فالأولى: غاية للأمر بالإقصار عن الصلاة، والثانية: غاية للطلوع.
الثالثة والعشرون: قوله ﵇: "حين تطلُع" تأكيد وتحقيق للوقت الذي يكون معها قرنُ الشيطان.
الرابعة والعشرون: قوله: "فإنَّ حينَئذٍ تُسْجَر جهنم" فيه حذف ضمير الشأن والقصة، والتقدير: فإن الشأن والقصة كذا وكذا، وحذفُ هذا الضمير سائغٌ شائعٌ، وكذا إثباته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وهي من المواضعِ التي أُضمر فيها قبل الذكر.
الخامسة والعشرون: في مقدِّمةٍ يُبنى عليها غيرُها، جوازُ الفصلِ بين حرفِ العطف والمعطوف، ومما ذكر فيه ذلك قولُه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وأنه قد حيل بين الواو التي هي حرف عطف وبين المعطوف، وهو أن تحكموا بالعدل، والتقدير: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن تحكموا بالعدل، وفصل بين حرف العطف وبين المعطوف بالظرف، كما فعل أبو علي في بيت الأعشى [من المنسرح]:
يومًا تراها كَشِبهِ أَرْدِيةِ الـ ... ـعَصْبِ ويومًا أَدِيمُها نَغِلًا (١)
فإنه جلبه شاهدًا على الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف
стр. 2277
الذي هو (يومًا) ضرورةً، وإن كان قد تورَّعَ أبو علي في هذا، وقيل: إن ما جعله ضرورةً ليس بضرورةٍ، وذلك أن حرف العطف عطف ثلاثة أشياء على ثلاثة أشياء، فعطف (يومًا) على (يوم) المتقدم الذكر، وعطف (أديمها) على الضمير المنصوبِ المتصل بـ (ترى)، وعطف (نغلًا) على موضع (كشبه أردية العصب)، والتقدير: تراها يومًا كشبه أردية العصب، وتراها يومًا أديمها نغلًا، وإذا عطف بحرفِ عطفٍ أكثرَ من اسمٍ واحدٍ على مثله لم يَسُغْ أن يقال: إنه فُصل (١) بالمعطوف الأول بين حرف العطف وما بعده، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدًا درهمًا وبكرًا دينارًا، في فصيح الكلام، ولا يعتقدُ أحدٌ أنَّك فصلت بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ (بكر).
وذكر بعض المتأخرين: أن ما ذكره أبو علي من أن الفصلَ بين حرف العطف والاسم المعطوف به بالظرف في البيت وأمثاله ضرورة صحيحٌ عنده.
قال: وبيانُ ذلك: أنَّ الفعل إذا كان له مفعولان، أحدهما: ظرف، والآخر: مفعول به، كانت مرتبة المفعول به أن تتقدَّم على الظرف، وإن قُدِّم الظرف عليه فاتِّساعٌ، النية به التأخير، فإذا حذف ذلك العامل وأثبت منابه حرف العطف، لم يجز تقديم الظرف اتِّساعًا، كما كان يجوز مع الفعل؛ لأن الأصولَ تحتمل من التصرف والاتساع ما لا تحتمله الفروعُ.
стр. 2278
قال: وقد ذكر أبو الفتح ما يدل على أن أبا علي اعتمد في تقبيح ذلك على ما ذكرته، فقال في كتاب "القَدّ" له، قال أبو علي: إن ضربت اليوم زيدًا وأمسِ عمرًا يضعف؛ للفصل بين الواو وما نصبته إذا كانت هي الآن العامل، قلت له: فإذا كانت [هي] (١) الآن عاملًا فهلًا لم يقبح؟ ضربتُ أمس زيدًا واليوم عمرًا، أَوَلاَ تراك تقول مبتديًا (٢): ضربت اليوم عمرًا فلا يقبح، والواو عندك بمنزلة ضربت في أنها الآن العامل؟ فقال: هي وإنْ كانتِ العاملَ فإنها مُقَامةٌ مقامَ العامل الأول الأصلي، فضعُف الفصلُ بينهما، وإن لم يضعفِ الفصل بين العامل الأول الأصلي وبين ما عمل فيه؛ لضعف ما أقيم مقام الشيء أن يجري مجرى الشيء نفسه.
قلت: هذا الكلامُ يقرر أنَّ الفصلَ بين حرف العطف وما عمل فيه بالظرف ضرورةٌ، وهذا قد يسلم، والذي اعترض به المعترض على أبي عليّ يقتضي أنه ليس ثَمَّ فَصْلٌ بين حرف العطف وما عمل فيه، ألا تراه كيف مثَّل: أعطيت زيدًا درهما، وبكرًا دينارًا، في فصيح الكلام، ولا يعتقد أحدٌ أنَّك فصَلتَ بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ (بكر)، فقد بقي أن يكون من باب الفصل، والذي حكي عنه من أنه ليس ضرورةَ يريد به نفيَ ضرورةِ كونهِ فَصَلَ بين حرف العطف والمعطوف، لا نفي كون الفصل إذا وقع ضرورةً،
стр. 2279
ومما ذكر في الفصل في الكتاب العزيز قراءة من قرأ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بنصب (مثل)، قال بعضهم: ألا ترى أن (مثلهن) معطوف على (سبع سماوات)، وقد فَصلت بينه وبين حرف العطف بالمجرور الذي هو (من الأرض)، وليس ذلك المجرور بمعطوفٍ على مجرورٍ معمول لـ (خلق)، فمثل هذا هو الذي إذا جاء في شعر كان ضرورة لأجل الفصل.
قلت: ومما ذكر في هذا الكتاب العزيز قراءة من قرأ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] في قراءة من نصب يعقوب، وجعله في موضع جر، وإنه قد فصل بين الواو ويعقوب بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾، وجعلت هذه القراءة أصعبَ مأخذًا من بيت الأعشى؛ من قِبَل أن حرف العطف [في الآية ناب عن الجار الذي هو (الباء) في قوله: ﴿بِإِسْحَاقَ﴾ وأقوى أحوال حرف العطف] (١) أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يليَه من العمل ما كان الأولُ يليه، والجار لا يجوز فصلُه من مجروره، والفصل في البيت معطوفًا على الناصبِ ومنصوبِهِ ليس كالفصل بين الجار ومجروره، كان بين الناصب ومنصوبه [أسهل] (٢)، [وإن] (٣) أراد بالمجيء ما جاء في بيت أنشده [من الطويل]:
стр. 2280
فلو كنت في خَلْقاءَ من رأس شاهقٍ ... وليس إلى - منها - النزولِ سبيلُ (١)
وقال أبو الحسن ابن عصفور "في شرح الجمل": ولا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف إلا بالقَسم خاصةً، أو بالظرف والمجرور، ويشترط أن يكون حرف العطف على (زيد) من حرف واحد، نحو: قام زيد ثم والله عمرو، أو: بل والله عمرو، وقام في الدار زيد ثم في السوق عمرو، ولا يجوز قام زيد والله عمرو، ولا فالله عمرو، لأن الواو والفاء على حرف واحد، فيشتد (٢) افتقارهما لما بعدهما، فكرهوا الفصل لذلك، وقد يجوز الفصل بين الواو والفاء وبين المعطوف بهما في ضرورة الشعر بالظرف والمجرور نحو قوله [من المنسرح]:
يومًا تَراها كَشِبهِ أَرْدية الـ ... ـعَصْبِ ويومًا أَديمُها نَغِلًا
ففصل بـ (يومًا) (٣) بين الواو وأديمها المعطوف على الضمير في (تراها)، انتهى (٤)، والله أعلم.
السادسة والعشرون: في مقدمة لغيرها، عن العلامة أبي محمد ابن بَرِّي فيما إذا وقع الفعل بعد (إلا) في الاستثناء، أنه يشتق من لفظه اسم يكون هو المستثنى في المعنى. قال سيبويه: مصدر، وقال
стр. 2281
المبرد: اسم مشتق، والأول أولى؛ لقوَّة دلالة الفعل على مصدره بالاشتقاق، فإن كان قبل (إلا) نفيٌ لفظًا، فالكلام على ظاهره فيما قبل (إلا)، وإن كان إثباتًا أُوِّل (١) بالنفي؛ لأن الاستثناء في هذا النوع مفرَّغ، لأنه استثناءٌ من متعلِّق للفعل عامٌّ، إما من مفعوله العام، وإما من أحواله المقدَّرة، والمفرَّغُ لا يكون إلا في النفي ليفيد، مثالُ الأول (٢): ما يقوم زيد إلا ضحك، وما يصلي عبد الله إلا بكى، تأويله عند سيبويه: ما يقوم على حال إلا على الضحك، أي: ليس له حال عند قيامه إلا الضحك، وهي الأحوال المقدَّرة، وتأويله عند المبرِّد: ما يقوم إلا ضاحكًا، ومعنى الكلام عندهما واحد، من ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١] تأويله على قياس قول سيبويه: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة على [حال] (٣) إلا على إحصائها، وعلى قياس قول المبرِّد: إلا محصيًا لها، ولا يصيبهم ظمأٌ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ على حال إلا على كَتَبَ الله لهم، أو مكتوبًا. ومثال الثاني: نشدتُك الله إلا فعلتَ، وأقسمتُ عليك إلا فعلت، تأويله: ما أطلب إلا فعلَك، وما أسألك إلا فعلَك؛ لأن نَشَدَ؛ بمعنى طلب
стр. 2282
وسأل، ومنه قول ابن عباس ﵄: بالإيواء والنصر إلا جلستم، يريد ما أسالكم وأطلب منكم إلا الجلوس، أي: ما أطلب شيئًا ولا أسألك شيئًا إلا هذا الفعلَ، وهو المفعول العام، ومثله في تأويل المثبت بالمنفي قوله تعالى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] (لتأتنني) في معنى النفي، تأويله: لا تمتنِعُنَّ من الإتيان به لعلةٍ من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، أو في كل زمن من الأزمنة إلا في زمن الإحاطة بكم، فهو الاستثناء من أعمِّ العام لا يكون إلا في النفي لفظًا و (١) حكمًا، ونحوه في هذا التأويل قراءةُ من قرأ في الشواذ (فشربوا منه إلا قليل منهم) بالرفع على تأويل: فما أطاعه أو فما أطاعوه إلا قليل منهم.
السابعة والعشرون: في مقدمة أخرى، وهي جواز العطف إلى آخرها.
الثامنة والعشرون: أبو الحسن الأخفش علَّل وقوع الفعل بعد (إلا) في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية، بأنَّه كلام في معنى الشرط؛ لأن ما قبل (إلا) سبب لما بعدها، فأشبه لذلك الشرط، فمن ثم قال: وقع الفعل ها هنا بعد (إلا) كما يقع في جواب الشرط في قولك: من يَقُم أكرمه، ألا ترى أن معنى الآية: إن أصابهم ظمأ أو نصب أو كذا: كتب
стр. 2283
لهم به، ونحوه: ما تزورني إلا أكرمتُك، يريد: متى زرتني أكرمتك، ومثله في تأويل الكلام بالشرط لما فيه من معنى السببية قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] معناه: من ينفق أمواله فله أجره، وكذلك دخلت (الفاء) في خبر المبتدأ، وكذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] معناه على بعض الأقوال: إن كشفت [عنا] (١) العذاب آمنا إيمانًا نافعًا لنا، ويؤكد لك ما ذكرت أن الشرط اللفظيَّ يقع قبل (إلا) هذه المذكورة، ونحو: إذا بررت أباك فأنت طائع له إلا غفر لك، معنى الكلام: إذا بررت أباك طائعًا له، فيقع غفر لك جوابًا للشرط، وطائعًا حالًا منه، إلا أنك لمَّا قصدتَ أن تجعل الطاعة سببًا لحصول المغفرة جعلتها في اللفظ جوابًا للشرط، وأخرجتها عن حكم الفَضْلَة إلى حكم العُمْدة، فوقع لفظ (غفر لك) فضلة لاستيفاء الشرطِ جوابَه، فخرج عن حكم العمدة إلى حكم الفضلة ووقع بعد (إلا)، كما تقول العرب: الأسد مخوف، ثم إذا أردت الإشارة إليه تقريبًا لمكانه [لتأكيد التخويف منه، يعني قلت: هذا الأسد مخوفًا، وحوَّلت ما كان عمدة إلى] (٢) أن جعلته فضلة، ومثله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] وإنما عدل عن صريح الشرط إلى
стр. 2284
صيغة النفي والإثبات في الآية لأنها أبلغ؛ لأن معنى قوله ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ ...﴾ ﴿إِلَّا كُتِبَ﴾ [التوبة: ١٢٠] لا يصيبهم ذلك على حال إلا على حال الكتابة، وهذا أبلغ في الوعد من أن يصيبهم كذا كتب لهم.
التاسعة والعشرون: عن بعضهم: إذا خرج مفردان من متعدّدٍ (بإلا) مكررةً معطوفةً، عطفتَ (إلا) الثانية على الأولى بالواو، وسواء (١) كان المستثنى منه مثبتًا أو منفيًا، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد وإلا عمرو، وقام القومُ إلا زيدًا وإلا عمرًا، ولا يعطف هاهنا (بالفاء) ولا بـ (ثم)، فلا يقال: ما قام إلا أحد إلا زيد ثم إلا عمرو، وفإلا عمرو، ولا قام القوم إلا زيدًا ثم إلا عمرًا ولا فإلا عمرًا؛ لأن المقصود الإخراج، والإخراج نفسه لا يقع مرتبًا، إنما الترتيب في الفعل المسند إلى المخرج إذا كان مُثْبَتًا لا إذا كان منفيًا؛ لأن الترتيب إنما يكون في الفعل الحاصل في الوجود، ولا يكون في الخارج عنه باعتبار سقوطه من الخارج؛ لأن ترتيبَ الأشياء فرع عن وجودها، وعن غير هذا القائل ما يوافقه في هذا المكان، وهو قوله: تختص الواو في العطف بالعطف على معمول فعل لا يصح من واحد؛ نحو: اختصم زيد وعمرو، ويشارك عبد الله وأخوك، وبالعطف في نحو: ما قام أحد إلا زيد وإلا عمرو، وفي [نحو] (٢): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
стр. 2285
وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأن المقصودَ ذِكْرُ المحرمات لا ترتيبُها في نحو: جاء زيد وعمرو معه، وجاء زيد وعمرو قبله، والمقصود من هذا الكلام ما قاله في نحو: ما قام أحد إلا زيدًا وإلا عمرًا.
الثلاثون: في فرع من فروع ما تقدم: فقياسُ قولِ سيبويه في "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَه فُيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَنْتَثِرُ" على حال إلا على حال خروج خطايا وجهه وفِيْهِ وخياشيمه، أي: ليس له حال عند تلبُّس هذه الأحوال والأفعال إلا حالًا واحدة وهي خروج خطاياه (١)، وعلى قياس قول المبرِّد: ما يفعل أحدُكم هذه الأفعالَ إلا خارجةً خطاياه.
وعلى قياس قول الأخفش: إن قرَّب أحدُكم وضوءَه فتمضض، واستنشق، وانتثر، خرجت خطايا وجهِهِ، وفيه، وخياشيمه، والله أعلم.
الحادية والثلاثون: في فرعٍ آخرَ من فروع ما تقدم، قوله في الحديث: "ثُمَّ إذِاَ غَسَلَ وَجْهَهُ إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايا وَجْهِه" مُشْكِلٌ لِما تقدم [في] (٢) القاعدة الأولى من وجوب تقدُّم النفي، ويحتمل في تخريجه وجوه: أحدها: أنه مِمَّا حُمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ، ويكون التقدير: ثم لا يغسل وجهَه إلا خرجت خطايا، لا بمعنى أن (إذا) تكون بمعنى (لا)، بل باعتبار ما يُفهم من جملة الكلام، وحَمْلُ الكلامِ على المعنى مع دخول (إلا) قد تقدم لنا مثالُه، ومنه: نَشَدتُك اللهَ إلا فعلت كذا، وهو كلام. محمول على المعنى كأنه قال:
стр. 2286
ما أَنْشُد إلا فعلَك، أي: ما أسألك إلا فعلك، ومثل ذلك (شَرٌّ أهرَّ ذا نَابٍ) (١)، و (شيء جاء بك)، قال ابن يعيش: وجاز وقوع فعلت هاهنا بعد (إلا) من حيث كان دالًا على مصدره، كأنهم قالوا: ما أسألك إلا فعلك، ونحوه ما أنشده أبو زيد [من الوافر]:
فقالوا ما تشاءُ فقلتُ ألهو ... إلى الإصْباحِ آثِرَ ذي أثيرِ (٢)
فأوقع الفعلَ على مصدرِه؛ لدلالته عليه، كأنه قال في جواب (ما تشاء): (اللهو)، وإذا ساغ أن يحمل (شرٌّ أهرّ ذا ناب) على معنى النفي في نشدتُك اللهَ إلا فَعلتَ، أظهر لقوة الدلالة على النفي لدخول (إلا) لدلالتها عليها، انتهى ما أردت نقله (٣).
ومن الحمل على المعنى: أقسمتُ عليك إلا فعلتَ، فقياسه لو أجريَ على ظاهره أن يقال: ليفعلن، لأنه جواب القسم في طرف الإيجاب بالفعل، فتلزمه اللام والنون، لكنهم حملوه على نشدتكَ اللهَ إلا فعلت؛ لأن المعنى فيهما واحد، قال سيبويه ﵀: سألت الخليل ﵀ عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لمَ
стр. 2287
جازَ هذا، وإنما أقسمت هاهنا كقولك: والله؟ فقال: وجهُ الكلام: لتفعلَنَّ، ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه (١) بقولهم: نشدتك اللهَ إلا فعلت، إذ كان المعنى فيهما معنى الطلب (٢).
ومن الحمل على المعنى في قولهم: قلّ رجلٌ يقول ذلك إلا زيد، أي: ما يقول ذاك أحد.
وثانيها: أن يقال: ما منكم من أحد يقرب [وضوءه] (٣) فيتمضمض، ويستنشق، وينتثر، إلا خرجت الخطايا من فيه وأنفه وخياشيمه، ثم إلا خرجتْ خطاياه إذا غسلَ وجهَه.
"فَيُمَضْمِضُ، وَيَسْتَنْشِقُ، وَينْتَثِر": صفاتٌ لأحد، و"إِلَّا خَرَجَتْ" هو الخبر؛ لأنه محطُّ الفائدة، والمعنى: ما أحد يفعل هذه الأشياء إلا كان كذا.
وقوله ﵇: "ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ إِلَّا خَرَجَتْ" فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وفُصِل بين حرف العطف والمعطوف بالشرط، والتقدير: إلا خرجت الخطايا من وجهه وفيه.
والفصلُ بين حرف العطفِ والمعطوفِ إذا كان على أكثر من حرف بالقسم، والظرف، والمجرور، جائزٌ، وأما إن كان على حرف واحد، فلا يجوز إلا ضرورةً.
стр. 2288
وهذا فرع من فروع القاعدة التي قدَّمناها في الفصل بين حرف العطف والمعطوف، وقد نَقل أبو عبد الله بن مالك، عن أبي علي: المنعَ منه، إلا في ضرورة (١)، فإذا بُني على الجواز، فيكون من باب عطفِ جملة على جملة، ويكون جواب الشرط محذوفًا؛ لأن النية بهذا الشرط التأخيرُ، فيصير المعنى: إلا خرجت خطايا وجهه، إذا غسل وجهه كان ذلك.
وثالثها: أن يكون العطفُ على "تمضمض" وما بعده، و"إذا" ظرف، ومعنى الشرط (٢) وجوابه محذوف، تقديره: أسبغَ غسله، أو أَتمَّه، أو بَالَغَ فيه، أو ما أشبهَ ذلك، ودلَّ على هذا المحذوف سياقُ المعنى، وقوله: "وينتثر" لأن الانتثارَ عملٌ زائد على المضمضة والاستنشاق، كما أنّ الإسباغَ زائدٌ على غسل الوجه، وحذفُ جواب (إذا) جائزٌ، و (إذا) وجوابها المعطوف جملة معطوفة بـ (ثم) على (تمضمض) وما بعده، ووقوع (إذا) مع جوابها معطوفة على ما قبلها بـ (ثم) جائز لقوله تعالى ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ﴾ [الروم: ٣٣].
ورابعها: أن يُعْطَفَ "ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَه" [على "يُقَرِّبُ فيُمَضْمِضُ" فيكون عطف جملة الشرط على هذه الجمل، ولا يكون
стр. 2289
فصل بين حرف العطف والمعطوف، وكأنه قيل: من منكم من أحد إذا غسل وجهه] (١) إلا خرجت الخطايا من وجهه، كما قيل: ما منكم من أحد يقرب فيتمضمض إلا خرجت خطايا فيه، واعترض عليه باحثٌ: بأنَّ على هذا التقدير إذا غسل وجهه؛ إما أن يجرد (إذا) عن الظرفية، ويجعله لمجرد الظرف، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]، أو يجعلَها ظرفًا فيه معنى الشرط، فإن جعلتها لمجرد الظرف، كانت في موضع الصفة؛ لأنَّها معطوفة على الصفة، والمعطوف على الصفة صفة، وإذًا لا تكون صفة للحدث (٢)، كما لا يكون خبرًا عن الحدث (٣)؛ لأنَّها من ظروف الزمان، وإن جعلتها شرطية، فالجواب محذوف والجملة من الشرط، والجزاء في موضع الصفة، وتقع الجملة الشرطية صفةً للحدث (٤) بخلاف ظرف الزمان وحده، دون أن يكون في جملة الشرط، وإن جعلتها شرطية و (إذا) وجوابها المحذوف جملة معطوفة بـ (ثم) على (تمضمض) وما بعده، فالجواب المحذوف إما أن تقدره قبل: "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه" أو بعده، لا جائزَ أن تقدره قبله؛ لأنه إذ ذاك يبقى الخبر لا فائدة له، إذ يصير التقدير: ما منكم من أحد إذا غسل وجهه خرجتِ الخطايا من وجهه إلا خرجت الخطايا من وجهه، ولا جائزَ أن تقدره بعده؛ لأنه إذ
стр. 2290
ذاك يبقى الخبر أيضًا لا فائدةَ له، وتكون قد فصلتَ بين الشرط والجواب، الذي مجموعُهما وقع صفة لقوله: "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه"، فيكون ذلك فصلًا بين أجزاء الصفة، وهذا كله لا يجوز.
ويلزم أيضًا على كلا التقديرين: العطف على عاملين؛ لأنَّ (ثم) عطفت "إِذَا غَسَلَ وَجْهَه"، أي: على "يقرب فيمضمض" فهو في موضع جرٍّ على اللفظ، أو رفع على الموضع؛ لأن قوله: "من أحد" مبتدأ، و (من) زائدة، وعطفت أيضًا "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه" على "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا فِيْهِ"، فهو في موضع رفعٍ؛ لأنه معطوف على الخبر، وهذا لا يجوز إلا على مذهب من أجاز العطفَ على عاملين، وهو الأخفشُ.
وعلى التقدير المذكور الذي خُرِّج عليه الحديث، لا تكون من هذا الباب، لأنه ليس إلا معطوفٌ واحد، وهو: "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه" على معطوف عليه واحد، وهو: "إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا فِيْهِ"، هذا معنى ما قيل.
واعلم: أن هذا الوجهَ، وما قيل في إبطال العطف على "يُقَرِّبُ فَيُمَضْمِضُ" من أركان صحته، وإبطال ذلك التقدير، أنه يلزم أن لا تكونَ في الخبر فائدةٌ، وهذا اللازمُ لازمٌ عن وجوب تقدير الجواب: فخرجت خطاياه، وفي تغيّر هذا التقدير للجواب منع، فليُبْحَث عليه، ولينظر إلى ما حكيناه عن كلام الأخفش في:
(إذا بررت أباك فأنت طائع له إلا غفر لك).
стр. 2291
وخامسها: أن تكون (إذا) لمَحضِ الظرف مجردةً عن معنى الشرط، لا جواب لها، والعاملُ فيها فعلٌ محذوف من جنس المنطوق به، تقديره: ثم يُقرِّب وَضوءَه إذا غسل وجهه، وتكون الظرفية بمعنى الملابسةِ، أي: ثم يُلابِسُ وضوءَه حتى غسل وجهه، ويجوز أن يكون فيها معنى الشرطِ، وجوابُها محذوفٌ، وعلى كلا الوجهين يجوز أن تكون هذه الجملة المذكورة معطوفة على (يقرب) وما بعده، فتدخل في حكم الصفة؛ لأن المعطوف على الصفةِ صفةٌ، وتكون كلُّها صفاتٍ للمبتدأ المنطوق به، وهو واحد من غير إضمارِ موصوفٍ غيرِه، ويكون الكلام كلُّه جملةً واحدةً، ونحن إذا جعلنا (إذا) ظرفًا ومعمولًا بفعل مقدر، لا تكون (إذا) وحدها صفة، وإنما الجملة بكمالها هي الصفة، أعني: (يقرب) المضمرة مع (إذا)، وما دخلتْ عليه.
وقد يُعترض على هذا الوجه بأن يقال: (إذا) وصفتِ المبتدأَ، ثم أُخِبر عنه، فلا يُرجع إلى وصفه بعد أن أُخبِرَ عنه، فلا يقال: زيد العالم الفاضل في الدار الكاتب، فيكون الكاتبُ صفةً لزيد بعد أن أخبر عنه بـ (في الدار)؛ لأن فيه الفصل بين الأوصاف بأجنبي، وهنا قد وصف المبتدأ بقوله: (يقرب) وما بعده، ثم أخبر عنه، بما (١) أخبر عنه بـ"خَرجَت خَطَايا وَجْهِه وفِيهِ وخَيَاشِيمِه" ثم رجع إلى وصفه بالجملة التي بعد (ثم) المقدر فعلها على تقدير الظرفية، أو جوابها على تقدير الشرطية.
стр. 2292
ويجاب عنه: بأن المبتدأ قد يُوصَف بأوصاف ويُخبَر عنه باعتبار كل صفة بخبر يلائم تلك الصفة، فيتكرر الإخبار عن مبتدأ واحد باعتبار ما تكرَّر من أوصافه، كقولك: ما من أحد يصلي في المسجد الحرام إلا صلاته كألف صلاة، ولا يصلي في مسجد رسول الله ﷺ إلا كانت صلاته كسبع مئة صلاة، ولا يصلي في المسجد الأقصى إلا كانت صلاتُه بخمس مئة، وكذلك في الحديث؛ أخبر عن "أحد" بخروج خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، باعتبار وصفه المضمضة والاستنشاق والانتثار، ثم أخبر عنه بخروج خطايا وجهه، فحُسِب باعتبار وصفه بغسل وجهه فحسب.
وسادسها: أن تكون هذه الجملة المذكورة، أعني: (يقرب) المقدرة مع (إذا) وما دخلت عليه صفة لمبتدأ محذوف منفيٍّ من لفظ المنطوق، تقديره: ثم ما منكم من أحد يقرِّبُ وضوءَه، حين غَسْلِ وجهه، أو ما منكم من أحد إذا غَسَلَ وجهه أدَّى الواجب، أو ما أشبهه، ويكون الكلام جملتين، وكيف ما قدر بقوله: "خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه" في موضع رفع خبر، إما على المبتدأ المنطوق به، وإما على المقدر كما ذكر، وقد يُعترض على هذا الوجه باعتراضين:
أحدهما: أن فيه حذفَ المبتدأ منفيًا مع أداة نفيه بعده، والمعروف أن يحذف إذا حذف مع بقاء نفيه، نحو: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧]، و ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] التقدير في الكل: أحد.
стр. 2293
وقد يُجاب عنه: بأن المسوِّغ لذلك ظهور المعنى، وقوة القرينة عليه، وأن المحذوف من لفظ المنطوق بعينه، كقولهم:
بين ذراعي وجبهة الأسد (١)
و [من البسيط]:
ويا تيمُ تيمَ عدي (٢)
على أحد التقديرين. [من الطويل]:
وإني وقيَّار بها لغريب (٣)
وأشباه ذلك.
الثاني: أن فيه حذفَ الموصوف، وإقامةَ الصفة مقامه؛ لأن التقدير على هذا الوجه: ثم ما منكم من أحدٍ إذا غسل وجهَه، وحذفُ الموصوف، وإقامةُ الصفة مقامَه، لا تَحْسُن ولا تكثُر، إلا إذا كانت الصفةُ محضةً مختصةً، فلا يحسن: جاء يركبه (٤)، على معنى: جاء رجل يركب، ولا جاء عندنا، بمعنى: جاء رجل عندنا، ولا مررت
стр. 2294
بأبيض؛ لأن الفعلَ والظرفَ غيرُ صفة محضة، و (أبيض) غير مختصة، وقوله في الحديث: "ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهَ" مع ما يقدر معه جملة، صفة لمبتدأ محذوف على غير هذا الوجه، وهي غير صفة محضة، فلا تحسن إقامتها مقام موصوفها.
ويجاب عنه: أنه وإن كان قليلًا، لكنه سُمعَ من العرب له نظائر؛ فمن ذلك ما أنشده (١) سيبويه [من الرجز]:
لو قلتَ ما في قَومِها لم تَيْثَمِ ... يفضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمِ (٢)
يريد أحد يفضلها.
وأنشد المبرد [من الوافر]:
كأَنَّك من جمالِ بني أُقيشِ (٣)
يريد: جمل من جمال بني أُقَيش (٤).
وأنشد أبو زيد [من الرجز]:
стр. 2295
يرمي بِكَفَّي كان مِنْ أَرْمَى البشر (١)
يريد: بكفي رجل.
وأنشد بعضهم لعَبِيْد بن الأبرص [مجزوء الكامل المُرفَّل]:
جَعَلَت لها عُوْدَين مِنْ ... نَشَمِ وآخَرَ مِنْ ثُمَامه (٢)
قالوا: يريد عودًا من نَشَم، فحذف الموصوف، وأقام صفتَه مقامه، و (آخر) عطف على الموصوف المحذوف، لا على (عودين)؛ لأنه لو كان كذلك لكانت ثلاثةَ أعواد.
وقال: ومنه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤].
قال ابن مالك: وهو مطَّردٌ في النفي، كقولهم: ما منهما مات، حتى رأيته يفعل كذا، وقد يُسهِّل ذلك في الحديث، أنَّ الصفة فيه مختصةٌ، وإن لم تكن محضة (٣).
الثانية والثلاثون: وأما القاعدة التي ذكرناها في عطف المفردين بالواو (٤)، والعلة المذكورة كذلك، فإنما ذكرناها ليُنظر بينها وبين
стр. 2296
ما نحن فيه، وإلى العلة التي ذكرت، وهل ثَمَّ فرقٌ، أو لا؟ فيه تظهر صحةُ بعض هذه الوجوه، أو فساده، على أنَّ هذه الوجوهَ إنما ذُكِرت لتحقق النظر فيها بعد دلك، والموضعُ لم يتقدم فيه كلامٌ لأحدٍ من المصنفين فيما رأيته، وإنما المذكور احتمالات ومَباحِث (١) وقع الكلام فيها، فذكِرَت لتكونَ للفكر مُعَرِّضة، وعن الإهمال مُعْرِضة، وللتهذيب متعرِّضَة.
الثالثة والثلاثون: قوله في بعض الروايات: "انصَرَفَ مِنْ خَطِيْئَتِهِ كَيَومَ وَلَدَتْه أُمُّهُ" [يومَ] (٢) مفتوح مبني لإضافته إلى الفعل الماضي المبني، كقوله [من الطويل]:
على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٣)
وقوله [من البسيط]:
لم يَمْنعِ الشّربَ منها غَيْرَ أن نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أَوْ قَالِ (٤)
والإضافةُ إلى المبنيِّ أحدُ أسباب البناء.
стр. 2297
الرابعة والثلاثون: قوله: "كَهَيْئَتِهِ يَومَ ولَدتْه أُمُّه" حال من الضمير في (١) قوله: "مِنْ خَطِيْئَتِهِ".
* * *
* الوجه الخامس: في شيء مما يتعلق بالألفاظ غير ما تقدم ويأتي، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: "فَسَمِعْتُ برجلٍ بمكةَ يخبرُ أخبارًا": لا شكَّ أنه لا يُراد ظاهر اللفظ، لأنه لا غرابةَ في الإخبار بمجرد الأَخبار، ولا حامل بسبب ذلك بمجرده على الرحلة، بل إما أن يكون من باب تَنْكير التعظيم، أو من باب حذف الصفة الممحضة (٢)، كالإخبار عن الغيوب مثلًا، وبين الوجهين فرق.
الثانية: قوله: "ما فَعَلَ هَذَا الرجلُ" هو يعني به: النبي ﷺ ، وقد كان أسلمَ، والواجب تعبيرُ المسلمِ عن الرسول بغير هذه العبارة، ولعلَّ سببَهُ طلبُ الإخفاء لِمَا لعله يُتَوقَّعُ من الضرر من القوم المسؤولين؛ لكثرة الكفر في ذلك الوقت، والمعاداة لأهل الإيمان، وليس هذا المعنى في قوله في أول الحديث: "فسمعتُ برجل بمكة يخبر أخبارًا": إما لأنه حينئذ كان قبل الإسلام المقتضي للعدول عن مثل هذه الصيغة، أو لأنه أخبر على حسب ما سمع.
الثالثة: قيل: معنى (مع) المصاحبة بين أمرين، وكل أمرين
стр. 2298
لا يقع بينهما مصاحبة واشتراك إلا في حكم يجمع بينهما، ولذلك لا تكون الواو التي (١) بمعنى (مع) إلا بعد فعل لفظًا أو تقديرًا لتصحَّ المعيَّةُ، وكمالُ معنى المعية الاجتماعُ في الأمر الذي به الاشتراك في زمان ذلك الاشتراط، ويستعمل أيضًا لمجرد الأمر الذي به الاشتراك والاجتماع دون زمانِ ذلك. فالأول يكثر في أفعال الجوارح والعلاج، نحو: دخلت مع زيد، وانطلقت مع عبد الله، وقمنا معًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ [يوسف: ١٢]، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٣]، ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦].
والثاني: يكثر في الأفعال المعنوية، نحو: آمنت مع المؤمنين، وتبتُ مع التائبين، وفهمتُ المسألة مع مَنْ فهمها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، أي: بالعناية والحفظ، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، يعني: الذين شاركوه في الإيمان، وهو الذي وقع به الاجتماع والاشتراك من الأحوال والمذاهب، وقد ذُكر الاحتمالان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فقيل: إنه من باب المعية في الاشتراك، فيما به الاجتماع والزمان على حذف
стр. 2299
مضاف، إما أن يكون تقديرُه: أنزل معه نبوَّته، وإما أن يكون التقدير مع أتباعه، وقيل: إنه مما وقع به الاشتراك دون الزمان، وتقديره: واتبعوا معهُ النور، وقد تكون المصاحبة والاشتراك بين المفعول وبين المضاف إلى (مع)، كقولك: شَمَمْتُ طِيبًا مع زيد، ويجوز أن يكون منه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، انتهى.
وقد ورد في الشعر استعمالُ (مع) في معنى ينبغي أن يُتَأَمَّلَ ليُلحَق بأحد الأقسام، وهو قوله [من الطويل]:
يقومُ مَعَ الرُّمْحِ الرُّدَيِنيِّ قامَةً ... وَيَقْصُرُ عنه طُوْلُ كُلِّ نِجادِ (١)
الرابعة: سيأتيك في الفوائد؛ أنه يُحتمل أن تكون العلّة في النهي هي سجود الكفار، ويكون ذكر كونها "تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَان" ذِكرًا لسبب العلة، فعليك أن تتأمل وجهَ الدلالة بوجه سجودِ الكفار لها على سببية طلوعها بين قرني شيطان، ويلحق ذلك بما ذكره أهل البيان، وتسميه باسمه الموضوع عندهم بهذه الدلالة، بحيث يتميّز عن غيره، مما يدخل تحت الأسماء التي يوردونها (٢).
الخامسة: التنكير في لفظة "شيطان" يقتضي التعليل بالشيطنة، ولو ورد بلفظ التعريف، وأريد إبليسُ، لم يمتنع التعبير عنه بشيطان؛
стр. 2300
لأنَّ التعبيرَ عن الخاص باللفظ العامِّ غيرُ ممتنع، كما تقول: رأيت رجلًا، وأنت تريد معيَّنًا، ويكون التعبيرُ بالتنكير هاهنا أكثرَ فائدة من التعبير بالتعريف، وستأتي فائدتُه في وجه الفوائد والمباحث إن شاء الله تعالى.
السادسة: قوله ﵇: "فإِنَّها مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ" تفسيُره بحضور الملائكة، يمكن أن يكون فيه تنبيهٌ على علة المنع في وقت الكراهة؛ لأنَّ الملائكةَ لا تشهد، ولا تحضر عند عبادة الكفار؛ لأنه [لمَّا] علَّلَ الإباحةَ بالشهود والحضور، دلّ على انتفاء العلة في حالة المنع، وإلا لَمَا اختصت الإباحة بحالة الشهود والحضور، والله أعلم.
السابعة: ويكون التعليل بكون الكفار يسجدون لها من إضافة الحكم إلى سبب السبب، أي: أن الكفارَ يسجدون، وهو سببٌ لعدم حضور الملائكة الذي هو السبب للمنع، وقد دل كتاب الله تعالى على أن شهودَ الملائكة سببٌ للأمر بالفعل، والحثِّ عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] إذا حملناه على الملائكة، وهو الظاهر.
الثامنة: قد حكينا فيما مضى معنى استقلال الظلِّ بالرمح، ويحتمل معنًى آخرَ يليق بهذا المكان؛ وذلك أن الظلَّ إذا كان تحتَ القائمِ، كان شبيهًا باستقلال الحامل بالمحمول، فاستُعِير له لفظه بالمشابهة، ويكون من قولهم استَقَلَّ فلانٌ بالأمر، وفلانٌ لا يستقِلُّ بهذا الأمر، أي: قام به، أو لا يقوم به.
стр. 2301
التاسعة: النحويون يذكرون في ضمير الشأن معنى (١).
العاشرة: قوله: "انصَرَفَ مِنْ خَطِيْئَتِه كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه" وفي رواية (٢).
الحادية عشرة: قوله: "فالوضوءَ أَخبِرْني عنه" (٣).
الثانية عشرة: رواية "خَرَّت" من الخرور، أبلغُ من جَرَت من الجري، ورواية خَرَّت أبلغُ من خرجَت، وإنما كان كذلك؛ لأن في (خرّت) دلالةٌ على الجري وزيادة، لما في الخرور في الأجسام من الدَّلالة على السُّقوط، والنقل المقتضي للسرعة، من جهة طلب الهويّ بنقل (٤) هذا المعنى بالاستعارة إلى الخطايا، و (جرت) وإن دلَّ على الخروج والجريان، لكنه لا يدلُّ على الذي دلَّت عليه [خرّت] (٥) من السرعة؛ لأن الجري قد يكون مع البطء، و (خرجَت) قاصر الدلالة عن الأمرين (٦) جميعًا، أعني: عن الجري والسرعة، وإنما قلنا: لفظًا؛ لأنه قد يدلُّ على السرعة وجودًا في الأعضاء المغسولة غالبًا.
الثالثة عشرة: قوله ﵊: "مع الماء" أفاد
стр. 2302
تعجيلَ المغفرةِ وسرعتَها، ووقوعها عند استعمال الماء، وفي ذلك زيادةٌ على مجرد خروجها لو لم يذكر هذه اللفظة، لإمكان التراخي فيه عند عدم ذكرها.
الرابعة عشرة: قوله: "ورقَّ عَظْمي" مجاز؛ لأن هذه الحالة التي أشار إليها، إنما هي بنقصان اللحم، ونُحولِ الجلد، لا لأمر يرجع إلى نفس العظم؛ فإما أن يكون سمَّى الجملةَ عظمًا، وجعل رِقَّته بنقصان بعضِه بعد هذه الملاحظة، أو يكون سمَّى اللحمَ والجلدَ عظمًا بالمُجاورة، والنقصانُ راجعٌ إليهما.
الخامسة عشرة: قوله: "لقد كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، واقتربَ أجلي، وما بي حاجةٌ أن أكذبَ على الله، ولا على رسولهِ" فيه أمران:
أحدهما: ذكر الموجباتِ لعدم الكذب والمقتضيات للصدق.
والثاني: انتفاء الموجبِ للكذب بعد قيام الموجب للصدق، وعدمُ معارضة مانعٍ لتلك الموجبات.
* * *
* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قول أبي أمامة لعمرو بن عبسة: بأيِّ شيء تدَّعي أنك رُبْعُ الإسلام؟ وذكر جوابه عن ذلك وتقريره، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون على حذف مضاف، أيَّ ربع أهل الإسلام.
والثاني: أن يكون استعَارَ للإسلام لفظَ الرُّبع، تشبيهًا له بما له أجزاء، فيكون ربعًا للإسلام على سبيل المبالغة، فيكون بعد الاستعارة،
стр. 2303
وعلى هذا ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون النبي ﷺ داخلًا في هذا، كما قال ﷺ : "وأنا أولُّ المسلمين"، أو "من المسلمين" (١)، وهذا هو ظاهر اقتصاره على أبي بكر وبلال.
ويحتمل أن يكون اعتبر خديجة في الإسلام، حيث جعل نفسه ربعا، واعتبر الرجولية حين ذكر أبا بكر وبلالًا فقط، والأول أَدْخَلُ في التعظيم، وأبلغُ في الصيغة.
وإذا جعلنا فيه حذفًا، ففيه احتمال دخول النبي ﷺ في ذلك، والاحتمال الآخر، لكن يتفاوت هو والتقدير الثاني في المعنى الذي أشرنا إليه في التقدير الثاني.
الثانية: قد كنّا قدمنا كلامًا في قوله: "أظن"، وهل هو بمعنى العلم، أو لا؟ وقد ورد في رواية إسماعيل بن عياش ما يدل على أنه بمعنى العلم، فإن فيها: "رغبتُ عن آلهة قومي في الجاهلية" (٢)، فظاهر هذا الجزم: مفارقته لاعتقادهم.
الثالثة: إجابة عمرو إلى الإسلام بسبب ما ذكره النبي ﷺ ؛ من
стр. 2304
الإرسال بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، والتوحيد لله، من باب الاستدلال بالقرائن، من الأفعال، والأحوال، والأقوال، وهي من الطرق المفيدة للعلم اليقيني، لا سيما مع كثرة القرائن، وطول الأزمنة، وانظر إلى قول عبد الله بن سلام في النبي ﷺ : "فلما رأيته علمتُ أن وَجْهَه ليس بَوَجْهِ كذَّاب" (١) واستدلاله بالحال، ولا يتردَّدَن (٢) في أنَّ القرائنَ في مثل هذا مفيدةٌ للعلم، فقد عُلِم بالضرورة خَجَلُ الخَجِل لحمرةِ وَجْهِه، عقيب السببِ الموجبِ للخَجَل، وعُلِمَ بالضرورة وَجلُ الوَجِلِ بصُفرة وَجْهِه، عند وجودِ السببِ الموجبِ لذلك، وأين هذا من آلافٍ من القرائن تتضافر على شيء واحد في الزمن الطويل، ولقد أحسن من المتكلمين من قال (٣).
والنصارى يذكرون عن المسيحِ ﵇ أنه يأتي من بعده أنبياء كذَّابون، وأنه قال: من ثمارهم يعرفونهم، وثمارهم هي أحوالُهم وسِيَرُهم، وما دلَّت عليه شرائعُهم، وتأمَّل الحكمَ في ذلك، والتحقيق فيه لما تدلُّ عليه القرائن؛ فالنصارى هالِكون بعدم تتبُّعهم لأحوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وحكم شرعه، مخالفون لما دلَّهم عليه المسيحُ ﵇.
стр. 2305
ولا يجيء الخلاف الشاذ المقول عن العنبري والجاحظ؛ لأنهم بين مقصِّر أو معانِدٍ، وكيف ما كان فالهلاك واقع بهم، وليس حالهم حالَ من يقول فيه العنبري ما قال: إذا حصل التمكنُ من النظر فيما يوجب الإيمان، ويمكن على هذا أن يجيبَ العنبريُّ عما ردَّ به عليه من تثبيت المشركين، واغترارهم، وعدم المعرفة بالفرق بين المعاند وغيره، فله أن يقول: المكلَّف منهم مع إمكان النظر بين معاند ومقصر، وأنا أقول: بهلاك كل واحد منهما، هذا إن كان قال ما قال بناءً على ما ذكرناه، وأما الذي حُكِيَ عنه من الإصابة في العقائد القطعية، فباطلٌ قطعًا، ولعله لا يقول ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرنا: أن له [أنْ] (١) يقوله، إنما هو بالنسبة إلى هذا الردِّ المخصوص، ولهم عليه ردٌّ أو ردودٌ غيرُ هذا، ليس هي التي أوردنا عليها هذا السؤال.
الرابعة: قوله: "مَنْ مَعَكَ على هذا الأمر؟ " يحتمل أن يريد باستعلام من معه النظر في أنه هل يمكن إظهارُ المتابعة باعتضاده بمن أسلم، ويَبْعُد أن يريدَ به الاستدلالَ بالوجه الذي استدل به هِرَقْلُ من أهل الكتاب الناظرين في سير الرسل ﵈ وأتباعهم، ولهذا لما أخبر بأنهم ضعفاء الناس، قال: هم أتباع الرسل (٢)، وعمرو
стр. 2306
ابن عبسة لم يكن من هذا القبيل ظاهرًا، ويحتمل أن يريدَ سؤالَه عمن معه معرفة حالهم، فإن لصفاتِ أربابِ المذاهب والعقائد من العقل الراجح، وغير ذلك، أصلًا كبيرًا في صحتها، والأقرب أن يكون السؤال للأمر الأول.
وقوله بعد العلم بقلتهم: "إني مُتَّبعك" لإشراق نور الإيمان في قلبه، وقوَّةِ الاعتقاد، وعدم الالتفات لهذه العلة.
الخامسة: قال القرطبي: وقوله: "فمن تبعك على هذا الأمر؟ قال: حرٌّ وعَبْدٌ" الحرُّ: أبو بكر، والعبد: بلال، كما فسَّره، ولم يذكر له النبي ﷺ عليًا لصغره؛ فإنه أسلم وهو ابن سبعِ سنين، وقيل: ابن عشر، ولا خديجة؛ لأنه فَهِمَ عنه أنه إنما سأله عن الرجال، فأجابه حسب ذلك.
قال: ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقاص، فإنه قال: "ما أَسْلَمَ أَحَد إلا في اليوم الذي أَسْلَمْتُ فيه، ولقد مَكَثْتُ سَبْعَةَ أيام، وإني لَثُلُثُ الإسلامِ" (١) وظاهرهُ: أن بلالًا وأبا بكر أسلما في اليوم الذي أسلم فيه، وأنه أقام سبعة أيام لم يسلم معهم - الثلاثةِ - أحدٌ، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبي ﷺ يوم جاءه عمرو بن عبسة - أبو بكر وسعد وبلال، لكنْ سكت عنه النبي ﷺ ، أعني: عن سعد، فلم يذكره.
стр. 2307
وذكر احتمالًا وقال: وإما لأن سعدًا لم يكن حاضرًا إذ ذاك بمكة، وإما لأمر آخر، والله أعلم (١).
السادسة: لم يُذكر في هذا الحديث دخولُه في الإسلام، ولا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإنَّ النبي ﷺ قال له: "إنك لا تستطيع ذلك يومَك" (٢)، ونفس الإسلام يُستطاع مع الإخفاء، وتأخيرُ الإسلام ممتنعٌ مع التمكُّن، والمبادرة مع ذلك فرض مضيق.
السابعة: فيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لإتيانه ﷺ بـ (إذا) التي تستعمل في محقَّقِ الوقوع، وقد وقع المخبَرُ به على وَفْقِ الخبر، وقد جاء الخبر مصرحًا به في حديث خبَّاب: "واللهِ لَيُتِمَّنَ اللهُ هذا الأمرَ" (٣)، وفي حديث عدي بن حاتم (٤)، وما في كتاب الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣].
الثامنة: قوله: "أَخبِرْني عن الصلاة" قال أبو العباس أحمد بن عمر فيه: أنه سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز النفل فيه، من الوقت الذي لا يجوز، قال: وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ﵇ فَهِم عنه ذلك، فأجابه
стр. 2308
به، ولو كان سؤاله عن غير ذلك، لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال (١).
قلت: إن أراد بالمطابقةِ، أن لا يكون لا أَزْيَدَ، ولا أَنْقَصَ مما وقع عنه السؤال، فالذي استدل به على هذا التقدير صحيحٌ، لكنه قد يُمنع اشتراطُ هذا الشرط في صحة الجواب، فقد يكون الجواب أكبرَ، وقد يكون أقلّ؛؟ بأن يعيّن المسؤول بعض ما وقع عنه السؤال لمعنى يقتضي ذلك عنده، لزيادة الحاجة إليه، أو غير ذلك، لا لأنه فَهِمَ من السائل أن السؤال عن ذلك الشيء الذي عيّن في الجواب لخصوصه.
العاشرة (٢): قول أبي العباس القرطبي: إنه سؤال عن تعيين الوقت، الذي يجوز النفل فيه، من الوقت الذي لا يجوز، ينازعه فيه من يقول: إن المفروضاتِ الفائتةَ تمتنع في هذا الوقت، مستدلًا بظاهر الأمر بالاقتصار عن الصلاة، وهو عامٌّ في الفرض والنفل، ويكون دخول النفل فيه من باب الجواب عن الشيء، وعما هو أكبر منه، وهذا أيضًا مما يَرِد عليه في تعيين السؤال للوقت الذي يجوز النفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، والزيادة في الجواب عن القدر الذي سئل عنه لا نزاع فيه "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣).
الحادية عشرة: الذين قالوا بامتناع قضاء الفوائت المفروضة في
стр. 2309
وقت الكراهة، يستدلّون - كما بينا - بظاهر العموم في قوله ﵇: "أقصر عن الصلاة" وهو عامٌّ في الفرض والنفل كما ذكرنا، ومن أخرجه عن العموم إلى الخصوص، فبدليل من خارج.
الثانية عشرة: القائلون بالتخصيص يستدلون بإقرار الرسول ﷺ على قضاء ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح لمن فاتته قبله، كما دلَّ عليه الحديث المروي في ذلك (١)، فإذا جاز قضاء النفل الفائت في هذا الوقت، فلأَنْ (٢) يجوز ذلك في الفرض الفائت أولى.
الثالثة عشرة: وربما [تَخَطَّوْا] (٣) ذلك بالاستدلال بذلك الحديثِ على جواز صلاة ما له سبب مطلقًا في هذه الأوقات المكروهة، وعليه سؤال احتمال أن يكون للمقضي المخصوص أثرٌ في الحكم؛ كتأكُّده مثلًا، فلا يجوز تعدِّي الحكم إلى ما لا يساويه في صفته، وكذلك إذا وجد تخصيص آخر للصلاة في وقت آخر، كما بعد العصر بالنسبة إلى فائت راتبة الظهر، يقال: عليه ذلك أيضًا، اللهم إلا أنَّ يظهرَ بدليلٍ وقرينةٍ إلغاءُ الوصف المقتضي للتخصيص، فيصح الاستدلالُ.
стр. 2310
الرابعة عشرة: قوله ﵇: "ثم أقصر عن الصلاة" الألف واللام تُستعمل للعهد، وتستعمل للجنس، وقد يردُّها بعضُ المناظرين أو المشغِّبين إلى العهد، أي: الصلوات الخمس؛ ليجيبَ بذلك عما عساه يُسْتَدلُّ به عليه في بعض [ما] (١) ينطلق عليه اسمُ الصلاة، إذا كان يخالف فيه لكون الصلوات الخمس معهودة.
وأنا أقول: إن مجرَّد التقدمِ في الوجود، ولا يلزم منه أن يكون المعهود الذي ترد إليه الألف واللام إلا بقرينة، ونظائره في الأمثلة ظاهرة: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، لقيت رجلًا، فقال الرجل، ولعلَّه قد تقدم ذِكْرُ شيء من هذا عند ما أريد أن يجوز حمل الألف واللام المنهي عن اتخاذه للعهد، فإذا لم تقُمْ قرينة، لم يلزم الحمل على العهد إلى هذا.
الخامسة عشرة: إذا حملنا لفظَ الصلاة على العموم؛ إما لما ذكرناه من اشتراط القرينة، أو لأنه يلزم خروج النوافل عن المراد، وهو خلاف ما اتفق عليه؛ لأنه إما أن تكون داخلة في المراد مع الفرائض، أو مخصوصة بالإرادة، إما بشرط كعدم السبب؛ كما يقول الشافعي، أو بغير شرط، فعلى هذا كل ما يُسمَّى (٢) صلاةً يدخل تحت اللفظ.
السادسة عشرة: الحنفية يقولون في الأوقات الثلاثة - أعني وقت
стр. 2311
الطلوع، ووقت الغروب، ووقت الانتصاب - أنه لا يُصلَّى فيها (١) جنسُ الصلوات، ولا يصلي فرضًا ولا نفلًا، ولا سجدةَ التلاوة، وقت الطلوع، والغروب، والانتصاب، إلا عصرَ يومه، فإنه يصليها وقت الغروب، إلا ما استثناه أبو يوسف في رواية، من جواز الصلاة [في يوم الجمعة خاصةً أن يؤدِّيَ النافلة (٢)، فمقتضى العموم عن الإقصار عن الصلاة] (٣) أن لا يؤدي الفرض المقضيَّ كما ذهبوا.
السابعة عشرة: اقتضاء العموم منع الفائتة في هذه الأوقات، عارضوه بقوله - عليه الصلاة السلام -: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أو نسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها" (٤)، وهو من باب تعارض العمومين من وجه دون وجه، وقد مَرَّ شيءٌ من هذا، والذين أجازوا القضاء للفائتة رجحوا ما ذهبوا إليه بالاتفاق على دخول التخصيص في ذلك الحديث؛ ولم يحصلِ الاتفاقُ على ترك العموم في هذا الحديث، وقد يُعَارض هؤلاء بدخول التخصيص في صلاة الجمعة، وقد يُعتذَرُ عنه بأن يقالَ: الظُّهرُ فرض الوقت، فإن الجمعة ظهرٌ مقصود، والظهر يُقضى، وكذلك من يقول: بعدم قضاء صلاة العيدين إذا نام عنها، أو نسيها، وكذلك فوات صلاة الكسوف، والاستسقاء بالنوم، أو
стр. 2312
النسيان، وكذلك صلاة الجنازة عند من لا يرى قضاءَها، لكنَّ الصورَ المختلف فيها من ذلك، وقد يقال: إنه لا يرد؛ لأنا ادَّعينا عدمَ الاتفاقِ على التخصيص، والأمر كذلك في هذه المسائل المختَلف فيها.
الثامنة عشرة: العموم يتناول النافلة، وقد قلنا: إنه إما مقصود، أو مندرج، فيقتضي في النافلة مع هذه الأوقات الثلاث، وهي ثلاث مسائل.
الحادية والعشرون (١): ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وظاهرُ النهيِ التحريمُ، فالأمر في هذا الحديث بقوله: "أقْصِرْ عن الصلاة"، والنهي إمَّا منه أيضًا على القول بأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده على ما فيه من بحث نذكره، وإما من حديث عقبة بن عامر ﵁: "ثلاثُ سَاعاتٍ نهَانَا رسولُ الله ﷺ أن نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أَنْ نَقْبُرَ فيهن مَوْتَانا" الحديث (٢)، وظاهر النهي التحريم، والحنفية قالوا: إنه لو صلَّى التطوعَ جاز، ويُكره، ولو قرأ آية السجدة فسجد جاز، ويكره (٣)، وهو خلاف الظاهر من النهي، فيحتاج صرفُه عنه إلى دليل، هذا بعد أن تبيَّن أن اسمَ الصلاة منطلقٌ على سجود التلاوة، وقد أخذوا منه
стр. 2313
اشتراطَ شروطِ الصلاة على ما هو مذهب المشهورين من العلماء.
الثانية والعشرون: إذا أخذنا بالعمومِ في الصلاة، دخل فيها صلاة الجنازة، والحنفيَّة قالوا فيها: كما قالوا في سجود التلاوة: إنه لا يصلَّى على جنازة، ولو صلَّى جاز، هذا في الأوقات الثلاثة، والأمر في ذلك كما تقدم في المسألة قبلها في انطلاق اسم الصلاة، ودلالة النهي على التحريم، لكنهم يُفَرِّقون بين قضاء الفرائض (١)، وبين صلاة الجنازة، وسجود التلاوة؛ لأن في قضاء الفوائت الفرضية في هذه الأوقات نيابة الناقص عن الكامل؛ لأنَّ الصَّلاة تثبت في الذمة كاملةً، والصلاة في هذه الأوقات ناقصة، والناقص لا ينوب عن الكامل، ولذلك قالوا: إنه لو قرأ آية السجدة قبل هذه الأوقات، وسجد في هذه الأوقات لا يجوز، ويعاد؛ لأن سجود التلاوة عندهم واجب، وقالوا أيضًا كذلك: فيمن صام يوم النحر قضاءً عن واجب في ذمَّته لا يجوز، وكذلك يوم الفطر وأيام التشريق، ولو صام تطوّعًا جاز، ويكره، ولا بدَّ من دليل على اعتبار هذا المعنى؛ أعني: النقص والكمال في جواز الفعل وإجزائه، وإن كان معنىً مستنبطًا من قاعدة كلية، النص الخاص أولى منه، وهي (٢) النهي الخاص عن صوم يوم النحر وأيام التشريق، وقال مالك ﵀ (٣).
стр. 2314
الثالثة والعشرون: عند الحنفية أنه إذا صلى ركعةً من الصبح، وطلعتِ الشمس، فسدتْ صلاتُه، وفرقوا بينه وبين ما إذا صلى ركعة من العصر، ثم غربتِ الشمس، فإنه يمضي فيها، وتجزئ عنه، وفرقوا بينهما: أنه لما طلعت الشمس صار إلى حال لا يجوز ابتداء الصلاة فيها، فلا يجوز البناء عليها بخلاف العصر، فإنه إذا غربت الشمس، فقد صار إلى حالة يجوز ابتداء العصر فيها، فجاز البناء عليها (١).
فإن (٢) أريد الاستدلالُ بهذا الحديث على الحكم الذي قالوه في الصبح، فوجهُه: أن النهي عن الصلاة يتناول هذه الصورة، فإذا قيل بأنه يدل على الفساد، فسدَ ذلك القدرُ الواقع في وقت النهي، وإذا فسد البعضُ فسدَ الكلُّ، وهذا الاستدلال على هذا الوجه، يلزم أن يكون بناءً على قواعدهم في أن النهي يدل على الفساد أو لا، وفيه شغبٌ جدليٌّ من جهة مخالفيهم؛ وهو أن يقال: إن النهي عن الصلاة يتناول جملتها حقيقة، فلم (٣) نسلِّم تناوله للبعض حقيقة، فيكون مجازًا، والأصل عدمه.
وإنما جعلناه شغبًا؛ لأن الاتفاقَ واقعٌ على منع ابتداء الصلاةِ النفلِ في الوقت المكروه، ولو وقع تمامه بعده مستندًا إلى هذا الحديث، وذلك يلغي اعتبار الجملة من حيث هي جملة، وكذلك
стр. 2315
الألفاظ الدالة على اشتراط شرائط الصلاة، تعمُّ أجزاءها، وتفسد بعدم بعض تلك الشرائط المدلول عليها بتلك الألفاظ مع ورود هذا السؤال فيها، فإلغاء هذا المعنى في المتفق عليه، يدل على عدم اعتباره في المختلف فيه.
فإنْ قال: أنا لا أُثبت تلك الأحكام في مواضع الإجماع بتلك النصوص والألفاظ، بل بدلائل أُخَر؛ فهذا هو الشغب والجدل بعينه، والمراوغة التي لا يَرجع إليها طالبُ تحقيقٍ.
الرابعة والعشرون: هذا الذي ذكرناه من الاستدلال، له مُعارِضٌ من وجهين:
أحدهما: قوله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ [ركعةً] (١) من الصبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصبْحَ" (٢)، وأجاب بعض الحنفية عنه بوجهين:
[أحدهما] (٣): أن هذا يَحتملُ، أن هذا كان قبل النهي عن الصلاة في هذه الأوقات.