
الرابعة والعشرون: قوله: "فإنَّ حينَئذٍ تُسْجَر جهنم" فيه حذف ضمير الشأن والقصة، والتقدير: فإن الشأن والقصة كذا وكذا، وحذفُ هذا الضمير سائغٌ شائعٌ، وكذا إثباته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وهي من المواضعِ التي أُضمر فيها قبل الذكر.
الخامسة والعشرون: في مقدِّمةٍ يُبنى عليها غيرُها، جوازُ الفصلِ بين حرفِ العطف والمعطوف، ومما ذكر فيه ذلك قولُه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وأنه قد حيل بين الواو التي هي حرف عطف وبين المعطوف، وهو أن تحكموا بالعدل، والتقدير: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن تحكموا بالعدل، وفصل بين حرف العطف وبين المعطوف بالظرف، كما فعل أبو علي في بيت الأعشى [من المنسرح]:
يومًا تراها كَشِبهِ أَرْدِيةِ الـ ... ـعَصْبِ ويومًا أَدِيمُها نَغِلًا (١)
فإنه جلبه شاهدًا على الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف
стр. 2277
الذي هو (يومًا) ضرورةً، وإن كان قد تورَّعَ أبو علي في هذا، وقيل: إن ما جعله ضرورةً ليس بضرورةٍ، وذلك أن حرف العطف عطف ثلاثة أشياء على ثلاثة أشياء، فعطف (يومًا) على (يوم) المتقدم الذكر، وعطف (أديمها) على الضمير المنصوبِ المتصل بـ (ترى)، وعطف (نغلًا) على موضع (كشبه أردية العصب)، والتقدير: تراها يومًا كشبه أردية العصب، وتراها يومًا أديمها نغلًا، وإذا عطف بحرفِ عطفٍ أكثرَ من اسمٍ واحدٍ على مثله لم يَسُغْ أن يقال: إنه فُصل (١) بالمعطوف الأول بين حرف العطف وما بعده، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدًا درهمًا وبكرًا دينارًا، في فصيح الكلام، ولا يعتقدُ أحدٌ أنَّك فصلت بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ (بكر).
وذكر بعض المتأخرين: أن ما ذكره أبو علي من أن الفصلَ بين حرف العطف والاسم المعطوف به بالظرف في البيت وأمثاله ضرورة صحيحٌ عنده.
قال: وبيانُ ذلك: أنَّ الفعل إذا كان له مفعولان، أحدهما: ظرف، والآخر: مفعول به، كانت مرتبة المفعول به أن تتقدَّم على الظرف، وإن قُدِّم الظرف عليه فاتِّساعٌ، النية به التأخير، فإذا حذف ذلك العامل وأثبت منابه حرف العطف، لم يجز تقديم الظرف اتِّساعًا، كما كان يجوز مع الفعل؛ لأن الأصولَ تحتمل من التصرف والاتساع ما لا تحتمله الفروعُ.
стр. 2278
قال: وقد ذكر أبو الفتح ما يدل على أن أبا علي اعتمد في تقبيح ذلك على ما ذكرته، فقال في كتاب "القَدّ" له، قال أبو علي: إن ضربت اليوم زيدًا وأمسِ عمرًا يضعف؛ للفصل بين الواو وما نصبته إذا كانت هي الآن العامل، قلت له: فإذا كانت [هي] (١) الآن عاملًا فهلًا لم يقبح؟ ضربتُ أمس زيدًا واليوم عمرًا، أَوَلاَ تراك تقول مبتديًا (٢): ضربت اليوم عمرًا فلا يقبح، والواو عندك بمنزلة ضربت في أنها الآن العامل؟ فقال: هي وإنْ كانتِ العاملَ فإنها مُقَامةٌ مقامَ العامل الأول الأصلي، فضعُف الفصلُ بينهما، وإن لم يضعفِ الفصل بين العامل الأول الأصلي وبين ما عمل فيه؛ لضعف ما أقيم مقام الشيء أن يجري مجرى الشيء نفسه.
قلت: هذا الكلامُ يقرر أنَّ الفصلَ بين حرف العطف وما عمل فيه بالظرف ضرورةٌ، وهذا قد يسلم، والذي اعترض به المعترض على أبي عليّ يقتضي أنه ليس ثَمَّ فَصْلٌ بين حرف العطف وما عمل فيه، ألا تراه كيف مثَّل: أعطيت زيدًا درهما، وبكرًا دينارًا، في فصيح الكلام، ولا يعتقد أحدٌ أنَّك فصَلتَ بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ (بكر)، فقد بقي أن يكون من باب الفصل، والذي حكي عنه من أنه ليس ضرورةَ يريد به نفيَ ضرورةِ كونهِ فَصَلَ بين حرف العطف والمعطوف، لا نفي كون الفصل إذا وقع ضرورةً،
стр. 2279
ومما ذكر في الفصل في الكتاب العزيز قراءة من قرأ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بنصب (مثل)، قال بعضهم: ألا ترى أن (مثلهن) معطوف على (سبع سماوات)، وقد فَصلت بينه وبين حرف العطف بالمجرور الذي هو (من الأرض)، وليس ذلك المجرور بمعطوفٍ على مجرورٍ معمول لـ (خلق)، فمثل هذا هو الذي إذا جاء في شعر كان ضرورة لأجل الفصل.
قلت: ومما ذكر في هذا الكتاب العزيز قراءة من قرأ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] في قراءة من نصب يعقوب، وجعله في موضع جر، وإنه قد فصل بين الواو ويعقوب بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾، وجعلت هذه القراءة أصعبَ مأخذًا من بيت الأعشى؛ من قِبَل أن حرف العطف [في الآية ناب عن الجار الذي هو (الباء) في قوله: ﴿بِإِسْحَاقَ﴾ وأقوى أحوال حرف العطف] (١) أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يليَه من العمل ما كان الأولُ يليه، والجار لا يجوز فصلُه من مجروره، والفصل في البيت معطوفًا على الناصبِ ومنصوبِهِ ليس كالفصل بين الجار ومجروره، كان بين الناصب ومنصوبه [أسهل] (٢)، [وإن] (٣) أراد بالمجيء ما جاء في بيت أنشده [من الطويل]:
стр. 2280
فلو كنت في خَلْقاءَ من رأس شاهقٍ ... وليس إلى - منها - النزولِ سبيلُ (١)
وقال أبو الحسن ابن عصفور "في شرح الجمل": ولا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف إلا بالقَسم خاصةً، أو بالظرف والمجرور، ويشترط أن يكون حرف العطف على (زيد) من حرف واحد، نحو: قام زيد ثم والله عمرو، أو: بل والله عمرو، وقام في الدار زيد ثم في السوق عمرو، ولا يجوز قام زيد والله عمرو، ولا فالله عمرو، لأن الواو والفاء على حرف واحد، فيشتد (٢) افتقارهما لما بعدهما، فكرهوا الفصل لذلك، وقد يجوز الفصل بين الواو والفاء وبين المعطوف بهما في ضرورة الشعر بالظرف والمجرور نحو قوله [من المنسرح]:
يومًا تَراها كَشِبهِ أَرْدية الـ ... ـعَصْبِ ويومًا أَديمُها نَغِلًا
ففصل بـ (يومًا) (٣) بين الواو وأديمها المعطوف على الضمير في (تراها)، انتهى (٤)، والله أعلم.
السادسة والعشرون: في مقدمة لغيرها، عن العلامة أبي محمد ابن بَرِّي فيما إذا وقع الفعل بعد (إلا) في الاستثناء، أنه يشتق من لفظه اسم يكون هو المستثنى في المعنى. قال سيبويه: مصدر، وقال