← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18100

شرح الإلمام بأحاديث الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (2 694 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الطلوع، ووقت الغروب، ووقت الانتصاب - أنه لا يُصلَّى فيها (١) جنسُ الصلوات، ولا يصلي فرضًا ولا نفلًا، ولا سجدةَ التلاوة، وقت الطلوع، والغروب، والانتصاب، إلا عصرَ يومه، فإنه يصليها وقت الغروب، إلا ما استثناه أبو يوسف في رواية، من جواز الصلاة [في يوم الجمعة خاصةً أن يؤدِّيَ النافلة (٢)، فمقتضى العموم عن الإقصار عن الصلاة] (٣) أن لا يؤدي الفرض المقضيَّ كما ذهبوا. السابعة عشرة: اقتضاء العموم منع الفائتة في هذه الأوقات، عارضوه بقوله - عليه الصلاة السلام -: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أو نسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها" (٤)، وهو من باب تعارض العمومين من وجه دون وجه، وقد مَرَّ شيءٌ من هذا، والذين أجازوا القضاء للفائتة رجحوا ما ذهبوا إليه بالاتفاق على دخول التخصيص في ذلك الحديث؛ ولم يحصلِ الاتفاقُ على ترك العموم في هذا الحديث، وقد يُعَارض هؤلاء بدخول التخصيص في صلاة الجمعة، وقد يُعتذَرُ عنه بأن يقالَ: الظُّهرُ فرض الوقت، فإن الجمعة ظهرٌ مقصود، والظهر يُقضى، وكذلك من يقول: بعدم قضاء صلاة العيدين إذا نام عنها، أو نسيها، وكذلك فوات صلاة الكسوف، والاستسقاء بالنوم، أو

стр. 2312

النسيان، وكذلك صلاة الجنازة عند من لا يرى قضاءَها، لكنَّ الصورَ المختلف فيها من ذلك، وقد يقال: إنه لا يرد؛ لأنا ادَّعينا عدمَ الاتفاقِ على التخصيص، والأمر كذلك في هذه المسائل المختَلف فيها. الثامنة عشرة: العموم يتناول النافلة، وقد قلنا: إنه إما مقصود، أو مندرج، فيقتضي في النافلة مع هذه الأوقات الثلاث، وهي ثلاث مسائل. الحادية والعشرون (١): ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وظاهرُ النهيِ التحريمُ، فالأمر في هذا الحديث بقوله: "أقْصِرْ عن الصلاة"، والنهي إمَّا منه أيضًا على القول بأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده على ما فيه من بحث نذكره، وإما من حديث عقبة بن عامر ﵁: "ثلاثُ سَاعاتٍ نهَانَا رسولُ الله ﷺ أن نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أَنْ نَقْبُرَ فيهن مَوْتَانا" الحديث (٢)، وظاهر النهي التحريم، والحنفية قالوا: إنه لو صلَّى التطوعَ جاز، ويُكره، ولو قرأ آية السجدة فسجد جاز، ويكره (٣)، وهو خلاف الظاهر من النهي، فيحتاج صرفُه عنه إلى دليل، هذا بعد أن تبيَّن أن اسمَ الصلاة منطلقٌ على سجود التلاوة، وقد أخذوا منه

стр. 2313

اشتراطَ شروطِ الصلاة على ما هو مذهب المشهورين من العلماء. الثانية والعشرون: إذا أخذنا بالعمومِ في الصلاة، دخل فيها صلاة الجنازة، والحنفيَّة قالوا فيها: كما قالوا في سجود التلاوة: إنه لا يصلَّى على جنازة، ولو صلَّى جاز، هذا في الأوقات الثلاثة، والأمر في ذلك كما تقدم في المسألة قبلها في انطلاق اسم الصلاة، ودلالة النهي على التحريم، لكنهم يُفَرِّقون بين قضاء الفرائض (١)، وبين صلاة الجنازة، وسجود التلاوة؛ لأن في قضاء الفوائت الفرضية في هذه الأوقات نيابة الناقص عن الكامل؛ لأنَّ الصَّلاة تثبت في الذمة كاملةً، والصلاة في هذه الأوقات ناقصة، والناقص لا ينوب عن الكامل، ولذلك قالوا: إنه لو قرأ آية السجدة قبل هذه الأوقات، وسجد في هذه الأوقات لا يجوز، ويعاد؛ لأن سجود التلاوة عندهم واجب، وقالوا أيضًا كذلك: فيمن صام يوم النحر قضاءً عن واجب في ذمَّته لا يجوز، وكذلك يوم الفطر وأيام التشريق، ولو صام تطوّعًا جاز، ويكره، ولا بدَّ من دليل على اعتبار هذا المعنى؛ أعني: النقص والكمال في جواز الفعل وإجزائه، وإن كان معنىً مستنبطًا من قاعدة كلية، النص الخاص أولى منه، وهي (٢) النهي الخاص عن صوم يوم النحر وأيام التشريق، وقال مالك ﵀ (٣).

стр. 2314

الثالثة والعشرون: عند الحنفية أنه إذا صلى ركعةً من الصبح، وطلعتِ الشمس، فسدتْ صلاتُه، وفرقوا بينه وبين ما إذا صلى ركعة من العصر، ثم غربتِ الشمس، فإنه يمضي فيها، وتجزئ عنه، وفرقوا بينهما: أنه لما طلعت الشمس صار إلى حال لا يجوز ابتداء الصلاة فيها، فلا يجوز البناء عليها بخلاف العصر، فإنه إذا غربت الشمس، فقد صار إلى حالة يجوز ابتداء العصر فيها، فجاز البناء عليها (١). فإن (٢) أريد الاستدلالُ بهذا الحديث على الحكم الذي قالوه في الصبح، فوجهُه: أن النهي عن الصلاة يتناول هذه الصورة، فإذا قيل بأنه يدل على الفساد، فسدَ ذلك القدرُ الواقع في وقت النهي، وإذا فسد البعضُ فسدَ الكلُّ، وهذا الاستدلال على هذا الوجه، يلزم أن يكون بناءً على قواعدهم في أن النهي يدل على الفساد أو لا، وفيه شغبٌ جدليٌّ من جهة مخالفيهم؛ وهو أن يقال: إن النهي عن الصلاة يتناول جملتها حقيقة، فلم (٣) نسلِّم تناوله للبعض حقيقة، فيكون مجازًا، والأصل عدمه. وإنما جعلناه شغبًا؛ لأن الاتفاقَ واقعٌ على منع ابتداء الصلاةِ النفلِ في الوقت المكروه، ولو وقع تمامه بعده مستندًا إلى هذا الحديث، وذلك يلغي اعتبار الجملة من حيث هي جملة، وكذلك

стр. 2315

الألفاظ الدالة على اشتراط شرائط الصلاة، تعمُّ أجزاءها، وتفسد بعدم بعض تلك الشرائط المدلول عليها بتلك الألفاظ مع ورود هذا السؤال فيها، فإلغاء هذا المعنى في المتفق عليه، يدل على عدم اعتباره في المختلف فيه. فإنْ قال: أنا لا أُثبت تلك الأحكام في مواضع الإجماع بتلك النصوص والألفاظ، بل بدلائل أُخَر؛ فهذا هو الشغب والجدل بعينه، والمراوغة التي لا يَرجع إليها طالبُ تحقيقٍ. الرابعة والعشرون: هذا الذي ذكرناه من الاستدلال، له مُعارِضٌ من وجهين: أحدهما: قوله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ [ركعةً] (١) من الصبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصبْحَ" (٢)، وأجاب بعض الحنفية عنه بوجهين: [أحدهما] (٣): أن هذا يَحتملُ، أن هذا كان قبل النهي عن الصلاة في هذه الأوقات.

стр. 2316

وهذا ضعيف جدًا؛ لأنه يلزم منه إثبات النسخ بالاحتمال. والثاني: ما معناه، أنه يَحتمل أنه أراد وقت الصلاة؛ لأن الصلاة قد تذكر، ويراد بها وقتُها، كما جاء في الحديث: "جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصلاةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ" (١)، المعنى: أدركني وقت الصلاة، وكذلك هاهنا: من أدرك ركعة من وقت الفجر (٢)، يعني: لو أن امرأة طَهُرَتْ في ذلك الوقت، أو كافرًا أسلم، أو صبيًا أدرك في ذلك الوقت، وجب عليه أداء تلك الصلاة، وكان كأنه أدرك جميع الوقت، وهذا ارتكاب لمجاز الحذف. وثانيهما: ما ورد من التصريح بأنه من أدرك ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، أنه يتم صلاته، وهو نصٌّ على خلاف هذا المذهب. والحديث من رواية عفان، عن همام قال: سئل قتادة عن رجل صلى ركعة من صلاة الصبح، ثم طلعتِ الشمس، فقال حدثنا خلاس، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى ركعةَ من صلاةِ الصبحِ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشمسُ، فَلْيُتِمَّ صَلاتَه" (٣).

стр. 2317

وفي رواية هشام، عن عزرة (١) بن تميم، عن أبي هريرة: أن نبي الله ﷺ قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكم ركْعة مِنْ صَلاةِ الصبْحِ، ثمَّ طَلَعَتِ الشمسُ، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرى" (٢). وفي رواية عن همام قال: سمعت قتادةَ يحدِّث، عن النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصبْحِ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشمسُ، فَلْيُصَلِّ الصبْحَ" (٣). فقد اختلفت الألفاظ؛ ففي بعضِها ما يحتمل التأويلَ، وهو هذا الأخير، وانظر أيضًا في الاختلاف على قتادة في الإسناد، فإنه قد يوافق محمد بن سنان من رواية أحمد بن عتيق العتيقي عنه، وعفان في الرواية عن خِلاس، عن أبي رافع، ورواية هشام، عن قتادة، عن عزرة، وفي رواية عن محمد بن سنان، عن همام، عن قتادة، عن النضر، عن بشير؛ وهي هذه الأخيرة. الخامسة والعشرون: هذا الذي ذكرناه، وادَّعيناه من النصوصيَّة، إنما هو بالنسبة إلى إبطال القول بإفساد الصلاة، ووجوب الخروج منها، وقضائها، وهو قد روي عن أبي يوسف، أنه قال: إذا طَلَعتِ الشمس وهو في الصلاة، ينبغي أن يَمْكُثَ، حتى ترتفع

стр. 2318

الشمس، ثم يمضي على صلاته (١). وعلى هذا المذهب لا تُعارضه هذه الأحاديث؛ لأنه يقول بالإتمام، وبإضافة ركعة أخرى، ولا يخالف، إلا أنها رواية شاذة، ومخالفة أيضًا للقياس، فإنه في مدة المُكث في صلاة فيدخل تحت النهي، واعتذر عن هذا بأنه عجز عن المُضي على الصلاة، واستقبله العذرُ، فصار كالذي سبقه الحدثُ، جاز له أن يتوضأَ، وَيبني على صلاته، فكذلك هاهنا جاز له أن يَمْكُثَ، ثم يَمضي على صلاته. السادسة والعشرون: يكون هذا الحكم في هذا الحديث، والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات متناولًا لزمن المُكث، الذي ذهب إليه أبو يوسف في تلك الرواية عنه، فإذا اقتضى النهيُ الفسادَ دلَّ على فساد ذلك الجزء الواقع في مدَّة المكث، فيكون دالًا على خلاف هذا المذهب من هذا الوجه، ولئن قال: إن هذا إِنْ دلَّ على عدم الصلاة في ذلك الجزء، فلا يلزم منه بطلانُ ما ذكرتم من المذهب في الإتمام بعد زوال ذلك العذر، كما في مسألة سبق الحدث، فيعود إلى مسألة القياس على الحكم المخالف للقياس، والله أعلم. السابعة والعشرون: اختلفوا في المتحرم بالنافلة في وقت النهي، هل تنعقد صلاته، أم لا؟ وللشافعية وجهان (٢)؛ فلمن يقول

стр. 2319

بعدم الصحة أن يستدلَّ بهذا الحديث، وبحديث النهي على البطلان. أما استدلاله بحديث النهي: فإن النهي يدلُّ على الفساد، فتفسد الصلاة. وأما استدلاله بهذا الحديث: ففيه بحث نذكره الآن، ووعدنا به من قبل (١). الثامنة والعشرون: إذا أردنا أن نستدلَّ على الفساد بما ورد فيه صيغة الأمر، فلا يتوقفُ ذلك في كل مكان، على أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضدِّه، أو لا؟ بل الحال فيه مقسَّمٌ، وذلك ينبغي أن يُنظر إلى اللفظ بالنسبة إلى هيئته وكيفيته، وبالنسبة إلى جوهره ومدلوله، فكان لم يقتضِ جوهرُه اللفظةَ ومادتَها في المدلول على الترك، أو ما يساويه، احتجنا إلى أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، أو لا؟ إذا أردنا الاستدلال بالنهي على الفساد، كما إذا قال: قم، فإن الصيغة ومدلول جوهر اللفظ (٢) لا يدل على النهي عن القعود، وإن استلزمه، وإن كان جوهر مدلول اللفظة هو الترك، أو ما يساويه، فلا يحتاج فيه إلى بيان؛ لأن الأمرَ بالشيء نهيٌ عن ضده، لأن النهي طلب الترك، وهذه اللفظة مثله سواء في ذلك، فما تدلُّ (٣) عليه صيغة النهي من طلب الترك تدلُّ عليه هذه الصيغة. التاسعة والعشرون: فعلى هذا استُدِلَّ بقوله: "أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ"

стр. 2320

على الفساد؛ لأنه طلبٌ لترك الصلاة، فانظر ذلك، على أنه قد جاء في رواية أحمد، عن المقرئ: "فَإِذَا طَلَعَتْ فَلا تُصَلِّ، حَتَى تَرْتَفِعَ" (١)، وهذه صيغة مصرِّحة بالنهي. الثلاثون: إذا نذر الصلاة في الوقت المكروه (٢) فهل يصح النذر؟ بَنَوه على أن الصلاة هل تصحُّ، أو لا؟ فإن قلنا: تصحُّ صحَّ النذر، وإلا فلا، ويمكن أن يُجعل حديثُ النهي مقدمةً من مقدمات بطلان النذر، وعدمِ لزومه؛ لأنه إن كان منهيًا عنه، لزم أن لا يوفّيَ به، لقوله ﵇: "مَنْ نَذَر أَنْ يُطِيْعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنَ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِه" (٣)، والبناء المذكور ليس بالشديد القوة؛ لجواز أن يجتمع عدمُ صحة النذر، لأجل النهي مع الصحة من غير نذر. الحادية والثلاثون: نذر صلاة مطلقًا، ولم يقيدها بوقت الكراهة، فهل يؤيد فيه؟ ظاهر العموم المنع، والذين قالوا بجواز الصلاة التي لها سبب، قالوا: بأنه يصليها في الأوقات المكروهة، فإنها من الصلوات التي لها سبب كالفائتة، وفي هذا نظر.

стр. 2321

الثانية والثلاثون: قد يقول بعضُ من يُنكر دَلالةَ المفهوم: أَستدلُّ بقوله: "أقْصِرْ عن الصلاةِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فِإنَّها تَطْلُعُ حِيْنَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْني شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ، ثُمَّ صَلِّ [على] (١) ذلك". ووجْهُه: قوله ﷺ : "ثُمَّ أقصِرْ عن الصلاةِ، حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حتىَّ تَرْتَفِعَ" وقوله ﵇ بعد ذلك: "ثم صَلِّ"؛ فإن الغايةَ يقتضي مفهومُها مخالفةَ ما بعدها لما قَبْلَها، فلو كان المفهومُ حجةً، لكان قوله: "ثم صَلِّ" محمولًا على التأكيد، ولو لم يكن حجة، كان محمولًا على التأسيس، والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: إن التأكيد إن أُريد به تأكيدُ الدلالةِ على مجرد جواز الصلاة، فقد سلم (٢) على نظر فيه، وإن أُريد تأكيدُ طلبية الفصل الذي يلزمه الجواز، فمسلَّم، لكنه فيه فائدة زائدة على مجرد تأكيد دلالة اللفظ على الجواز. الثاني: إن المذكور بعد ذلك حكم مذكور معه علتُه، وذلك لا يُستفاد من الغاية، فهي فائدةٌ مجردة، والكلام على حمله (٣) ما ذكر بعد الغاية، ولو جُرِّدَ عن العلة لأمكن ما يقال، فأما وقد ذُكِرَت العلة،

стр. 2322

فقد حصلت فائدةٌ جديدة. الثالث: إن الحكم بالجواز مُغَيًّا بغايةٍ أخرى، ولا يحصل ذلك بمجرد مفهوم الغاية. الثالثة والثلاثون: فيه دليل على امتداد الكراهة إلى وقت الارتفاع، وأنها لا تختص بوقت الطلوع. الرابعة والثلاثون: الحديث يقتضي زوال الكراهة بوقت الارتفاع، وليس فيه تحديد مقداره، وقد ورد ذلك مثبتًا في رواية المقرئ، عن عكرمة بن عمار: "فَإِذَا ارتَفَعَتْ قِيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، فَصَلِّ، فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُودةٌ مَحْضُورَة". أخرجه الحافظ أبو نعيم في كتابه "المستخرج على مسلم" (١). وكذلك ورد في رواية غُنْدَر، عن عكرمة: "فَإِذَا ارتَفَعتْ قِيْدَ رُمْح أو رُمْحَيْنِ، فَصَلِّ" (٢). وورد في حديث آخر: "حتى تَطْلُعَ الشمسُ ما دامَتْ كالحجْفة حتى تَنْتَشِرَ" (٣)، أو كما قال. وبعض الفقهاء يقول: حتى ترتفع قيد رمح، ويستوي سلطانها بظهور شعاعها، فإن شعاعها يكون ضعيفًا في الابتداء، ومنهم من يقول: قيد رمح، أو رمحين، كما في الحديث الذي ذكرناه.

стр. 2323

الخامسة والثلاثون: تكلموا في معنى "قَرْنيَ الشيطانِ"، وطلوعِ الشمس بينهما، وحاصلُ الكلام يرجع إلى الحمل على الحقيقة، أو المجاز. أما الأول: فقد ذكر بعضهم، أنه قيل: إنه حقيقةٌ، لا مجازٌ على ظاهره من غير تكييف، ونسب بعضهم هذا إلى الداوودي، قال بعضهم: وحجَّتُهم قولُ ابن عباس: "والذي نَفْسي بِيَدِه ما طَلَعَتِ الشمسُ قَطُّ حتَّى يتَحَيَّنَها سبعون ألفَ ملكٍ، فيقولون لها: اطلُعِي، فتقول: لا أَطْلُع على قَوْمٍ يعبدونَنِي من دون اللهِ، فَيأْتِيْها مَلَكٌ عن اللهِ، فيأمُرُها بالطلوعِ، فَتَسْتَقْبِلُ لِضِياءِ بني آدم، فَيَأْتِيها شيطانٌ يريدُ أَنْ يُعِيْدَها عن الطلوعِ، فَتَطْلُع بينَ قَرْنَيْهِ، فَيُحْرقُهُ اللهُ [تَحْتَها] (١)، وما غَرَبَتْ قَطُّ إلا خَرَّتْ للهِ ساجِدةً، فَيَأْتِيْها شيطانٌ يريدُ أَنْ يُعِيْدَها عن السجودِ، فَتَغْرُبُ يينَ قَرْنَيْه، فَيُحْرِقُه اللهُ تَحْتَها، وذلك قولُه ﷺ : "ما طَلَعَتْ إلا بَيْنَ قَرْنيَ شَيْطَانٍ، ولا غَرَبَتْ إلا بَيْنَ قَرْنيَ شَيْطَانٍ" (٢). قلت: قوله من غير تكييف لا ضرورة إليه، وإنما نضطر إلي ذلك فيما يستحيل ظاهره على الله تعالى، والقرن غير مستحيل على الشيطان، اللهم إلا أن يريد [بقوله] (٣) من غير تكييف، من غير تعيين

стр. 2324

للمراد من المحامل الجائزة، والأثرُ المرويُّ عن ابن عباس محتاجٌ القولُ به إلى الثبوت عنه، ولا يمتنع فيه أن يُحملَ القرنان على جانبي رأسه مجازًا، فلا يتمُّ القولُ بالاحتجاج بالأثر على أنه حقيقة في القرن، نعم تكون حقيقة في التثنية، وظاهر ما نُقل أنهم يتكلمون على القرن. وأما الثاني: وهو المجاز، فقال الهروي: قيل: قرناه: ناحيتا رأسه، قال: وقال الحربي: هذا مثل معناه: حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط (١). وقال بعضهم: في معنى التمثيل والتشبيه: وذلك أن تأخيرَ الصلاة إنما هو من تسويلِ الشيطان لهم، وتسويفه (٢) وتزيين ذلك في قلوبهم، وذوات القرون من شأنها أنها تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، وكأنهم لما دفعوا الصلاة، وأخَّروها عن وقتها بتسويل الشيطان لهم، حتى غربت (٣) الشمس، صار ذلك بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه بها. وقيل: معنى القرن: القوة، أي: تطلع حين قوة الشيطان، قال بعضهم في هذا: ويحتمل أن يريد بقرن الشيطان قوتُه وما يستعين به على إضلال الناس، وكذلك يسجد للشمس حينئذ الكفار.

стр. 2325

وقال بعضهم في تفسير القرن بالقوة: إنه من قولك: أَنَا مُقْرِنٌ لهذا الأمر، أي: مطيق له قوي عليه، وذلك أن الشيطان إنما يقوى [أمرُه] (١) في هذه الأوقات، لأنه يسوِّل لعبَدَة الشمس أن يسجدوا لها. وقال بعضهم: قرنُه: أمتُه وشيعتُه (٢). [و] (٣) قال بعض المتأخرين: والراجح عند جماعة من المحققين كونه على ظاهره، وهو أن المراد جانبا رأسه، ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات، ليصير الساجد لها كالساجد له (٤). قلت: قوله: على ظاهره، وتفسيره بجانبي رأسه ليس بجيد؛ لأن إطلاق اسم القرنين على جانبي الرأس مجاز، والظاهر إنما هو الحمل على الحقيقة في القرن يكون في التثنية، كما ذكرنا حقيقة لا في القرنين، وبعد ذلك فالجزم بالجائز الذي لا يتعيَّن الحمل عليه، يحتاج إلى دليل يدل على الوقوع، وإنما الحمل على الظاهر أن يقال: بالقرنين حقيقة، وأن الشمس تطلع بينهما، وذلك غير ممتنع كما قدمنا. والقاعدة عند المتكلمين المنتسبين إلى السنة: أن الظواهر التي يجوز حملُها على الحقيقة عقلًا تُحمل عليها، وتعتقد على ما هو (٥)

стр. 2326

عليه من الظاهر من غير تأويل، إلا أن هذا يختلف باختلاف المَحال، وقوة الدلالة بكثرة تتابع الظواهر على المعنى الواحد، فان انتهت إلى القطع بأن المراد الظاهر جزمنا بذلك، وكفّرنا المخالف، وإن استفاضت استفاضة لا تنتهي إلى القطع بدَّعناه، وإن كان دون ذلك فلا بأس بالقول بظاهره، لكن بشرط أن لا نبُدع المخالفَ في التأويل، ولا يُعادى في الدين، كما فعل الجُهال، فاحترِزْ على نفسك من هذا إن كان لك (١) بها عناية، ولسلامتها من عذاب الله رعاية، وقد مر لنا كلام في هذه القاعدة. إذا ثبت هذا، فقد بيَّنَّا: أن ناحيتي رأس الشيطان إطلاقُ القرن عليهما مجاز، وفي التثنية حقيقة، وأما القول بأن القرن القوة، أي: يطلع حين قوة الشيطان، فهو مجاز أيضاً وعلاقته القوة لأجل صلابة القرن، وهو مجاز قريب، إلا أن التثنية في القرنين تشوش في حمله، وكذلك التثنية في حمله على الحزب والشيعة، وهذه المعاني في حديث الصنابحي الذي فيه الإفراد في لفظ القرن: "أن الشمسَ تطلُعُ ومعها قَرْنُ الشيطانِ" (٢) لا يرد عليها حديث التثنية، لكنها تقتضي أن يكون الواقع طلوع قرن واحد، وهذا الحديث يقتضي أن يكون الواقعُ

стр. 2327

طلوع قرنين، وهو زائد تجب إضافته إلى ما دل عليه الحديث الأول، وقد يمكن أن يخرج ذلك. وأما قول من يقول: إن معناه حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلّط، فكأنه راجع إلى معنى القوة، وقد استعمل هذا القائل لفظَ الحركة، وقد يقرِّب ذلك بأنه حين انتشار الكفار للسجود، فيشبه اعتماله وإغواؤه لهم بالحركة الحسية. وأما من قال: قرنه: أمته وشيعته، فيحتاج قائله إلى مجازٍ أو تكلفٍ في لفظ الطلوع، وما أرى هذا إلا بعيداً عما يُفهم من ظاهر ألفاظ الحديث. السادسة والثلاثون: ذكر الحافظ المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري في كتابه "الشافي" في الكلام على هذا المعنى الذي نحن فيه، قال: ويجوز أن يكون المراد به؛ أنه شبه طلوعَ الشمس، وهو ظهورها على العالم، بظهور الملوك والسلاطين على رعيتهم، وما يعاملونهم به من الخِدَم والتحايا والركوع والسجود، وذلك على اختلاف أقدارهم ومراتبهم، وكذلك يفعلون معهم عند انفصالهم عنهم، وعَوْدِهم إلى مساكنهم، فشبَّه طلوعَ الشمس وغروبَها، بظهور الملوك ورجوعِهم إلى أماكنهم، وأن الصلاة في هذين الوقتين تشبه أن تكون مضافةً إلى طلوع الشمس وغروبها، بحدوثها عند حدوثها فنُهُوا عنها، فأما وقت توسُّطِها السماءَ واستوائها في قُبة الفَلَك؛ فلأن ذلك المكان هو أعلى أمكنتها وأرفعها، والسجود في هذا الوقت إذا توهم مضافاً إليها كان تعظيماً لشأنها، وإكباراً لقدرها، فنُهُوا عن الصلاة حينئذ، حتى لا يجريَ

стр. 2328

هذا الوهمُ، ولا يظن هذا الخيال، انتهى. وإنما أوردنا هذا الكلام؛ لأنه لا يتعلق بتفسير القرآن، ويشبه أن يكون تعليلاً للنهي. السابعة والثلاثون: قوله ﵊: "فإنها تطلُعُ حين تطلُعُ بَيْنَ قَرْنيَ شَيْطَان" يقتضي تعليلَ الحكم المذكور بهذه العلة، ومناسبتُها الإبعاد عن مشابهة الكفار، والإيغالُ في مخالفتهم، حتى في وقت تعبُّدِهم، وإن كانت العبادة على غير الوجه الذي يفعلونه؛ لأنا نسجد لله تعالى، وهم يسجدون لغيره، لكن النهيَ عن الصورة أَدْخَلُ في باب التعبُّد، حتى في التشبه الصُّوري، والله أعلم. الثامنة والثلاثون: فالتعليل إذاً بسجود الكفار يُجعلُ (١) أصلاً في امتناع التشبه في الأفعال والصور، وهو أظهر في هذا مما تقدم في قرن الشيطان، فالتعليل بهذا أقوى وأصرح مما تقدم في المسألة قبلَها. التاسعة والثلاثون: لم يذكر في هذا الحديث غروبُها بين قرني شيطان، وقد ورد ذلك من رواية غندر، عن عكرمة بن عمار، فيها: "فَإِذَا صَلَّيْتَ العَصْرَ، فَأقْصِرْ عَن الصلاةِ حتىَّ تَغْرُبَ [الشمسُ] (٢)، فإِنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنيَ شيطانٍ، فحينئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ" (٣)، فتفيد هذه الرواية الأمرين:

стр. 2329

أحدهما (١): استمرار التعليل لمقارنة (٢) قرن الشيطان في جميع ثلاثة الأوقات، مع ضميمةِ ما دل عليه الحديث الذي فيه: "فإذا استَوَتْ قَارَنَها" (٣). الأربعون: وعلى هذا فيجتمع بمقتضى اللفظ علَّتان في الاستواء: إحداهما: المقارنة. والثانية: إسجار جهنم، فيحتمل أن تكون علَّة مستقلّة. الحادية والأربعون: ويمكن أن يقال: إنَّ العلة واحدة، وهي التشبه بالكفار، أو معنى ذلك على أن يكون إسجارُ جهنم واتّقادُها عبارة عن الكفر الموجب لها بسجود الكفار، ويكون التعليل لسجود الكفار تعليلاً بالسبب الأقرب، وبقرن الشيطان تعليلاً بسبب السبب، وقد ذكرنا فيه حديثاً: "فَحِينَئِذ يَسْجُدُ لهَا الكفارُ"، وهو يعطي السبب ظاهراً. الثانية والأربعون: الأصوليون يفرضون خلافاً بينهم وبين أبي هاشم الجُبائي: في أن الواحد بالنوع هل يجوز أن يختلف حكمه بالنسبة إلى أفراده؟ وينسبون إليه أن السجود للصنم، إنما امتنعَ فيه قصدَ التقرب، وأما الحقيقة النوعية في السجود فهو واحدة، لا يكون

стр. 2330

بعضها [منهياً] (١) عنه مأموراً به، وردُّوا عليه في المسألة (٢). والذي يتعلق بهذه المسألة من هذا الحديث أنَّ التعليلَ قد دلَّ على النهي عن الصلاة في هذا الوقت معللاً بسجود الكفار، إشعاراً بالتعليل بالتشبُّه لهم في العبادة في ذلك الوقت، ولو لم يعتبر الصورة النوعية لما علَّل به المنع؛ لأنَّ المنع حينئذ لغير الصورة، ولعلَّه قصد القرب، وهذه العلَّة منتفيةٌ بالنسبة إلينا، فلا يتعدَّى الحكمُ حينئذ منهم إلينا على هذا التقدير؛ لانتفاء العلة على رأيه، وحيث تعدَّى دلَّ على اعتبارِ الصورة في النهي، مع وجود الصورة في صورة الأمر. الثالثة والأربعون: قد يُورَد هنا سؤال، وهو أن يقال: ما ذكرتموه من دلالة اللفظ لتعليل مختص بحالة الطُّلوع، والحكم ممتدٌّ إلى الارتفاع مع انتفاء العلَّة بعد الطلوع؟ والجوابُ - والله أعلم - عن ذلك: أنَّ أفعال المؤدِّين لما يعتقدونه عبادة، قد يتراخى بعضُها عن بعض، لا يمكن في العادة أن تكون جميع الطائفة تسجد في حال الطلوع، وإذا تفاوتت أوقاتُ الأداء اقتضى المنعَ لأجل التشبُّه إلى حالة الارتفاع حَسْماً للمادَّة، وقطعاً لما

стр. 2331

عَسَاه يقع من التشبُّه بأفعال بعض الساجدين، الذي قد يتأخَّر سجودُهم عن أول الطلوع. الرابعة والأربعون: قوله عليه - الصلاة والسلام -: "صَل الصبحَ، ثم أَقْصِرْ عن الصلاةِ حتي تَطْلُعَ الشمسُ، حتئَ تَرْتَفِعَ" تعليلٌ، والله أعلم، للمنع من الصلاة من حين الطلوعِ إلى حين الارتفاع، لا لِمَا قبلَ ذلك، وهذا جائزٌ سائغ؛ لأنه إذا تعدَّدت الأحكامُ على هذا الترتيب المخصوص جاز أن يُعلَّل بعضها، ويُتْرَك تعليلُ البعض؛ لأن الحكم ثابت في ذلك المعلَّل؛ كما هو ثابت فيه عند الإفراد له بالذكر، فجاز تعليله به، وإن انضمَّ إليه غيرُه. الخامسة والأربعون: وقد يكونُ المنع من الصلاة بعد الصبح، وقبل الطلوع من باب سدِّ الذريعة، وحَسْمِ المادة، كما قلنا في التأخير عن طلوع الشمس؛ لأن أوقات الأداء للصبح متفاوتة مترتبة في حقِّ المؤدِّين، وقد تقوم في أحوال موانعُ عن معرفة طلوع الشمس؛ فربما وقع في بعضها صلاة وقتَ الطلوع على تقدير إباحة الصلاة بعد الصبح، فَحَسْمُ المادة يقتضي المنع، كما تقتضيه العادة في الإعراض عن آحادِ الصور المضطربة، وإدارة الحكم على المظنَّة، وربما يشير إلى هذا - أعني حَسْمَ المادة - الحديثُ الذي جاء: "لا تُصَلُّوا بَعْدَ العصْرِ إِلَّا أنْ تَكونَ الشمسُ مُرتَفِعة" أو كما قال، والله أعلم. السادسة والأربعون: التعليلُ بالذريعة مذكورٌ، وهو يحتمل أمرين: أحدهما: أنْ يُقال بالمنع وتُعلَّل بالذريعة؛ كما هو مقتضى

стр. 2332

مذهبِ مالك في سدِّ الذرائع، ويُحتمل أن يعني بذلك أنَّ النهي غيرُ مقصود في التحريم، وإنما المقصودُ النهيُ عن الصلاة وقتَ الطلوع، ووقت الغروب، والنهي قبل ذلك على سبيل الاحتياط، فلا يتعلَّق به المنعُ، ويشهد لهذا حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَتَحَرَّوا بِصَلاَتِكُم طُلوعَ الشمسِ، ولا غُروبَهَا، فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذلك"، وهو في "الصحيح" (١). السابعة والأربعون: فيه دليل على تعليق هذا الحكم بالفعل، أعني: فعلَ الصلاة، حتى لو تأخَّر الأداءُ عن أول الوقت لم يُكره بمقتضى هذا الحديث، فإنْ دلَّ دليلٌ من خارج على الكراهة قبل الفعل هاهنا فذاك، لا من هذا اللفظ، وقد ورد فيه حديثٌ، أعني: فيما يقتضي النهيَ عن الصلاة كغير ركعتي الفجر بعد الفجر، وهو مذكور في "الإمام" (٢)، فإن صحَّ فهو دليل على الزيادة على ما اقتضاه هذا اللفظ. الثامنة والأربعون: اختلف أصحاب الشافعي: هل يكره بعد طلوع الفجر مما سوى ركعتي الفجرِ من النوافل؟ على وجهين. ووجه الكراهة بالحديث الذي أشرنا إليه.

стр. 2333

ووجَّه بعضُهم عدمَها، فقال بقوله ﷺ : "لا صَلاةَ بعدَ الصبْحِ حتي تَطْلُعَ الشمسُ" قال: والمفهوم في صلاة الصبح هو الفريضة، فالتخصيص يدلُّ على عدم الكراهة قبلها (١). فإن أراد به أنه يدلُّ على عدمِ الكراهة على سبيل العموم في كلّ نافلة فهذا ممنوع، وإن أراد مطلقَ نفي الكراهة، فهو معمول به في ركعتي الفجر، فلا يدل على ما ادّعاه. التاسعة والأربعون: الأوقات المنهى عن الصلاة فيها: منها ما يتعلق النهي فيه بالفعل؛ كما في الصبح والعصر. ومنها ما يتعلق بالوقت؛ كالنهي عن الصلاة عند الطلوع، وعند الغروب. وقد تضمن هذا الحديثُ هذا النوعَ، كما تضمن النوعَ الأول، وهو النهي عن الصلاة عند الارتفاع (٢). الخمسون: قوله ﵊: "فَإِنَّها تَطْلُعُ حينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ، وَحِينَئِذٍ يسجُدُ لها الكفارُ" يحتمل أن يكون هذان المعنيان علّتين؛ كلُّ واحدة منهما مستقلةٌ، ويحتمل أن

стр. 2334

[تكون] (١) كل واحدة منهما جُزْءَ علّة، ويحتمل أن تكونَ العلَّةُ سجودَ الكفار، وقوله: "فَإنها تَطْلُعُ حينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنيَ شيطانٍ" بياناً لسببيّة (٢) سجودِ الكفار لها، على أن يحمل النسبة إلى الشيطان، كما يحمل في سائر الأفعال التي تنسب إليه. الحادية والخمسون: التنكير في قوله ﵊: "بَيْنَ قَرْنيَ شيطانٍ" لا يُشْعِرُ بأنه إبليسُ رأسُ الشياطين، بل قد يُفْهَم منه خلافُه، وأنَّ الظاهر أنه لو أريد إبليس مع سبق العهد به تعييناً في ألفاظ الكتاب والسنة، لكان الظاهرُ أن يعرف، لكن قد يُعرَض عن تعريفه لفائدة ذكرناها فيما تقدم (٣). الثانية والخمسون: إذا كانت العلةُ طلوعَها بين قرني شيطانٍ، فيجعل أصلاً لكراهة الصلاة فيما يلابسه الشيطانُ من الزمان، أو ما يكون فيه إثارة، كما تبين ذلك في الأمكنة؛ كما كُرِهت الصلاة في الحمام على مقتضى التعليل بأنها بيت الشيطان، وفي معاطن الإبل على مقتضى ظاهرِ التعليل بأنها جِن خلقت من جِنِّ، فَيُلحق الزمان بالمكان. الثالثة والخمسون: قوله: "ثمَّ صَلِّ، فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ

стр. 2335

مَحْضورَةٌ"، إذا حُمِلت الشهادة والحضور على شهود الملائكة وحضورها، فيحتمل أن يكونَ الشهودُ والحضور إخباراً عن الوقوع، ويحتمل أن يكون إخباراً عن إمكان الوقوع؛ الشهود والحضور وتيسره، وهو الذي يعبَّر عنه في بعض الاصطلاحات بالقوة، ويُقابَل بقولهم بالفعل، كأنه يقال: إنَّ المانع من الحضور والشهود قد زال، فقد يحصل الحضور والشهود، وقد يقال: إذا حملناه على الحضور والشهود بالفعل، ففيه إشكال، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ٥٨] أي: أَقِمْ قرآنَ الفجر، وعلل ذلك بأن قرآن الفجر مشهودٌ، وظاهرُ ذلك التعليل إظهار فضيلة الوقت، واختصاصه بالوقت المأمور بإقامة القرآن فيه؛ لأن تخصيصَه بالذكر في ذلك الوقت، يظهر منه التعليلُ بما يختص به، وإلا فهو وغيره من الأوقات التي تُباح فيها الصلاةُ سواء، وربما يشهد لذلك قوله ﵊: "يَتَعاقَبُون فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِالليلِ، ومَلائِكَةٌ بالنَّهارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ، وَصَلاَةِ العَصْرِ" (١)؛ فإما أن يرجَّح حملُه على معنى الإمكان، أي: إمكان الشهود والحضور فيه، أو يكونَ الشهود مختلفًا بحسب اختلاف الشاهدِيْن، فيكون الشاهدون لقرآن الفجر غيرَ الشاهدين لسائر الصلوات في أوقات الإباحة، والله أعلم بالمراد.

стр. 2336

الرابعة والخمسون: في قاعدة أصوليةٍ: الأمر الوارد عقبَ الحظر هل يفيد الوجوبَ، أو يحمل على الإباحة؛ فيه ثلاثة مذاهب (١): أحدها: أنه لا أثر لتقدُّم الحظر، وتبقى الصيغة دالةً على ما وُضعت له، فمن قال: للوجوب، بقيت دالّة عليه، وهو اختيار بعض المتأخرين. وثانيها: قولُ قوم ممن سلم أن الصيغةَ إذا وردت من غير قرينة دالة على الوجوب: أنها إذا وردت بعد تقدم الحظر كان ذلك قرينة دالة على الإباحة. وثالثها: أنَّه إن كان الحظر السابق عارضاً لعلَّة وسبب، وعُلقَت صيغةُ (افعل) بزوالها؛ كقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وكقوله ﵇: "كُنْتُ قَدْ نهيْتُكُم عَنْ ادخَارِ لحُومِ الأَضَاحي، فَادَّخِروا" (٢)، فإن الحظر السابق إنما ثبت لسبب، فهذا وأمثاله إذا وردت صيغة (افعل) معلقة برفعه (٣)، دلَّ بحكم عرفِ الاستعمالِ على أنه لرفع الذئمَ فقط، ويغلب عرف الاستعمال على الوضع، وأما إن كان الحظر السابق قد عرض لا لعلَّة، ولا أن صيغة (افعلْ) علِّقت بزوال

стр. 2337

ذلك، فتبقى صيغة (افعلْ) على ما دلَّت [عليه] (١) قبل ذلك، فمن قال: إنها للوجوب قبل ذلك، فهي للوجوب بحالها، ومن قال: إنها موقوفةٌ، قال هي - أيضاً - مترددة بين الوجوب والندب، ويزيد هاهنا احتمال الإباحة، ولا تتعين الإباحة بسببها؛ لأنه لا يمكن هاهنا دعوى عرف واستعمال، حتى يقال: بأنه يغلب العرفُ الوضعَ في هذه الصورة، بخلاف الصورة الأولى، بل يبقى التردُّد لا غير، والاستدلالُ على هذه المذاهب لا يتعلق بغرضنا الآن. الخامسة والخمسون: قوله ﵇: "ثم صَلِّ" بعد قوله: "أَقْصِرْ عن الصلاةِ" صيغةُ أمرٍ بعد الحظر، ولا يمكن أن يقال: هاهنا بالوجوب؛ لأنه لا وجوب لصلاة مبتدأة في هذا الوقت بالإجماع، ولعلَّ هذا يأخذه القائلون بعدم الوجوب استشهاداً لمذهبهم؛ كما استشهدوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإذا تعذَّر الحمل على الوجوب، بقي الندب و (٢) الإباحة، فيترجحُ الحمل على الإباحة، أما أولاً: فللقرينة، وأما ثانياً: فلأن النُّدْبيَّة في هذا الوقت لا تستغرقه من حيث هو هو، وإنما تجيءُ في صلاة الضحى، أو يأتي مخصوص فتبقى بقية الوقت من حيث هو هو للإباحة، فإذا حملنا هذا الأمر على الندب مع وجوب

стр. 2338

حمله على الإباحة، لزم استعمالُ اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، ومِنَ الذي يدل على أنه لا يحمل على الندب، أنه ذُكِر الحكم، وعُلل بأنَّ الصلاة مشهودةٌ محضورة، وغُيِّيَ ذلك إلى غاية استقلال الظل بالرمح، ولو كان الأمر للندب لاستمر إلى هذه الغاية، لاستمرار العلَّة إليها. السادسة والخمسون: اختلفوا في كراهة الصلاة في وقت الاستواء (١)، والمشهور من مذهب مالك، أو أصحابِهِ عدمُ الكراهة، ففي (٢) رواية ابن القاسم عنه: وما أَدْرَكْتُ أَهْلَ الفَضْلِ إِلا وهُمْ يُهَجرون، وَيُصَلون نِصْفَ النَّهارِ (٣)، قال بعضهم: وهو عمل أهل المدينة لا ينكره منكِر، ومثل هذا العمل عنده أقوى من خبر الواحد، وكانوا في زمن عمر ﵁ يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، وخروج عمر إنما هو بعد الزوال (٤). ومذهب الشافعي: الكراهة، إلا فيما استثناه من يوم الجمعة؛ فإنه لا تُكره فيها التطوعات وقت الاستواء، ومن أصحابه من قال بتخصيص الاستثناء بمن يغشاه النعاس، فلا يجوز التنفُّل لكل أحد، لاعتقاد أن المعنى المرخص لا يشمل الكل، وذكر في الترخيص معنيين:

стр. 2339

أحدهما: مشقة مراعاة الشمسِ والتمييز بين حالة الاستواء، وما قبلها، وما بعدها، فخفَّف الأمر عليهم بتعميم الترخيص. الثاني: أن الناس يبكرون إليها فيغلبهم النوم، فيحتاجون إلى طرد النعاس بالتنفُّل، لئلًا يبطل وضوءهم، فيفتقروا في إعادة الوضوء إلى تخطي رقاب الناس. فعلى المعنيين جميعاً: المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفُّل فيه، وأما الذي حضر الجمعة، فمقتضى المعنى الأول: تجويز النفل له مطلقاً، ومقتضى المعنى الثاني تخصيص الجواز بالذين يبكرون إليها ثم يغلبهم النعاس، أما الذي لم يبكر، ولم يؤذه النعاس (١)، فلا يجوز له ذلك. وذكر الرافعي عن كلام غير الغزالي: أنه يقتضي اعتبارَ التبكير، وكون غلبة النعاس لطول الانتظار (٢). فعلى هذا يأتي وجه آخر. قال القرطبي: ومذهبُ جمهور العلماء جوازُ الصلاة حينئذ - وقد نُوزع في هذه الجمهورية التي ادَّعاها - وقال: وحجَّتُهم عملُ المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفُّل يوم الجمعة إلى صعود الإمام على المنبر وقت الزوال. والذي قدمناه عن غيره من إسناد العمل إلى أهل المدينة، أقربُ إلى الثبوت من نسبته إلى جميع الأقطار.

стр. 2340

قال: قال القاضي أبو الفضل - يعني عياضاً -: وتأوَّل الجمهور الحديثَ على أنه منسوخٌ بإجماع عمل الناس، أو يكون المرادُ به الفريضةَ، ويكون موافقاً لقوله: "إِذَا اشتَدَّ الحرُّ، فأبْرِدُوا عن الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحر من فَيْحِ جَهَنَّم" (١)، قال: وفي هذا نظر؛ وهو أنه لا يصح أن يكون هذا نسخاً على حقيقته، وإنما هو تخصيص، فإنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ الأول، لا رفعاً لكلّية ما تناوله، وأما قولهم: إن هذا في الفريضة فليس بصحيح لوجهين: أحدهما: أن مقصودَ هذا الحديث: بيان الوقت الذي يجوز فيه النفل من الوقت الذي لا يجوز؛ كما قررناه آنفاً. وثانيهما: حديث عقبة بن عامر المتقدم، فإنه قال فيه: "ثلاثُ سَاعات نهانا رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُصَلّيَ فِيهِنَّ" (٢)، وذكر هذا الوقت فيها، ومقصودُه قطعاً: بيانُ حكم النفل في هذه الأوقات، والظاهر حملُ النهي على منع النفل في هذه الأوقات الثلاثة، إلا في يوم الجمعة، جمعاً بين الأحاديث والإجماع المحكي (٣). قلت: أما قوله: إنه لا يصح أن يكون نسخاً على حقيقته، فصحيح.

стр. 2341

وأما قوله: إنما هو تخصيص، فإنه إخراجُ بعض ما يتناوله اللفظ الأول، لا رفعاً لكلية ما تناوله: ففيه تسامح في العبارة قليلاً، فإن الإجماعَ العقليَّ لا يَنْسَخ، ولا يُخصص بنفسه، ولا يخرج، وإنما هو دليل هذه الأمور إذا صح وقوع الإجماع من الأمة على الفعل، وفي تقريره عُسْرٌ. وأما إبطالهُ لقولهم: إن هذا في الفريضة بالوجهين المذكورين، وأحدهما: بيان مقصود الحديث عنده، فقد قدَّمنا في كون الأمر كما ادَّعاه نظراً، كلاماً، وثانيهما: حديث عقبة. وقوله: ومقصودُه قطعاً بيانُ حكمِ النفل، فهذه القطعيَّة إنما تصحُّ بناءً على مذهبه، وأما من يقول إن الصلاة ممنوعةٌ في هذا الوقت، وإن كان فرضاً مقضيًّا فلا قطعَ على مذهبه ولا ظنَّ، وأجلى من هذا في بيان أن المراد النفلُ، وأنه لا يصح حملُه على الفرض، ولا الاستشهاد (١) بقوله ﵊: "إِذَا اشتَدَّ الحرُّ فأبْرِدوا عن الصلاةِ" (٢)، فإن المراد في الصلاة في الحديث، أعني: حديث الأمر بالإبراد، صلاة الظهر، وصلاة الظهر ممنوعة في هذا الوقت بالإجماع، فإن نازعَ منازِعٌ وقال: لا أسلم أن المرادَ صلاةُ الظهر، بل مطلقُ صلاة الفرض، حتى يدخل فيه القضاءُ، فيلزمه أن يكون مانعاً

стр. 2342

من القضاء في هذا الوقت، وهو لا يقول به، وفي الصلاة في وقت الاستواء مذهب آخر، وهو الفرق بين الصلاة نصفَ النهار وقت الاستواء في الصيف، أو في الشتاء، ذُكر ذلك عن عطاء بن أبي رباح: أنه كره الصلاة نصف النهار في الصيف، لا في الشتاء (١)، [وقول آخر عن مالك أنه قال: لا أكره التطوع نصف النهار ولا أحِبُّه] (٢)، وقيل: إنه رواية ابن (٣) وهبِ عنه (٤)، وهذا لا ينتهي إلى إثبات الكراهة، وإنما يبقي الجواز على سبيل التساوي. السابعة والخمسون: ظاهرُ النهي المنعُ من الصلاة في وقت الاستواء مطلقاً، وقد قدمنا استثناءَ الشافعي يومَ الجمعة وقتَ الاستواء مطلقًا، وقال بعض الناس في الاحتجاج لمذهب مالك ﵀: ويومُ الجمعة وغيره سواءٌ، ولا فرق بينهما في أثر ولا نظر (٥). قلت: قد ورد الأثر فيه، فلعلَّه يريد في أثر صحيح، فإن ذلك الأثر رواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، حدثني إسحاق بن عبد الله، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أَن رَسُولَ الله ﷺ نهى عن الصلاةِ

стр. 2343

نِصْفَ النهارِ حتى تَزُولَ الشمسُ إِلا يَوْمَ الجُمُعَةِ (١)، ويروى أيضاً من حديث أبي خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله ابن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٢). وإبراهيم بن أبي يحيى، يُكثر المحدثون الكلام فيه، وأقطع النسائي فيه القول، قال بعض الحفاظ: وهذا رواه إبراهيم بن محمد، عن إسحاق بن محمد، وهما متروكان (٣). قلت: والشيخُ من أهل المدينة يحتاج إلى معرفة حاله، فالاعتماد على الأثر في هذا المذهب ضعيفٌ، والعمل المستفيض أولى منه. وأما النظر فبعد أن لا يستند إلى هذا الحديث، ويرجع إلى العمل؛ إما العام كما ادّعى، أو الخاص بأهل المدينة إن قيل به، يقال: النهي عام بالنسبة إلى الأيام والعمل خاص بالنسبة إلى يوم الجمعة، فيخرج ويبقى الباقي على عموم النهي، فإن أريدَ إلغاءُ الوصف المخصِّص فقد قدمنا المناسبة المختصة بهذا الوقت من وجهين، ومورد الحُجة إذا كان فيه معنى يمكن اعتباره لا يُلْغَى، بل

стр. 2344

ذِكْرُ المعنى، ينزع ويُكْتَفَى بكون الأصلي في غير مورد التخصيص العملُ بالعموم، إلا أن يقوم دليلٌ على خلافه. الثامنة والخمسون: وأما مذهبُ عطاء في الفرق بين زمن الشتاء والصيف، فله وجه؛ لما يقتضيه التعليلُ بإسجار جهنم وبفتحها، وإذا كان ذلك علَّة، فالأصل زوال الحكم عند زوال علَّته، والله أعلم. التاسعة والخمسون: بعض الشافعية يُجوِّز الصلاة في سائر الأوقات المكروهة يوم الجمعة، فتارة يسند ذلك إلى القياس على وقت الاستواء بجامع التفضيل والتخصيص ليوم الجمعة، وتارة يسند إلى حديث رووه: أن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة، وهو ضعيف (١). والأصح إن صح التخصيص بوقت الاستواء أن لا يعم؛ لأنه يبقى الباقي على عموم النهي؛ والقياس المذكور ضعيف، مع اقتضاء النصِّ الصحيح لخلافه، والحديث باستواء يوم الجمعة في الإسجار لابدَّ من إثباته حتى يجوزَ الاستنادُ إليه. الستون: بعض الشافعية يقول: وقيل: إنه الأصح، باستثناء مكةَ من المنع من الصلاة في الأوقات المكروهة كلها (٢)، فيدخل فيه وقت

стр. 2345

الاستواء، ويقتضي النهي [في] (١) المنع منه؛ لتناوله مكة وغيرها، وهذا يعلَّل [بأن مكة تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة الفضيلة] (٢) للصلاة، فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال، وهذا المعنى المناسب لا ينتهض لتخصيص النصِّ عندنا؛ لأن النهي عن الصلاة في هذه الأوقاتِ يقتضي تعلُّقَ مفسدةٍ بالفعل، وهذا المعنى المذكور يقتضي تعلُّقَ مصلحةِ به، وإذا تعارضتِ المفاسدُ والمصالح، وجب تقديمُ أرجحِها، ولا علم لنا بمقادير شيء منها، فنرجع إلى النصِّ، لكنْ لهذا الحديث معارضٌ نذكر [هـ] (٣) في مسألة تأتي إن شاء الله تعالى. الحادية والستون: لو صحَّ هذا الحديث المرويُّ، أعني: "لا صَلاةَ بَعْدَ الصبْحِ حَتَّى تَطْلعَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بَعْدَ العصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، إلا بِمَكَّةَ" (٤)، فلقائل أن يمنعَ دلالته على جواز

стр. 2346

كل النوافل في هذين الوقتين بمكة، فيلزم إيقاع (١) القياس عليه، وإدخالَ وقت الاستواء في جواز النفل مطلقاً، حتى يدخل وقت الاستواء؛ لأن الأصلَ إذا لم يصحَّ، لم يصحَّ الفرعُ. وطريق هذا النزاع أن يقول: "لا صلاة" سلبٌ كليٌّ، فيقتضي العموم لكل صلاة؛ فإما نافلة، أو فريضة على الاختلاف، والاستثناء إيجاب لما بعده، والسلب والإيجاب يتقابلان تقابلَ التناقض، ويكفي في مناقضة السلب الكليّ الإيجابُ الجزئيُّ، ولا يشترط الإيجاب الكليُّ، فالمتيقَن هو الإيجاب الجزليُّ، فمقتضى ذلك: أن تجوز صلاةُ نافلة بمكة في هذين الوقتين. فإذا قلنا بذلك في ركعتي الطواف، فقد وفَّينا بمقتضى اللفظ، فتنقطع الدلالة عن العموم في جواز كل نافلة في هذين الوقتين. فان توهَّمَ متوهِّمٌ: أن النفي دخل على مسمَّى الصلاة، واقتضى العمومَ، والأيجابُ دخل على ما دخل عليه النفي، فيقتضي العموم في الإباحة لكل نافلة، قلنا له: [لا] (٢) نسلم أن الإيجاب دخل على ما دخل عليه النفي بعينه، وهو ماهية الصلاة، وما يحصل به مسمَّاها، والنفي (٣) إذا دخل على الماهيه، نفى جميع أجزائها، لوجودها في كل جزء من الأجزاء التي يفرض وجودها، وأما الإثبات إذا تعلق بالماهيَّة، فلا يقتضي الثبوتَ في كل أجزائها.

стр. 2347

[ولئن] (١) قال: نحن إذا قلنا: لا عالم في البلد إلا في الجامع مثلاً، اقتضى العموم في كل عالم في البلد، ووجب أن يكونوا في الجامع، فأما (٢) إن كان قولُه: (في الجامع) صفةً للعالم، فالاستثناء مُفرَّغ، والأمر كما قلت، وإن لم يكن صفةً له، بل خبراً، فحينئذ يكون النفي دخل على كل عالم بالنسبة إلى البلد، وحينئذ نقول: لا يلزم أن يكون كل عالم في الجامع، بل يكفي وجود عالم واحد في الجامع. الثانية والستون: قوله ﵊: "ثمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ، حَتي تُصَلِّيَ العَصْرَ" قد يعارضه عموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، بعد تحقيقه دلالته على الإباحة في جميع هذه الأوقات، فإذا تحقق ذلك، كان هذا الحديث مخصِّصاً لذلك العموم على قاعدة تقديم الخاص على العام، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك في قوله ﷺ : "لا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ" ويُنظر هناك في تحقيق العموم المخالف لهذا الخصوص إن شاء الله تعالى. الثالثة والستون: روى سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد الله ابن باباه، عن جبير - وهو ابن مطعم - يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: "لا تَمْنَعُوا

стр. 2348

أَحَدً يَطُوفُ (١) بهذا البَيْتِ، ويُصَلِّي أَيَّ (٢) ساعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" أخرجه أبو داود، وهو عند الترمذي: "يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بهذا البَيْت، وَصَلَّى" الحديث، وأخرجه النسائي، وقال: "لا تَمْنَعُنَّ" (٣). والحديث صحيح صححه الترمذي، وهو يقتضي استثناءَ مكة، لكنَّه عامٌّ في الأوقات بها، وهو عموم قويٌّ، وحديث النهي الذي نحن فيه خاصٌّ بالوقت، عام في الأماكن، فهو من باب تعارُضِ عمومين، كل واحد منهما عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجه، فيحتاج إلى الترجيح بالمقصود الذي يظهر من الحديث بقول: إن المقصودَ بحديث مكةَ منعُ الولاة من الحجر على الناس في العبادة، ولو تخصَّص المنع ببعض الأوقات، فيبقى كالمُجمل في الإباحة بالنسبة إلى الأوقات المكروهة، فيعمل المنع منها عمله، فإن لم يرجَّح بالمقصود، فلا بدّ من الترجيح بوجه آخر قبل الجزم بالحكم، وسيأتي

стр. 2349

في الكلام على الصلاة بعد العصر حديثٌ فيه استثناء مكة، ونتكلم عليه إن شاء الله تعالى، فيمكن من يقول بهذا القول، إذا ثبت له الاستثناءُ فيما بعد العصر، أن يقيس بقيةَ الأوقات بمكة عليه، والله أعلم. الرابعة والستون: لقائل أن يقول: حديثُ جبير بن مطعم ﵁ لا يدل على ما ادَّعيتموه من جواز النوافل في هذين الوقتين بمكة من غير حاجة إلى ترجيح حديث الجواز على حديث النهي، وذلك أنه لو قال: رأيت زيداً وعمراً، لم يُكذَّبْ برؤية أحدهما، وأما في الإنشاء فإذا قال: والله! لا كَلَّمْتُ زيداً ولا عمراً، لم يحنَثْ بكلام أحدهما، وإذا قال: والله لاكلمنَّ زيداً وعمراً، لم يبَرَّ إلا بكلامهما، وإذا قال: إن كلَّمتُ زيداً وعمراً فأنتِ طالق، لم يحنَثْ بكلام أحدهما، وإذا قال: لتكلمنَّ زيداً وعمراً وإلا فأنت طالق، لم يَبَرَّ إلا بكلامهما، هذه قاعدة مذهب الشافعي ﵀، قال بعض المحققين: فهذه هي (١) القاعدة التي يبنى (٢) عليها السؤال. الخامسة والستون: فإذا بنينا على ذلك، فنقول: الحديث دلَّ على النهي عن المنع لمن أراد أن يطوف ويصلِّي، لأنَّ العطف بالواو في قوله ﵇: "لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ وَصَلَّى" بمعنى أراد أن يطوف ويصلي، فلا يتعلَّق النهي بمن أراد أن يطوف فقط، أو يصلي فقط،

стр. 2350

فلا يثبت الجوازُ بالنسبة إلى الصلاة وحدَها، ولا إلى الطواف وحده، فلا يتمُّ الاستدلال الذي ذكرتموه، ولا المعارضة بحديث النهي عن الصلاة. فإن قلت: فأي فائدة في هذا التقدير الذي ذكرته، وهو النهي عن المنع عن المجموع؟ قلت: قد تكون الفائدةُ النهيَ عن المنع عن الطواف وركعتيه، فتبقى للنهي فائدة شرعية، وهي إباحة ركعتي الطواف مع الطواف في هذه الأوقات. السادسة والستون: هذا الذي ذكرناه مبني على هذه القاعدة التي قدمناها، والزام لمن يقول بها، فإما في نفس الأمر، واثبات انقطاع الدلالة من الحديث (١). السابعة والستون: اللفظ يقتضي تعليل الحكم بإسجار جهنم حينئذ، وقد تأكد ذلك بقوله ﵊: "إذا اشتَدَّ الحرُّ فأَبْرِدُوا عن الصلاةِ، فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنم" (٢)، فاقتضى ذلك طلبَ مناسبة العلَّةِ للحكم، الذي هو ترك الصلاة حينئذ. الثامنة والستون: قوله: "فَإنَّ حِيْنَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّم" ذكر علَّة الحكم الذي هو المنعُ من الصلاة، وتُطلب مناسبتة، كما تُطلب
следующие страницы →